At-Tafsir al-WasitHud · 11:66–70

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Hud 11:66–70

11:66Page 229

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦

So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

ولقد تحقق ما توعدهم به نبيهم ، فقد حل بهم العذاب فى الوقت الذى حدده لهم ، قال - تعالى - ( فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ) أى : فلما جاء أمرنا بإنزال العذاب بهم فى الوقت المحدد .( نَجَّيْنَا صَالِحاً والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ) أى برحمة عظيمة كائنة منا .ونجيناهم أيضاً ( وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ) أى : من خزى وذل ذلك اليوم الهائل الشديد الذى نزل فيه العذاب بالظالمين من قوم صالح - عليه السلام - فأبادهم .فالتنوين فى قوله ( يومئذ ) عوض عن المضاف إليه المحذوف .وقوله - سبحانه - ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوي العزيز ) تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين عما أصابهم من أذى .أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو القوى الذى لا يعدز شئ ، العزيز الذى لا يهون من يتولاه ويرعاه ، فلا تبتئس عما أصابك من قومك ، فربك قادر على أن يفعل بهم ، ما فعله بالظالمين السابقين من أمثالهم .

11:67Page 229

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧

And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

ثم صور القرآن الكريم حال هؤلاء الظالمين تصويرا يدعو إلى الاعتبار والاتعاظ فقال : ( وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ . كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ )والصيحة : الصوت المرتفع الشديد . يقال : صاح فلان إذا رفع صوته بقوة . وأصل ذلك تشقيق الصوت ، من قولهم : انصاح الخشب والثوب ، إذا انشق قسمع له صوت .و ( جاثمين ) : من الجثوم وهو للناس وللطير بمنزلة البروك للإِبل . يقال : جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم . . إذا وقع على صدره ، ولزم مكانه فلم يبرحه .ويغنوا فيها : أى يقيموا فيها . يقال : غنى فلان بالمكان يغنى إذا أقام به وعاش فيه فى نعمة ورغد .أى : وأخذ الذين ظلموا من قوم صالح - عليه السلام - عن طريق الصحة الشديدة التى أصبحت بهم بأمر الله - تعالى - ( فَأَصْبَحُواْ ) بسببها ( فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) أى : هلكى صرعى ، ساقطين على وجوههم ، بدون حركة . . .

11:68Page 229

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.

( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ) أى : كأن هؤلاء القوم الظالمين ، لم يقيموا فى ديارهم عمرا طويلا وهم فى رخاء من عيشهم .( أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ ) أى : ألا إن هؤلاء الظالمين من قبيلة ثمود ، كفروا نعمة ربهم وجحودها؛ ألا بعداً وسحقاً وهلاكاً لهؤلاء المجرمين من قبيلة ثمود .وفى تكرار حرف التنبيه ( ألا ) وتكرار لفظ ( ثمود ) تأكيد لطردهم من رحمة الله ، وتسجيل لما ارتكبوه من منكرات .وبذلك انطوت صفحة أولئك الظالمين من قوم صالح - عليه السلام - كما انطوت من قبلهم صحائف قوم نوح وهود - عليهما السلام - .ومن أبرز العبر والعظات التى نأخذها من قصة صالح مع قومه كما وردت فى هذه السورة الكريمة : أن النفوس إذا انطمست ، والعقول إذا انتكست ، تعجب مما لا عجب فيه؛ وتستنكر ما هو حق وصدق ، وتسئ ظنها بالشخص الذى كان بالأمس القريب موضع رجائها وثقتها ، لأنه أتاهم بما لم يألفوه . . . حتى ولو كان ما أتاهم به فيه سعادتهم وهدايتهم . . .فصالح - عليه السلام - كان مرجوا فى قومه قبل أن يكون نبياً ، فلما صار نبياً وبلغهم ما أرسله الله به ، خاب أملهم فيه ، وساء ظنهم به ، وجاهروه بالعداوة والعصيان . . . مع أنه أتاهم بما يسعدهم . . .وصدق الله إذ يقول : ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلك بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ ) هذا ، وقد وردت أحاديث تصرح بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد مر على ديار ثمود وهو فى طريقه إلى غزوة تبوك .ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان عن ابن عمر قال : " لما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر قال : لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين ، فلا تدخلوا عليهم ، لئلا يصيبكم ما أصابهم . ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوزوا الوادى " .

11:69Page 229

وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩

And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

ثم ساقت السورة الكريمة جانباً من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة ، الذين جاءوه بالبشارة ، فقال - تعالى - :( وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ . . . ) .هذه قصة إبراهيم - عليه السلام - مع الملائكة الذين جاءوا لبشارته بابنه إسحاق ، وبإخباره بإهلاك قوم لوط - عليه السلام - .وقد ودرت هذه القصة فى سور أخرى منها سورة الحجر فى قوله - تعالى - : ( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . . . ) ومنها سورة الذاريات فى قوله - تعالى - ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين . إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ . . . ) والمراد بالرسل فى قوله - تعالى - ( وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى ) جماعة من الملائكة الذين أرسلهم الله - تعالى - لتبشير إبراهيم بابنه إسحاق .وقد اختلفت الروايات فى عددهم فعن ابن عباس أنهم ثلاثة وهم : جبريل وميكائيل وإسرافيل ، وعن الضحاك أنهم كانوا تسعة ، وعن السدى أنهم كانوا أحد عشر ملكاً . .والحق أنه لم يرد فى عددهم نقل صحيح يعتمد عليه ، فلنفوض معرفة عددهم إلى الله - تعالى - .والبشرى : اسم للتبشير والبشارة وهى الخبر السار ، فهى أخص من الخبر ، وسميت بذلك لأن آثارها تظهر على بشرة الوجه أى : جلده .وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التأكيد للاهتمام بمضمونها ، وللرد على مشركى قريش وغيرهم ممن كان ينكر هذه القصة وأمثالها .والباء فى قوله - سبحانه - ( بالبشرى ) للمصاحبة والملابسة ، أى : جاءوا مصاحبين وملتبسين بالبشرى .وقوله : ( قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ) حكاية لتحيتهم له ولرده عليهم .( وسلاما ) منصوب بفعل محذوف . أى قالوا نسلم عليك سلاما .( وسلام ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . أى قال أمرى سلام .وقرأ حمزة والكسائى : قال سلم وهو اسم للمسألمة .ثم بين - سبحانه - ما فعل إبراهيم مع هؤلاء الرسل من مظاهر الحفاوة والتكريم فقال : ( فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ) .و " ما " فى قوله ( فَمَا لَبِثَ ) نافية ، والفاء للتعقيب ، واللبث فى المكان معناه : عدم الانتقال عنه . والعجل : الصغير من البقر .أى : فما أبطأ وما تأخر إبراهيم - عليه السلام - عن إكرامهم ، بل بمجرد أن انتهى من رد التحية عليهم ، أسرع إلى أهله فجاءهم بعجل حنيذ . . .وهذا الفعل منه - عليه السلام - يدل على سعة جوده ، وعظيم سخائه ، فإن من آداب الضيافة ، تعجيل القرى للضيف .قال أبو حيان : والأقرب فى إعراب ( فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ . . . ) أن تكون ( ما ) نافية ، ولبث معناه تأخر وأبطأ و ( أَن جَآءَ ) فاعل لبث والتقدير؛ فما تأخر مجيئه . .ويجوز أن يكون فاعل لبث ضمير إبراهيم ، وأن جاء على إسقاط حرف الجر ، أى فما تأخر فى أن جاء بعجل حينذ . .

11:70Page 229

فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

ثم بين - سبحانه - حال إبراهيم عندما رأى ضيوفه لا يأكلون من طعامه فقال : ( فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً .. . )ومعنى ( نَكِرَهُمْ ) : نفر منهم ، وكره تصرفهم . نقول فلان نكر حال فلان - كعلم - وأنكره نكراً ونكوراً . . . إذا وجده على غير ما يعهده فيه ، ويتوقعه منه .( وَأَوْجَسَ ) من الوجس وهو الصوت الخفى ، والمراد به هنا : الإِحساس الخفى بالخوف والفزع الذى يقع فى النفس عند رؤية ما يقلقها ويخيفها .أى : فلما رأى إبراهيم - عليه السلام - ضيوفه لا تمتد أيديهم إلى الطعام الذى قدمه لهم ، نفر منهم ، وأحس فى نفسه من جهتهم خوفاً ورعباً؛ لأن امتناع الضيف عن الأكل من طعام مضيفه - بدون سبب مقنع 0- يشعر بأن هذا الضيف ينوى شراً به . . . والتقاليد فى كثير من البلاد إلى الآن تؤيد ذلك .ولذا قالت الملائكة لإِبراهيم عندما لاحظوا ما يساور نفسه من الخوف : ( لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ )أى : لا تخف يا إبراهيم فإنا لسنا ضيوفا من البشر ، وإنما نحن رسل من الله - تعالى - أرسلنا إلى قوم لوط لإِهلاكهم .وقد جاء فى بعض الآيات أنه صارحهم بالخوف منهم ، ففى سورة الحجر قال - تعالى - : ( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ . قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ . . . ).

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском