At-Tafsir al-WasitYunus · 10:6–10

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:6–10

10:6Page 208

إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ ٦

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allāh has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allāh.

ثم بين - سبحانه - لونا آخر من ألوان قدرته ورحمته فقال : ( إِنَّ فى اختلاف الليل والنهار ) طولا وقصرا ، وحرا وبردا ، وتعاقبا دقيقا لا يسبق أحدهما معه الآخر ( وَمَا خَلَقَ الله فى السماوات والأرض ) من أنواع الإنس والجن والحيوان والنبات والنجوم وغير ذلك من المخلوقات التى لا تعد ولا تحصى . .إن فى كل ذلك الذى خلقه ( لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ ) أى : لدلائل عظيمة كثيرة دالة على قدرة الله ورحمته ووحدانيته ، لقوم يتقون الله - تعالى - فيحذرون عقابه ، ويرجون رحمته .وخص - سبحانه - المتقين بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بنتائج التدبر فى هذه الدلائل .وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد سلك أنجع الوسائل فى مخاطبة الفطرة البشرية ، حيث لفت الأنظار إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من مخلوقات شاهدة محسوسة ، تدل على وحدانية الله ، وقدرته النافذة ، ورحمته السابغة بعباده .

10:7Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ ٧

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs -

ثم بينت السورة الكريمة ما أعده الله من عذاب للكافرين ، وما أعده من ثواب للطائعين ، فقال - تعالى - :( إِنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ . . . ) .قال الإِمام الرازي : " اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإِله القادر الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفر بها وفي شرح أحوال من يؤمن بها " .والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء . والمعنى : إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا ( وَرَضُواْ بالحياة الدنيا ) رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها ، وأطمأنوا بها ، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها ( والذين هُمْ عَنْ آيَاتِنَا ) التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ( غافلون ) بحيث لا يخطر على بالهم شيء مما يدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة .وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب ، ولا يخافون من عقاب ، لإِنكار الدار الآخرة .ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا ، بأن أصبح همهم محصورا فيها ، وفي لذائذها وشهواتها .قال الإِمام الرازي : " واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية ، وفراغه عن طلب السعادات الحصالة بالمعارف الربانية ، وأما هخذه الصفة الثانية فهي إشارة إلى من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها ، واستغراقه فى طلبها " .ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة ، اطمئنان الشخص إلى الشيء الذى لا ملاذ له سواه ، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله ، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير ، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا .ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب ، وتهدي العقل ، وتحفز النفس إلى التفكير والتدبير .وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم ، واستحبوا الضلالة على الهدى ، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذي هو خير .

10:8Page 209

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

فماذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله : ( أولئك مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) .أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة ، مقرهم وملجأهم إليه النار وبئس القرار ، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات .هذه هى صفات هؤلاء الأشقياء ، وذلك هو جزاؤهم العادل ، أما السعداء فقد بين الله - تعالى -

10:9Page 209

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٩

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure.

بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) .أى : آمنو بما يجب الإِيمان به ، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند ربهم .( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) أي يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهي الجنة .وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها ، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار . .قال الإِمام ابن كثير : يحتمل أن تكون الباء فى قوله ( بإيمانهم ) للسببية ، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة ، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد : ( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) : أى : يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية : يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك ، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة ، فذلك قوله - تعالى - ( يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ) . والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة . وريح منتنة فيلزم صابحه حتى يقذفه فى النار . . .وقوله : ( تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار فى جَنَّاتِ النعيم ) أى : تجري من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار ، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات ، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت . ولا خطر على قلب بشر .

10:10Page 209

دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allāh," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allāh, Lord of the worlds!"

وقوله : ( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهم ) أى : دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم : سبحانك اللهم . فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء . يقال : دعا يدعو دعاء ودعوى . كما يقال : شكا يشكو شكاية وشكوى .ولفظ سبحان : اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه .ولفظ اللهم أصله يا الله ، فلما استعمل دون حرف النداء الذى هو " يا " جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضا عن حرف النداء .قال الإِمام الرازي : " ومما يقوي أن المراد من الدعووى هنا الدعاء ، أنهم قالوا : اللهم .وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم : سبحانك اللهم . إنا نسبحك . كقول القانت فى دعاء القنوت " اللهم إياك نعبد " .ثم قال : ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة . ونظيره قوله - تعالى - : ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ) أى : وما تعبدون ، فيكون معنى الآية : أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه ، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف ، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى - .وقوله ( وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ) معطوف على ما قبله . والتحية : التكرمة بالحال الجليلة ، وأصلها أحياك الله حياة طيبة . والسلام : بمعنى السلامة من كل مكروه .أى : دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم . وتحيتهم التى يحيون بها هى السلامة من كل مكروه .وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه - ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ) وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى - : ( وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ . سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار )وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - ( لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً . . . ) وقوله : ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) أى : وختام دعائهم يكون بقولهم : الحمد لله رب العالمين .قال الإِمام القرطبي ما ملخصه : " ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء " .روى الشيخان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب : " لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ، ورب العرش الكريم " . قال الطبري : كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب .والذي يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء ، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء ، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه ، ما رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " دعوة ذي النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شيء إلا استجيب له " .ويستحب للداعي أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة : ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ) .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском