At-Tafsir al-WasitAn‑Nahl · 16:86–90

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:86–90

16:86Page 276

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦

And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."

ثم حكى سبحانه بعض ما يدور بينهم وبين معبوداتهم الباطلة يوم القيامة ، فقال - تعالى - : ( وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هؤلاءآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ . . ) .قال القرطبى : " قوله - تعالى - : ( وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ ) أى : أصنامهم وأوثانهم التى عبدوها ، وذلك أن الله يبعث معبوديهم فيتبعونهم حتى يوردوهم النار . وفى صحيح مسلم : " من كان يعبد شيئا فليتبعه " فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ، ويتبع من كان يعبد القمر القمر ، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت . . . " .وقال الآلوسى : " والمراد بشركائهم : كل من اتخذوه شريكا له - عز وجل - من صنم ، ووثن ، وشيطان ، وآدمى ، وملك . . وإضافتهم إلى ضمير المشركين لهذا الاتخاذ - أى لاتخاذهم إياهم شركاء لله فى العبادة - أو لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم وأنعامهم " .أى : وإذا أبصر المشركون يوم القيامة شركاءهم الذين أشركوهم مع الله - تعالى - فى العبادة ، ( قالوا ) أى المشركون على سبيل التحسر والتفجع ياربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا فى الدنيا نعبدهم من دونك ، ونتقرب بهم إليك ، فلا تجعل ياربنا العذاب علينا وحدنا بل خففه أو ارفعه عنا فهؤلاء الشركاء هم الذين أضلونا .قال أبو مسلم : ومقصود المشركين بهذا القول إحالة الذنب على تلك الأصنام تعللا بذلك واسترواحا ، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة ، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه .وقوله - تعالى - : ( فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ) حكاية لما رد به الشركاء على المشركين . أى : فرد أولئك الشركاء من الأصنام وغيرها على المشركين بقولهم : إنكم لكاذبون - أيها المشركون - فى إحالتكم الذنب علينا ، فإننا ما دعوناكم لعبادتنا ، ولا أجبرناكم على الإِشراك بالله - تعالى - ، ولكنكم أنتم الذين اخترتم هذا الطريق المعوج ، تقليدا لآبائكم واستجابة لأهوائكم وشهواتكم ، وإيثارا للباطل على الحق وما رد به الشركاء على المشركين هنا ، قد جاء ما يشبهه فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - :( واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ) وقوله - تعالى - : ( وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ . . ) قال القرطبى : وقوله - تعالى - : ( فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول . . . ) أى : ألقت إليهم الآلهة القول ، أى : نطقت بتكذيب من عبدها . بأنها لم تكن آلهة ، ولا أمرتهم بعبادتها ، فينطق الله الأصنام حتى تظهر عند ذلك فضيحة الكفار .وقال الجمل : فإن قلت : كيف أثبت للأصنام نطقا هنا ، ونفاه عنها فى قوله - تعالى - فى سورة الكهف : ( وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ الذين زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ . . ) فالجواب : أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين فى دعوى عبادتهم لها ، والمنفى عنهم فى الكهف النطق بالإِجابة إلى الشفاعة لهم ودفع العذاب عنهم فلا تنافى .والتعبير بقوله - تعالى - : ( فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول . . . ) يشعر بأن الشركاء قد ردوا على المشركين قولهم بسرعة وبدون إبطاء حيث أتى - سبحانه - بالفاء فى قوله ( فألقوا ) واشتملت جملة ( إنكم لكاذبون ) على جملة من المؤكدات ، لإِفحام المشركين ، وتكذيبهم فى قولهم تكذيبا قاطعا لا يحتمل التأويل .

16:87Page 276

وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧

And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.

ولذا وجدنا المشركين يعجزون عن الرد على شركائهم ، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) .أى : وألقى المشركون يوم القيامة ( السلم ) أى : الاستسلام والخضوع والانقياد ، لقضاء الله - تعالى - العادل فيهم ، وغاب وذهب عنهم ما كانوا يفترونه ويزعمونه فى الدنيا من أن آلهتهم ستشفع لهم ، أو ستنفعهم يوم القيامة .وقيل : إن الضمير فى قوله - تعالى - ( وألقوا ) يعود على المشركين وشركائهم . أى . استسلم العابدون والمعبدون وانقادوا لحكم الله الواحد القهار فيهم .

16:88Page 277

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨

Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.

ثم بين - سبحانه - مصير الذين لم يكتفوا بالكفر ، بل ضموا إليه رذائل أخرى فقال - تعالى - : ( الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) أى : الذين لم يكتفوا بكفرهم ، بل أضافوا إلى ذلك أنهم ( صدوا ) غيرهم ومنعوه ( عَن سَبِيلِ الله ) أى : عن اتباع الصراط المستقيم ، والطريق القويم وهو طريق الإِسلام . . هؤلاء الأشقياء الذين فعلوا ذلك : ( زدناهم عذابا ) شديدا ( فوق العذاب ) الذى يستحقونه ( بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ ) أى : بسبب فسادهم فى الأرض وكفرهم بالحق ، وصدهم الناس عن اتباعه .وهذه الزيادة فى عذابهم ، وردت آثار عن بعض الصحابة فى بيانها . ومن ذلك ما روى عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أنه قال : " زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ينهشونهم فى جهنم " .قال ابن كثير : وهذا دليل على تفاوت الكفار فى عذابهم ، كما يتفاوت المؤمنون فى منازلهم فى الجنة ودرجاتهم .

16:89Page 277

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩

And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1

ثم أكد - سبحانه - أمر البعث ، وأنه آت لا ريب فيه ، فقال - تعالى - : ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) .والمراد بالشهيد هنا : كل نبى بعثه الله - تعالى - لأمة من الأمم السابقة كنوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وغيرهم من الأنبياء السابقين - عليهم الصلاة والسلام - .والظرف ( يوم ) متعلق بمحذوف تقديره : اذكر .والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتتعظ وتعتبر - يوم القيامة - يوم نبعث فى كل أمة من الأمم السابقة ، نبيها الذى أرسل إليها فى الدنيا ، ليشهد عليها الشهادة الحق ، بأن يشهد لمؤمنها بالإِيمان ، ولكافرها بالكفر .وقوله - سبحانه - : ( من أنفسهم ) أى : من جنسهم وبيئتهم ، ليكون أتم للحجة ، وأقطع للمعذرة ، وأدعى إلى العدالة والإنصاف .قال الآلوسى : ولا يرد لوط - عليه السلام - فإنه لما تأهل فيهم وسكن معهم عد منهم - أيضا - .وقال ابن عطية : يجوز أن يبعث الله شهداء من الصالحين مع الأنبياء - عليهم السلام - .وقد قال بعض الصحابة : إذا رأيت أحدا على معصية فانهه فإن أطاعك وإلا كنت شهيدا عليه يوم القيامة .وقوله - سبحانه - : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء ) خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم على سبيل التشريف والتكريم . أى : وجئنا بك - أيها الرسول الكريم - يوم القيامة شهيدا على هؤلاء الذين أرسلك الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور .وإيثار لفظ المجئ على البعث ، لكمال العناية بشأنه صلى الله عليه وسلم .قال ابن كثير قوله : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء ) يعنى أمتك . أى اذكر ذلك اليوم وهوله ، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم ، والمقام الرفيع . " وهذه الآية شبيهة بالآية التى انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر سورة النساء فلما وصل إلى قوله - تعالى - ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً ) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " حسبك " . فقال ابن مسعود : فالتفت فإذا عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان . أى بالدموع . . . " .والمراد بشهادته على أمته صلى الله عليه وسلم : تصريحه بأنه قد بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح لأمته ، وتزكيته لأعمال الصالحين منها ، ورجاؤه من الله - تعالى - فى هذا اليوم العصيب أن يغفر للعصاة من هذه الأمة .ويرى بعضهم أن المراد بهؤلاء فى قوله : ( وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء ) أى : على الأنبياء السابقين وأممهم .ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الجملة الكريمة ، ولأن آية سورة النساء

16:90Page 277

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠

Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.

قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ) اختلف العلماء فى تأويل العدل والإِحسان ، فقال ابن عباس : العدل : لا إله إلا الله ، والإِحسان : أداء الفرائض . وقيل : العدل الفرض . والإِحسان : النافلة ، وقال على بن أبى طالب : العدل : الإِنصاف . والإحسان : التفضل .وقال ابن العربى : العدل بين العبد وربه : إيثار حقه - تعالى - على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر . وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعه ما فيه هلاكها . . وأما العدل بينه وبين غيره فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل أو كثر ، والإِنصاف من نفسك لهم بكل وجه .وأما الإِحسان فهو مصدر أحسن يحسن إحسانا . ويقال على معنيين : أحدهما : متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أى : حسنته وأتقنته وكملته ، وهو منقول بالهمزة من حسن الشئ . وثانيهما : متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، أى : أوصلت إليه ما ينتفع به . وهو فى هذه الآية مراد بالمعنيين معا . . .ومن هذا الكلام الذي نقلناه بشئ من التلخيص عن الإِمام القرطبى ، يتبين لنا أن العدل هو أن يلتزم الإِنسان جانب الحق والقسط فى كل أقواله وأعماله ، وأن الإِحسان يشمل إحسان الشئ فى ذاته سواء أكان هذا الشئ يتعلق بالعقائد أم بالعبادات أم بغيرهما ، كما يشمل إحسان المسلم إلى غيره .فالإِحسان أوسع مدلولا من العدل : لأنه إذا كان العدل معناه : أن تعطى كل ذى حق حقه ، بدون إفراط أو تفريط ، فإن الإِحسان يندرج تحته أن تضيف إلى ذلك : العفو عمن أساء إليك ، والصلة لمن قطعك ، والعطاء لمن حرمك .وإيثار صيغة المضارع فى قوله : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ . . . ) لإِفادة التجدد والاستمرار . ولم يذكر - سبحانه - متعلقات العدل والإِحسان ليعم الأمر جميع ما يعدل فيه ، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال ، وجميع ما ينبغى أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما .وقوله - تعالى - : ( وَإِيتَآءِ ذِي القربى ) فضيله ثالثة معطوفة على ما قبلها من عطف الخاص على العام ، إذ هى مندرجة فى العدل والإِحسان .وخصها - سبحانه - بالذكر اهتماما بأمرها ، وتنويها بشأنها ، وتعظيما لقدرها .والإِيتاء : مصدر بمعنى الإِعطاء ، وهو هنا مصدر مضاف لمفعوله .والمعنى : إن الله - يأمركم - أيها المسلمون - أمرا دائما وواجبا ، أن تلتزموا الحق والإِنصاف فى كل أقوالكم وأفعالكم وأحكامكم ، وأن تلتزموا التسامح والعفو والمراقبة لله - تعالى - فى كل أحوالكم .كما يأمركم أن تقدموا لأقاربكم على سبيل المعاونة والمساعدة ، ما تستطعيون تقديمه لهم من خير وبر . .لأن هذا الفضائل متى سرت بينكم ، نلتم السعادة فى دينكم ودنياكم ، إذ بالعدل ينال كل صاحب حق حقه ، وبالإِحسان يكون التحاب والتواد والتراحم ، وبصلة الأقارب يكون التكافل والتعاون .. .وبعد أن أمر - سبحانه - بأمهات الفضائل ، نهى عن رءوس الرذائل فقال - تعالى - : ( وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي . . ) .والفحشاء : كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل . وخصها بعضهم بالزنا .والمنكر : كل ما أنكر الشرع بالنهى عنه ، فيعم جميع المعاصى والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها .والبغى : هو تجاوز الحد فى كل شئ يقال : بغى فلان على غيره ، إذا ظلمه وتطاول عليه .وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد . . .أى : كما أمركم - سبحانه - بالعدل والإِحسان وإيتاء ذى القربى ، فإنه - تعالى - ينهاكم عن كل قبيح وعن كل منكر ، وعن كل تجاوز لما شرعه الله - عز وجل - .وذلك لأن هذه الرذائل ما شاعت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا ، وأمرها فرطا ، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل ، لأنها تتنافى مع العقول السليمة ، ومع الطباع القويمة .ومهما روج الذين لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل ، فإن النفوس الطاهرة ، تلفظها بعيدا عنها ، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التى تصل إليه .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) أى : ينبهكم - سبحانه - أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم عن طريق اتباع ما أمركم به وما نهاكم عنه ، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم ، وتعملون بمقتضى ما علمكم - سبحانه .هذا ، وقد ذكر المفسرون فى فضل هذه الآية كثيرا من الآثار والأقوال ، ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى فى كتاب معرفة الصحابة . . قال : " بلغ أكثم بن صيفى مخرج النبى صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه ، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا له : أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه . قال : فليأته من يبلغه عنى ويبلغنى عنه . فانتدب رجلان فأتيا النبى صلى الله عليه وسلم فقال له : نحن رسل أكثم بن صيفى وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " أما أنا فمحمد ابن عبدالله ، وأما ما أنا ، فأنا عبد الله ورسوله " .ثم تلا عليهم هذه الآية : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان . . ) الآية .فقالوا : ردد علينا هذا القول ، فردده عليهم حتى حفظوه ، فأتيا أكثم فقالا له : أبى أن يرفع نسبه فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكى النسب . . وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها فلما سمعهن أكثم قال : إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ، فكونوا فى هذا الامر رءوسا ، ولا تكونوا فيه أذنابا " .وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : أعظم آية فى كتاب الله : ( الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم . . ) وأجمع آية فى كتاب الله للخير والشر : ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ) وأكثر آية فى كتاب الله تفويضا : ( وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ . . ) وأشد آية فى كتاب الله رجاء : ( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً . . ).

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском