Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
القمر
Al-Qamar
The Moon · Meccan · 55 ayahs
54:1Page 528
ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ١
The Hour has come near, and the moon has split [in two].1
ثم قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١].
(اقتربت) بمعنى: قرُبت، لكن العلماء يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، وهنا (اقتربت) فيها زيادة في المبنى على قربت، ويش الزيادة؟ الهمزة والتاء، فيدل على أن الاقتراب قريب جدًّا، أو يدل على أن القرب قريب جدًّا، فمعنى (اقتربت) أي: قربت جدًّا.
والساعة هي يوم القيامة، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد ١٨] أي: علاماتها.
من علاماتها: بعثة النبي ﷺ، فإن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام وكونه خاتم الأنبياء دليل على أنه قد قربت الساعة، ولهذا حقق النبي عليه الصلاة والسلام هذا بقوله: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَابَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٠١)، ومسلم (٢٩٥٠/١٣٢) من حديث سهل بن سعد.]].
الآن السبابة قريبة من الوسطى أليس كذلك؟ ليس بينهما إلا جزء يسير مقدار الظفر، وهذا يدل على قربها، لكن مع ذلك كم بيننا وبين الرسول ﷺ الآن، نحن في القرن الخامس عشر الهجري أيضًا بعد بعثة الرسول ﷺ بثلاث عشرة سنة، ومع ذلك ما زالت الدنيا باقية، مما يدل على أن ما مضى طويل جدًّا، حتى إن الرسول ﷺ خطب الناس ذات يوم عند غروب الشمس فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا» يعني بالنسبة لمن سبقكم «إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] ».
إذن: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ أي: قرب يوم القيامة.
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وكأن الله عز وجل أشار إلى أن هذا من أشراط الساعة، انشق القمر يعني صار فرقتين، تميز بعضهما عن بعض، أحدهما على جبل أبي قبيس والثاني على جبل قعيقعان، يعني: واحد على الصفا وواحد على المروة، والمسافة في رؤيا العين ما بين الصفا والمروة بعيدة جدًّا قد تستغرق سنوات.
انشق القمر في لحظة بأمر الله عز وجل، وتباعدت أجزاؤه بلحظة؛ لأن قريشًا كانوا يتحدون الرسول عليه الصلاة والسلام ويطلبون منه الآيات، وقد قال الله ردًّا عليهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]، لكن ما هو كافيهم؛ لأنهم معاندون لا يريدون الحق، أتوا إلى رسول الله ﷺ، قالوا: يا محمد، أنت تقول: إنك رسول وإنك يأتيك الخبر من السماء وكذا وكذا؛ أرنا آيةً، فأشار النبي ﷺ إلى القمر ودعا ربه، فانفلق فلقتين في لحظة. مَن يفك هذا الجسم العظيم الأفقي العالي إلا رب العالمين عز وجل! أراهم إياه، لكن هل نفع؟ لا، ما نفع، وقالوا: سحرنا محمد، وبعضهم قال: سحر القمرَ، وأنكروا، فقال بعضهم لبعض: اسألوا المسافرين إذا قدِموا هل رأوه أم لا؟ فصاروا يسألون المسافرين من كل وجه يقدَمون مكة فيقولون: نعم، رأيناه في الليلة الفلانية كذا وكذا، وهذا بالنسبة للقريبين منهم كأهل الجزيرة مثلًا، أما البعيدون فقد لا يرونه، ليش؟ للبعد.
وكما نعلم الآن أن الليل هنا يكون نهارًا في مكان آخر، أو يوجد غيوم وضباب كثير يمنع الرؤية، ولهذا لا يمكن أبدًا لأي عاقل أن ينكر انشقاق القمر انشقاقًا حسيًّا؛ لأنه لم يُذكر في تاريخ اليونان، ولم يذكر في تاريخ الهند، ولم يذكر في كذا وكذا، هذا ليس حجة يُبطَل بها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من أن القمر انشق فعلا انشقاقًا حسيًّا.
ونحن نؤمن بأن القادر على أن يطوي السماوات بيمينه كطي السجل للكتب قادر على أن يفلق القمر فلقتين، أي شيء يعجزه؟ لا شيء؛ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
ولهذا لا وجه لإنكار مَن أنكر ذلك ممن ينتسبون إلى الإسلام، ويقولون: إن الأفلاك السماوية لا يمكن أن تتغير، من الذي خلق الأفلاك السماوية؟ أليس الله؟ بلى، إذن هو قادر على أن يغيرها؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
إذن انشقاق القمر انشقاق حسي، انفلق فلقتين، ورآه الناس وشاهدوه، ولكن المكابر المعاند لا يقبل شيئًا.
54:2–3Page 528
وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ ٢
And if they see a sign [i.e., miracle], they turn away and say, "Passing magic."1
وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ ٣
And they denied and followed their inclinations. But for every matter is a [time of] settlement.
ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر ٢] ، (آية) نكرة في سياق الشرط، ﴿إِنْ يَرَوْا﴾ يعني أي آية يرونها يُعرِضون عنها ولا يقبلونها، ويجمعون بين الإعراض وبين الإنكار باللسان.
﴿يُعْرِضُوا﴾ أي: بقلوبهم وأبدانهم، ﴿وَيَقُولُوا﴾ بألسنتهم: هذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾. وتعرفون أن السحر يؤثر لا في قلب الأعيان ولكن في رؤية الأعيان.
ألم تروا أن موسى عليه الصلاة والسلام لما ألقى السحرة سحرهم كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، حيَّات، انقلب الوادي كله حيات تسعى، حتى إن موسى أوجس في نفسه خيفة من هول ما رأى، لكن هذه الحبال والعصي هل انقلبت إلى حيات أو هي هي؟ هي هي، لكن حسب نظر الرائي أنها حيات، فهم يقولون: هذا سحر، سحرنا محمد حتى كانت أعيننا ترى القمر وهو واحد تراه فلقتين.
﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢] قيل: إن المعنى: زائل ذاهب، مِن مر بالشيء إذا تجاوزه، يقول: هذا سحر ولن يستقر ولا قرار له، وقيل: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ يعني أن كل الآيات التي يأتي بها سحر، أي: مستمر من إمرار الشيء ودوام الشيء، وأيًّا كان فإنهم أنكروا وكذبوا، ولهذا قال: ﴿وَكَذَّبُوا﴾ أي: كذَّبوا النبي ﷺ وكذبوا بآياته ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القمر ٣] أي: ما يريدون من الباطل ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر ٣] يعني: لا بد له من قرار.
فهؤلاء المكذبون قرارهم الذل والخسران في الدنيا، والنار في الآخرة، والنبي ﷺ ومن اتبعه أمرهم مستقر بالنصر والتأييد في الدنيا، والجنة في الآخرة، جعلنا الله وإياكم منها.
54:4–5Page 528
وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ ٤
And there has already come to them of information that in which there is deterrence.
حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ ٥
Extensive wisdom - but warning does not avail [them].
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤، ٥].
أكد الله تعالى في هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ لأنهم، أي: قريشًا ﴿جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: الأخبار التي فيها رشدهم وصلاحهم وفلاحهم ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أي: ازدجار عن الشرك والعصيان، لكنهم لم ينتفعوا بذلك.
وهذه الجملة -كما تسمعون- فيها اللام وفيها (قد)، وهما من أدوات التوكيد، وفيها قسم مقدَّر دلت عليه اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾، وعليه فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، و(قد). والله سبحانه وتعالى صادق بغير توكيد لخبره، لكن هذا القرآن بلسان عربي مبين، واللسان العربي من بلاغته تأكيد الأشياء الهامة حتى تثبت وترسخ في الذهن. قال الله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، يعني أن الأنباء التي جاءتهم حكمة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] والحكمة هي: موافقة الشيء لموضعه، ويُعبَّر عنها بقولهم: تنزيل الشيء منزلته اللائقة به، ولا شك أن شريعة الله كلها حكمة، كلها مطابقة لِما فيه صلاح العباد في معاشهم ومعادهم.
وقوله: ﴿بَالِغَةٌ﴾ أي: تامة واصلة إلى الغرض المقصود منها.
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (ما) هذه يَحتمل أن تكون نافية، يعني أن النُّذُر لا تغنيهم شيئًا، ويحتمل أن تكون استفهامًا على وجه التوبيخ، يعني: فأي شيء تغنيهم، وكلاهما صحيح، فالنُّذر لم تغنهم شيئًا، وإذا لم تغنهم هذه النذر المشتملة على الحكمة البالغة فأي شيء يغنيهم؟!
الجواب: لا شيء؛ لأنهم معانِدون مستكبِرون.
54:6–7Page 528
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ ٦
So leave them, [O Muḥammad]. The Day the Caller1 calls to something forbidding,
خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ ٧
Their eyes humbled, they will emerge from the graves as if they were locusts spreading,
ثم قال عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر ٦]، وإلى هنا ينتهي الكلام، (تول) الخطاب للرسول ﷺ عن هؤلاء لأنهم معاندون مستكبرون، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
وإن يروا كل آية يعرضوا ويقولوا: سحر مستمر (...) سوف يأتيهم ما وُعدوا به، وسوف يتحقق لك ما وعدت به. ويحسن هنا أن تقف: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ثم تستأنف وتقول: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾؛ لأنك لو وصلت لَأَوْهَمَ أن التوليَ يكون يوم يدعو الداعي، ومعلوم أن التولي في الدنيا وليس يوم يدعو الداعي.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ هو ظرف، والظرف لا بد له من عامل؛ كالجار والمجرور لا بد له من عامل، كجميع المفعولات لا بد لها من عامل، فما هو العامل في قوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج ٤٣]؟ العامل قوله: ﴿يَخْرُجُونَ﴾.
﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر ٦، ٧] فهي متعلقة بـ﴿يَخْرُجُونَ﴾، أي: سوف يأتيهم العذاب في ذلك الوقت ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ هو داعي يوم القيامة، ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي: منكر عظيم لشدة أهواله، فإنه لا شيء أنكر على النفوس من ذلك اليوم؛ لأنهم لم يشاهدوا له نظيرًا.
قوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ أي أن أبصارهم خاشعة ذليلة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى ٤٥] هم الآن مستكبرون رافعو رؤوسهم، يرون أن الناس تحتهم وأنهم فوق الناس، لكن سيأتي اليوم الذي يكونون بالعكس.يوم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ الأجداث هي القبور، و﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ الجراد المنتشر: المنبث في الأرض الذي لا يدري أين وجهه، ليس له طريق قائمة يعرف كيف ينتهي، ولكنهم منتشرون، وهذا من أدق التشبيهات؛ لأن الجراد المنتشر تجده يروح يمينًا ويسارًا لا يدري أين يذهب، فهم سيخرجون من الأجداث على هذا الوجه، بينما هم في الدنيا لهم قائد، لهم أمير، لهم موجِّه يعرفون طريقهم، وإن كان طريقًا فاسدًا.
54:8Page 529
مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ ٨
Racing ahead toward the Caller. The disbelievers will say, "This is a difficult Day."
قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر ٨] يعني أنهم مسرعون خاضعو الأعناق، كالرجل إذا أسرع وركض تجده يقدم رأسه يخضعه، فهم يخرجون من الأجداث مهطعين إلى الداعي، أي: مسرعين خافضي رؤوسهم، من الفزع والهول والشدة: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر ٨] وتأمل قوله: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ﴾ ولم يقل: يقول الناس؛ لأن هذا اليوم العسر لا شك أنه في حد ذاته عسر شديد عظيم، ولكنه على الكافرين عسير وعلى المؤمنين يسير، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان ٢٦]، وقال تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ [المدثر ١٠]، وأما على المؤمنين فهو يسير ولله الحمد، جعلنا الله وإياكم منهم ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.
54:9Page 529
۞ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩
The people of Noah denied before them, and they denied Our servant and said, "A madman," and he was repelled.
ثم بدأ الله عز وجل بقصص الأنبياء على وجه مختصر في هذه السورة، لكنه مؤثر تأثيرًا بالغًا، لو قرأتها بتمهل وتدبر لوجدت أنها مؤثرة جدًّا، كلمات مختصرة لكنها رادعة تمامًا: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر ٩] ونوح هو أول الرسل، أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض هو نوح بدلالة القرآن والسنة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، وبهذا نعرف أن ما ذكره بعض المؤرخين من أن إدريس هو الجد لنوح كذب لا شك فيه، وليس قبل نوح رسول، حتى في حديث الشفاعة فيه التصريح أنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولذلك كان من عقيدتنا أن أول الرسل نوح، وأن آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو نبي رسول.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [القمر ٩] ولم يفصل الله عز وجل هذا التكذيب، لكنه أنزل في ذلك سورة تامة، وهي سورة نوح، فصل الله فيها تفصيلًا تامًّا في تكذيبهم وأخذهم.
﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر ٩] وهو نوح، وصفه الله بالعبودية لأن العبودية أشرف ألقاب البشر، العبودية لله أشرف ألقاب البشر، وهي: التذلل له في الطاعة والإنابة والتوكل وغير ذلك، العبودية من حيث هي ثلاثة أنواع:
عبودية عامة تشمل جميع الخلق، وهي التذلل للأمر الكوني؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، ﴿إِنْ كُلُّ﴾ يعني: ما كل من في السماوات والأرض إلا هذه حاله؛ أنه آتي الرحمن عبدًا، وهذه العبودية للأمر الكوني؛ لأن أمر الله عز وجل كوني ما يمكن أحد أن يفر منه مهما كانت قوته.
النوع الثاني: العبودية الخاصة بالمؤمنين، مثل قول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] هذه عامة لكل مؤمن.
الثالث: العبودية الخاصة بالأنبياء، وهذه مثل قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف ١]، ومن ذلك هذه الآية: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر ٩].
وقد لبث فيهم نوح عليه الصلاة والسلام ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، لكنهم كلما دعاهم إلى الله ليغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا قوله، واستغشوا ثيابهم حتى لا يروه، واستكبروا استكبارًا، ولا أبلغ من هذا الاستكبار؛ أن يضع الإنسان يده في أذنيه حتى لا يسمع قول الداعي، وأن يستغشي ثوبه فيتغطى به حتى لا يراه.
قوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾ [القمر ٩] المجنون: فاقد العقل، الذي يهذي بما لا يدري. قالوا: إنه مجنون، هذه القولة قيلت لكل الرسل، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] و(أو) هنا إما للتنويع، يعني بعضهم يقول: ساحر، وبعضهم يقول: مجنون، أو أنهم يقولون هذا وهذا، وعلى كل حال فأولًا نوح قيل له: إنه مجنون.
﴿وَازْدُجِرَ﴾ [القمر ٩] ازدجر يعني زجر زجرًا شديدًا، والزجر: هو النهر بشدة وعنف، والدال هنا منقلبة عن تاء، وقد قال العلماء: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى، والمعنى أنه زجرٌ شديدٌ، وقوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ ينبغي ألا توصل بما قبلها؛ لأنك لو وصلت وقلت: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ لتوهم السامع أنهم يقولون: مجنون وازدجر يعني: زجره غيره، لكن لا، المعنى خلاف ذلك، فكذبوا عبدنا وازدجر هذا المعنى، كذبوا وازدجر.
إذن الأولى أن تقف: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾ ثم تصل وتقول: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ فيكون هنا لم يقتصر هؤلاء المكذبون على أن كذبوا، بل كذبوا وزجروا وتوعدوا وسخروا.
54:10–11Page 529
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠
So he invoked his Lord, "Indeed, I am overpowered, so help."
فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١
Then We opened the gates of the heaven with rain pouring down
لما طال الأمد دعا ربه: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] الله أكبر! كلمتان: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ ولقد دعا أهلًا للإجابة جل وعلا، أجاب الله فقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١١] فتحنا، وفي قراءة: ﴿﴿فتَّحنا﴾ ﴾، وكلاهما حق.
وينبغي لمن علم القراءة الأخرى أن يقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، بشرط ألا يكون ذلك بحضرة العوام؛ لأن العوام لا ينبغي أن تقرأ عليهم بقراءة خارجة عن المصحف الذي بأيديهم، فتحدث لهم تشويشًا، وربما تهبط منزلة القرآن من نفوسهم، أو ينسبوك إلى الغلط والتحريف، لكن عند طلبة العلم وعند التعليم، أو فيما بينك وبين نفسك، ينبغي أن تقرأ بالقراءات الثابتة، مرة بهذه ومرة بهذه.
كما نقول هذا أيضًا في العبادات المتنوعة، تفعل هذا مرة وهذا مرة؛ كالاستفتاحات ونحوها.
قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾، ﴿أَبْوَابَ﴾ كل باب في السماء انفتح، ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ أي: منصب صبًّا شديدًا، فكان كأفواه القِرب، ليس كالذرات المعروفة، لا، أشد.
54:12Page 529
وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢
And caused the earth to burst with springs, and the waters met for a matter already predestined.
قال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] أي: عيونًا من المياه، وتأمل قول الله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ ولم يقل: فجرنا عيون الأرض، كأن الأرض كلها كانت عيونًا متفجرة، حتى التنور الذي هو أبعد ما يكون عن الماء لحرارته ويبوسته صار يفور، كما قال عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود ٤٠]، وفي هذا من الدلالة على قدرة الله تبارك وتعالى ما لا يخفى، وأن هذه الفيضانات التي تحدث الآن وقبل الآن إنما تحدث بأمر الله عز وجل، وليست كما قال الطبائعيون: إنها من الطبيعة، يقول: هاجت الطبيعة، غضبت الطبيعة، وما أشبه ذلك -نسأل الله العافية- بل هي بأمر من يقول للشيء: كن فيكون.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١٢] هنا ماءان؛ ماء نازل من السماء دل عليه قوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر ١١]، وماء من الأرض نابع دل عليه قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾، فلماذا لم يقل: فالتقى الماءان؛ لأن المراد ماء السماء وماء الأرض؟
قال العلماء: إنه أراد الجنس؛ لأن جنس الماء هنا واحد؛ ماء الأرض وماء السماء، أو يقال: لأنه لما كان المقصود بهذين الماءين شيئًا واحدًا وهو عذابهم صح الإفراد، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: على شيء قد قضاه الله تعالى وقدره في الأزل، فإنه ما من شيء يحدث إلا وهو مكتوب، قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢] يعني: من أعمال بني آدم، ومما يقع في الأرض كل شيء محصى، ولهذا قال: ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾.
54:13–14Page 529
وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣
And We carried him on a [construction of] planks and nails,
تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤
Sailing under Our observation as reward for he who had been denied.
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣، ١٤].
﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾ أي: حملنا نوحًا وأهله إلا من سبق عليه القول منهم. وأمره الله تعالى أن يحمل فيها من كلٍّ زوجين اثنين ومن آمن معه ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، حمله الله على ذات ألواح ودسر، يعني: على سفينة ذات ألواح ودسر، وكان نوح عليه الصلاة والسلام يصنعها فيمر به قومه فيسخرون منه فيقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩].
هذه السفينة وصفها الله بأنها ذات ألواح ودسر، و(ألواح) جمع منكَّر يدل على شيئين: الشيء الأول: كثرة ألواحها. والثاني: عظمة هذه الألواح ومتانتها.
وحُق لسفينة تحمل البشر على ظهرها أن تكون ذات ألواح ودسر، ذات ألواح عظيمة.
﴿وَدُسُرٍ﴾ أي: مسامير، وقيل: إن الدسر ما تُربط به الأخشاب، فيكون أعم من المسامير؛ لأن الأخشاب قد تُربط بالمسامير وقد تُربط بالحبال، فالمهم أن توثيق هذه الألواح بعضها ببعض كان قويًّا، وإنما ذكر الله سبحانه وتعالى مادة صنع السفينة وأنها من الأخشاب والمسامير أو الروابط التي تربط بين تلك الأخشاب ليكون ذلك تعليمًا للبشر أن يصنعوا السفن على هذا النحو.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: تسير على هذا الماء العظيم الذي بلغ قمم الجبال، والتقى فيه ماء الأرض والسماء. ﴿تَجْرِي﴾ أي: تسير على هذا الماء، ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: ونحن نراها بأعيننا ونكلؤها ونحفظها، والباء في قوله: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ الباء للمصاحبة، يعني أن عين الله عز وجل تصحب هذه السفينة فيراها جل وعلا ويكلؤها ويحفظها؛ لأنها سفينة بُنيت لتقوى الله عز وجل وإنجاء أوليائه من الغرق الذي شمل أعداءه.
﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: ﴿جَزَاءً﴾ أي: مكافأة، ﴿لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: لمن كان كفر به، وهو نوح عليه الصلاة والسلام، فبيَّن الله عز وجل أن إنجاء نوح بهذه السفينة كان جزاءً له، والله سبحانه وتعالى يجزي المحسنين أكثر من إحسانهم.
54:15Page 529
وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥
And We left it as a sign, so is there any who will remember?
قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥]، قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ كلمة الضمير (ها) اختلف فيها المفسرون؛ هل المعنى: ولقد تركنا هذه القصة وهي قصة نوح وإغراق قومه أبقيناها آية لمن يأتي بعدهم، هذا وجه.
الوجه الثاني: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ أي: السفينة، والمراد الجنس أي: جنس هذه السفينة أبقيناها آية لمن بعد نوح، وكلا الأمرين محتمِل، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي بعضهما الآخر، وليس أحدهما بأرجح من الآخر، فإنها تُحمَل على المعنيين جميعًا.
فنقول: إن الله ترك القصة آية وعبرة لمن يأتي بعد نوح، ترك السفينة آية وعبرة يصنع مثلها من يأتي بعده، ويدل لهذا القول وأنه غير ممتنع أن الضمائر أحيانًا تعود إلى الجنس، لا إلى الفرد، نظيره قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ما المراد بالإنسان؟ آدم، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٣] ليس آدم هو الذي جُعل نطفة في قرار مكين، بل الإنسان الذي هو جنس آدم، وهم بنو آدم.
ومثل ذلك عند بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك ٥] ليست المصابيح التي في السماء هي التي ترجم الشياطين، ولكنها شهب تخرج منها فترجم الشياطين.
المهم أن قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ لها معنيان ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ هذا الاستفهام هنا للتشويق، يعني: هل أحد يدكر ويتعظ بما جرى للمكذبين للرسل من إهلاكهم وتدميرهم؟ وقيل: إن الاستفهام للأمر، وإن المعنى: فادكروا، وسواء قلنا: للتشويق أو للأمر، فإن الواجب علينا أن نتذكر، وأن نخشى من عقاب الله تبارك وتعالى، وعقاب الله تعالى لهذه الأمة خاصة لا يمكن أن يشملهم جميعًا، لكن قد يشمل مناطق معينة تؤخَذ بالعذاب بما فعله السفهاء منهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال ٢٥].
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]، (كيف) هنا للتفخيم والتعجيب، يعني: ما أعظم العداء والنذر، وقيل: إن الاستفهام للتقرير؛ لأن الله يقررنا بالعذاب وبالنذر، لكن المعنى الأول أعظم: أنه للتفخيم والتعظيم، أي: ما أعظم عذابي النازل بأعدائي، وما أعظم نُذري التي تُنذر وتخوف من العقاب أن ينزل بمن خالف، فالعذاب الذي حصل لقوم نوح عذاب حصل بالنسبة لنا يعتبر من النُّذر المخوفة لنا من مخالفة أمر الله ورسوله.
54:17Page 529
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، ﴿يَسَّرْنَا﴾ يعني: سهلنا، والقرآن هو كتاب الله الذي نزل على محمد ﷺ، وسُمي قرآنًا لأنه يُقرأ، أي: يُتلى.
وقوله: ﴿لِلذِّكْرِ﴾ قال بعضهم: للحفظ، وأن القرآن ميسر لمن أراد أن يحفظه، وقيل: المراد بالذكر: الادكار والاتعاظ، يعني أن من قرأ القرآن ليتذكر به ويتعظ به سهل عليه ذلك، واتعظ وانتفع، وهذا المعنى أقرب للصواب، بدليل قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: هل أحد يدكر، مع أن الله سهل القرآن للذكر؟ أفلا يليق بنا وقد يسر الله القرآن للذكر، أفلا يليق بنا أن نتعظ ونتذكر؟ بلى.
هذا هو اللائق ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
54:18–19Page 529
كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٨
ʿAad denied; and how [severe] were My punishment and warning.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ ١٩
Indeed, We sent upon them a screaming wind on a day of continuous misfortune,
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ [القمر: ١٨] هذه هي الأمة الثانية ممن قصهم الله علينا في هذه السورة الكريمة، وعاد تتلو قوم نوح غالبًا، وقد تتقدم عليها كما في الذاريات، ولكن الغالب أن قصة نوح هي الأولى في قصص الأنبياء؛ لأنه أول نبي أُرسل إلى أهل الأرض.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ وهم قوم هود، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود ٦٠] كذبوا نبيهم هودًا عليه الصلاة والسلام، وكانوا أشداء أقوياء، وكانوا يفتخرون بشدتهم وقوتهم، ويقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت ١٥، ١٦].
يقول هنا: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.
والجواب كان شديدًا عظيمًا واقعًا موقعه، فالاستفهام إذن للتفخيم والتعظيم والتقرير، وهو أن عذاب الله كان عظيمًا وكان واقعًا موقعه.
نُذُره -يعني آياته- كذلك كانت عظيمة واقعة موقعها، فبماذا أهلكهم الله؟ أهلكهم الله بألطف شيء، وهو الريح التي تملأ الآفاق، ومع ذلك لا يحس الإنسان بها؛ لأنها سهلة لينة يخترقها الإنسان بسهولة، مكاننا الآن الذي نحن فيه مملوء من الهواء، أليس كذلك؟ ومع ذلك نخترقه لا نحس به، فهي من ألطف الأشياء.
أهلك الله عادًا الذين يفتخرون بقوتهم بهذه الريح، كما قال الله عز وجل هنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر ١٩] الجملة هنا مؤكدة بـ(إن)، و﴿أَرْسَلْنَا﴾ يعني الرب عز وجل نفسه، يعني أن الرب عز وجل يعني نفسه بقوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وجمع الضمير للتعظيم.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على عاد، ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: ذات صرير؛ لقوتها وشدتها، حتى إن مجرد نفوذها يُسمَع له الصرير، وإن لم تصطدم بما يقتضي الصرير؛ لأنها قوية عظيمة جدًّا، وهي الريح الغربية، أتت من قبل الغرب، أي: من جهة الغرب لعاد، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف ٢٤] وكانوا قد أجدبوا قبل ذلك سنواتٍ، فلما أقبلت بسوادها وعظمتها وزمجرتها قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، ولكن الأمر كان بالعكس، كانت ريحًا فيها عذاب أليم، كانت ريحًا عقيمًا ليس فيها مطر ولا يُرجَى أن يأتي منها مطر.
فهنا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي ريح هي؟ الغربية التي تأتي من ناحية المغرب.
﴿صَرْصَرًا﴾ أي: شديدة الصوت والصرير لقوتها وسرعتها.
﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾، ﴿نَحْسٍ﴾ أي: في يوم شؤم ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ بالنسبة لعاد، ما هو في كل وقت، فاليوم الذي أُهلكوا فيه ليس هو نفسه نحسًا مستمرًّا، ولكنه بالنسبة لهؤلاء كان يوم نحس مستمر، كما قال الله تعالى عن قوم نوح: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح ٢٥]، هؤلاء أُهلكوا بالريح فأُدخلوا النار، فالنحس -أي: الشؤم- كان مستمرًّا معهم، عذاب الآخرة متصل بعذاب الدنيا.
54:20–21Page 529
تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ ٢٠
Extracting the people1 as if they were trunks of palm trees uprooted.
فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ٢١
And how [severe] were My punishment and warning.
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ [القمر: ٢٠] أي: تأخذهم بشدة وقوة وترفعهم إلى السماء -نسأل الله العافية- حتى قال بعضهم: ترفعهم حتى يغيب الإنسان عن الرؤية من علوه ثم تطرحه في الأرض، إذا سقطوا على الأرض سقطوا على أم رؤوسهم، ثم انفصل الرأس من الجسد من شدة الصدمة.
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ﴾ في حال سقوطهم إلى الأرض ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ أعجاز أي: أصول، والنخل معروف، والمنقعر: الساقط من أصله، يعني كأنهم نخل سقط من أصله وبقِيت جثثه، لماذا صاروا كأعواد النخل؟ لأنهم ليس لهم رؤوس على ما قال المفسرون، حيث إن رؤوسهم انفصلت من شدة الصدمة، فسبحان القوي العزيز، هؤلاء القوم الأشداء الأقوياء وصلوا إلى هذه الحال بريح من عند الله عز وجل.
﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر٢٠، ٢١] وهنا أسأل: هنا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، وفي الحاقة: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] والمعنى متقارب، لكن من بلاغة القرآن أن يجري الكلام فيه على نسق واحد، فهناك: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ مناسب للفواصل التي في الحاقة، أليس كذلك؟ أما هنا: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ فمناسب للفواصل التي في سورة القمر؛ لأن تناسب الكلام واتساقه من كمال بلاغته.
54:22Page 529
وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ٢٢
And We have certainly made the Qur’ān easy for remembrance, so is there any who will remember?
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] كرر الله تعالى هذا عند آخر كل قصة من أجل أن نحرص على التذكر للقرآن، وتدبر القرآن، وتفهُّم القرآن؛ لأنه ميسَّر، والجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القَسَم، واللام، و(قد)، مما يدل على الرغبة، بل على الترغيب في تذكر القرآن والتذكر به ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من المدكرين بكتاب الله عز وجل، إنه على كل شيء قدير.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences