At-Tafsir al-WasitAl‑Mu'minun · 23:26–30

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:26–30

23:26Page 343

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦

[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."

ثم يحكى القرآن بعد ذلك أن نوحاً - عليه السلام - بعد أن استمع إلى ما قاله قومه فى شأ ، ه من ضلالات وسفاهات ، لجأ إلى ربه - عز وجل - يشكو إليه ما أصابه منهم ويلتمس منه النصر عليهم . فقال : كما حكى القرآن عنه : ( رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ ) .أى : قال نوح فى مناجاته لربه : يا رب أنصرنى على هؤلاء القوم الكافرين بسبب تكذيبهم لى وتطاولهم على . وسخريتهم منى ، وإصرارهم على عبادة غيرك .

23:27Page 343

فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧

So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.

وقد أجاب الله - تعالى - دعاء عبده نوح فقال : ( فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ ) أى : فأوحينا إليه فى أعقاب دعائه وتضرعه .( أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ) أى : أوحينا إليه أن ابتدىء يا نوح فى صنع السفينة وأنت تحت رعايتنا وحفظنا ، وسنرسل إليك وحينا ليرشدك إلى ما أنت فى حاجة إليه من إتقان صنع السفينة ، ومن غير ذلك من شئون .وفى التعبير بقوله - سبحانه - ( أَنِ اصنع ) إشارة إلى أن نوحاً - عليه السلام - قد باشر بنفسه صنع السفينة التى هى وسيلة النجاة له وللؤمنين معه .وقى قوله - تعالى - : ( بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ) إشارة إلى أن نوحاً بجانب مباشرته للصنع بنفسه ، كان مزوداً من الله - تعالى - بالعناية والرعاية وبحسن التوجيه والإرشاد عن طريق الوحى الأمين .وذلك لأن سنة الله - تعالى - قد اقتضت أن لا يضيع عمل عباده المخلصين ، الذين يبذلون أقصى جهدهم فى الوصول إلى غاياتهم الشريفة .والباء فى قوله ( بِأَعْيُنِنَا ) للملابسة ، والجار والمجرور فى موضع الحال من ضمير " اصنع " .والفاء فى قوله - سبحانه - ( فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا ) لترتيب مضمون ما بعدها على إتمام صنع السفينة .والمراد بالأمر هنا : العذاب الذى أعده الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين من قوم نوح - عليه السلام - . ويشهد لذلك قوله - سبحانه - فى آية أخرى : ( لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ ) أى : من عذابه ( إِلاَّ مَن رَّحِمَ ) والمراد بمجىء هذا الأمر : اقتراب وقته ، ودنو ساعته ، وظهور علاماته وقوله - تعالى : ( وَفَارَ التنور ) بيان وتفسير لمجىء هذا الأمر ، وحلول وقت إهلاكهم .وقوله : ( فَارَ ) من الفوران : بمعنى شدة الغليان للماء وغيره . يقال للماء فار إذا اشتد غليانه . ويقال للنار فارت إذا عظم هيجانها . ومنه قوله - تعالى - ( إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ) وللمفسرين فى المراد بلفظ ( التنور ) أقوال منها : أن المراد به الشىء الذى يخبز فيه الخبز ، وهو ما يسمى بالموقد أو الفرن .ومنها أن المراد به وجه الأرض . أو موضع اجتماع الماء فى السفينة ، أو طلوع الفجر . . . وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال : وألوى الأقوال بالصواب قول من قال : وهو التنور الذى يخبر فيه ، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب . . .ويبدو أن فوران التنور كان علامة لنوح على أن موعد إهلاك الكافرين من قومه قد اقترب .أى : فإذا اقترب موعد إهلاك قومك الظالمين يا نوح ، ومن علامة ذلك أن ينبع الماء من التنور ويفوز فوراناً شديداً ( فاسلك فِيهَا ) فأدخل فى السفينة ( مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ) ولفظ ( زَوْجَيْنِ ) تثنية زوج . والمراد به هنا : الذكر والأنثى من كل نوع .وقراءة الجمهور : ( مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثنين ) بدون تنوين للفظ كل ، وبإضافته إلى زوجين . .وقرأ حفص ( مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين ) بتنوين كل ، وهو تنوين عوض عن مضاف إليه . والتقدير : فأدخل فى السفينة من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكراً وأنثى ، ويكون لفظ ( زَوْجَيْنِ ) مفعولاً لقوله ( فاسلك ) ولفظ اثنين : صفة له .والمراد بأهله فى قوله - تعالى - ( وَأَهْلَكَ ) : أهل بيته كزوجته وأولاده المؤمنين ، ويدخل فيهم كل من آمن به - عليه السلام - سواء أكان من ذوى قرابته أم من غيرهم ، بدليل قوله - تعالى - فى سورة هود : ( قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) وجملة : ( إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ ) استثناء من الأهل . والمراد بمن سبق عليه القول منهم : من بقى على كفره ولم يؤمن برسالة نوح - عليه السلام - كزوجته وابنه كنعان .أى : أدخل فى السفينة ذكراص وأنثى من أنواع المخلوقات ، وأدخل فيها - أيضاً - المؤمنين من أهلك ومن غيرهم ، إلا الذين سبق منا القول بهلاكهم بسبب إصرارهم على الكفر . فلا تدخلهم فى السفينة ، بل اتركهم خارجها ليغرقوا مع المغرقين .قال الآلوسى : وجىء بعلى فى قوله : ( إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ ) لكون السابق ضارا ، كما جىء باللام فى قوله : ( إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى ) لكون السابق نافعاً .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ) نهى منه - سبحانه - لنوح - عليه السلام - عن الشفاعة لهؤلاء الكافرين ، أو عن طلب تأخير العذاب المهلك لهم .أى : اترك يا نوح هؤلاء الظالمين ، ولا تكملنى فى شأنهم ، كأن تطلب الشفاعة لهم أو تأخير العذاب عنهم ، فإنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة . ولا مبدل لحكمى أو إرادتى .ويبدو - والله أعلم - أن هذه الجملة الكريمة ، كانت نهيا من الله - تعالى - لنوح عن الشفاعة فى ابنه الذى غرق مع المغرقين ، والذى حكى القرآن فى سورة هود أن نوحاً قد قال فى شأنه :( رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين ).

23:28Page 344

فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨

And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'

ثم ارشد الله - تعالى - نبيه نوحاً إلى ما يقوله بعد أن يستقر فى السفينة فقال - سبحانه - : ( فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ ) من أهلك وأتباعهك المؤمنين ( عَلَى الفلك ) .أى : السفينة التى علمناك عن طريق وحينا كيفية صنعها بإحكام وإتقان ( فَقُلِ ) يا نوح على سبيل الشكر لنا ، والتقدير لذاتنا ( الحمد للَّهِ الذي نَجَّانَا ) بفضله وكرمه ( مِنَ القوم الظالمين ) الذين استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الضلالة على الهداية ، وتطاولوا على نبيهم الذى جاء لسعادتهم .

23:29Page 344

وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩

And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"

( وَقُل ) - أيضاً - يا نوح ( رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً ) أى : أنزلنى إنزالاً ، أو مكان إنزال مباركاً - أى مليئاً بالخيرات والبركات ، خالياً مما حل بالظالمين من إغراق وإهلاك . ( وَأَنتَ ) يا إلهى ( خَيْرُ المنزلين ) بفضلك وكرمك فى المكان الطيب المبارك .

23:30Page 344

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠

Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].

ثم عقب - سبحانه - على ما اشتملت عليه قصة نوح من حكم وآداب بقوله : ( إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) .أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه لك - أيها الرسول الكريم - عن نوح وقومه ( لآيَاتٍ ) بينات ، ودلالات واضحات ، على أن هذا القرآن من عندنا لا من عند غيرنا ، وعلى أن العاقبة للمؤمنين ، وسوء المنقلب للكافرين .و " إن " فى قوله ( وَإِن كُنَّا ) هى المخففة من الثقيلة ، واللام فى قوله ( لَمُبْتَلِينَ ) هى الفارقة بينها وبين إن النافية ، والجملة حالية ، والابتلاء : الاختبار والامتحان . . .أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه عن نوح وقومه لآيات واضحات على وحدانيتنا وقدرتنا ، والحال والشأن أن من سنتنا أن نبتلى الناس بالنعم وبالنقم ، وبالخير والشر . ليتبين من يعتبر ويتعظ ، وليتميز الخبيث من الطيب ، وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حى عن بينة ، وإن الله لسميع عليم .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском