At-Tafsir al-WasitAz‑Zukhruf · 43:26–30

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:26–30

43:26Page 491

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father and his people, "Indeed, I am disassociated from that which you worship

وبعد هذا البيان الماحق لشبهات المشركين ولأقوالهم الباطلة . . أتبع - سبحانه - ذلك بذكر جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، وبذكر جانب من اعتراضاتهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى دعوته ، ورد عليها بما يخرس ألسنتهم فقال - تعالى - : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ . . . والآخرة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) .أى : واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك حال جدك إبراهيم - عليه السلام - وقت أن قال لأبيه آزر ولقومه الذين كانوا عاكفين على عبادة الأصنام ، مقلدين فى ذلك آباءهم . . .قال لهم : إننى برئ ما تعبدونه من هذه الأوثان .وذكرهم - سبحانه - هنا بحال إبراهيم ، لأنه كان أعظم آبائهم ، ومحط فخرهم ، والمجمع على محبته منهم .فكأنه - تعالى - يقول لهم : هذا هو حال جدكم إبراهيم الذى تعتزون به فلماذا لم تقلدوه فى إنكاره لعبادة الأصنام ، وفى هجره لما كان عليه أبوه وقومه ، وإخلاصه العبادة لله - تعالى - وحده .وقوله : ( بَرَآءٌ ) مصدر وقع موقع الصفة وهى برئ ، على سبيل المبالغة فى التبرى من عبادتهم لغير الله - تعالى - يقال : تبرات من فلان ، فأنا منه براء .أى : كرهت قوله وفعله والقرب منه .

43:27Page 491

إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ ٢٧

Except for He who created me; and indeed, He will guide me."

والاسثناء فى قوله : ( إِلاَّ الذي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) منقطع ، أى : أنا برئ من عبادة أصنامكم ، لكنى أبعد الذى خلقنى وفطرنى بقدرته ، فإنه و الذى سيهدين إلى الصراط المستقيم .ويصح أن يكون متصلا بناء على أنهم كانوا يعبدون الله - تعالى - الذى فطرنى .أى : خلقنى بقدرته على غير مثال سابق .وقال هنا ( سَيَهْدِينِ ) وقال فى آية أخرى : ( الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) للدلالة على ثقة ابراهيم - عليه السلام - بفضل ربه - تعالى - عليه ، وأنه يهديه فى الحال وفى الاستقبال ، وأن هذه الهداية مصاحبة له فى كل وقت من أوقات حياته .ومن الآيات الكثيرة التى تشبه هاتين الآيتين قوله - تعالى - حكاية عن نبيه إبراهيم : ( فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي هاذآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين ) وقوله - سبحانه - : ( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأقدمون فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . . . ).

43:28Page 491

وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢٨

And he made it1 a word remaining among his descendants that they might return [to it].

والضمير المنصوب فى قوله - تعالى - بعد ذلك : ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ . . . ) يعود إلى كلمة التوحيد ، والمشتملة على البراءة من كل عبادة لغير الله - تعالى - ، والمعبر عنها قبل ذلك بقوله - تعالى - : ( إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ) .وضمير الفاعل المستتر فى قوله - سبحانه - : ( وَجَعَلَهَا . . . ) يعود إلى الله - تعالى - .أى : وجعل الله - تعالى - بفضله وكرمه ، كلمة التوحيد ، باقية فى عقب ابراهيم ، وفى ذرتيه من بعده ، بأن جعل من ذريته الأنبياء والصالحين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا .ويؤيد هذا المعنى قوله - تعالى - فى سورة الصافات : ( سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصالحين وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ . . )ويصح أن يكون ضمير الفاعل يعود إلى إبراهيم - عليه السلام - ، على معنى أنه وصى ذريته من بعده بعبادة الله - تعالى - وحده ، وأنه دعا ربه أن يجعل فى ذريته من يعبده وحده .فيكون المعنى : وجعل ابراهيم هذه الكلمة وهى كلمة التوحيد باقية فى ذريته حيث أوصافهم بعبادة الله وحده .ويشهد لذلك قوله - تعالى - : ( ووصى بِهَآ ) - أى بكلمة التوحيد - ( إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ . . ) .ثم بين - سبحانه - الحكمة فى ذلك الجعل فقال : ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أى : جعلها كذلك رجاء أن يرجع إلى كملة التوحيد من أشرك من ذرية ابراهيم ، ببركة دعائه لهم بالإِيمان ودعاء من آمن منهم .فلقد حكى القرآن عن إبراهيم أن دعا الله - تعالى - بقوله : ( رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي . . . ) وبقوله : ( واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام ).

43:29Page 491

بَلۡ مَتَّعۡتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٞ مُّبِينٞ ٢٩

However, I gave enjoyment to these [people of Makkah] and their fathers1 until there came to them the truth and a clear Messenger.2

وقوله - سبحانه - : ( بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ) إضراب عن كلام محذوف يناسق إليه الكلام ، والمراد " بهؤلاء " أهل مكة المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - وقوله : ( مَتَّعْتُ ) من التمتع بمعنى إعطائهم ما يشتهون من المطاعم والمشارب والنعم المتعددة ، واشتغالهم بذلك عن طاعة الله - تعالى - وشكره .والمعنى : اقتضت حكمتنا أن نجعل كلمة التوحيد باقية فى بعض ذرية إبراهيم لعل من بقى من هذه الذرية على الشرك أن يرجع إليها ، ولكنهم لم يرجعوا بل أصروا على كفرهم ، فلم أعالجهم بالعقوبة ، بل متعت هؤلاء المشركين المعاصرين لك - أيها الرسول الكريم - بأن أمددتهم بالنعم المتعددة هم وآباؤهم ، وبقيت تلك النعم فيهم : ( حتى جَآءَهُمُ الحق ) وهو دعوتك إياهم إلى إخلاص العبادة لنا ، وجاءهم ( وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ) هو أنت - أيها الرسول الكريم - فإن رسالتك واضحة المعالم ، بينة المقاصد ، ليس فيها شئ من الغموض الذى يحملها على الإِعراض عنها .فالمقصود من الآية الكريمة ، بيان أن الكلمة الباقية فى عقب إبراهيم وهى كلمة التوحيد ، لم يتبعها جميع أفراد ذريته ، بل اتبعها قوم وكفر بها آخرون وأن هؤلاء الكافرين - وعلى راسهم كفار قريش - لم يعاجلهم الله - تعالى - بالعقوبة ، بل أعطاهم نعما متعددة ، فلم يشكروه - تعالى - عليها ، واستمروا على ذلك ، حتى جاءهم الحق ، فلم يؤمنوا به ، ولا بمن حمله إليهم وهو الرسل المبين - صلى الله عليه وسلم - .ومن الآيات التى تدل على أن ذرية إبراهيم كان منها المؤمن ، وكان منها الكافر . قوله - تعالى - : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ )

43:30Page 491

وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٣٠

But when the truth came to them, they said, "This is magic, and indeed we are, concerning it, disbelievers."

ثم بين - سبحانه - موقفهم من الحق الذى جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ) .أى : وحين جاءهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحق من عند ربهم ، لكى يخرجهم من ظلمات الكفر ، إلى نور الإِيمان . . قالوا - على سبيل الجحود والعناد - : هذا الذى جئتنا به نوع من السحر ، وإنا به كافرون مكذبون .والتعبير بقوله : ( جَآءَهُمُ ) يشعر بأن الحق قد وصل إليهم دون أن يتبعوا أنفسهم فى البحث عنه ، ومع ذلك فقد استقبلوه بالجحود والإِنكار .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском