Ath-Tha'labiAl‑Baqarah · 2:183–193

Ath-Tha'labi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:183–193, continued

وبلغنا [عن يحيى ذبيح الله] أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي؟ فقال: يا يحيى أنّي أحبّ أن أسمع صوتك»

[56] [[كتاب الدعاء للطبراني: 45، والمعجم الأوسط: 8/ 216.]] .

قال بعضهم: إنّ للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الاجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الاجابة ومن أغفلها وأخلّ بها [فهو من أهل ... ] [[كلمات غير مقروءة.]] في الدّعاء.

وحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟ قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.

وقوله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ الآية:

قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر حلّ له الطّعام والشراب والجماع إلى أن يأتي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلّى العشاء الأخيرة أو رقد قبل الصلاة ولم يفطر حرّم عليه الطّعام والشراب ومنع ذلك إلى مثلها في القابل [[راجع الدر المنثور: 1/ 177.]] .

ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) واقع أهله بعد ما صلّى العشاء الأخيرة فلمّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النّبيّ ﷺ‎ فقال: يا رسول الله: إنّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخطيئة إنّي رجعت إلى أهلي بعد أن صلّيت العشاء الاخيرة فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة، فقال النّبيّ ﷺ‎: ما كنت جديرا بهذا يا عمر، فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء الأخيرة، فنزل في عمر وأصحابه أُحِلَّ لَكُمْ أي أطلق وأبيح لكم لَيْلَةَ الصِّيامِ في ليلة الصيام الرَّفَثُ.

قرأ ابن مسعود والأعمش: الرّفوث: إِلى نِسائِكُمْ والرّفث والرفوث كناية عن الجماع قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى حي كريم يكني فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدّخول والرفث فانّما يعني به الجماع.

قال الشّاعر:

فظلنا هنالك في نعمّ ... وكل اللذاذة غير الرّفث

قال القتيبي: الرَّفَثُ هو الإفصاح بما يجب أن يكنّى به من ذكر النكاح وأصله الفحش وقول القبيح. قال العجاج:

ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم [[الصحاح: 1: 283، ولسان العرب: 2/ 154.]] .

وقال الزجاج: الرَّفَثُ كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء.

قال الشاعر:

ويزين من أنس الحديث راويا ... وهنّ من رفث الرجال نفار

هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ قاله أكثر المفسّرين نظيره قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [[سورة النبأ: 10.]] اي سكنا دليله قوله وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [[سورة الأعراف: 189.]] ليسكن إليها.

وقال أصحاب المعاني: اللّباس الشعار الّذي يلي الجهار من الثياب فسمّي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتّى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثوب الّذي يليه.

قال نابغة بني جعدة:

إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنّت وكانت لباسا [[الدر المنثور: 1/ 478.]]

فكنّى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللّباس يدلّ على صحّة هذا التأويل قول الربيع بن أنس في هذه الآية: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ.

وقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وواراه لباس فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّالا يحلّ كما جاء في الخبر: من تزوّج فقد أحرز دينه، وسترا أيضا فيما يكون بينهما من الجماع عن أبصار الناس، يدلّ عليه: قول أبي زيد في قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ قال: للمواقعة.

وقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وازارك، وقال رجل لعمر بن الخطّاب:

الا أبلغ أبا حفص رسولا ... فذى لك من اخي ثقة ازاري [[مجمع البيان: 1/ 502.]]

قال أبو عبيدة: أي نسائي.

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تخونونها وتظلمونها بعد العشاء الآخرة في ليالي الصّوم.

فَتابَ عَلَيْكُمْ فتجاوز عنكم.

وَعَفا عَنْكُمْ محا ذنوبكم.

فَالْآنَ وجه حكم زمانين ماض وآت.

بَاشِرُوهُنَّ جامعوهنّ حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق كلّ واحد منهما ببشرة صاحبه.

وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي افعلوه وقرأه العامّة الصحيحة وابتغوا أيّ اطلبوا يقال:

يبغي الشيء يبغيه بغيه وبغا وابتغاه يبتغيه ابتغاء طلبه. ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قضى الله لكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ.

وقال أكثر المفسرين: يعني الولد.

قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه.

قال ابن زيد: وابتغوا ما أحل الله لكم من الجماع.

قتادة: وابتغوا الرّخصة التي كتبت لكم.

وقال معاذ بن جبل: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني ليلة القدر وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس وأشبه الأقاويل بظاهر الآية قول من تأوله على الولد لأنّه عقيب قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وهو أمر اباحة وندب

كقوله ﷺ‎: «تناكحوا تكثروا فانّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط» [57] [[بتفاوت في كنز العمال: 2/ 55 ح 4724، والمصنف لعبد الرزاق: 6/ 173.]] .

وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم، يدلّ عليه ما

روى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك: إنّ امرأة كانت يقال لها: الحولاء عطارة من أهل المدينة، وحلّت على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين زوجي فلان أتزيّن له كل ليلة وأتطيب كأنّي عروس زفت إليه فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه ألتمس بذلك رضا الله عزّ وجلّ حوّل وجهه عني أراه قد أبغضني، قالت:

أجلسي حتّى يدخل النّبيّ ﷺ‎ قالت: فبينا إنّا كذلك إذ دخل النّبيّ ﷺ‎ فقال: ما هذه الرّيح التي أجدها أتتكم الحولاء أبتعتم منها شيئا؟ فقالت عائشة: لا والله يا رسول الله. فقصّت الحولاء قصتها. فقال لها: اذهبي واسمعي له وأطيعي، فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟

قال: «ما من امرأة رفعت في بيت زوجها شيئا ووضعته مكانا تريد الإصلاح إلّا كتب الله لها حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلّا لها من الأجر مثل القائم الصّائم نهاره الغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطلق إلّا لها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة فإذا افطمت ولدها ناداها مناد من السّماء أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي فيما بقي» [58] .

قالت عائشة: قد أعطى الله النّساء خيرا كثيرا فما بالكم يا معشر الرّجال، فضحك النّبيّ ﷺ‎ ثمّ قال: «ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلّا كساه نور وله حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات وإن قبلها فعشرون، وإن أتاها كان خيرا من الدّنيا وما فيها، فإذا قام يغتسل لم يمرّ الماء على شيء من جسده إلّا يمحى عنه سيئة، ويعطي له [......] [[كلمة غير مقروءة.]] يعطى بغسله خير من الدّنيا وما فيها، وإنّ الله عزّ وجلّ يباهي الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة مرة باردة يغتسل من الجنابة يتيقن بأني ربّه أشهدكم بأني غفرت له» [59] [[لم نجده في المصادر.]] .

كُلُوا وَاشْرَبُوا إلى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.

نزلت في رجل من الأنصار، واختلف في اسمه. فقال معاذ بن جبل: أبو صرمة البراء قيس بن صرمة.

عكرمة والسّدي: ابو قيس بن صرمه.

مقاتل بن حيّان: صرمة بن أياس

الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة بن ملك بن عدي النّجار وذلك إنّه ظل نهاره يعمل في أرض له، وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال: قدّمي الطّعام، وأرادت المرأة أن تطعمه عشاء سخنا، وأخذت تعمل له سخينة، وكان في الصّوم الأول من صلّى العشاء الآخرة أو نام، حرم عليه الطعام والشّراب والجماع، فلما فرغت من طعامه إذا هي به قد نام، وكان متداعيا وكلّ فايقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل، وأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق، أتى رسول الله ﷺ‎ فلما رآه رسول الله قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليقا؟» [60] قال: ظللت أمس في النخيل ونهاري كلّه أجر بالحرير حتّى أمسيت، فأتيت فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت عليّ، فنمت فايقظوني وقد حرّم عليّ الطعام والشراب، فطويت وأمسيت وقد أجهدني الصّوم، فاغتمّ لذلك رسول الله ﷺ‎ فأنزل الله تعالى وَكُلُوا يعني في ليالي الصّوم وَاشْرَبُوا فيها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ أي بياض النّهار وضوءه من سواد الليل وظلمته

، كذا قال المفسرون. قال الشاعر:

الخيط الأبيض وقت الصّبح منصدع ... والخيط الأسود لون الليل مكموع [[الدر المنثور: 1/ 480.]]

وإنّما سمّي بذلك تشبيها بالخيط لابتداء الضوء والظلمة لامتدادهما.

وقال ابو داود:

فلمّا أضاءت لنا غدوة ... ولاح من الصبح خيط أنارا [[مجمع البيان: 1/ 502.]]

وقد ورد النّص عن رسول الله ﷺ‎ في تفسير هذه الآية.

وروى مخالد عن عامر عن عدي بن حاتم قال: علمني رسول الله ﷺ‎ الصّلاة والصّيام قال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس: فكل واشرب حتّى يتبين لك الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وصم ثلاثين يوما إلى أن ترى الهلال قبل ذلك، قال: فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي.

فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ‎، فضحك رسول الله ﷺ‎: حتّى بدت نواجذه وقال: «يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» [61] [[راجع تحفة الأحوذي: 3/ 320، والمعجم للطبراني: 17/ 78.]] .

وروى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم يقول: من الفجر.

كان رجال إذا أرادوا الصوم يضع أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبين لهم فأنزل الله تعالى مِنَ الْفَجْرِ فعلموا إنّما يعني بذلك الليل والنهار.

والفجر انشقاق عمود الصبح وابتداء ضوءه، وهو مصدر من قولك فجرّ الماء يفجر فجرا إذا انبعث وجرى شبّهه شق الضوء بظلمة الفجر، الماء الحوض إذا شقه وخرج منه وهما فجران، أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان ولا ينتشر فذلك لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام على الصائم وهو الفجر الكاذب.

والثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ضوء الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم وهو المعني بهذه الآية.

عن سمرة بن جندب قال: قال النبيّ ﷺ‎ «لا يمنعكم من السحور آذان بلال ولا الصبح المستطيل ولكن الصبح المستطير في الأفق» [62] [[المصنف لابن أبي شيبة: 2/ 427.]] .

ثمّ ذكر وقت الإفطار فقال ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.

قال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبيّ ﷺ‎ في مسيرة وهو صائم فلمّا غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: يا رسول الله أمسيت؟ فقال: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: لو أمسيت، فقال: انزل فاجرح لي، قال: يا رسول الله ان علينا نهارا فقال له الثالثة فنزل فجرح له. ثمّ قال رسول الله ﷺ‎: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم» [63] [[مسند أحمد: 1/ 48- 54.]] .

وفي بعض الألفاظ: أكل أو لم تأكل.

وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، كان مجاهد يقرأ في المسجد، وأصل العكوف والاعتكاف الثبات والاقامة.

فقال: عكفت بالمكان إذا عكفت، قال الله عزّ وجلّ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [[سورة الأعراف: 138.]] أيّ يقيمون.

قال الفرزدق يصف القدور:

يرى حولهن معتفين كأنهم ... على صنم في الجالية عكف

وقال الطرماح:

فبات بنات الليل حولي عكّفا ... عكوف البواكي بينهن صريع [[تفسير الطبري: 2/ 245.]]

وقال آخر: تصدّى لها والدجى قد عكف خيال هداه إليه الشغف، والاعتكاف هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى.

واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهي المعتكف عنها.

فقال قوم: هي المجامعة خاصة معناه لا تجامعوهن ما دمتم معتكفين في المساجد، فإن الجماع يفسد الاعتكاف وبه قال ابن عبّاس وعطاء والضحاك والربيع.

وقال قتادة ومقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ‎ كانوا يعتكفون في المسجد وإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد فنهوا أن يجامعوا ليلا ونهارا حتّى يفرغوا من اعتكافهم.

وقال أبو زيد: المباشرة الجماع وغير الجماع من اللمس والقبلة وانواع التلذذ، والجماع مفسد للاعتكاف بالإجماع، والمباشرة غير الجماع، فهو على ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء وقال مالك بن أنس: يفسده.

قال ابن جريج: قلت لعطاء المباشرة هو الجماع؟ قال: الجماع نفسه، قلت له: فالقبلة في المسجد والمسّة؟

قال: أما الذي حرّم فالجماع وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد [[المصدر السابق: 2/ 247.]] .

والضرب الثاني: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مباح كما

جاء في الخبر عن عائشة رضي الله عنها، إن رسول الله ﷺ‎ كان يخرج إليها رأسه من المسجد فترجّله وهو معتكف.

فرقد السجني

عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إن رسول الله ﷺ‎ قال في المعتكف:

«هو معتكف [[في المصادر: يعكف.]] الذنوب وتجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» [64] [[المغني لابن قدامة: 3/ 118، وسنن ابن ماجة: 1/ 567 ح 1781.]] .

عن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من اعتكف عشرا في رمضان كان بحجتين وعمرتين» [65] [[الجامع الصغير: 2: 575 ح 8479، وكنز العمال: 8/ 530 ح 34006.]] .

تِلْكَ الأحكام التي ذكرنا في الصيام والاعتكاف حُدُودُ اللَّهِ.

قال السّدي: شروط الله.

شهر بن حوشب: فرائض الله.

الضحاك: معصية الله.

المفضل بن سلمة: الحد الموقف الذي يقف الإنسان عليه ويصف له حتّى يميّز من سائر الموصوفات والحد فصل بين الشيئين، والحد منتهى الشيء.

وقال الخليل: الحد الجامع المانع.

قال الزجاج: بحدود ما منع الله تعالى من مخالفتها.

قلت: وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه قيل للبواب حداد.

قال الأعشى:

فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها [[راجع زاد المسير: 1/ 176، والجونة: الخابية المطلية بالقار، والمراد ما فيها من الخمر.]]

يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها.

قال النابغة: إلّا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند [[لسان العرب: 3/ 142، وفيه: الإله، بدل المليك.]] ، ومنه حدود الأرض، والدار هي ما منع غيره أن يدخل فيها، وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع من الأحداء، ويقال أحدّت المرأة على زوجها وحدّت إذا منعت نفسها من الزينة، فحدّد الله هي ما منع فيها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها.

فَلا تَقْرَبُوها فلا تأتوها، يقال: قربت الشيء أقربه وقربت منه بضم الراء إذا دنوت منه.

كَذلِكَ هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوها فنجّوا من السخطة والعذاب.

2:188–189Page 29

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ الآية.

قال ابن حيان وابن السائب: نزلت هذه في امرؤ القيس بن عابس الكندي وفي عبدان بن أشرح الحضرمي، وذلك إنهما اختصما إلى النبيّ ﷺ‎ في أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ فقرأها النبيّ ﷺ‎ فأبى أن يحلف وحكم عبدان في أرضه ولا يخاصمه.

فقرأها النبيّ ﷺ‎ وكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب فأنزل الله عزّ وجلّ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ الآية أيّ لا يأكل بعضكم مال بعض، (بِالْباطِلِ) أي من غير الوجه الذي أباحه الله تعالى له

، وأصل الباطل الشيء الذاهب الزائل يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا إذا ذهب.

وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ أي تلقون أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام، وأصل الأدلاء إرسال الدلو وإلقاءه في البئر، يقال أدلى دلوه إذا أرسلها.

قال الله تعالى فَأَدْلى دَلْوَهُ [[سورة يوسف: 19.]] ودلاها إذا أخرجها ثمّ جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء، ومنه قيل للمحتج بدعواه: أدلى بحجته إذا كانت سببا له يتعلق به في خصومته كتعلق المسقي بدلو قد أرسلها هو سبب وصوله إلى الماء، ويقال: أدلى فلان إلى فلان إذا تناول منه وأنشد يعقوب:

فقد جعلت إذا حاجة عرضت ... بباب دارك أدلوها أيا قوم

ومنه يقال أيضا: دلا ركابه يدلوها إذا ساقها سوقا رفقا قال الراجز:

يا ذا الذي يدلوا المطيّ دلوا ... ويمنع العين الرقادا المرا

واختلف النحاة في محل قوله وَتُدْلُوا.

فقال بعضهم: جزم بتكرير حرف النهي المعني ولا تأكلوا ولا تدلوا وكذلك هي في حرف أبي بإثبات لا.

وقيل: وهو نصب على الصرف.

كقول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم

وقيل: نصب بإضمارين الخفيّفة.

قال الأخفش: نصب على الجواب بالواو.

لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ بالباطل.

وقال المفضل: أصل الإثم التقصير في الأمر.

قال الأعشى:

جمالية تعتلي بالرّداف ... إذا كذب الأثمان الهجيرا

أي المقصرات يصف [ناقته] [[كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.]] ثمّ جعل التقصير في أمر الله عزّ وجلّ والذنب إثما.

وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إنكم مبطلون.

قال ابن عبّاس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس له فيه بينة فيجحد ويخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف ان الحق عليه ويعلم إنه آثم أكل حرام.

قال مجاهد: في هذه الآية لا يخاصم وليست ظالم.

الحسن: هو أن يكون على الرجل لصاحبه حق فإذا طالبه به دعاه إلى الحكام فيحلف له ويذهب بحقه.

الكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور.

قتادة: لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم إنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حرامه ومن قضى له بالباطل فإن خصومته لم ينقض حتّى يجمع الله عزّ وجلّ يوم القيامة بينه وبين خصيمه فيقضي بينهما بالحق.

وقال شريح: إني لأقضي لك، وإني لأظنك ظالما، ولكن لا يسعني إلّا أن أقضي بما يحضرني من البيّنة، وإن قضائي لا يحل لك حراما.

محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «إِنَّما أَنَا بَشَرٌ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» [66] [[مسند أحمد: 2/ 332، وسنن ابن ماجة: 2/ 777.]] .

يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ

نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة الأنصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدوا دقيقا مثل الخيط ثمّ يزيد حتّى يمتلئ ويستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ لا يكون على حالة واحدة فأنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ يا محمّد عَنِ الْأَهِلَّةِ

وهي جمع هلال مثل رداء وأردية واشتقاق الهلال من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد.

وأهل القوم بالحج والعمرة إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية.

قال الشاعر:

يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر

فسمّي هلالا لأنه حين يري يهل الناس بذكر الله ويذكره.

قُلْ هِيَ مَواقِيتُ وهو الزمان المحدود للشيء لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، اعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حجتهم وعمرتهم وحلّ ديونهم ووعد حلفائهم وأجور أجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والإفطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة.

وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها

قال المفسّرون: كان الناس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب ولا يخرج منه حتّى يحل من إحرامه، ويرون ذلك برا إلّا أن يكون من الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية، سمّوا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة والشدة والصلابة قالوا: فدخل رسول الله ﷺ‎ ذات يوم بيتا لبعض الأنصار فدخل من الأنصار رجل يقال له زعامة بن أيوب، وقال الكلبي: قطبة بن عامر بن حذيفة أحد بني سلمة فدخل على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول الله ﷺ‎: لم دخلت من الباب وأنت محرّم؟

قال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك، فقال رسول الله: إليّ أحمس، قال الرجل: إن كنت أحمس: فإنّ أحمس ديننا واحد، رضيت بهديك وهمتك ودينك، فأنزل الله هذه الآية [[تفسير الطبري: 2/ 255، والدر المنثور: 1/ 204.]] .

الزهري: كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء ويتحرجون من ذلك وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدوا له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ثمّ يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فيخرج إليه من بيته، حتّى بلغنا أن رسول الله ﷺ‎ أهلّ زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة ودخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبيّ ﷺ‎: لم فعلت ذلك؟

قال: لأني رأيتك دخلت، فقال: لأني أحمس. [قال الزهري:] وكانت الحمس لا يبالون بذلك.

فقال الأنصاري: وأنا أحمس. يقول: وأنا على دينك فأنزل الله تعالى وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [[تفسير الطبري: 2/ 256.]] .

قرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ونافع برواية تَأْتُوا الْبِيُوتَ بكسر الباء في جميع القرآن لمكان الياء.

وقرأ الباقون: بالضم على الأصل.

وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى أي برّ من اتقى كقوله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وقد مرّ ذكره وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها في حال الإحرام وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

2:190–193Page 29

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ دين الله وطاعته الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ.

قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه أوّل آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله ﷺ‎ يقاتل من يقاتله ويكف عمن كفّ عنه حتّى نزلت: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فنسخت هذه الآية وَلا تَعْتَدُوا أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقي إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم

وهو قول ابن عبّاس ومجاهد.

وقال يحيى بن عامر: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. فكتب إليّ: إن ذلك في النساء والذرية والرهبان ومن لم ينصب الحرب منهم.

وقال الحسن: لا يعتدوا أي لا تأتوا ما نهيتم عنه.

وقال بعضهم: الاعتداء ترك قتالهم.

علقمة بن مرثد عن سليمان بن يزيد عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ‎ إذا بعث أمرا على سرية أو جيش أوصى في خاصة نفسه بتقوى الله وممن معه من المسلمين خيرا وقال: «اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا»

[67] [[السنن الكبرى: 5/ 172، وصحيح ابن حبان: 11/ 42.]] .

وعن عطاء بن أبي رباح قال: لما استعمل أبو بكر يزيد بن أبي سفيان على الشام خرج معه يشيعه أبو بكر ماشيا وهو راكب فقال له يزيد: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: ما أنت بنازل ولا أنا براكب إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، إني أوصّيك وصية إن أنت حفظتها ستمر على قوم قد حبسوا أنفسهم في الصوامع زعموا لله فزعهم وما حبسوا له أنفسهم، وستمر على قوم قد فحصوا عن أوساط رؤسهم وتركوا من شعورهم أمثال العصائب، فاضرب ما فحصوا منه بالسيف.

ثمّ قال: «لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا فانيا ولا تعقروا شجرا مثمرا ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوه ولا تذبحوا بقرة ولا شاة إلّا لمأكل ولا تخربوا عامرا» [68] [[السنن الكبرى للبيهقي: 9/ 90 بتقديم وتأخير.]] .

الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية وذلك أن رسول الله ﷺ‎ لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتّى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية ثمّ صالحه المشركون على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلي له بكل عام قابل ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فصالحهم رسول الله ثمّ رجع من فوره ذلك إلى المدينة فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله ﷺ‎ وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا يفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره رسول الله ﷺ‎ وأصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ محرمين الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعني قريشا وَلا تَعْتَدُوا ولا تظلموا فتبدؤا في الحرم بالقتال محرمين.

إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

ثمّ قال وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وجدتموهم وأصل يثقف بحذف والبصر بالأمر، يقال: رجل ثقف لقف إذا كان حاذقا في الحرب بصيرا بمواضعها جيد الحذر فيه، فمعنى الآية: واقتلوهم حيث أبصرتم مقابلتهم وتمكنتم من قتلهم.

وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ يعني مكّة وَالْفِتْنَةُ يعني الشرك أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ يعني وشركهم بالله عزّ وجلّ أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحرم الإحرام، قاله عامّة المفسّرين.

وقال الكسائي: الفتنة هاهنا العذاب وكانوا يعذبون من أسلم.

وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.

قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ويحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي:

يَقْتُلُوكُمْ بغير ألف من القتل على معنى لا تقتلوا بعضهم.

تقول العرب: قتلنا بني فلان وإنّما قتلوا بعضهم، لفظه عام ومعناه خاص.

وقرأ الباقون: كلها بالألف من القتال، واختلفوا في حكم هذه الآيات.

فقال قوم: هي منسوخة ونهوا عن الابتداء بالقتال، ثمّ نسخ ذلك بقوله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ هذا قول قتادة والربيع.

مقاتل بن حيان: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي حيث أدركتم في الحل والحرم، لما نزلت هذه الآية نسخها قوله وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ثمّ نسختها آية السيف في [براءة] فهي ناسخة ومنسوخة.

وقال آخرون: هذه الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين.

كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال والكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما سلف رَحِيمٌ بعباده، نظيرها في الأنفال وَقاتِلُوهُمْ يعني المشركين حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ شرك يعني قاتلوهم حتّى يسلموا فليس يقبل من المشرك الوثني جزية ولا يرضى منه إلّا بالإسلام وليسوا كأهل الكتاب بالذين يؤخذ منهم الجزية والحكمة فيه على ما قال المفضل بن سلمة إن مع أهل الكتاب كتبا منزلة فيها الحقّ وإن كانوا قد حرفوها فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل [وأهواء] صغارهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم ويتدبرونها فيقفوا على الحق منها ويمنعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب ولم يكن لأهل الأوثان من يرشدهم إلى الحقّ وكان إمهالهم زائدا في اشراكهم فإنّ الله تعالى لن يرضى منهم إلّا بالإسلام أو القتل عليه.

وَيَكُونَ الدِّينُ الإسلام لِلَّهِ وحده فلا يعبد دونه شيء،

قال المقداد بن الأسود:

سمعت رسول الله ﷺ‎ يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت [معد] ولا وبر إلّا أدخله الله عزّ وجلّ كلمة الإسلام، إما يعزّ عزيز أو يذل ذليل، إما أن يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به، وإما أن يذلهم فيدينون لها» [69] [[مسند أحمد: 6/ 4، وكنز العمال: 1/ 98 ح 437.]] .

فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر والقتال فَلا عُدْوانَ فلا سبيل ولا حجة إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.

قال ابن عباس: يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ [[سورة القصص: 28.]] أي فلا سبيل عليّ وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، دليله قوله تعالى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [[سورة المائدة: 2.]] ولم يرد الله تعالى بهذا أمرا بالظلم أو إباحة له وإنما حمله على اللفظ الأوّل على ظهر [المجادلة] فسمى الجزاء على الفعل فعلا كقوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [[سورة الشورى: 40.]] وقوله فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [[سورة البقرة: 194.]] .

وقال عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

قتادة وعكرمة: في هذه الآية، الظالم الذي يأبى أن يقول لا إله إلّا الله، وإنّما سمي الكافر ظالما، لوضعه العبادة في غير موضعها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском