Ibn 'UthayminAl‑Fatihah · 1:1–7

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

الفاتحة

Al-Fatihah

The Opener · Meccan · 7 ayahs

1:1–7Page 1

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١

In the name of Allāh,1 the Entirely Merciful, the Especially Merciful.2

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢

[All] praise is [due] to Allāh, Lord1 of the worlds -

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤

Sovereign of the Day of Recompense.1

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥

It is You we worship and You we ask for help.

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦

Guide us to the straight path -

صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧

The path of those upon whom You have bestowed favor, not of those who have earned [Your] anger or of those who are astray.

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠، ٧١].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء ١].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧٠، ٧١].

أما بعد أيها الإخوة، فلقد تكرمتم علينا بالمشاركة لكم في مثل هذه الأمسية لأجل اللقاء بكم، وإننا لنحمد الله عز وجل أن جعل في هذا البلد وفي غيره من بلاد هذه المملكة، بل وفي غيرها من بلاد الإسلام، جعل فيهم في هذا العهد القريب صحوة إسلامية شبابية، والشباب هم رجال المستقبل؛ هذه الصحوة- ولله الحمد- لا نشك في أن وجهتها وهدفها الوصول إلى تطبيق كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ﷺ تطبيقًا مترجمًا بعقيدة القلوب وأقوال الألسن وأعمال الجوارح، هذا الهدف الأسمى الذي سادت به هذه الأمة في صدرها جميع أمم العالم، هذا الهدف الذي أرسل الله من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب؛ فإن الله عز وجل يقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، وبين الله عز وجل في آيتين من القرآن الكريم أن الله أرسل محمدًا ﷺ ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة ٣٣]، أتدرون ما الهدى؟ وما دين الحق؟

إن الهدى هو العلم النافع؛ لأن العلم النافع يهتدي به الإنسان في ظلمات الجهل، وأما دين الحق فإنه العمل الصالح، العمل الصالح الموافق لمرضات الله عز وجل؛ لأن الدين يُطلق على العمل، ويطلق على الجزاء على العمل؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، الدين هنا هو العمل الذي يعمله الإنسان ليُدان به، وأما الدين في قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] الدين في هذه الآيات يُراد به الجزاء على الأعمال، ومن الحكم المشهورة «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» »[[أخرجه معمر في الجامع (٢٠٢٦٢) من حديث أبي قلابة مرفوعًا رضي الله عنه.]].

أيها الإخوة، إنني أحمد الله وأشكره أن جعل في بلادنا هذه وفي بلاد عامة المسلمين تلك الصحوة الشبابية التي هدفها الوصول إلى تطبيق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في العقيدة وفي القول وفي العمل، وإنه يجب على العلماء أمام تلك العزمة من أولئك الشباب، يجب على العلماء الذين وفقهم الله عز وجل وهداهم بما بنوا عليه علمهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، يجب على العلماء أمام هذه الصحوة وأمام تلك العزيمة أن يكونوا قادة لهؤلاء الشباب يقودونهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم وإلى اتباع الحكمة، والحكمة هي العلم والصواب، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرًا.

إن العلم وحده بدون العمل لا يجدي شيئًا، وإن العلم وحده بدون الحكمة قد يكون الإنسان فيه إما متجاوزًا لحده في تقصير أو زيادة.

أيها الإخوة، وإن من نِعمة الله علينا في هذه البلاد أن يسّر الله لنا الوصول إلى ما نريده في أي مكان من ربوع هذه البلاد لسهولة المواصلات ولله الحمد، فينبغي بل يجب على أهل العلم أن يكونوا دائمًا مع هؤلاء الشباب حتى يكون في مسيرهم أو حتى يجتمع في مسيرهم حكمة الشيوخ ونشاط الشباب وقوتهم وعزمهم، ولقد كانت هذه المحاضرة، وأنا لا أعتقدها محاضرة، ولكني أسميها مقابَلة، حتى لا تُحسب عليَّ ولا عليكم، إنها مقابلة أريد أن أتكلم فيها على شيء عام ولم يكن في ذهني شيء إلا أنني أردت الآن أن أتكلم عن هذه الصلوات التي نصليها كل يوم، فرْضًا ونفلًا في المساجد وفي البيوت، لا أريد أن أتكلم عن حكمها فالحكم فيها بيِّن، وهي أحد أركان الإسلام العظيمة بل هي الركن العملي الوحيد الذي يكون تاركه كافرًا بالله تعالى كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأن أركان الإسلام هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فالأركان الثلاثة الأخيرة: إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت اختلف العلماء -رحمهم الله- في حكم تاركها لا جحدًا لوجوبها ولكن تهاونًا بها، ولكن القول الراجح: أن تاركها لا يكفر، وأما الصلاة فإن الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما حُكي من إجماع الصحابة رضي الله عنهم يدل على أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وإن كان مُقرًّا بوجوبها، ولكني أريد أن أتكلم عن هذه الصلاة ماذا يُقال فيها؟ وماذا يُفعل فيها؟ وما الهدف منه؟ وكيف كانت صلةً بين الإنسان وبين ربه؟ ولماذا اعتنى الشارع فيها هذه العناية العظيمة؟

ذلك لأن الله -عز وجل- فرض على محمد ﷺ رسول الله فرض عليه هذه الصلاة من الله تعالى إلى رسوله ﷺ من غير واسطة، وفي أي مكان فرضها عليه؟ هل فرضها عليه ومحمد في الأرض؟

لا، فرضها عليه ومحمد ﷺ فوق السماوات السبع، وفي أي زمن فرضها عليه؟

فرضها عليه في أفضل ليلة كانت لرسول الله ﷺ؛ وهي ليلة المعراج، وكم فرضها عليه؟ ما هو العدد الذي فرضه الله على رسوله محمد ﷺ؟ فرض عليه أن يصلي في اليوم والليلة خمسين صلاة، من هذه الأمور الثلاثة: شرف المكان، وشرف الزمان، وكثرة العدد نأخذ منها أهمية الصلاة ومحبة الله عز وجل لها، ولكن من نعمة الله على هذه الأمة أن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما نزل النبي ﷺ من عند الله والتقى بموسى وهو في السماء السادسة «قال له: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «فَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». قَالَ لَهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ؛ فَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَالَجْتُهُمْ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَمَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَاجِعُ رَبَّهُ حَتَّى جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَمْسًا بِالْفِعْلِ وَخَمْسِينَ فِي الْمِيزَانِ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤ / ٢٦٤) من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه.]]. وليس هذا من باب جزاء الحسنة بعشر أمثالها؛ لأن كل العمل الصالح الحسنة بعشر أمثالها، ولكن هذه الخمس كأننا صلينا خمسين صلاة، ولكل صلاة عشر حسنات، اضرب خمسين في عشرة كم تبلغ؟ خمسين في عشرة بكم؟ خمس مئة حسنة في هذه الصلوات الخمس، والله يضاعف لمن يشاء.

إذن لا بد أن نعرف ما هي الحكمة في عناية الله عز وجل في هذه الصلاة، لننظر هذه الصلوات الخمس موقّتة بأوقات أفقية على مدار الشمس فعند إقبال الشمس على الأرض تكون صلاة الفجر؛ لأن هذا تغير عظيم أفقي ليس بالهين، مَن الذي يستطيع من الخلق أن يأتي بهذه الشمس لتنير للعالم؟ لا أحد.

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾. لا إله إلا الله، لا أحد يأتي بضياء إلا الله عز وجل ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١].

ثم بعد ذلك يأتي وقت زوال الشمس وهو انحرافها من الجهة الشرقية إلى الجهة الغربية من الأفق، ومن الذي يستطيع أن يزحزح هذه الشمس العظيمة من شرق السماء إلى غربه؟ قل لي بالله عليك مَنْ؟ قولوا: لا إله إلا الله.

* الطلبة: لا إله إلا الله.

* الشيخ: لا أحد يستطيع أن ينقل هذه الشمس من شرق السماء إلى غربه إلا خالقها عز وجل، رب العالمين الذي يقول للشيء: كن، فيكون، وعند هذا التحول من شرق السماء إلى غربه تكون صلاة الظهر، ثم بعد ذلك تأتي صلاة العصر، إلى أن تصفرّ الشمس وتقرب من الغروب والضرورة إلى غروب الشمس، ثم بعد مغيب الشمس يتغير الجو، وما أعظم الأرض لو شاهدتها وأنت في الطائرة وقد غابت الشمس عن الأرض، والله إنك لتعرف الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس ٤]، إذا يغطيها.

أنا مرة قمت من المطار من القصيم قبل غروب الشمس بدقائق، وأقلعت الطائرة وغابت الشمس على أهل الأرض، ولكننا في السماء نشاهد الشمس، لكن سبحان الله الليل على الأرض كأنه ثوب أسود قد غطيت به الأرض، سبحان الله العظيم! وهذا يتبين لك عظمة قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، عند هذا التغير العظيم فرض الله علينا صلاة وهي صلاة المغرب، ثم عند مغيب الشفق هناك تغيُّر أيضًا، فإن الشفق الأحمر بقية شعاع الشمس، تكون صلاة العشاء إلى متى؟ إلى نصف الليل، وبعد نصف الليل ينتهي وقت العشاء، ولا يبقى وقت للصلوات المفروضة، لكنه وقت لصلاة التطوع، كما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩ / ١٨٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]].

عند منتصف الليل ليس هناك وقت للفريضة، لكنه وقت للتطوع، ثم يدور فيأتي وقت الفجر عند تغيُّر الأفق وعند تهيئه لاستقبال الشمس، فبهذا نعرف حكمة الله عز وجل في فرض الصلاة في هذه الأوقات، ثم إن الصلاة يتقدمها -أيها الإخوة- التطهير؛ تطهير للقلب وتطهير للبدن، بماذا يكون تطهير البدن؟ بماذا؟ بالوضوء من الحدث الأصغر والغُسل من الحدث الأكبر، وتطهير البدن من النجاسات، وتطهير الثياب وتطهير البقعة، كل هذا تعظيمًا لشأنها، فما هو التطهير القلبي أو المعنوي الذي يتقدم هذه الصلاة؟

أولًا: التطهير البدني استمِع إليه في قول الله تعالى حين ذكر آية الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة ٦].

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ؛ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيَّتِهَا شَاءَ» »[[أخرجه الترمذي (٥٥) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]].

ما نوع هذا التطهير بالشهادتين العظيمتين؟ تطهير قلبي ولَّا لا؟ تطهير قلبي، فاجتمع في مقدمة هذه الصلوات التطهير البدني والتطهير القلبي، حتى يدخل الإنسان في صلاته ويقف بين يدي ربه وهو طاهر القلب طاهر البدن طاهر المكان، ماذا يدل عليه هذه العناية؟ على أهمية هذه الصلاة، ثم عند الإقبال على الله عز وجل والوقوف بين يديه تقول: الله أكبر، أكبر من كل شيء عظمة وكبرياءً جل وعلا، لا أحد أكبر من الله تعالى عظمة وكبرياءً، فهو أكبر من كل شيء، وسبحان الله العظيم ما أعظم حكمة الله! لماذا اختير التكبير هنا على التسبيح؟ لأن التكبير يدل على علو الشأن والارتفاع، ولهذا كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنهم «إذا علوا مرتفعًا وهم سائرون في السفر إِذَا عَلَوْا مُرْتَفِعًا يَقُولُونََ: اللَّهُ أَكْبَرُ، يُكَبِّرُونَ »[[أخرجه البخاري (٢٩٩٤) من حديث جابر بن عبد الله ولفظه: كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. ]]، ما أدري أنت إذا ركبت الطائرة وأقلَّتك من الأرض تُكبر؟ سؤال لمن ركب الطائرة، إذا ركبت الطائرة واستقلت ارتفعت عن الأرض هل تكبر؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: على كل حال، من لم يكبر فليعلم أن هذا موضع تكبير؛ لأنك ارتفعت، وإذا نزلوا واديًا ماذا يصنعون؟ يُسبِّحون، إذا نزلت منهبطًا تقول: سبحان الله؛ لأن الإنسان إذا اعتلى قد يتعاظم في نفسه ويظن العلو فيقول: الله أكبر؛ حتى يحد من علوائه وغلوائه، لكن إذا نزل سَفُل فيقول: سبحان الله؛ أي تنزيها لله عز وجل عن السفول؛ فالسفول من صفة الآدمي بل من صفة المخلوق عامة، لكن العلو لله عز وجل فتقول: سبحان الله عند النزول تنزيهًا لله عز وجل عما أنت عليه الآن من السفول.

أقول: إن اختيار التكبير عند ابتداء الصلاة مناسب تمامًا لهذه الحكمة، ثم تستفتح الصلاة، وقد سأل أبو هريرة النبي ﷺ، وكان أبو هريرة من أحرص الناس على العلم؛ قال للنبي ﷺ يومًا: «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ » شوف السؤال لأيش سأل؟ علشان يعلم من هو أسعد الناس؛ ليكون ذلك مستقِرًّا في ذهنه أو لأجل أن يعمل بما أرشد إليه الرسول؟ للأمرين جميعًا حتى يعرف من أسعد الناس بشفاعته فيقوم بالعمل بذلك، قال: «لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْهَا غَيْرُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لِمَا أَرَى مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ؛ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» »[[أخرجه البخاري (٩٩).]].

أبو هريرة رضي الله عنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يكبر للصلاة ويسكت، فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤)، ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧). ]].

تستفتحون بهذا؟

السؤال للعموم، تستفتحون بهذا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: أكثر الناس لا يستفتح إلا بقوله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ »[[أخرجه مسلم (٣٩٩ / ٥٢). ]] ونِعم الاستفتاح هو، لكن يجب أن نعرف السنة حتى نعمل بكلتا السنتين، «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ». أعيدها للمرة الثالثة لأشوف من غيبها منكم.

«اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» »، ثلاث مرات قلتها، من منكم يعيدها عليَّ؟ تفضل لو تقف يسمعون الناس.

* طالب: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ».

* الشيخ: أحسنت، طيب « بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ» » هذا قبل مباشرة الخطايا، اجعلها بعيدة عني حتى لا أباشرها بعد المباشرة نقّني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اجعلني نقيًّا منها، لماذا اختار الرسول ﷺ الثوب الأبيض؟ لماذا؟ لأن أدنى وَسَخ في الثوب الأبيض يظهر فيه، لكن الأسود أو الأحمر لا يظهر فيه أثر الوسخ إلا إذا كان وسخ ثقيل جدًّا. «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» » قد تقول: الماء الحار أبلغ في التنظيف، صح ولَّا لا؟ الماء الحار أبلغ في التنظيف ولَّا لا؟ عندما نغسل الثوب بالصابون نجيب ماء بارد ثلج ولّا نسخن الماء ونغسل؟

* طالب: التسخين.

* الشيخ: التسخين، فلماذا قال: «بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ واَلْبَرَدِ؟» ». قال العلماء: لأنه يقول: «اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» »، ما هو من أوساخ حسية، والخطايا عقوبتها النار، فناسب أن يكون ما يزيل هذه الخطايا حارًّا ولَّا باردًا؟

* الطلبة: بارد.

* الشيخ: باردًا، باردًا هذه هي الحكمة.

وإن شئت فقل: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكُ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ». هذا صحيح؛ الأول حديث أبي هريرة أصح سندًا من هذا، لكن هذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستفتح به جهرًا ليعلمه الناس، فهل أجمع بينهما؟

لا، إن جمعت بينهما خالفت السنة، لكن تقول هذا مرة وهذا مرة، أحيانًا هذا وأحيانًا هذا لتعمل بالسنتين جميعًا، بعد هذا، بعد الاستفتاح -وعرفنا معنى الاستفتاح- «وجهت وجهي»[[أخرجه مسلم (٧٧1 / ٢01). ]]، هذا غالبًا في صلاة الليل، عرفنا الآن معنى الاستفتاح؛ أن الرسول ﷺ يقرؤه قبل قراءة الفاتحة بين التكبير وبين القراءة.

ثم إننا عند التكبير: ماذا نصنع بالعمل؟ هل هناك فعل يقارن التكبير ولَّا لا؟ هل هناك فعل يقارن التكبير أوْ لا؟

الجواب: نعم، هناك فعل يقارن التكبير، ما هو؟ أن ترفع يديك مضمومة الأصابع هكذا مبسوطة إلى حذو منكبيك، أو إلى فروع أذنيك، هكذا، لكن لا تمسح أذنيك بهما، بعض الناس نشوفه يرفع إيديه يقول كذا، هذا ما له أصل، ارفعها هكذا وكبِّر، وقد وردت أحاديث بعضها يدل على أن ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وبعضها يدل على أن التكبير بعد الرفع، وبعضها يدل على الرفع بعد التكبير، والأمر في هذا واسع، لكن الحكمة من رفع اليدين هكذا ما هي؟

قال العلماء: إشارة إلى تعظيم الرب عز وجل، وإلى رفع الحجاب بينك وبينه حتى تستحضر بأنك واقف بين يديه تناجيه، تناجي ربك مناجاة المخاطِب للمخاطَب، واستمع ما ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث أبي هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه تبارك وتعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» »[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨).]] «قسمت الصلاة» ويش الصلاة؟ الصلاة كلها، الصلاة: الفاتحة، وأطلق الله عليها اسم الصلاة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها، ولهذا قال الله عز وجل ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء ٧٨] يعني وأقم قرآن الفجر، والحكمة في أنه يقول في الصلوات الأربع ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وفي الفجر يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾؛ لأن قرآن الفجر مشهود ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾؛ ولأنها تُطوَّل فيها القراءة، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه عنه نبيه محمد ﷺ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: » ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» ». قال مَن؟ المصلي، من الذي يجيبه؟ الرب عز وجل فوق عرشه فوق سماواته يسمعه ولو كان خافتًا ويقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي» » طيب المصلون قد يكونون ألف واحد في المسجد، واحد يقول: الحمد لله رب العالمين، والثاني يستفتح الآن ما بعد كمل، وواحد يقرأ آخر الفاتحة قد انتهى أو قرب من الانتهاء، كيف هذا؟ نقول: إن الله عز وجل وسع كل شيء رحمة وعلمًا، كل واحد لهم آلاف مؤلفة، ولو اختلفت أقوالهم، كل يجيبه «إذا قال: الحمد لله رب العالمين، يقول: حمدني عبدي»، سبحان الله العظيم! ما أوسع عظمة الرب عز وجل! يقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ » ». الآن زاد في الوصف، وصف الله عز وجل بأنه ذو رحمة واسعة بالغة تبلغ المرحوم، ففي قوله: (الرحمن) إشارة إلى سعة الرحمة، وفي قوله: (الرحيم) إشارة إلى بلوغها لمن رُحِم ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، إذا قالها الإنسان أجابه جل وعلا بقوله: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» » «أثنى عليَّ» ويش معنى أثنى؟ يعني أعاد الحمد مرة ثانية؛ لأنه مأخوذ من الثني وهو الرجوع؛ يعني رجع مرة ثانية ليحمدني، «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ » » ماذا يقول الرب جل وعلا؟ يقول: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» » يعني وصفني بالمجد وهو العظمة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ،﴾ «فَإِذَا قَالَ: » ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «قال الله: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» » أيش اللي بينه وبين عبده؟ ﴿إِيَّاكَ نَعْبَدُ﴾ لله، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لمن؟ للمخلوق، تستعين به على أمورك كلها؛ على العبادة، وعلى الأكل والشرب والنوم والخروج والذهاب وعلى كل شيء فهي لك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال الله: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» » ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ كم قرأنا من آية؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كم دول؟ كم دول يا جماعة؟ كم؟

* الطلبة: أربعة.

* الشيخ: كم؟ أربعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ خمس ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ست ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ كم دول؟

* الطلبة: سبعة.

* الشيخ: سبع تمام، سورة الفاتحة سبع آيات ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧] فسر النبي عليه الصلاة والسلام السبع المثاني بأنها الفاتحة[[أخرجه البخاري (٤٤٧٤) من حديث أبي سعيد بن المعلى ولفظه: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الذِّي أُوتِيتُهُ». ]]، وهي سبع آيات، ولكن قد يكون في أيدي بعضكم مصحف فتراجعه فإذا قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إذا هي آية واحدة، فإذا جعلناها آية واحدة وقد ابتدأنا بالحمد كم تكون آياتها؟ تكون آياتها ستًّا وهذا مشكل.

والجواب على ذلك أن العدد الذي في المصاحف المطبوعة الآن مبني على أن البسملة من الفاتحة، ولهذا مكتوب في البسملة رقم واحد، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ رقم اثنين، ولكن الصواب -بلا شك- أن البسملة ليست من الفاتحة، وأنها آية تُبتدأ بها السور إلا سورة براءة؛ والدليل على ذلك هذا الحديث حديث أبي هريرة، وهو ثابت في الصحيح «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ » » ولم يقل: فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم. إذن ما أول الفاتحة؟ مش أول آية فيها، أولها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيضًا «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» » نجد أن الآية التي بين الله وبين عبده نصفين هي الآية التي تنصف الفاتحة تمامًا؛ لأن قبلها ثلاث آيات، وبعدها ثلاث آيات فتكون نصف الفاتحة، ويكون هذه الآية التي هي النصف أولها لله وآخرها للعبد، وأيضًا لو كان ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لو كانت آيتين لكانت آية طويلة بالنسبة للآيات السابقة، لكن إذا قسمت الآية الأخيرة هذه نصفين ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ صارت الآيات الآن متناسبة في الطول؛ فالدلالة اللفظية والمعنوية والأثرية كلها تدل على أن أول الفاتحة ما هو؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأن البسملة ليست منها، ولهذا كان الصواب أن الإنسان إذا قرأها -أي قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية- يجهر بالفاتحة، إن غلطت فردوا عليَّ، ولهذا كان الصواب أن الإنسان إذا قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية فإنه يجهر بالبسملة، صح ولَّا لا؟

* طالب: لا لا يا شيخ.

* الشيخ: يا إخواني، قلنا: البسملة ليست من الفاتحة. إذا كانت البسملة ليست من الفاتحة هل يجهر فيها؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا، ما يُجهر فيها، كما أننا لا نجهر بالاستفتاح لأنه خارج عن الفاتحة، فلا نجهر بالبسملة أيضًا، هذا هو الصواب؛ ولهذا قال أنس رضي الله عنه: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَخَلْفَ عُمَرَ فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَؤُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ». هذا في صحيح مسلم[[(٣٩٩ / ٥٠).]]، لكن المعنى لا يجهرون بها، تُحمل رواية مسلم هذه على أن المعنى لا يجهرون بها، وهو كذلك.

لنعد -يا إخواني- مرة ثانية على هذه السورة العظيمة التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام السبع المثاني، ولننظر ما فيها من المعاني التي احتوت عليها هذه السورة، وهي المعاني التي يدور عليها القرآن كله، شوف سبحان الله! هذه السورة القصيرة كل معاني القرآن تجتمع فيها، ولهذا لم يُوجب الله علينا أن نقرأ سورة في الصلاة إلا هذه السورة؛ لأنها قد حوت كل معاني القرآن، ففيها ذكر الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والجزاء والعمل وأقسام الناس، إلى كم ينقسم الناس في سورة الفاتحة؟

* طالب: إلى ثلاثة.

* الشيخ: إلى ثلاثة أقسام ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا الأول ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هذا الثاني ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الثالث، إذن نفهم أن أقسام الناس ثلاثة: أنعم الله عليهم؛ وهم الذين علموا الحق وعملوا به ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ مغضوب عليهم وهم الذين علموا الحق ولم يعملوا بت، وعلى رأسهم مَن؟

* طالب: اليهود والنصارى.

* الشيخ: لا، اليهود فقط، وضالُّون جهلوا الحق فعملوا بالباطل مَنْ؟

* الطلبة: النصارى.

* الشيخ: النصارى، ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله قال: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى. »[[ذكره ابن كثير في التفسير (٤ / ١٣٨).]]

اللي يفسد من العلماء يكون قد علم بالحق وخالفه والعياذ بالله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، والذين فسدوا من العُباد يحرصون على الخير ويبغون العبادة لكنهم جُهّال يعبدون الله على ضلالة، هؤلاء فيهم شبه ممن؟

* طالب: من النصارى.

* الشيخ: من النصارى، ما هو واجبك أيها المؤمن بالله ورسوله؟ واجبك أن تعلم لتعمل أن تعلم لتعمل، تعلم لتخرج من مشابهة مَن؟ أن تعلم لتخرج من مشابهة مَن؟ قولوا يا جماعة؟

* طالب: من مشابهة النصارى.

* الشيخ: من مشابهة النصارى، وتعمل لتخرج من مشابهة اليهود، يا ويل العلماء إذا لم يعملوا بما علموا، يا ويلهم، إنهم أشباه اليهود، إنهم أصل الضلال؛ لأن العامة تقتدي بمَن؟ بعلمائها، فإذا ضل العلماء أضلوا غيرهم، إذا ضل العلماء -والعياذ بالله- ولم يعملوا بالحق أضلوا غيرهم، نعوذ بالله من هذه الحال، أضلوا غيرهم، ولا تظنوا أن العالِم هو الذي يحمل شهادة الدكتوراه، أو الذي يتخرج من كلية، أو الذي يلزم ركب العلماء حتى يقال: فلان طالب علم، كل من علم مسألة فهو عالم بهذه المسألة؛ يعني لو تعلم مسألة واحدة فأنت عالم بها؛ ولهذا قال إمامنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام ويش قال؟ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» »[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]] ولَّا قال: بلغوا عني إذا كنتم علماء فطاحل؟ أجيبوا يا جماعة؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: قال «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» » واحدة، ولهذا من حفظ من دين الله مسألة واحدة قامت عليه الحجة بهذه المسألة ووجب عليه أن يعمل بها، ووجب عليه أن يبلغها «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» »، ولكن احرص على أن تفهم الحق كما هو لا تخطئ في الفهم؛ لأن كثيرًا من الناس قد يخطئون في الفهم بناء على ظنهم، حتى في الصحابة قد يخطئون في الفهم يا إخوان، الإنسان غير معصوم من الخطأ في الفهم.

لما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة الأحزاب ووضع لامة الحرب جاءه جبريل وأمره أن يخرج إلى بني قريظة، من هم بنو قريظة؟ قبيلة من اليهود غدرت وخانت النبي عليه الصلاة والسلام، أمره جبريل أن يخرج إلى بني قريظة، فندب النبي ﷺ أصحابه إلى الخروج وقال لهم: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» »[[أخرجه البخاري (٩٤٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]] تظنون أن الصحابة رضي الله عنهم قال واحد منهم: (...) أتلين وأطلع بكرة، هل قالوا ذلك؟ لا، ما قالوا ذلك، أنا أشكر الذي يسكت إذا لم يكن عنده علم، لكن كلنا يعلم أن حال الصحابة ما يمكن تكون هكذا، لما قال «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» » خرجوا كلهم، أدركتهم صلاة العصر، اختلفوا على قسمين؛ قسم منهم اتبعوا النص حرفيًّا وقالوا: ما نصلى العصر إلا في بني قريظة ولو في وسط الليل، ما يمكن نصلي العصر إلا في بني قريظة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» » إذن ما نصلي، لو غابت الشمس ما نصلي، وقال آخرون: الرسول عليه الصلاة والسلام قال هكذا، ما قال: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، يعني أخِّروا العصر، وإنما أراد منا أيش؟

* الطلبة: المسارعة.

* الشيخ: أن نبادر ونسارع حتى لا يأتي علينا العصر إلا ونحن في بني قريظة، وأظن هذا الأسلوب في الكلام موجود الآن، أنا إذا أردت أن أبعثك إلى بلد ما قلت: شوف لا يطلع الفجر إلا أنت في البلد الفلاني، أو لا تصلي الفجر إلا هناك، أيش المعنى؟

يعني يقعد ينم ولا تصلي الفجر إلا الظهر؟! لا، المعنى: أسرع.

الصحابة اختلفوا في الفهم يا إخوان، اختلفوا، والمصيب على القول الراجح من أقوال أهل العلم، المصيب من صلوا في الوقت.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском