Ibn 'UthayminQaf · 50:1–11

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

ق

Qaf

The Letter "Qaf" · Meccan · 45 ayahs

50:1–3Page 518

قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ ١

Qāf.1 By the honored Qur’ān...2

بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ ٢

But they wonder that there has come to them a warner from among themselves, and the disbelievers say, "This is an amazing thing.

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ ٣

When we have died and have become dust, [we will return to life]? That is a distant [i.e., unlikely] return."

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

نبدأ هذا اللقاء بتفسير سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، حيث انتهينا -ولله الحمد- من تفسير سورة الحجرات.

أولًا: البسملة، سبق الكلام عليها، وأنها آية مستقلة يُؤْتَى بها في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة، فإن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكتبوا أمامها بسملة، ولكنهم جعلوا فاصلًا بينها وبين آخر سورة الأنفال.

وليس هناك ذِكْر يُذْكَر بدلًا عن البسملة، كما يوجد في هوامش بعض المصاحف، حيث كُتِبَ: أعوذ بالله من النار، ومن كيد الفجار، ومن غضب الجبار، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

وهذا لا شك أنه كلام بِدْعِي لا أصل له ولا صحة له. يقول الله عز وجل، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق ١]، ﴿ق﴾ حرف من الحروف الهجائية التي يتركب منها الكلام العربي، وهي كسائر الحروف ليس لها معنى في حد ذاتها، ومن المعلوم أن القرآن نزل باللسان العربي، وإذا كانت هذه الحروف ليس لها معنى باللسان العربي فهي كذلك ليس لها معنى في كتاب الله عز وجل من حيث المعنى الذاتي (...).

وأما بالنسبة للمغزى العظيم الكبير فلها مغزى عظيم كبير، ألا وهو أن هذا القرآن الذي أعجز العرب مع بلاغتهم وفصاحتهم لم يأتِ بشيء جديد من حروف ليسوا يعرفونها، بل هو بالحروف التي يعرفونها، ومع ذلك عجزوا عن أن يأتوا بمثله، فدلَّ ذلك على أنه من كلام العزيز الحميد جل وعلا، ولهذا لا تكاد تجد سورة ابتُدِئت بهذه الحروف الهجائية إلا وبعدها ذِكْر القرآن.

هنا قال عز وجل: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، (الواو) هنا حرف قسم، أقسم الله تعالى بالقرآن؛ لأن لله تعالى أن يقسم بما شاء، وإقسامه هنا بالقرآن إقسام بكلامه، وكلام الله تعالى من صفاته.

وقد ذكر أهل العلم -رحمهم الله- أنه يجوز الإقسام بالله تعالى، أو بصفة من صفاته، وأما آياته فلا يقسم بها إلا إذا قصد الإنسان بالآيات كلماته، كالقرآن الكريم، والتوراة، والإنجيل، وما أشبه ذلك، وأما الآيات الكونية كالشمس والقمر فلا يجوز لنا أن نقسم بها، أما الله عز وجل فله أن يقسم بما شاء.

﴿الْقُرْآنِ﴾ مأخوذ من (قَرَأ) إذا تلا، أو من (قَرَى) إذا جمع، ومنه: القرية؛ لأن الناس يجتمعون فيها، والقرآن يتضمن المعنيين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا.

﴿الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، أي: ذو المجد، وهي العظمة والسلطان المطلق، فالقرآن له عظمته العظيمة، مهيمن مسيطر على جميع الكتب السابقة، حاكم عليها، ليس محكومًا عليه.

وهو أيضًا مجيد، به يمجد ويعلو ويظهر مَن تمسك به، وهذا كقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢] .

﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق ١، ٢]، هنا لا يتراءى للإنسان التالي جوابُ القسم، فاختلف العلماء -رحمهم الله- في مثل ذلك؛ هل له جواب، أو جوابه يُعْرَف من السياق، أو يُعْرَف مِن الْمُقْسَْم به؟ فيه أقوال متعددة للعلماء، وأظهر ما يكون أن نقول: إن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب للقسم؛ لأنه معروف من عظمة الْمُقْسَم عليه، فكأنه أقسم بالقرآن على صحة القرآن.

فالقرآن المجيد لكونه مجيدًا كان دليلًا على أنه حق، وأنه مُنَزَّل من عند الله عز وجل، وحينئذ لا يحتاج القسم إلى جواب؛ لأن الجواب في ضمن القسم.

﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ، ﴿عَجِبُوا﴾ (الواو) تعود على المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام الذين كذَّبُوا رسالته، كذَّبُوا بالقرآن، كذَّبُوا بالبعث، كذَّبُوا باليوم الآخر، ولهذا ﴿عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، ﴿عَجِبُوا﴾ عجب استغراب واستنكار، وإنما قلنا ذلك لأن العجب تارة يراد به الاستنكار والتكذيب، وتارة يراد به الاستحسان، فقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ، وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٦٨)، ومسلم (٢٦٨ / ٦٦).]]، المراد بالعجب هنا الاستحسان.

وقوله هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، المراد به الاستنكار والتكذيب.

﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ ليس بعيدًا عنهم، هو منهم، نسبًا، وحَسَبًا، ومسكنًا، يعرفونه، ومع ذلك قالوا: ﴿هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.

﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٣]، لما جاءهم محمد رسول الله ﷺ أخبرهم بأن الناس سوف يُبْعَثُون، وسوف يُجَازَوْنَ ويُحَاسَبُون تَعَجَّبُوا كيف هذا؟ أيحيا الإنسان بعد أن كان رُفَاتًا؟! ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾، ﴿إِذَا﴾ من المعروف أنها ظرفية، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فما عاملها؟ العامل محذوف دَلَّ عليه ما بعده، والتقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟!

ثم قال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ولهذا يحسن عند التلاوة أن تقف على قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾؛ لأن قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ جملة استئنافية لا علاقة لها من حيث الإعراب بما قبلها.

إذن ﴿إِذَا﴾ ظرف، وكل ظرف يحتاج إلى عامل، فأين العامل في الآية؟ محذوف، التقدير: أئذا متنا وكنا ترابًا نرجع ونُبْعَث؟! والاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتكذيب، كأنهم يقولون: لا يمكن أن نرجع ونُبْعَث بعد أن كنا ترابًا وعظامًا، ولكن بَيَّنَ الله عز وجل أنه قادر على ذلك، فلما قالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، ومرادهم بالبعد هنا الاستحالة، هم يَرَوْنَ أن ذلك مستحيل، وربما تَلَطَّف بعضهم وقال: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾، فهم تارة يُنْكِرُون إنكارًا مطلقًا، ويقولون: هذا محال، وتارة يقولون: هذا بعيد.

50:4Page 518

قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ ٤

We know what the earth diminishes [i.e., consumes] of them, and with Us is a retaining record.

قال الله تعالى مُبَيِّنًا قدرته على ذلك: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق ٤]، الأرض تأكل الإنسان إذا مات، فالله تعالى يعلم ما تنقص الأرض منه، من أجزاء بدنه، ذرة بعد ذرة، ولو أكلته الأرض.

وقوله: ﴿مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ قد يفيد أنها لا تأكل كل الجسم، وفي ذلك تفصيل؛ أما الأنبياء فإن الأرض لا تأكلهم مهما داموا في قبورهم؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (١٠٤٧)، والنسائي (١٣٧٤)، وابن ماجه (١٦٣٦) من حديث أوس بن أوس.]].

وأما غيرهم فقد يبقى الجسم مدة طويلة لا تأكله الأرض إلى ما شاء الله، وقد تأكله الأرض، لكن إذا أكلته الأرض فإنه يبقى عَجْبُ الذَّنَب، وعَجْب الذَّنَب هو عبارة عن جزء يسير من العظم في أسفل الظهر، هذا يبقى بإذن الله لا تأكله الأرض، كأنه يكون نواة للجسم عند بعثه يوم القيامة، فإن منه يخلق الآدمي في قبره، فإذا تَمَّ نُفِخَ في الصور، ثم قاموا من قبورهم لله عز وجل.

﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾، وإذا كان الله تعالى عالِمًا بما نقصت الأرض فهو قادر على أن يرد هذا الذي نقصته الأرض عند البعث.

﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق ٤] عند الله تعالى، ﴿كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: حافظ لكل شيء، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار ٩ - ١٢].

50:5Page 518

بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ ٥

But they denied the truth when it came to them, so they are in a confused condition.

قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [ق ٥]، ﴿بَلْ﴾ هنا للإضراب الانتقالي، وليست للإضراب الإبطالي؛ لأن الأول ثابت، والثاني زائد عليه، وهذا هو الفرق بين (بل) التي لإضراب الإبطال، وبين (بل) التي لإضراب الانتقال، فصارت (بل) للإضراب دائمًا، لكن إن كانت تُبْطِل الأول فسموها إضراب إبطال، وإن كانت لا تبطله فهو إضراب انتقال، كأنه انتقل من موضوع إلى آخر.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، ولكن قلوبهم موقنة، إلا أن ألسنتهم تُكَذِّب، كما قال تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤].

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، و﴿لَمَّا﴾ هنا: بمعنى حين، فهي ظرف وليست حرفًا.

﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، (الفاء) هنا للتعقيب والسببية، والمعنى: فَهُم لما كَذَّبُوا بالحق ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: مختلط، اختلط عليهم الأمر -والعياذ بالله- وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني: لأنهم لم يؤمنوا به أول مرة، ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠]، هؤلاء لما كَذَّبُوا صاروا في أمرٍ مَرِيج، التبس عليهم الأمر، تردَّدُوا في أمرهم.

وهكذا كل إنسان يرد الحق أول مرة فليعلم أنه سيُبْتَلَى بالشك والريب في قبول الحق في المستقبل.

ولهذا يجب علينا من حين أن نسمع أن هذا الشيء حق أن نقول: سمعنا وأطعنا، خلافًا لبعض الناس الآن، تقول له: أمر الرسول بهذا، يقول: طيب، الأمر للإيجاب ولَّا للاستحباب؟ سبحان الله! افعل ما أمرك به سواء على الوجوب أو على الاستحباب.

فإذا تَرَدَّدْتَ؛ لأن معنى قوله: هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ معناه: إذا كان للاستحباب فأنا في حِلٍّ منه، إذا كان للوجوب فعلته، غلط هذا، قل: سمعنا وأطعنا، ثم إذا وقعت المخالفة فحينئذ ربما يكون السؤال عنه، هل هو واجب أو مستحب، ربما يكون وجيهًا، أما قبل فلا.

قد يقول قائل: أنا أسأل هل هو واجب أو مستحب؛ لأن هناك فرقًا بين الواجب والمستحب أيهما أحب إلى الله؟ الواجب أحب إلى الله، فأنا أفعله من أجل إذا اعتقدت أنه واجب أُثَابُ عليه ثواب واجب، وإذا اعتقدت أنه سنة أُثَاب عليه ثواب سنة.

قلنا: نعم، هذا طيب، لكن ثواب انقيادك للحق لأول مرة وبكل سهولة وبدون سؤال أفضل من أن كونك تعتقده واجبًا أو مستحبًّا، وإذا كان الله قد أوجبه عليك أثابك ثواب الواجب، وإن كنت لا تدري فالانقياد وتمام الانقياد أفضل بكثير من كوني أعتقد هذا واجبًا أو مستحبًّا.

يقول عز وجل: ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، ثم قال: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ [ق ٦] استدل بالآيات الكونية على صحة الآيات الشرعية، ويأتي إن شاء الله الكلام عليها في الجلسة القادمة (...).

50:6Page 518

أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦

Have they not looked at the heaven above them - how We structured it and adorned it and [how] it has no rifts?

وقد وصلنا إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾، قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق ٦]، الاستفهام هنا للتوبيخ، يُوَبِّخُهم عز وجل، لماذا لم ينظروا في هذا؟ لماذا لم ينظروا إلى السماء وما فيها من عجائب القدرة الدالَّة على أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء المكذِّبُون.

وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ يشمل نظر البصر، ونظر البصيرة؛ نظر البصر يكون بالعين، ونظر البصيرة يكون بالقلب، وهو التَّفَكُّر.

وقوله: ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾، قد يقول قائل: إن كلمة ﴿فَوْقَهُمْ﴾ لا فائدة منها؛ لأن السماء معروفة أنها فوق، ولكن نقول: إن النص على كونها فوقهم إشارة إلى عظمة هذه السماء، وأنها مع عُلُوِّهَا وارتفاعها وسعتها وعظمتها تدل على كمال خالقها وقدرته جل وعلا.

﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾، بناها الله عز وجل بقوة، وجعلها قوية، فقال جل وعلا: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، أي: قوية، وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، أي: بقوة، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧].

وهذا البناء لا نعلم كيف بناه الله عز وجل، لكننا نعلم أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، خلق الأرض في أربعة، والسماء في يومين، كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ١٢].

وقوله: ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾، أي: حَسَّنَّا منظرها بما خلق الله تعالى فيها من النجوم العظيمة المنيرة المنتظمة في سيرها، وهذه النجوم قال قتادة -رحمه الله، وهو من أئمة التابعين- قال رحمه الله: خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يُهْتَدَى بها، ورجومًا للشياطين، فمن ابتغى فيها شيئًا سوى ذلك فقد أضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٣ / ١٢٣).]]، يشير إلى ما ينتحله الْمُنَجِّمُون من الاستدلال بحركات هذه النجوم على الحوادث الأرضية، حتى إنهم يبنون سعادة الشخص وشقاءه على هذه النجوم، مثلًا يقولون: إذا وُلِدَ في النجم الفلاني فهو سعيد، وإذا وُلِدَ في النجم الفلاني فهو شقي، وهذا لا أثر له، أعني تحركات النجوم في السماء ليس لها أثر فيما يحدث في الأرض.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، يعني: ليس في السماء من فروج، أي: من فُطُور وتَشَقُّق، بل هي مبنية مُحْكَمَة قوية.

50:7Page 518

وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٧

And the earth - We spread it out and cast therein firmly set mountains and made grow therein [something] of every beautiful kind,

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧]، هذه ثلاثة أمور: أولًا: الأرض مَدَّهَا الله عز وجل مع أنها بالنسبة للسماء صغيرة جدًّا، لكنها ممدودة للخلق مسطحة لهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ٢٠].

ثانيًا: ﴿أَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، أي: جبالًا ثابتات لا تزعزعها الرياح فهي راسية، وكذلك أيضًا مُرْسِيَة للأرض.

﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، أي: من كل زوج سارٍّ لناظره، والمراد بالزوج هنا الصنف، يعني أن ما ينبت في الأرض أصناف متعددة متنوعة، حتى إنك ترى البقعة من الأرض وهي صغيرة تشتمل على أنواع من هذه الأصناف تختلف في ألوانها، وتختلف في أحجامها، وتختلف في ملمسها ما بين شديدة ولينة، إلى غير ذلك من الاختلافات العظيمة، بل إنها تختلف حتى في مذاقها إذا كانت من ذوات الثمر، كما قال تعالى: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤]، فمن القادر على هذا؟

* طالب: القادر على؟

* الشيخ: على أن يخلق هذه الأشياء اللي فيها من كل زوج بهيج مع أنها في مكان واحد، وتُسْقَى بماء واحد، والأرض أيضًا واحدة؟ الجواب: هو الله عز وجل، مَن يقدر على هذا؟ إنك تأتي الأرض الْمُعْشِبَة التي أنبت الله تعالى فيها من أصناف النبات فتتعجب، ترى هذه -مثلًا- زهرتها صفراء، وهذه بيضاء، وهذه بنفسجية، وهذه منفتحة، وهذه منضمة، إلى غير ذلك من الآيات العظيمة، فهذا أكبر دليل على أن الله قادر على إحياء الموتى الذي أنكره هؤلاء الْمُكَذِّبُون لرسول الله ﷺ، وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق ٣]، فالقادر على خلق هذه المخلوقات العظيمة قادر على إحياء الموتى.

ثم يقال: من الذي خلق الإنسان؟ هو الله، وإعادة الخلق أهون من ابتدائه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فإذا كنتم -أيها المشركون- تُقِرُّون بأن الله هو الخالق، وأنه هو الذي خلقكم وأوجدكم، فلماذا تنكرون أن يعيدكم الله، مع أن أمره إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن، فيكون.

50:8Page 518

تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٨

Giving insight and a reminder for every servant who turns [to Allāh].

قال الله تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق ٨]، يعني أن الله تعالى حَثَّنَا على أن ننظر إلى السماء وإلى الأرض وما يحدث فيهما.

﴿تَبْصِرَةً﴾ أي: لأجل التبصرة والذكرى، قال العلماء: الفرق بين التبصرة والذكرى أن التبصرة مستمرة، والذكرى عند النسيان، فهذه الآيات تُذَكِّرُك إذا نسيت، وتُبَصِّرك إذا جهلت، وقد يقال: إن الفرق بينهما أن التبصرة في مقابل الجهل، والذِّكْرَى في مقابل النسيان، وكلا القولين حق.

المهم أنك إذا نظرت إلى السماء وإلى الأرض وما فيها مما أودعه الله عز وجل من النبات فإنك سوف تُبْصِر بقلبك وتذكر أيضًا إذا نسيت، ولكن لمن هذه التبصرة والذِّكْرَى؟ ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ليست لكل إنسان، ما أكثر ما ينظر الكفار في الآيات ولكن ﴿مَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، إنما الذي ينتفع بها هم ﴿كُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: رَجَّاع إلى الله عز وجل.

ثم قال عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق ٩] نقف على هذا إلى الدرس القادم، أو اللقاء القادم إن شاء الله (...).

50:9–11Page 518

وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ ٩

And We have sent down blessed rain from the sky and made grow thereby gardens and grain from the harvest

وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ ١٠

And lofty palm trees having fruit arranged in layers -

رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١

As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].

نبتدئ هذا اللقاء بما تيسر من الكلام على آيات من سورة (ق) هي قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ٩ - ١١].

يقول: ﴿نَزَّلْنَا﴾؛ لأن المطر ينزل شيئًا فشيئًا، وربما يُعَبَّر عنه بـ(أنزل)؛ لأنه تجري به الأودية والشعاب.

وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من العُلُوّ؛ لأن هذا المطر ينزل من السحاب، وليس من السماء التي هي السقف المحفوظ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤]، إذن هو ينزل من العلو، والحكمة في إنزاله من العلو ليشمل قمم الجبال، ومراتع الإبل، والسهل، والأودية؛ لأنه لو جاء يمشي سيحًا على الأرض ما وصل إلى قمم الجبال، ولكن الله عز وجل جعله من فوق.

وقوله: ﴿مَاءً مُبَارَكًا﴾ من بركته أنه ينبت الله به ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت البساتين الكثيرة الأشجار جنات لأنها تُجِنُّ، أي: تستر ما تحتها، وكل بستان ذي شجر مُلْتَفّ بعضه إلى بعض يُسَمَّى جنة.

وأما قوله: ﴿حَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني به الزروع التي تُحْصَد، فذكر الله هنا الأشجار والزروع، فمن الأشجار تجذ الثمار، ومن الزروع تحصد الحبوب.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق ١٠]، خَصَّ الله النخل لأنها أشرف الأشجار، ولهذا شبه بها المؤمن، حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ»، قال ابن عمر رضي الله عنهما: فذهب الناس يخوضون في شجر البوادي -كلٌّ يقول: هي الشجرة الفلانية- يقول ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، لكني كنت أصغر القوم -يعني: فاستحيا أن يتكلم وهو أصغرهم- فقال النبي ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦١)، ومسلم (٢٨١١ / ٦٣).]]، وهي الشجرة المذكورة في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم ٢٤]، فلهذا خَصَّهَا هنا بالذِّكْر، فقال: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، أي: عاليات.

﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أي: منضود، فالطلع في شماريخه تجده منضودًا من أحسن ما يكون من النضد، ومع ذلك تجد هذه الثمرات تُسْقَى بالشمراخ الدقيق اللين مع أنه قد يكون فيه أحيانًا فوق ثلاثين حبة أو أكثر.

﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١] أي: فعلنا ذلك؛ أنزلنا من السماء ماء ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾، فعلنا ذلك ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾، أي: عطاءً وفضلًا للعباد، والعباد هنا يشمل العباد المؤمنين والعباد الكافرين؛ لأن الكافر عبد لله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، والمراد هنا: العبودية الكونية القدرية، أما العبودية الشرعية فلا يكون عبدًا لله إلا مَن كان ممتثلًا لأمره، مجتنبًا لنهيه، مصدِّقًا بخبره.

إذن ﴿لِلْعِبَادِ﴾ يشمل الكفار والمؤمنين.

﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق ١١]، ﴿أَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بالماء الذي نَزَّلْنَاه من السماء، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ﴿بَلْدَةً﴾ لما كانت مُؤَنَّثَة اللفظ مُذَكَّرة المعنى صح أن تُوصَف بوصف مُذَكَّر، ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أي: بلدًا ميتًا، أحياه بهذا الماء الذي نزل من السماء، كيف إحياؤه؟ تجد الأرض هامدة خاشعة ليس فيها نبات، فإذا أنزل الله المطر عَجَّت بالنبات واخضَرَّت وازدهرت، فهذه حياة بعد الموت.

﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾، أي: مثل ذلك الإحياء خروج الناس من قبورهم لله عز وجل، وإنما ذكر الله تعالى الخروج؛ لأن من عباد الله مَن أنكر ذلك، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، وحجتهم أنهم قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، كيف تحيي العظام بعد أن رَمَّت وصارت ترابًا؟! هذا مُسْتَنْكَر عندهم بعيد، ولكن الله سبحانه وتعالى بَيَّنَ أنه ليس ببعيد، وأنه كما يشاهدون الأرض الميتة ينزل عليها المطر فتحيا، إذن فالقادر على إحياء الأرض بعد موتها بنزول المطر قادر على إحياء الأموات بعد موتها، وهذا قياس جلي واضح.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском