At-Tafsir al-WasitAz‑Zukhruf · 43:36–40

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:36–40

43:36Page 492

وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦

And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.

وبعد هذا الحديث الجامع عن هوان شأن الدنيا عند الله - تعالى - ، أتبع - سبحانه - ذلك ببيان حال الذين عن ذكر الله - تعالى - ، وأنهم يوم القيامة لن ينفعهم ندمهم أو تحسرهم ، وسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم . فقال - تعالى - : ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ . . . مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) .وقوله - سبحانه - : ( يَعْشُ ) أى : يعرض . يقال عشا فلان يعشو ، كدعا يدعو ، وعشى يعشى ، كرضى يرضى ، إذا ضعف بصره ، ومنه قولهم : ناقة عشواء ، إذا كانت لا تبصر إلا شئا قليلا ، والمراد هنا : عمى البصيرة وضعف إدراكها للخير . ومنه قولهم : ركب فلان العشواء ، إذا خبط أمره على غير هدى أو بصيرة .والمعنى : ومن يتعام عن ذكر الرحمن ، ويعرض عن قرآنه ، ويتجاهل هدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ) أى ، نهيئ ونسب له شيطانا رجيما يستولى عليه ، ويستخوذ على قلبه وعقله .( فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) أى : فذلك الشيطان يكون ملازما ومصاحبا لهذا الإِنسان الذى أعرض عن القرآن ، ملازمة القرين لقرينه ، والشئ لظله .ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ).

43:37Page 492

وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧

And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided

ثم بين - سبحانه - الآثار التى تترتب على مقارنة الشيطان للإِنسان فقال : ( وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) .والضمير فى ( وَإِنَّهُمْ ) يعود إلى الشيطان باعتبار جنسه ، وفى قوله - تعالى - ( لَيَصُدُّونَهُمْ ) يعود إلى ( وَمَن ) فى قوله ( وَمَن يَعْشُ ) باعتبار معناها .أى : ومن يعرض عن طاعة الله ، نهيئ له شيطانا ، فيكون ملازما له ملازمة تامة ، وإن هؤلاء الشياطين وظيفتهم أنهم يصدرون هؤلاء الفاسقين عن ذكر الله - تعالى - ، وعن سبيله الحق وصراطه المستقيم .( وَيَحْسَبُونَ ) أى : هؤلاء الكافرون ( أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) إلى السبيل الحق . فالضمائر فى قوله ( وَيَحْسَبُونَ ) وما بعده يعود إلى الكافرين .ويصح أن يكون الضمير فى قوله ( وَيَحْسَبُونَ ) يعود إلى الكفار ، وفى قوله ( أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ) يعود إلى الشيطان ، فيكون المعنى :ويظن هؤلاء الكافرون أن الشيطان مهتدون إلى الحق ، ولذلك اتبعوهم وأطاعوهم .

43:38Page 492

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨

Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."

ثم بين - سبحانه - ما يكون بين هذا الإِنسان الكافر وبين قرينه من الشياطين يوم القيامة ، فقال - تعالى - : ( حتى إِذَا جَآءَنَا قَالَ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين فَبِئْسَ القرين ) .أى : لقد استمر هذا المعرض عن ذكر الله فى غيه . ومات على ذلك حتى إذا جاءنا يوم القيامة لحساب والجزاء ، ( قَالَ ) لقرينه الذى صده عن طريق الحق . .( ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين ) أى : أتمنى أن تكون المسافة التى بينى وبينك من البعد والمفارقة ، كالمسافة التى بين المشرق والمغرب .فالمراد بالمشرقين المشرق والمغرب فعبر - سبحانه - بالمشرق على سبيل التغليب لأحدهما على الآخر .( فَبِئْسَ القرين ) أى : فبئس القرين أنت - أيها الشيطان - فالمخصوص بالذم محذوف .

43:39Page 492

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩

And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما سيقال لهذا العاشى عن ذكر الله ولقرينه على سبيل التأنيب والتوبيخ فقال : ( وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ ) .والضمير فى قوله : ( يَنفَعَكُمُ ) يعود إلى التمنى المذكور فى قوله : ( ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين . . ) و ( إِذ ) ظرف لما مضى من الزمان ، بدل من ( اليوم ) .أى : ولن ينفعكم ندمكم وتمنيكم اليوم شيئا ، بعد أن تبين لكم أنكم كنتم ظالمين فى الدنيا ، ومصرين على الكفر والضلال .وقوله : ( أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ) تعليل لما قبله ، أى : ولن ينفعكم اليوم تمنيكم وندمكم لأنكم فى هذا اليوم أنتم وقرناؤكم مشتركون فى العذاب ، كما كنتم فى الدنيا مشتركون فى سببه ، وهو الكفر والضلال .قال صاحب الكشاف ما ملخصه : قوله : ( أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ) فى محل الرفع على الفاعلية . يعنى : ولن ينفعكم كونكم مشتركين فى العذاب كما ينفع الواقعين فى الأمر الصعف اشتراكهم فيه لتعاونهم فى تحمل أعبائه . لأن كل واحد منكم ، به من العذاب ما هو فوق طاقته .ولك أن تجعل الفاعل التنمى فى قوله : ( ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ . . . ) على معنى : ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين ، وقوله : ( أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ) تعليل ، أى : ولن ينفعكم تمنيكم ، لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤهكم فى العذاب . . . وتقويه قراءة من قرأ ( إنكم ) بالكسر .

43:40Page 492

أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?

وبعد هذا التوبيخ الشديد للمعرض عن ذكر الله ولشيطانه ، يوجه الله - تعالى - خطابه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ليزيده تسلية وتثبيتا فيقول : ( أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .والاستفهام للنفى أى : أفأنت - أيها الرسول الكريم - تستطيع أن تسمع الصم صوتك ، أو أن تهدى الذين انطمست بصائرهم إلى الطريق الحق . أو أن تخرج من كان فى الضلال الواضح إلى الهدى والرشاد؟كلا إنك لن تستطيع ذلك ، لأن الهداية والإِضلال ، من الله - تعالى - وحده . وأنت - أيها الرسول الكريم - عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .فالقصود من الآية الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونهيه من أن يضيق صدره بسبب إعراضهم المستمر عن دعوة الحق ، وبيان أن الهداية والإِضلال بيد الله - تعالى - وحده .وسماهم - سبحانه - صما وعميا ، مع أنهم يسمعون ويبصرون ، لأنهم بمنزلة الصم والعمى فى عدم انتفاعهم بالهدى والرشاد الذى جاءهم به - صلى الله عليه وسلم - .وقوله - تعالى - : ( وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) معطوف على العمى والصم باعتبار تغاير الصفات .أى : أنت - أيها الرسول الكريم - لن تستطيع هداية من كان أصم وأعمى ، ومن كان مصرا على الضلال المبين وما ذام الأمر كذلك فسر فى طريقك ، دون أن تذهب نفسك عليهم حسرات . .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском