And We made them a precedent and an example for the later peoples.
( فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً ) أى قدوة لمن بعدهم فى الكفر فى استحقاق مثل عقوبتهم كما جعلناهم ( مَثَلاً ) أى : عبرة وموعظة ( لِّلآخِرِينَ ) الذين يعملون مثل أعمالهم . .وبذلك نرى فى هذه الآيات الكريمة ، جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وملئه .ويتجلى فى هذا الجانب من القصة طغيان فرعون ، واستخافه بعقول قومه ، ومجاهرته بالكذب والفجور . . . فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار .
And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.
ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى ، إلى الحديث عن جانب من قصة عيسى - عليه السلام - فقال - تعالى - : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ . . . وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً . . ) روايات منها : أنه لما نزل قوله - تعالى - : ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ . . . ) تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا : ما يريد محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا أن نتخذه إلها ، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله - تعالى - ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً . . ) .وقال الواحدى : أكثر المفسرين على أن هذه الآية ، " نزلت فى مجادلة ابن الزبعرى - قبل أن يسلم - مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه لما نزل قوله - تعالى - : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ) . قال ابن الزبعرى خصمتك - يا محمد - ورب الكعبة . أليست النصارى يعبدون المسيح ، واليهود يعبدون عزيرا ، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء من النار ، فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا فى النار؟فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم - : " ما أجهلك بلغة قومك؟ أما فهمت أن ( ما ) لما لا يعقل " ؟ . وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال له : " إنهم يعبدون الشيطان " وأنزل الله - تعالى - : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) .وكلمة ( يَصِدُّونَ ) قرأها الجمهور بكسر الصاد . وقرأها ابن عامر والكسائى بضم الصاد . وهما بمعنى واحد . ومعناهما : يضجون ويصيحون فرحا . يقال : صد يصد - بكسر الصاد وضمها - بمعنى ضج - كعكف - بضم الكاف وكسرها .ويرى بعضهم أن ( يَصِدُّونَ ) - بكسر الصاد - بمعنى : يضجون ويصيحون ويضحكون . . وأن ( يَصِدُّونَ ) - بضم الصاد - بمعنى الصاد - بمعنى يعرضون . من الصد بمعنى الإِعراض عن الحق .والمعنى : وحين ضرب ابن الزبعرى ، عيسى ابن مريم مثلا ، وحاجك بعبادة النصارى له ، فاجأك قومك - كفار قريش - بسبب هذه المحاجة ، بالصياح والضجيج والضحك ، فرحا منهم بما قاله ابن الزبعرى ، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك فى الخصومة والمجادلة .فمن فى قوله ( مِنْهُ ) الظاهر أنها للسببية ، كما فى قوله - تعالى - : ( مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً . . . ) والمراد بالمثل هنا : الحجة والبرهان .قال الآلوسى : والحجة لما كانت تسير مصير الأمثال شهرة ، قيل لها مثل . أو المثل بمعنى المثال . أى : جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن آلهتهم من حصب جهنم ، وجعل عيسى - عليه السلام - نفسه مثلا من باب : الحج عرفة .
And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.
ثم بين - سبحانه - أقوالهم التى بنو عليها باطلهم فقال : ( وقالوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) ؟ والضمير ( هُوَ ) يعود إلى عيسى - عليه السلام - .ومرادهم بالاستفهام تفضيل عيسى - عليه السلام - على آلهتهم ، مجاراة للنبى - صلى الله عليه وسلم - .فكأنهم يقولون : لقد أخبرتنا بأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله - تعالى - وأنه خير من آلهتنا . . . . فإن كان فى النار يوم القيامة لأن الله - تعالى - يقول : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ) فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا فى النار .وقد أبطل الله زعمهم هذا بقوله : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً ) .أى : لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما قالوه ، فإنهم ما ضربوا لك هذا المثل بعيسى إلا من أجل مجادلتك بالباطل ، وليس من أجل الوصول إلى الحق .وقوله : ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) مؤكد لما قبله من كونهم قالوا ذلك لأجل الجدل بالباطل ، لا لطلب الحق ، وإضراب عن مزاعمهم وعن مجاراتهم فى خصومتهم .أى : ذرهم - أيها الرسول الكريم - فى باطلهم يعمهون ، فإنهم قوم مجبولون على الخصومة ، دون أن يكون هدفه الوصول إلى الحق .وجاء التعبير فى قوله : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً ) بصيغة الجمع ، مع أن ضارب المثل واحد ، وهو ابن الزبعرى ، لأن إسناد فعل الواحد إلى الجماعة ، من الأساليب المعروفة فى اللغة العربية ، ومنه قول الشاعر :فسَيف بنى عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدى ورقاء عن رأس خالدفإنه قد نسب الضرب إلى جميع بنى عبس ، مع تصريحه بأن الضراب واحد ، وهو رقاء . . ولأنهم لما أيدوا ابن الزبعرى فى قوله ، فكأنهم جميعا قد قالوه . .
He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.
ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى - عليه السلام - فقال : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لبني إِسْرَائِيلَ ) .أى : ليس هو أى : عيسى - عليه السلام - إلا عبد من عبادنا الذين أنعمنا عليهم بنعمة النبوة ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً ) أى : أمرا عجيبا ، جديرا بأن يسير ذكره كالأمثال ( لبني إِسْرَائِيلَ ) الذين أرسلناه إليهم ، حيث خلقناه من غير أب وأعطيناه المعجزات الباهرات التى منها : إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله . . وهذا كله دليل على وحدانيتنا ، وكمال قدرتنا ونفاذ إرادتنا .فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى - عليه السلام - ، وتحدد منزلته ، وتنفى عنه غلو المغالين فى شأنه ، وإنقاص المنقصين من قدره .
And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.
ثم أكد - سبحانه - كمال قدرته فقال : ( وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ ) .و " من " فى قوله - تعالى - ( مِنكُمْ ) يصح أن تكون للبدلية ، فيكون المعنى : ولو نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونه بعد موتكم ، ولكنا لم نشأ ذلك لحكم نحن نعلمها .ويصح أن تكون للتبعيض فيكون المعنى : ولو نشاء لجعلنا منكم يا رجل قريش ملائكة ، بطريق التوليد منكم ، من غير واسطة نساء ، فهذا أمر سهل علينا ، مع أنه أعجب من حال عيسى الذى تستغربونه ، لأنه جاء من غير أب ، مع أن الأم من طبيعتها الولادة .فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شئ ، وأن ما تعجبو منه ، الله - تعالى - قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه .قال صاحب الكشاف : قوله ( وَلَوْ نَشَآءُ ) لقدرتنا على خلق عجائب الأمور ، وبدائع الفطر ، ( لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ) أى : لولدنا منكم يا رجال ( مَّلاَئِكَةً ) يخلفونكم فى الأرض ، كما يخلفكم أولادكم ، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل ، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ، ولتعلموا أن الملائكة أجسام . . . وذات الله - تعالى - متعالية عن ذلك .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences