Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
وقد أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم بما يخرس ألسنتهم فقال : ( قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض . . ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين زعموا أن القرآن أساطير الأولين ، وأنك افتريته من عند نفسك ، وأعانك على هذا الافتراء قوم آخرون . . . . قل لهم : كذبتم أشنع الكذب وأقبحه ، فأنتم أول من يعلم بأن هذاب القرآن له من الحلاوة والطلاوة ، وله من حسن التأثير ما يجعله - باعتراف - زعمائكم ليس من كلام البشر وإنما الذى أنزله علىَّ هو الله - تعالى - الذى يعلم السر فى السموات والأرض ، أى : يعلم ما خفى فيها ويعلم الأسرار جميعها فضلا عن الظواهر .قال الآلوسى : " قل " لهم ردا عليهم وتحقيقا للحق : أنزله الله - تعالى - الذى لا يعزب عن علمه شىء من الأشياء ، وأودع فيه فنون الحكم والأسرار على وجه بديع ، لا تحوم حوله الأفهام ، حيث أعجزكم قاطبة بفصاحته وبلاغته ، وأخبركم بمغيبات مستقبلة ، وأمور مكنونة ، لا يهتدى إليها ولا يوقف - إلا بتوفيق الله - تعالى - العليم الخبير عليها . . .ثم ختم - سبحانه - الآية بما يفتح باب التوبة للتائبين ، وبما يحرضهم على الإيمان والطاعة لله رب العالمين فقال - تعالى - : ( إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ) .أى : إنه - سبحانه - واسع المغفرة والرحمة ، لمن ترك الكفر وعاد إلى الإيمان ، وترك العصيان وعاد إلى الطاعة .قال الإمام ابن كثير : وقوله : ( إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ) دعاء لهم إلى التوبة والإنابة ، وإخبار بأن رحمته واسعة ، وأن حلمه عظيم وأن من تاب إليه تاب عليه ، فهؤلاء مع كذبهم . وافترائهم . وفجورهم . وبهتهم . وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا ، يدعوهم - سبحانه - إلى التوبة والإقلاع عما هم عليه من كفر إلى الإسلام والهدى . كما قال - تعالى - : ( لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) قال الحسن البصرى : انظروا إلى هذا الكرم والجود . قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة .
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك شبهة ثالثة ، تتعلق بشخصية النبى صلى الله عليه وسلم حيث أنكروا أن يكون الرسول من البشر وأن يكون آكلا للطعام وماشيا فى الأسواق ، فقال - تعالى - : ( وَقَالُواْ مَالِ هذا . . . . ) .ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآيات أن جماعة من قريش قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم إن كنت تريد بما جئت به مالا جمعنا لك المال حتى تكون أغنانا ، وإن كنت تريد ملكا ، جعلناك ملكا علينا . . .فقال صلى الله عليه وسلم : " ما أريد شيئا مما تقولون ، ولكن الله تعالى بعثنى إليكم رسولا ، وأنزل على كتابا ، وأمرنى أن أكون لكم بشيراً ونذيراً ، فبلغتكم رسالة ربى ، ونصحت لكم . فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله - تعالى - حتى يحكم بينى وبينكم " .فقالوا : فإن كنت غير قابل شيئا مما عرضنا عليك ، فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا . . .فقال لهم صلى الله عليه وسلم : " ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذى يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله - تعالى - بعثنى بشيرا ونذيرا " فأنزل الله تعالى فى قولهم ذلك . . .والضمير فى قوله - تعالى : ( وَقَالُواْ ) يعود إلى مشركى قريش و " ما " استفهامية بمعنى إنكار الوقوع ونفيه ، وهى مبتدأ ، والجار والمجرور وبعدها الخبر . وجملة " يأكل الطعام " حال من الرسول .أى : أن مشركى قريش لم يكتفوا بقولهم إن محمد صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن ، وإن القرآن أساطير الأولين . بل أضافوا إلى ذلك أنهم قالوا على سبيل السخرية والتهكم والإنكار لرسالته : كيف يكون محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا ، وشأنه الذى نشاهده بأعيننا . أنه " يأكل الطعام " كما يأكل سائر الناس " ويمشى فى الأسواق " أى : ويتردد فيها كما نتردد طلبا للرزق . " لولا أنزل إليه ملك " أى : هلا أنزل إليه ملك يعضده ويساعده ويشهد له بالرسالة " فيكون " هذا الملك " معه نذيرا " أى : منذرا من يخالفه بسوء المصير .
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
" أو يلقى إليه " أى : إلى الرسول صلى الله عليه وسلم " كنز " أى : مال عظيم يغنيه عن التماس الرزق بالأسواق كسائر الناس ، وأصل الكنز ، جعل المال بعضه على بعض وحفظه . من كنزل التمر فى الوعاء ، إذا حفظه . " أو تكون له " صلى الله عليه وسلم " جنة يأكل منها " أى : حديقة مليئة بالأشجار المثمرة ، لكى يأكل منها ونأكل معه من خيرها ." وقال الظالمون " فضلا من كل ذلك " إن تتبعون " أى : ما تتبعون " إلا رجلا مسحورا " أى : مغلوبا على عقله ، ومصابا بمرض قد أثر فى تصرفاته .فأنت ترى أن هؤلاء الظالمين قد اشتمل قولهم الذى حكاه القرآن عنهم - على ست قبائح - قصدهم من التفوه بها صرف الناس عن اتباعه صلى الله عليه وسلم .قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآيات : أى : إن صح أنه رسول الله فما باله حاله كمحالنا " يأكل الطعام " كما نأكل ، ويتردد فى الأسواق لطلب المعاش كما نتردد . يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش ، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكا إلى ، اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك ، فليكن مرفودا بكنزل يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش . ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق . . . وأراد بالظالمين : إياهم بأعيانهم . وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل عليهم بالظلم فيما قالوا . .
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
وقد رد الله - تعالى - على مقترحاتهم الفاسدة ، بالتهوين من شأنهم و بالتعجيب من تفاهة تفكيرهم ، وبالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه منهم فقال : ( انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) .أى : انظر - أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء الظالمين ، وتعجب من تعنتهم ، وضحالة عقولهم . وسوء أقاويلهم . حي وصفوك تارة بالسحر . وتارة بالشعر . وتارة بالكهانة . وقد ضلوا عن الطريق المستقيم فى كل ما وصفوك به . وبقوا متحيرين فى باطلهم ، دون أن يستطيعوا الوصول إلى السبيل الحق . وإلى الصراط المستقيم .فالآية الكريمة تعجيب من شأنهم ، واستعظام لما نطقوا به . وحكم عليهم بالخيبة والضلال ، وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم عما قالوه فى شأنه .
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية . تسلية أخرى لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى - : ( تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً ) .أى : جل شأن الله تعالى ، وتكاثرت خيراته ، فهو - سبحانه - الذى - إن شاء - جعل لك فى هذه الدنيا - أيها الرسول الكريم - خيرا من ذلك الذى اقترحوه من الكنوز والبساتين ، بأن يهبك جنات عظيمة تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، ويهبك قصورا فخمة ضخمة .ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، لأن ما ادخره لك من عطاء كريم خير وأبقى .فقوله - تعالى - : ( إِن شَآءَ ) كلام معترض لتقييد عطاء الدنيا ، أى : إن شاء أعطاك فى الدنيا أكثر مما اقترحوه ، أما عطاء الآخرة فهو محقق ولا قيد عليه .وقوله - سبحانه - : ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ) تفسير لقوله : ( خَيْراً مِّن ذلك ) فهو بدل أو عطف بيان .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences