At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:56–60
( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) أى : متيقظون لمكائدهم ، ومحتاطون لمكرهم ، وممسكون بزمام الأمور حتى لا يؤثر فينا خداعهم .يقال : حذر فلان حذرا - من باب تعب - بمعنى : استعد للأمر وتأهب له بيقظة . .وكلام فرعون هذا - الذى حكاه القرآن عنه - يوحى بهلعه وخوفه مما فعله موسى - عليه السلام - إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع والجزع بالتهوين من شأنه ومن شأن الذين خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحاق بهم وتأديبهم ، وبالظهور بمظهر المستعد هو وقومه لمجابهة الأخطار والتمرد بكل قوة وحزم .قال صاحب الكشاف : والمعنى : أنهم - أى موسى ومن معه - لقلتهم لا يبالى بهم ، ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ولكنهم يفعلون أفعالا تغيظنا ، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم فى الأمور ، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى حسم فساده ، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه ، وقرىء : حذرون .. . والحذر : اليقظ . والحاذر : الذى يجدد حذره .
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما اقتضته إرادته ومشيئته فى فرعون وقومه فقال : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) أى : فأخرجناهم بقدرتنا وإرادتنا من ( جَنَّاتٍ ) .أى : بساتين كانوا يعيشون فيها ( وَعُيُونٍ ) عذبة الماء كانوا يشربون منها .
( وَكُنُوزٍ ) أى : وأموال كانت تحت أيديهم ( وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) أى : ومساكن حسنة جميلة كانوا يقيمون فيها .أى : أخرجناهم من كل ذلك بقدرتنا ومشيئتنا ، ليلقوا مصيرهم المحتوم وهو الغرق ، بسبب إصرارهم على كفرهم وطغيانهم .
26:59Page 369
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.
وقوله : ( كَذَلِكَ ) خبر لمبتدأ محذوف . أى : الأمر كذلك .وقوله ( وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ ) أى : وأورثنا تلك الجنات والعيون والكنوز والمنازل الحسنى لبنى إسرائيل .قال الجمل : وقوله : ( وَأَوْرَثْنَاهَا ) أى : الجنات والعيون والكنوز لبنى إسرائيل ، وذلك أن الله - عز وجل - رد بنى إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه ، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن الحسنة . . .والظاهر أن هذه الجملة اعتراضية ، وأن قوله - بعد ذلك - ( فَأَتْبَعُوهُم ) معطوف قوله - تعالى - : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) . . لأن إعطاء البساتين وما بعدها لبنى إسرائيل ، كان بعد هلاك فرعون وقومه .ومن العلماء من يرى أن بنى إسرائيل لم يعودوا لمصر بعد هلاك فرعون وقومه ، وأن الضمير فى قوله - تعالى - : ( وَأَوْرَثْنَاهَا ) إلى الجنات والعيون والكنوز التى أخرج الله - تعالى - منها فرعون وقومه ، بأن عاد موسى ومن معه إلى مصر - لفترة معينة - بعد هلاك فرعون وملئه ، ثم خرجوا منها بعد ذلم مواصلين سيرهم إلى الأرض المقدسة ، التى أمرهم موسى - عليه السلام - بدخولها .ولعل ما يؤيد ما نرجحه قوله - تعالى - : ( وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَهَا التي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحسنى على بني إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ) وقوله - سبحانه - : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِي الأرض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرض وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما حدث من فرعون وقومه ، وما قاله بنو إسرائيل عندما شاهدوهم ، فقال - تعالى - ( فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ ) .أى : أخرجنا فرعون وقومه من أموالهم ومساكنهم . . . فساروا مسرعين خلف موسى ومن معه ، ( فَأَتْبَعُوهُم ) أى : فلحقوا بهم ( مُّشْرِقِينَ ) أى : فى وقت شروق الشمس يقال : أشرق فلان إذا دخل فى وقت الشروق ، كأصبح إذا دخل فى وقت الصباح .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences