At-Tafsir al-WasitTaha · 20:36–40

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Taha 20:36–40

20:36Page 313

قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦

[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.

فماذا كانت النتيجة؟لقد كانت النتيجة أن أجاب الله له دعاءه ، وحقق له مطالبه ، وذكره ببعض مننه عليه فقال - تعالى - : ( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ . . . ) .قوله - سبحانك - : ( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى ) حكاية لما رد الله - تعالى - به على نبيه موسى - عليه السلام - بعد أن تضرع إليه بتلك الدعوات النافعات .والسؤال هنا بمعنى المسئول ، كالأكل بمعنى المأكول .قال الآلوسى : " والإيتاء : عبارة عن تعلق إرادته - تعالى - بوقوع تلك المطالب وحصولها له - عليه السلام - ألبتة ، وتقديره - تعالى - إياها حتما ، فكلها حاصلة له - عليه السلام - وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرتبا بعد ، كتيسير الأمر ، وشد الأزر . .أى : قال الله - تعالى - لموسى بعد أن ابتهل إليه - سبحانه - بما ابتهل : لقد أجبنا دعاءك يا موسى ، وأعطيناك ما سألتنا إياه ، فطل نفسا وقر عينا .

20:37Page 313

وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧

And We had already conferred favor upon you another time,

وقوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى ) تذكير منه - سبحانه - لموسى ، بجانب من النعم التى أنعم بها عليه ، حتى يزداد ثباتا وثقة بوعد الله - تعالى - ولذا صدرت الجملة بالقسم .أى : وبعزتى وجلالى لقد مننا عليك ، وأحسنا إليك ( مَرَّةً أخرى ) قبل ذلك ، ومنحناك من رعايتنا قبل أن تلتمس منا أن نشرح لك صدرك ، وأن نيسر لك أمرك . .

20:38Page 314

إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨

When We inspired to your mother what We inspired,

ثم فصل - سبحانه - هذه المنن التى امتن بها على عبده موسى ، فذكر ثمانية منها : أما أول هذا المنن فتتمثل فى قوله - تعالى - : ( إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى ) .و ( إِذْ ) ظرف لقوله ( مَنَنَّا ) والإيحاء : الإعلام فى خفاء . . . وإيحاء الله - تعالى - إلى أم موسى كان عن طريق الإلهام أو المنام أو غيرهما .قال صاحب الكشاف : " الوحى إلى أم موسى : إما أن يكون على لسان نبى فى وقتها ، كقوله - تعالى : ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين ) أو يبعث إليها ملكا لا على وجه النبوة كما بعث إلى مريم . أو يريها ذلك فى المنام فتتنبه عليه أو يلهمها كقوله - تعالى - : ( وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ) أى : أوحينا إليها أمرا لا سبيل إلى التوصل إليه ، ولا إلى العلم به ، إلا بالوحى .والمعنى : ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى ، وقت أن أوحينا إلى أمك بما أوحينا من أمر عظيم الشأن ، يتعلق بنجاتك من بطش فرعون .فالتعبير بالموصول فى قوله : ( مَا يوحى ) للتعظيم والتهويل ، كما فى قوله - تعالى - ( فأوحى إلى عَبْدِهِ مَآ أوحى ).

20:39Page 314

أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩

[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].

ثم وضح - سبحانه - ما أوحاه إلى أم موسى فقال : ( أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ . . . ) .و ( أَنِ ) فى قوله ( أَنِ اقذفيه ) مفسرة ، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه .والمراد بالقذف هنا : الوضع ، والمراد به فى قوله ( فاقذفيه فِي اليم ) الإلقاء فى البحر وهو نيل مصر .والتابوت : الصندوق الذى يوضع فيه الشىء .والمعنى : لقد كان من رعايتنا لك يا موسى أن أوحينا إلى أمك عندما خافت عليك القتل : أن ضعى ابنك فى التابوت ، ثم بعد ذلك اقذفيه بالتابوت فى البحر ، وبأمرنا وقدرتنا يلقى اليم بالتابوت على شاطىء البحر وساحله ، وفى هذه الحالة يأخذه عدو لى وعدو له ، وهو فرعون الذى طغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى .والضمائر كلها تعود إلى موسى - عليه السلام - وقيل إن الضمير فى قوله ( فاقذفيه فِي اليم ) .وفى قوله ( فَلْيُلْقِهِ ) يعود إلى التابوت ، والأول أرجح ، لأن تفريق الضمائر هنا لا داعى له ، بل الذى يقتضيه بلاغة القرآن الكريم ، عودة الضمائر إلى موسى - عليه السلام - .قال بعض العلماء : وصيغة الأمر فى قوله ( فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ) فيها وجهان معروفان عند العلماء :أحدهما : أن صيغة الأمر معناها الخبر : قال أبو حيان فى البحر : وقوله ( فَلْيُلْقِهِ ) أمر معناه الخبر ، وجاء بصيغة الأمر مبالغة ، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها .الثانى : أن صيغة الأمر فى قوله ( فَلْيُلْقِهِ ) أريد بها الأمر الكونى القدرى كقوله : ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) فالبحر لا بد أن يلقيه بالساحل ، لأن الله - تعالى - أمره بذلك كونا وقدرا . . .وقوله ( يَأْخُذْهُ ) مجزوم فى جواب الطلب وهو قوله ( فَلْيُلْقِهِ . . ) إذ أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته .وقوله - سبحانه - ( وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ) بيان للمنة الثانية .قال الآلوسى : وكلمة " منى " متعلقة بمحذوف وقع صفة لمحذوف ، مؤكدة لما فى تتنكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية . أى : وألقيت عليك محبة عظيمة كائنة منى - لا من غيرى - قد زرعتها فى القلوب ، فكل من رآك أحبك .ولقد كان من آثار هذه المحبة : عطف امرأة فرعون عليه ، وطلبها منه عدم قتله ، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا .وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى فى صغره معززا مكرما فى بيت فرعون مع أنه فى المستقبل سيكون عدوا له .وهكذا رعاية الله - تعالى - ومحبته لموسى جعلته يعيش بين قوة الشر والطغيان آمنا مطمئنا .قال ابن عباس : أحب الله - تعالى - موسى ، وحببه إلى خلقه .وقوله - تعالى - : ( وَلِتُصْنَعَ على عيني ) بيان للمنة الثالثة . .أى : أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك وألقيت عليك محبة منى ، ليحبك الناس ، ولتصنع على عينى . أى : ولتربى وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رعايتى وعنايتى وعينى ، كما يراعى الإنسان بعينه من يحبه ويهتم بأمره .وهذا ما حدث لموسى فعلا ، فقد عاش فى طفولته تحت عين فرعون ، وهو عدو الله - تعالى - ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء إلى موسى ، لأن عين الله - تعالى - كانت ترعاه وتحميه من بطش فرعون وشيعته .فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى - عليه السلام - ومن الرعاية له ، ما يعجز القلم عن وصفه .وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال الله فى شأنه : ( وَلِتُصْنَعَ على عيني ) .قال صاحب الكشاف : أى : ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعى الرجل الشىء بعينه إذا اعتنى به ، وتقول للصانع؛ اصنع هذا على عينى إنى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتى .وقوله : ( وَلِتُصْنَعَ ) معطوف على علة مضمرة مثل : ليتعطف عليك . . . أو حذف معلله أى : ولتصنع على عينى فعلت ذلك .

20:40Page 314

إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠

[And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,1 but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.

ثم بين - سبحانه - المنة الرابعة على موسى فقال : ( إِذْ تمشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ . . . ) .وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون موسى من فوق الشاطىء ، وبعد أن امتنع عن الرضاعة من أى امرأة سوى أمه .أى : وكان من مظاهر إلقاء محبتى عليك ، ورعايتى لك ، أن أختك بعد أن أمرتها أمك بمعرفة خبرك ، سارت فى طرقات مصر فأبصرتك فى بيت فرعون وأنت تمتنع عن الرضاعة من أى امرأة ، فقالت أختك لفرعون وامرأته ( هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ ) .أى : ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا الطفل الرضاعة منها ، وتحفظه وترعاه ، والفاء فى قوله : ( فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ) هى الفصيحة . أى : التى تفصح عن كلام مقدر .والمعنى : بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته : هل أدلكم على من يكفله . أجابوها بقولهم : دلينا عليها ، فجاءت بأمك فرجعناك إليها كى تسر برجوعك ، ويمتلىء قلبها فرحا بلقائها بك بعد أن ألقتك فى اليم ، ولا تحزن بسبب فراقك عنها .ثم حكى - سبحانه - المنة الخامسة فقال : ( وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم ) وكان ذلك عندما استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه .أى : وقتلت نفسا هى نفس القبطى ، عندما استعان بك عليه الإسرائيلي فنجيناك من الغم الذى نزل بك بسبب هذا القتل .قال الآلوسى : وقد حل له هذا الغم من وجهين : خوف عقاب الله - تعالى - حيث لم يقع القتل بأمره - سبحانه - وخوف القصاص ، وقد نجاه الله من ذلك بالمغفرة حين قال : ( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي فَغَفَرَ لَهُ ) وبالمهاجرة إلى مدين .والغم فى الأصل : ستر الشىء ، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس . ويقال : لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود . .وقوله - عز وجل - : ( وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ) بيان للمنة السادسة التى امتن الله - تعالى - بها على موسى - عليه السلام - .والفتون : جمع فَتْن كالظنون جمع ظن . والفتن : الاختبار والابتلاء تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته .والمعنى : واختبرناك وابتليناك - يا موسى - بألوان من الفتن والمحن .ونظم - سبحانه - هذا الفتن والاختبار فى سلك المنن ، باعتبار أن الله - تعالى - ابتلاه بالفتن ثم نجاه منها ، ونجاه من شرورها .وقد ساق الإمان ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية حديثا طويلا سماه بحديث الفتون ، ذكر فيه قصة مولد موسى ، وإلقائه فى اليم ، وتربيته فى بيت فرعون ، وقتله القبطى ، وهروبه إلى مدين ، وعودته منها إلى مصر . وتكليف الله - تعالى - له بالذهاب إلى فرعون ، ودعوته إلى عبادة الله وحده . . . الخ .وقوله - تعالى - : ( فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ) أى : فلبثت عشر سنين فى قرية أهل مدين ، تعمل كأجير عند الرجل الصالح . ثم جئت بعد ذلك إلى المكان الذى ناديتك فيه ( على قَدَرٍ ) أى على وفق الوقت الذى قدرناه لمجيئك ، وحددناه لتكليمك واستنبائك ، دون أن تتقدم أو تتأخر ، لأن كل شىء عندنا محدد ومقدر بوقت لا يتخلف عنه .قال - تعالى - : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وقال - سبحانه - : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ) وقال - عز وجل - : ( وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً ).

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском