And [mention] Noah, when he called [to Allāh]1 before [that time], so We responded to him and saved him and his family from the great affliction [i.e., the flood].
ثم ذكرت السورة الكريمة جانبا من قصة نوح مع قومه . قال - تعالى - : ( وَنُوحاً إِذْ . . . ) .أى : واذكر - أيضا - أيها المخاطب عبدنا " نوحا " - عليه السلام - ( إِذْ نادى مِن قَبْلُ ) أى : حين نادانا واستجار بنا من قبل زمان إبراهيم ومن جاء بعده من الأنبياء .وهذا النداء الذى نادى به نوح ربه ، قد جاء ذكره فى آيات منها قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المجيبون وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم ) وقوله - سبحانه - : ( وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ) ( فاستجبنا لَهُ ) أى : أجبنا له دعاءه ، ولم نخيب له رجاء فينا .( فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ ) الذين آمنوا به وصدقوه ( مِنَ الكرب العظيم ) أى : من الطوفان العظيم الذى أغرق الكافرين ، والذى كانت أمواجه كالجبال .وأصل الكرب : الغم الشديد . يقال : فلان كربه هذا الأمر ، إذا ضايقه وجعله فى أقصى درجات الهم والخوف .قال الآلوسى : " وكأنه على ما قيل من كرب الأرض ، وهو قلبها بالحفر . إذ الغم يثير النفس إثارة ذلك ، أو من كربت الشمس إذا دنت للمغيب ، فإن الغم الشديد ، تكاد شمس الروح تغرب منه . . . وفى وصفه بالعظيم تأكيد لشدته " .
And We aided [i.e., saved] him from the people who denied Our signs. Indeed, they were a people of evil, so We drowned them, all together.
( وَنَصَرْنَاهُ ) بفضلنا وإحساننا ( مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ) الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا . وعلى أن نوحا رسولا من رسلنا .والمراد بهؤلاء القوم : قومه الذين لبث نوح فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما . يدعوهم إلى إخلاص العبادة لله . فلم يؤمن به إلا قليل منهم .( إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ ) أى : إنهم كانوا قوما يعملون أعمال السوء والقبح ( فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) بسبب إصرارهم على الكفر والعصيان ، ولم ننج منهم إلا من اتبع نوحا عليه السلام .
And [mention] David and Solomon, when they judged concerning the field - when the sheep of a people overran it [at night],1 and We were witness to their judgement.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة نبيين كريمين هما داود وسليمان فقال - تعالى - : ( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ . . . ) .قوله - سبحانه - : ( وَدَاوُودَ ) منصوب - أيضا - بفعل مقدر ، أو معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك : ( وَنُوحاً إِذْ نَادَى ) .وسليمان هو ابن داود ، وكلاهما من أنبياء الله - سبحانه - ، وينتهى نسبهما إلى يعقوب - عليه السلام - وكانت وفاتهما قبل ميلاد المسيح - عليه السلام - بألف سنة تقريبا ، وقد جمع الله - تعالى - لهما بين الملك والنبوة .والحرث : الزرع . قيل : كان كرما - أى عنباً - تدلت عناقيده .وقوله : ( نَفَشَتْ ) من النفش وهو الرعى بالليل خاصة . يقال : نفشت الغنم والإبل ، إذا رعت ليلا بدون راع .وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات روايات ملخصها : أن رجلين دخلا على داود - عليه السلام - أحدهما صاحب زرع ، والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الزرع لداود : يا نبى الله ، إن غنم هذا قد نفشت فى حرثى فلم تبق منه شيئا ، فحكم داود - عليه السلام - لصاحب الزرع أن يأخذ غنم خصمه فى مقابل إتلافها لزرعه .وعند خروجهما التقيا بسليمان - عليه السلام - فأخبراه بحكم أبيه . فدخل سليمان على أبيه فقال له : يا نبى الله ، إن القضاء غير ما قضيت ، فقال له : كيف؟ قال : ادفع الغنم إلى صاحب الزرع لينتفع بها ، وادفع الزرع إلى صاحب الغنم ليقوم عليها حتى يعود كما كان . ثم يعيد كل منهما إلى صاحبه ما تحت يده ، فيأخذ صاحب الزرع زرعه ، وصاحب الغنم غنمه . . . فقال داود - عليه السلام - القضاء ما قضيت يا سليمان .والمعنى : اذكر - أيها الرسول الكريم - قصة داود وسليمان ، وقت أن كانا يحكمان فى الزرع الذى ( نفشت فيه غنم القوم ) أى : تفرقت فيه وانتشرت ليلا دون أن يكون معها راع فرعته وأفسدته .قال القرطبى : " ولم يرد - سبحانه - بقوله ( إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحرث ) : الاجتماع فى الحكم وإن جمعهما فى القول ، فإن حكمين على حكم واحد لا يجوز وإنما حكم كل واحد منهما على انفراده ، وكان سليمان الفاهم لها بتفيهم الله - تعالى - له .وقوله - تعالى - : ( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ) جملة معترضة جىء بها لبيان شمول عمل الله - تعالى - وإحاطته بكل شىء .أى : وكنا لما حكم به كل واحد منهما عالمين وحاضرين ، بحيث لا يغيب عنا شىء مما قالاه .وضمير الجمع فى قوله ( لِحُكْمِهِمْ ) : لداود وسليمان ، واستدل بذلك من قال إن أقل الجمع اثنان ، وقيل : ضمير الجمع يعود عليهما وعلى صاحب الزرع وصاحب الحرث أى : وكنا للحكم الواقع بين الجميع شاهدين .
And We gave understanding of it [i.e., the case] to Solomon, and to each [of them] We gave judgement and knowledge. And We subjected the mountains to exalt [Us], along with David and [also] the birds. And We were doing [that].1
والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - : ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) يعود إلى القضية أو المسألة التى عرضها الخصمان على داود وسليمان .أى : ففهمنا سليمان الحكم النسب والأوفق فى هذه المسألة أو القضية ، وذلك لأن داود - كما يقول العلماء . قد اتجه فى حكمه إلى مجرد التعويض لصاحب الحرث . وهذا عدل فحسب . أما حكم سليمان فقد تضمن مع العدل البناء والتعمير ، وجعل العدل دافعا إلى البناء والتعمير ، وهذا هو العدل الحى الإيجابى فى صورته البانية الدافعة ، وهو فتح من الله وإلهام يهبه من يشاء " .وقوله - سبحانه - : ( وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ) ثناء من الله - تعالى - على داود وسليمان - عليهما السلام - والمقصود من هذا الثناء دفع ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن داود لم يكن مصيبا فى حكمه .أى : وكلا من داود وسليمان قد أعطيناه من عندنا ( حُكْماً ) أى : نبوة وإصابة فى القول والعمل ( وَعِلْماً ) أى : فقها فى الدين ، وفهما سليما للأمور .وقد توسع بعض المفسرين فى الحديث عن هذا الحكم الذى أصدره داود وسليمان فى قضية الحرث أكان بوحى من الله إليهما ، أم كان باجتهاد منهما ، وقد رجح بعض العلماء أنه كان باجتهاد منهما فقال : اعلم أن جماعة من العلماء قالوا : إن حكم داود وسليمان فى الحرث المذكور فى هذه الآية كان بوحى ، إلا أن ما أوحى إلى سليمان كان ناسخا لما أوحى إلى داود .وفى الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحى ، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته ، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ، ولم يستوجب لوما ولا ذما لعدم إصابته .كما أثنى - سبحانه - على سليمان بالإصابة فى قوله ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) وأثنى عليهما فى قوله : ( وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً ) .فدل قوله ( إِذْ يَحْكُمَانِ ) على أنهما حكما فيها معا ، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر ، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف . ثم قال : ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود ، ولو كان حكمه فيها بوحى لكان مفهما إياها كما نرى .فقوله : ( إِذْ يَحْكُمَانِ ) مع قوله ( فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) قرينة على أن الحكم لم يكن بوحى بل باجتهاد ، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفيهم الله إياه ذلك .والقرينة الثانية : هى أن قوله - تعالى - ( فَفَهَّمْنَاهَا ) يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع ، لا أنه - تعالى - أنزل عليه فيها وحياً جديدا ناسخاً ، لأن قوله - تعالى - : ( فَفَهَّمْنَاهَا ) أليق بالأول من الثانى كما ترى . . .ثم بين - سبحانه - نماذج من النعم التى أنعم بها على داود - عليه السلام - فقال : ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) .والتسخير : التذليل أى : وجعلنا الجبال والطير يسبحن الله - تعالى - ويقدسنه مع داود ، امتثالا لأمره - سبحانه - .قال ابن كثير : وذلك لطيب صوته ، بتلاوة كتابه الزبور ، وكان إذا ترنم به تقف الطير فى الهواء فتجاوبه ، وترد عليه الجبال تأويبا . ولهذا لما مر النبى - صلى الله عليه وسلم - على أبى موسى الأشعرى ، وهو يتلو القرآن من الليل ، وكان له صوت طيب ، فوقف واستمع إليه وقال : " لقد أوتى هذا من مزامير آل داود " .وقال صاحب الكشاف : " فإن قلت : لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت : لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب ، وأدل على القدرة ، وأدخل فى الإعجاز ، لأنها جماد ، والطير حيوان ، إلا أنه غير ناطق ، روى أنه كان يمر بالجبال مسبحا وهى تجاوبه ، وقيل : كانت تسير معه حيث سار . . .وتسبيح الجبال والطير مع داود - عليه السلام - هو تسبيح حقيقى ، ولكن بكيفية يعلمها الله - تعالى - كما قال - سبحانه - ( تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ . . . ) وشبيه بالآية التى معنا قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ والطير وَأَلَنَّا لَهُ الحديد ) وقوله - سبحانه - : ( اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق والطير مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ ) ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) أى : وكنا فاعلين ذلك لداود من تسخير الجبال والطير معه يسبحن الله وينزهنه عن كل سوء ، على سبيل التكريم له . والتأييد لنبوته ، إذ أن قدرتنا لا يعجزها شىء ، سواء أكان هذا الشىء مألوفا للناس أم غير مألوف .
And We taught him the fashioning of coats of armor to protect you from your [enemy in] battle. So will you then be grateful?
وقوله - تعالى : ( وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ) بيان لنعمة أخرى من النعم التى أنعم الله بها على داود .واللبوس : كل ما يلبس كاللباس والملبس : والمراد به هنا : الدروع .أى : وبجانب ما منحنا داود من فضائل ، فقد علمناه من لدنا صناعة الدروع بحذق وإتقان ، وهذه الصناعة التى علمناه إياها بمهارة وجودة ( لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ) .أى : لتجعلكم فى حرز ومأمن من الإصابة بآلة الحرب . وتقى بعضكم من بأس بعض ، لأن الدرع تقى صاحبها من ضربات السيوف ، وطعنات الرماح .يقال : أحصن فلان فلانا ، إذا جعله فى حرز وفى مكان منيع من العدوان عليه .والاستفهام فى قوله : ( فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ) للحض والأمر أى : فاشكروا الله - تعالى - على هذه النعم ، بأن تستعملوها فى طاعته - سبحانه - .قال القرطبى - رحمه الله - : " وهذه الآية أصل فى اتخاذ الصنائع والأسباب ، وهو قول أهل العقول والألباب . لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء ، فالسبب سنة الله فى خلقه ، فمن طعن فى ذلك فقط طعن فى الكتاب والسنة ، وقد أخبر الله - تعالى - عن نبيه داود أنه كان يصنع الدروع ، وكان - أيضا - يصنع الخوص ، وكان يأكل من عمل يده ، وكان آدم حراثا ، ونوح نجارا ، ولقمان خياطا ، وطالوت دباغا ، فالصنعة يكف بها الإنسان نفسه عن الناس ، ويدفع بها عن نفسه الضرر والبأس ، وفى الحديث : " إن الله يحب المؤمن المحترف المتعفف ، ويبغض السائل الملحف " .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences