And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allāh is swifter in strategy." Indeed, Our messengers [i.e., angels] record that which you conspire.
قوله ( أَذَقْنَا ) من الذوق وحقيقته إدراك الطعام ونحوه بالذوق باللسان واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إدراك ما يسر وما يؤلم من المعنويات كالرحمة والضراء .قال الآلوسى " والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل ، لما روى من أن الله - تعالى - سلط عليهم القحط سبع سنين ، حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه أن يدعو لهم بالخصب ، ووعدوه بالإِيمان ، فلما دعا لهم ورحمهم الله - تعالى - بالمطر ، طفقوا يطعنون وفى آياته - تعالى - ويعاندون نبيه - صلى الله عليه وسلم - .وقيل : " إن الناس عام لجميع الكفار " .والضراء من الضر ، وهو ما يصيب الإِنسان وفى نفسه من أمراض وأسقام .والمكر : هو التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يتوقعه من مضرة وكيد .والمعنى : وإذا أذقنا الناس منا رحمة كأن منحناهم الصحة والسعادة والغني من بعد ضراء أصابتهم وفى أنفسهم أو فيمن يحبون ، ما كان منهم إلا بالمبادرة إلى الطعن وفى آياتنا الدالة على قدرتنا ، والاستهزاء بها والتهوين من شأنها .وأسند إذاقته الرحمة إلى ضمير الجلالة ، وأسند المساس إلى الضراء ، رعاية للأدب مع الله - تعالى - ، لأنه وإن كان كل شيء من عنده ، إلا أن الأدب معه - سبحانه - يقتضي إسناد الخير إليه والشر إلى غيره كما وفى قوله - تعالى - : ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) وفى الحديث : " اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك " .وإذا الأولى شرطية ، والثانية فجائية والجملة بعدها جواب الشرط .وجاء التعبير بإذا الفجائية فى الجواب ، للإِشارة إلى توغلهم وفى الجحود والكنود فهم بمجرد أن حلت النعمة بهم محل النقمة ، عادوا إلى عنادهم وجهلهم ، ونسبوا كل خير إلى غيره - تعالى - .قال الرازي : " واعلم أنه - تعالى - ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة وفى قوله - تعالى - ( وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ . . . ) إلا أنه - تعالى - زاد وفى هذه الآية التى نحن بصدد تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها وفى تلك الآية ، وتلك الدقيقة هى أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة .وفى الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر .وقوله : ( قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يبطل مكرهم .أى : قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الذين يسرعون بالمكر وفى مقام الشكر ، إن الله - تعالى - أسرع مكراً منكم؛ لأنه لا يخفى عليه بشيء من مكركم ، ولأن الحفظة من الملائكة يسجلون عليكم أقوالكم وأفعالكم ، التي ستحاسبون عليها وفى يوم القيامة حساباً عسيراً ، وسترون أن مكركم السيء لا يحيق إلا بكم .وقوله : ( أَسْرَعُ ) أفعل تفضيل من الفعل الثلاثي سرع - كضخم وحسن - ، أو من الفعل الرباعي " أسرع " عند من يرى ذلك .والجملة الكريمة تحقيق للانتقام منهم . وتنبيه على أن مكرهم الخفي غير خاف الحفظة من الملائكة فضلا عن الخالق - عز وجل - الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء .وسمى - سبحانه - إنكارهم لآياته واستهزاءهم بها مكراً ، لأنهم كانوا كثيراً ما يتجمعون سراً ، ليتشاوروا وفى المؤامرات التي يعرقولن بها سير الدعوة الإِسلامية ، وفى الشبهات التي يوجهونها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
ثم ساق - سبحانه - مشهدا حياً . تراه العيون ، وتهتز له القلوب ، ويجعل المشاعر تتجه إلى الله وحده بالدعاء فقال - تعالى - ( هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ وفى البر والبحر . . . ) .والسير معناه : الانتقال من مكان إلى آخر . والتسيير معناه : جعل الإِنسان أو الحيوان أو غيرهما يسير بذاته ، أو بواسطة دابة أو سفينة أو غيرهما ، مما سخره الله - تعالى - له بقدرته ورحمته .أى : هو - سبحانه - الذي يسيركم بقدرته ورحمته وفى البر والبحر ، بواسطة ما وهبكم من قدرة على السير ، أو ما سخر لكم من دواب وسفن وغيرهما مما تستعملونه وفى سفركم ، وكل ذلك من أجل مصلحتكم ومنفعتكم .ثم قال - تعالى - ( حتى إِذَا كُنتُمْ وفى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا . . . ) .والفل : ما عظم من السفن . ويستعمل هذا اللفظ عند كثير من العلماء للواحد والجمع . والظاهر أن المراد به هنا الجمع ، بدليل قوله ( وَجَرَيْنَ ) أى : السفن .والمراد بالريح الطيبة : الريح المناسبة لسير السفن ، والموافقة لا تجاهها .أى : هو - سبحانه - وحدا الذي ينقلكم من مكان إلى آخر وفى البر والبحر ، حتى إذا كنتم فى إحدى مرات تسييركم راكبين فى السفن التي سخرها لكم ، وجرت هذه السفن بمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذى تقصدونه ، وأنتم وفى حالة فرح غامر ، وسرور شامل . . ( جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِم . . . ) .والريح العاصف : هى الريح الشديدة القوية . يقال : عصفت الريح واعصفت فهي عاصف إذا اشتدت وفى سرعتها وهيجانها .والموج : ما ارتفع من مياه البحار ، والظن هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد الراجح ، وقوله : ( أُحِيطَ بِهِمْ ) أى : أحاط بهم البلاء من كل ناحية . يقال لمن وقع فى بلية : قد أحيط به وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بعدوه جعله على حافة الهلاك .أي بعد أن جرت السفن بهلاء القوم وفى البحر وهم وفى فرح وحبور ، جاءت إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب ، وارتفع إليها الموج من كل مكان ، واعتقد ركابها - الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين - أنهم قد أحاط بهم الهلاك كما يحيط العدو بعدوه .وقوله : ( بهم ) فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ، لأنه كان الظاهر أن يقال : حتى إذا كنتم وفى الفلك وجرين بكم لكن جاء الكلام على أسلوب الالتفات للمبالغة فى تقبيح أحوالهم ، وسوء صنيعهم .قال صاحب الكشاف " فإن قلت : ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟ قلت : المبالغة ، كأنه لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ، ويستدعي منهم الإِنكار والتقبيح " .وقوله : ( دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ) بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة ، والأمواج العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت .أي وفى تلك الساعات العصبية ، واللحظات الحرجة ، توجهوا إلى الله وحده قائلين : نقسم لك يا ربنا ، ويا من لا يعجزك شيء ، لئن أنجينا من تلك الأهوال التي نحن فيها ، لنكونن من الشاكرين لك ، المطيعين لأمرك ، المتبعين لشرعك .وهنا ، وبعد الدعاء العريض ، هدأت العاصفة ، وانخفضت الأمواج ، وسكنت النفوس بعض السكون ، ووصلت السفن إلى شاطئ الأمان فماذا كانت النتيجة؟كانت النتيجة كما صورها القرآن الكريم : ( فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ وفى الأرض بِغَيْرِ الحق . . )
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
( فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ وفى الأرض بِغَيْرِ الحق . . )أى : فحين أنجاهم الله - تعالى - بفضله ورحمته من هذا الكرب العظيم الذي كانوا فيه ، إذا هم يسعون وفى الأرض فساداً . ويرتكبون البغي الفاضح الذي لا يخفى قبحه على أحد .وقيد البغى بكونه بغير الحق ، لأنه لا يكون إلا كذلك ، إذ البغي معناه : تجاوز الحق ، يقال : بغي الجرح إذا تجاوز حده وفى الفساد .فقوله : ( بِغَيْرِ الحق ) تأكيد لما يفيد البغى من التعدى والظلم ، فهو بغى ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد .وقيل قيده بذلك يخرج البغي على الغير وفى مقابلة بغيه . فإنه يسمى بغيا فى الجملة ، لكنه بحق . وهو قول ضعيف ، لأن دفع البغي لا يسمى بغيا وإنما يسمى إنصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن الكريم : ( وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ) وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجائية ، للإِشعار بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم والجحود ، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر الأمان ، نسوا ما كانوا فيه من أهوال ، وسارعوا إلى الفساد وفى الأرض ، دون أن يردعهم رادع ، أو يصدهم ترغيب أو ترهيب .والتعبير بقوله ( فِى الأرض ) للإِشارة إلى أن بغيهم قد شمل أقطارها ، ولم يقتصر على جانب من جوانبها .وقوله - سبحانه - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) خطاب منه - سبحانه - لأولئك البغاة وفى كل زمان ومكان ، قصد به التهديد والوعيد .أى : يأيها الناس الذين تضرعوا إلينا وفى ساعات الشدة ، وهرولوا إلى البغي بعد زوال تلك الشدة ، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غيركم فأنتم وحدكم الذين ستتحملون سوء عاقبته وفى الدنيا والآخرة .واعلموا أن هذا البغي إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التيلا بقاء لها ، وإنما هى إلى زوال وفناء .واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفاني . فنخبركم يوم الدين بكل أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بالجزاء الذي تستحقونه .وقوله : ( إِنَّمَا بَغْيُكُمْ ) مبتدأ وخبره ( على أَنفُسِكُمْ ) أى هو عليكم وفى الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم .وقوله : ( مَّتَاعَ الحياة الدنيا ) : قرأ حفص عن عاصم ( متاع ) بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر . أى : تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية .وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : هو متاع الحياة الدنيا . وقوله : ( ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) تذييل قصد به تهديدهم على بغيهم ، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى يرتدعوا وينزجروا .هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1 - أن من الواجب على العاقل أن يكثر الله وفى حالتى الشدة والرخاء ، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية ، ففى الحديث الشريف : " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " .2 - أن الناس جيلوا على الرجوع إلى الله وحده عند المصائب والمحن ، وفى ذلك يقول الآلوسى : " روى أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبى وقاص قال : لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف ، فقال أصحاب السفينة لركابها : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً . فقال عكرمة : لئن لم ينجني وفى البحر إلا الإِخلاص ، ما ينجيني وفى البر غيره . اللهم ن لك عهدا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي فى يده ، فلأجدنه عفوا كريما . قال : فجاء فأسلم .وفى رواية ابن سعد عن أبي مليكة : أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله - تعالى - ويوحدونه فقال : ما هذا؟ فقالوا : هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله - تعالى - قال : " فهذا ما يدعونا إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا بنا " . فرجع وأسلم . . . " .وقال الفخر الرازي : " يحكي أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات الصانع؟ فقال له : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر وفى البحر . فقال له : صف لي كيفية حالك . فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة .فقال جعفر : هل وجدت وفى قلبك تضرعا ودعاء . فقال : نعم .فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه وفى ذلك الوقت .وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها " أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله - تعالى - ( هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ وفى البر والبحر ) فراعته بلاغة وصفها لطغيان البحر . . وكان يعمل قائدا لإحدى السفن . . فسأل بعض المسلمين : أتعلمون أن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - قد سافر وفى البحار؟ فقالوا له : لا . . فأسلم الرجل لأنه اعتقد أن القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله - تعالى . .3 - دل قوله - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ) . وقوله - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ . . ) على أن البغى يجازي أصحابه عليه فى الدنيا والآخرة .فأما وفى الآخرة فهو ما دل عليه إنذار أهله بأنه - سبحانه - سيجازيهم عليه أسوأ الجزاء .وأما فى الدنيا فبدليل قوله - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ) ويؤيده ما رواه البخاري وفى الأدب المفرد والترمذى وابن ماجه والحاكم من حديث أبي بكر الصديق - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة وفى الدنيا مع ما يدخر له فى الآخرة سوى البغى وقطيعة الرحم " .قال الآلوسى : وفى الآية من الزجر عن البغى ما لا يخفى " فقد أخرج أبو نعيم والخطيب والديلمى وغيرهم عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث هن رواجع على أهلها : المكر والنكث والبغى " ثم تلا - صلى الله عليه وسلم - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ) . وقوله - تعالى - ( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ ) وقوله - تعالى - ( وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه والسلام - : " لو بغى جبل على جبل لدك الباغى منهما " .وكأن المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه :يا صاحب البغى إن البغى مصرعه ... فارجع فخير فعال المرء أعدلهفلو بغى جبل يوما على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله
The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.
ثم ساق - سبحانه - مثلا لمتاع الحياة الدنيا والزائل ، ولزخرفها الفانى ، فقال - تعالى - :( إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ . . . )قوله - سبحانه - ( إِنَّمَا مَثَلُ . . . ) المثًل بمعنى المِثْل ، والمِثْل : النظير والشبيه ، ثم اطلق على القول السائر بالمعروف لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ، ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذاكان لها شأن عجيب وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية وأشباهها .والأمثال إنما تضرب لتوضيح المعنى الخفي ، وتقريب الشيء المعقول من الشىء المحسوس ، وعرض الأمر الغائب فى صورة المشاهد ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس .والمعنى : إنما صفة الحياة الدنيا وحالها في سرعة زوالها ، وانصرام نعيمها بعد إقباله . كحال ماء ( أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ) أى : فكثر بسببه نبات الأرض حتى التف وتشابك بعضه ببعض لازدهاره وتجاوزه ونمائه .وشبه - سبحانه - الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض ، لأن ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص - بخلاف ماء الأرض - فكان تشبيه الحياة به أنسب .وقوله : ( مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام ) معناه : وهذا النبات الذى نما وازدهر بسبب نزول المطر من السماء ، بعضه مما يأكله الناس كالبقول والفواكه . وبعضه مما تأكله الأنعام كالحشائش والأعشاب المختلفة .وجملة ( مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام ) حال من النبات .وقوله : ( حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت . . ) تصوير بديع لما صارت عليه الأرض بعد نزول الماء عليها ، وبعد أن أنبتت من كل زوج بهيج .ولفظ ( حتى ) غاية لمحذوف : أي نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض وربت وأنبتت النبات الذى ما زال ينمو ويزدهر حتى أخذت الأرض زخرفها .والزخرف : الذهب وكمال حسن الشيء . ومن القول أحسنه ، ومن الأرض ألوان نباتها .أى : حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبهاءها وجمالها ، وازينت بمختلف أنواع النباتات ذات المناظر البديعة ، والأولان المتعددة .قال صاحب الكشاف : " وهو كلام فصيح . جعلت الأرض آخذة زخرفها وزينتها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها ، وتزينت بغيرها من ألوان الزينة ، أصل ازينت تزينت " .وقوله : ( وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ ) أي : وظن أهل تلك الأرض الزاخرة بالنباتات النافعة . أنهم قادرون على قطف ثمارها ، ومتمكنون من التمتع بخيراتها ، ومن الانتفاع بغلاتها .وقوله : ( أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً . . ) تصوير معجز لما أصاب زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه و ( أو ) للتنويع أي : تارة يأتي ليلا وتارة يأتي نهارا .والجملة الكريمة جواب إذا في قوله ( حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا . . ) .أى : بعد أن بلغت الأرض الذروة فى الجمال وفى تعلق الآمال بمنافع زروعها ، أتاها قضاؤنا النافذة ، وأمرنا المقدر لإِهلاكها بالليل وأصحابها نائمون ، أو بالنهار وهم لا هون ، فجعلناها بما عليها كالأرض المحصودة ، التي استؤصل زرعها .وقوله : ( كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس ) تأكيد لهلاكها واستئصال ما عليها من نبات بصورة سريعة حاسمة .أي : جعلناهها كالأرض المحصودة التي قطع زرعها ، حتى لكأنها لم يكن بها منذ وقت قريب : الزرع النضير ، والنبات البهيج ، الباسق ، والطلع النضيد .قال القرطبى قوله : ( كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس ) أي : لم تكن عامرة . من غني بالمكان إذا أقام فيه وعمره ، والمغانى فى اللغة : المنازل التى يعمرها الناس .وقال ابن كثير : قوله : ( كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس ) أي كأنها ما كانت حينا قبل ذلك ، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكنن ولهذا جاء فى الحديث الشريف : " يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس فى النار غمسة فيقال له : هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول لا . ويؤتى بأشد الناس عذابا فى الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط فيقول لا " .والمراد بالأمس هنا : الوقت الماضى القريب : لا خصوص اليوم الذى قبل يومك .وقوله : ( كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) تذييل قصد به الحض على التفكير والاعتبار .أى : كهذا المثل في وضوحه وبيانه لحال الحياة الدنيا ، وقصر مدة التمتع بها نفصل الآيات ونضرب الأمثال الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لقوم يحسنون التفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض .قال الجمل ما ملخصه : " وهذه الآية مثل ضربه الله - تعالى - للمتشبث فى الدنيا الراغب في زهرتها وحسنها . . ووجه التمثيل أن غاية هذه الدنيا التى ينتفع بها المرء ، كناية عن هذا النبات الذى لما عظم الرجاء في الانتفاع به ، وقع اليأس منه ، ولأن المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها " .
And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.
وبعد أن بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا ، وقصر مدة التمتع بها ، أتبع ذلك بدعوة الناس جميعا إلى العمل الصالح الذى يوصلهم إلى الجنة فقال - تعالى - :( والله يدعوا إلى دَارِ . . . )المقصود بدار السلام : الجنة التي أعدها الله - تعالى - لعباده المؤمنين ، وسميت بذلك ، لأنها الدار التي سلم أهلها من كل ألم وآفة . أو لأن تحيتهم فيها سلام ، أو لأن السلام من أسماء الله - تعالى - فأضيفت إليه تعظيما لشأنها ، وتشريفا لقدرها ، كما يقال للكعبة : بيت الله .وقوله : ( والله يدعوا إلى دَارِ السلام . . . ) معطوف على محذوف يدل عليه السياق .والتقدير : الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها ، والله - تعالى - يدعو الناس جميعا إلى الإِيمان الحق الذى يوصلهم إلى دار كرامته .وقوله : ( وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) وهو المؤدى بصاحبه إلى رضوان الله ومغفرته .والمراد بالصراط المستقيم : الدين الحق الذى شرعه الله لعباده . وبلغه لهم عن طريق نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences