For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر رعايته لعباده فقال - تعالى - ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ . . . ) .والضمير فى ( له ) يعود إلى ( من ) فى قوله ( مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل ) باعتبار تأويله بالمذكور .و " معقبات " صفة لموصوف محذوف أى : ملائكة معقبات .قال الشوكانى : " والمعقبات المتناوبات التى يخلف كل واحد منها صاحبه ويكون بدلا منه . وهم الحفظة من الملائكة فى قول عامة المفسرين . قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتى بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال " معقبات " مع كون الملائكة ذكوراً؛ لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم جمع معقبة على معقبات .قال الجوهرى : والتعقيب العود بعد البدء قال الله - تعالى - ( ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ ) يقال : عقب الفرس فى عدوه ، أى : جرى بعد جريه . وعقبه تعقيبا . أى : جاء عقبة و " من " فى قوله ( مِنْ أَمْرِ الله ) بمعنى باء السببية .والمعنى : لكل واحد من هؤلاء المذكورين ممن يسرون القول أو يجهرون به ، ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار ويحيطون به من جميع جوانبه لحفظه ورعايته ، ولكتابة أقواله وأعماله ، وهذا التعقيب والحفظ ، إنما هو بسبب أمر الله - تعالى - لهم بذلك .قال ابن كثير : وفى الحديث الصحيح : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون فى صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم - سبحانه - وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادى؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلون ، وتركناهم وهم يصلون " .وفى الحديث الآخر : " إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحويهم وأكرموهم " أى : فاستحيوا منهم وأكرموهم بالتستر وغيره .وقال عكرمة عن ابن عباس " يحفظونه من أمر الله ، قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه " .ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ) .أى : إن الله - تعالى - قد اقتضت سنته ، أنه - سبحانه - لا يغير ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة إلى معصية؛ ومن جميل إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد .وإذا أراد - سبحانه - بقوم سوءا من عذاب أو هلاك ما يشبهها بسبب إيثارهم الغى على الرشد ، فلا راد لقضائه ، ولا دافع لعذابه .وما لهم من دونه - سبحانه - من وال أى من ناصر ينصرهم منه - سبحانه - ويرفع عنهم عقابه ، ويلى أمورهم ويلتجئون إليه عند الشدائد .فالجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر عدل الله فى شئون عباده ، وتحذير شديد لهم من الإِصرار على الشرك والمعاصى وجحود النعمة ، فإنه - سبحانه - لا يعصم الناس من عذابه عاصم . ولا يدفعه دافع .قال الإِمام ابن كثير : " قال ابن أبى حاتم : أوحى الله إلى نبى من أنبياء بنى إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله ، فيتحولون منها إلى معصية الله ، إلا تحول الله لهم لهم مما يحبون إلى ما يكرهون .ثم قال : إن مصداق ذلك فى كتاب الله ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) .وعن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا على بن أبى طالب على منبر الكوفة فقال : كنت إذا سكت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابتدأنى ، وإذا سألته عن الخبر أنبأنى ، وإنه حدثنى عن ربه - عز وجل - قال : " قال الرب : وعزتى وجلالى وارتفاعى فوق عرشى ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتى ، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتى ، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابى إلى ما يحبون من رحمتى " .
It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.
ثم لفت - سبحانه - أنظار عباده إلى أنواع متعددة من الظواهر الكونية الدالة على قدرته ووحدانيته ، وبين أن هذه الظواهر قد تكون نعما ، وقد تكون نقما ، وأنها وغيرها تسبح بحمد الله ، وتخضع لسلطانه فقال - تعالى - :( هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً . . . ) .البرق : ما يراه الرائى من نور لامع يظهر من خلال السحاب ، وخوفا وطمعا : حالان من الكاف فى يريكم ، أو هما فى محل المفعول لأجله .والمعنى : هو الله - تعالى - وحده الذى يريكم بقدرته البرق ، فيترتب على ذلك أن بعضكم يخاف ما ينجم عنه من صواعق ، أو سيل مدمر ، وبعضكم يطمع فى الخير من ورائه ، فقد يعقبه المطر النافع ، والغيث المدرار .فمن مظاهر حكمة الله - تعالى - فى خلقه ، أنه جعل البرق علامة إنذار وتبشير معا ، لأنه بالإِنذار والتبشير تعود النفوس إلى الحق ، وتفئ إلى الرشد .وجملة ( وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - وإنشاء السحاب : تكونيه من العدم .والسحاب : الغيم المنسحب فى الهواء ، وهو اسم جنس واحد سحابة ، فلذلك وصف بالجمع وهو ( الثقال ) جمع ثقيلة .أى : وهو - سبحانه - الذى ينشئ السحاب المثقل بالماء ، فيرسله من مكان إلى مكان على حسب حكمته ومشيئته .قال - تعالى - ( وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وقوله - سبحانه - ( وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته .
And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.
( وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ )والرعد : اسم للصوت الهائل الذى يسمع إثر تفجير شحنة كهربية فى طبقات الجو .وعطف - سبحانه - الرعد على البرق والسحاب ، لأنه مقارن لهما فى كثير من الأحوال . والتسبيح : مشتق من السبح وهو المرور السريع فى الماء أو فى الهواء وسمى الذاكر الله - تعالى - مسبحا ، لأنه مسرع فى تنزيهه سبحانه عن كل نقص .وتسبيح الرعد - وهو هذا الصوت الهائل - بحمد الله ، يجب أن نؤمن به ، ونفوض كيفيته إلى الله - تعالى - لأنه من الغيب الذى لا يعلمه إلا هو - سبحانه - وقد بين لنا - سبحانه - فى كتابه أن كل شئ يسبح بحمده فقال : ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) وقد فصل القول فى معنى هذه الجملة الكريمة الإِمام الآلوسى فقال - رحمه الله - ما ملخصه :وقوله : ( وَيُسَبِّحُ الرعد ) قيل هو اسم للصوت المعلوم ، والكلام على حذف مضاف أى : ويسبح سامعو الرعد بحمده - سبحانه - رجاء للمطر .ثم قال : والذى اختاره أكثر المحدثين كون الإِسناد حقيقيا بناء على أن الرعد اسم للملك الذى يسوق السحاب ، فقد أخرج أحمد والترمذى وصححه والنسائى وآخرون عن ابن عباس أن اليهود سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : أخبرنا ما هذا الرعد؟ فقال : " ملك من ملائكة الله - تعالى - موكّل بالسحاب ، بيديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله - تعالى - قالوا .فما هذا الصوت الذى نسمع؟ قال صوته - قالوا : صدقت " .ثم قال : واستشكل بأنه لو كان علما للملك لما ساغ تنكيره ، وقد نكر فى سورة البقرة فى قوله - تعالى - ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ) وأجيب بأن له إطلاقين : ثانيهما إطلاقه على نفس الصوت ، والتنكير على هذا الإطلاق . . .والذى نراه أن تسبيح الرعد بحمد الله يجب الإِيمان به ، سواء أكان الرعد اسما لذلك الصوت المخصوص؛ أم اسما لملك من الملائكة ، أما كيفية هذا التسبيح فمردها إلى الله .قال الإِمام الشوكانى : ( وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ) أى يسبح الرعد نفسه بحمد الله . أى متلبسا بحمده ، وليس هذا بمستبعد ، ولا مانع من أن ينطقه الله بذلك .وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد فى ذلك ، ويكون ذكره على الإِفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له . وعناية بهوقال الإِمام ابن كثير : قال الإِمام أحمد : حدثنا عفان . . عن سالم عن أبيه قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع الرعد والصواعق قال : " اللهم لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك " .وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا أحمد بن إسحاق . . عن أبى هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع صوت الرعد قال : " سبحان من يسبح الرعد بحمده " .وقوله - سبحانه - ( والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ ) نوع رابع من الأدلة الدالة على وحدانية الله وقدرته . أى ويسبح الرعد بحمد الله ، ويسبح الملائكة - أيضا - بحمد الله ، خوفا منه - تعالى - وإجلالا لمقامه وذاته .و ( من ) فى قوله - تعالى ( مِنْ خِيفَتِهِ ) للتعليل ، أى : يسبحون لأجل الخوف منه . وقوله ( وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ ) نوع خامس من الظواهر الكونية الدالة على كما قدرته - سبحانه - .والصواعق جمع صاعقة ، وهى - كما يقول ابن جرير - كل أمر هائل رآه الرائى أو أصابه ، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل . . .والمراد بها هنا : النار النازلة من السماء .أى ويرسل - سبحانه - الصواعق المهلكة فيصيب بها من يشاء إصابته من خلقه .وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أنها نزلت فى رجل من طواغيت العرب ، بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - نفرا يدعونه إلى الإِسلام ، فقال لهم : أخبرونى عن رب محمد ما هو ، أمن فضه أم من حديد؟فبينا النفر ينازعونه ويدعونه إذا ارتفعت سحابة فكانت فوق رءوسهم فرعدت وأبرقت ورمت بصاعقة فأهلكت الكافر وهم جلوس .رجعوا إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فاستقبلهم بعض الصحابة فقالوا لهم : احترق صاحبكم؟ فقالوا : من أين علمتم؟ قالوا : أوحى الله إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ( وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ )وضمير الجماعة فى قوله ( وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال ) يعود إلى أولئك الكافرين الذين سبق أن ساق القرآن بعض أقوالهم الباطلة ، والتى منها قولهم : ( أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) والمجادلة : المخاصمة والمراجعة بالقول .والمراد بمجادلتهم فى الله : تكذيبهم للنبى - صلى الله عليه وسلم - فيما أمرهم به من وجوب إخلاص عبادتهم لله - تعالى - وإيمانهم بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب .والمحال : الكيد والمكر ، والتدبير والقوة ، والعقاب . . يقال : محل فلان بفلان - بتثليث الحاء - محلا ومحالا ، إذا كاده وعرضه للهلاك .قال القرطبى : قال ابن الأعرابى : المحال المكر وهو من الله - تعالى - التدبير بالحق أو إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر .وقال الأزهرى : المحال : أى القوة والشدة .وقال أبو عبيد : المحال : العقوبة والمكروه .أى : أن هؤلاء الكافرين يجادلونك - أيها الرسول فى ذات الله وفى صفاته ، وفى وحدانيته ، وفى شأن البعث ، وينكرون ما جئتهم به من بينات والحال أن الله - تعالى - ( وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ . فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) ثم
To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].
بين - سبحانه - أن دعوته هى الدعوة الحق ، وما عداها فهو باطل ضائع فقال : ( لَهُ دَعْوَةُ الحق ) أى : له وحده - سبحانه - الدعوة الحق المطابقة للواقع ، لأنه هو الذى يجيب المضطر إذا دعاه ، وهو الحقيق بالعبادة والالتجاء .فإضافة الدعوة إلى الحق من إضافة الموصوف إلى صفته ، وفى هذه الإِضافة إيذان بملابستها للحق ، واختصاصها به ، وأنها بمعزل عن الباطل .ومعنى كونها له : أنه - سبحانه - شرعها وأمر بها .قال الشوكانى : قوله : ( لَهُ دَعْوَةُ الحق ) إضافة الدعوة إلى الحق للملابسة . أى : الدعوة الملابسة للحق ، المختصة به التى لا مدخل للباطل فيها بوجه من الوجوه .وقيل : الحق هو الله - تعالى - والمعنى : أنه لله - تعالى - دعوة المدعو الحق وهو الذى يسمع فيجيب .وقيل : المراد بدعوة الحق ها هنا كلمة التوحيد والإِخلاص والمعنى : لله من خلقه أن يوحدوه ويخلصوا له العبادة .وقيل : دعوة الحق ، دعاؤه - سبحانه - عند الخوف ، فإنه لا يدعوى فيه سواه ، كما قال - تعالى - ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ) وقيل : الدعوة الحق ، أى العبادة الحق فإن عبادة الله هى الحق والصدق .ثم بين - سبحانه - حال - من يعبد غيره فقال : ( والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ) .والمراد بالموصول ( والذين ) الأصنام التى يعبدها المشركون من دون الله .والضمير فى يدعون ، للمشركين ، ورابط الصلة ضمير نصب محذوف أى : يدعونهم .والمعنى : لله - تعالى - العبادة الحق ، والتضرع الحق النافع ، أما الأصنام التى يعبدها هؤلاء المشركون من غير الله . فإنها لا تجيبهم إلى شئ يطلبونه منها ، إلا كإجابة الماء لشخص بسط كفيه إليه من بعيد ، طالبا منه أن يبلغ فمه وما الماء ببالغ فم هذا الشخص الأحمق ، لأن الماء لا يحس ولا يسمع نداء من يناديه .والمقصود من الجملة الكريمة نفى استجابة الأصنام لما يطلبه المشركون منها نفيا قاطعا ، حيث شبه - سبحانه - حال هذه الآلهة الباطلة عندما يطلب المشركون منها ما هم فى حاجة إليه ، بحال إنسان عطشان ولكنه غبى أحمق لأنه يمد يده إلى الماء طالبا منه أن يصل إلى فمه دون أن يتحرك هو إليه . فلا يصل إليه شئ من الماء لأن الماء لا يسمع نداء من يناديه .ففى هذه الجملة الكريمة تصوير بليغ لخيبة وجهالة من يتوجه بالعبادة والدعاء لغير الله - تعالى - .وأجرى - سبحانه - على الأصنام ضمير العقلاء فى قوله ( لاَ يَسْتَجِيبُونَ ) مجاراة للاستعمال الشائع عند المشركين ، لأنهم يعاملون الأصنام معاملة العقلاء .ونكر شيئا فى قوله ( لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ) للتحقير . والمراد أنهم لا يستجيبون لهم أية استجابة حتى ولو كانت شيئا تافها .والاستثناء فى قوله ( إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء . . . ) من أعم الأحوال .أى : لا يستجيب الأصنام لمن طلب منها شيئا ، إلا استجابة كاستجابة الماء لملهوف بسط كفيه إليه يطلب منه أن يدخل فمه ، والماء لا يشعر ببسط كفيه ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيب طلبه ولو مكث على ذلك طوال حياته .والضمير " هو " فى قوله ( وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ) للماء ، والهاء فى " ببالغه " للفم : أى : وما الماء ببالغ فم هذا الباسط لكفيه .وقيل الضمير " هو " للباسط ، والهاء للماء ، أى : وما الباسط لكفيه ببالغ الماء فمه .قال القرطبى : " وفى معنى هذا المثل ثلاثة أوجه :أحدها : أن الذى يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذى يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه ، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا لأن الماء لا يستجيب ، وما الماء ببالغ إليه ، قاله مجاهد .الثانى : أنه كالظمآن الذى يرى خياله فى الماء وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه ، لكذب ظنه وفساد توهمه . قاله ابن عباس .الثالث : أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه ، فلا يجد فى كفه شيئا منه .وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه ، بالقبض على الماء كما قال الشاعر :ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء ، خانته فروج الأصابعوقوله - سبحانه - ( وَمَا دُعَآءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ) أى : وما عبادة الكافرين للأصنام ، والتجاؤهم إليها فى طلب الحاجات ، إلا فى ضياع وخسران لأن هذه الآلهة الباطلة لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا ، فضلا عن أن تملك ذلك لغيرها .
And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.
ثم بين - سبحانه - أن هذا الكون كله خاضع له - عز وجل - فقال : ( وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال ) .والمراد بالسجود له - سبحانه - : الانقياد والخضوع لعظمته .وظلالهم : جمع ظل وهو صورة الجسم المنعكس إليه نور .والغدو : جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس .والآصال : جمع أصيل وهو ما بين العصروغروب الشمس .والمعنى : ولله - تعالى - وحده يخضع وينقاد جميع من فى السموات والأرض من الملائكة والإِنس والجن وغيرهم .وقوله ( طَوْعاً وَكَرْهاً ) منصوبان على الحال من " من " ، أى : أن جميعهم يسجدون لله ، وينقادون لعظمته ، حال كونهم طائعين وراضين بهذا السجود والانقياد ، وحال كونهم كارهين وغير راضين به ، لأنهم لا يستطيعون الخروج على حكمه لا فى الإِيجاد ولا فى الإِعدام ولا فى الصحة ولا فى الأرض ، ولا فى الغنىن ولا فى الفقر . . فهم خاضعون لأمره شاءوا أم أبوا .وسيتوى فى هذا الخضوع المؤمن والكافر ، إلا أن المؤمن خاضع عن طواعية بذاته وبظاهره وبباطنه لله - تعالى - .أما الكافر فهو خاضع لله - تعالى - بذاته ، ومتمرد وجاحد وفاسق عن أمر ربه بظاهره ، والضمير فى قوله - سبحانه - ( وَظِلالُهُم ) يعود على ( مَن فِي السماوات والأرض ) .أى : والله - تعالى - يخضع من فى السموات والأرض طوعا وكرها ويخضع له - أيضا - بالغدو والآصال ظلال من له ظل منهم ، لأن هذه الظلال لا زمة لأصحابها والكل تحت قهره ومشيئته فى الامتداد والتقلص والحركة والسكون .قال - تعالى - ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ اليمين والشمآئل سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) وقال تعالى : ( أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) ثم وجه - سبحانه - عن طريق نبيه - صلى الله عليه وسلم - أسئلة تهكمية إلى هؤلاء المشركين المجادلين فى ذات الله - تعالى - وفى صفاته ، وساق لهم أمثلة للحق والباطل ، وبين لهم حسن عاقبة المستجيبين لدعوة الحق ، وسوء عاقبة المعرضين عنها فقال - تعالى - :( قُلْ مَن رَّبُّ السماوات . . . ) .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences