At-Tafsir al-WasitQaf · 50:11–15

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:11–15

50:11Page 518

رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ ١١

As provision for the servants, and We have given life thereby to a dead land. Thus is the emergence [i.e., resurrection].

وقوله : ( رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ ) بيان للحكمة من إنزال المطر وإنبات الزرع . .أى : أنبتنا ما أنبتنا من الجنات ومن النخل الباسقات . . ليكون ذلك رزقا نافعا للعباد . .( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ) أى : وأحيننا بذلك الماء الذى أنزلناه بلدة كانت مجدبة ، وأرضا كانت خالية من النبات والزروع ، وتذكير ( مَّيْتاً ) لكون البلدة بمعنى المكان .وقوله : ( كَذَلِكَ الخروج ) جملة مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث ، مثله كمثل هذا الإِحياء للأرض التى كانت جدباء ميتة ، بأن أنبتت من كل زوج بهيج بعد أن كانت خالية من ذلك .فوجه الشبه بين إحياء الأرض بالنبات بعد جدبها ، وبين إحياء الإِنسان بالبعث بعد موته ، استواء الجميع فى أنه جاء بعد عدم .قال ابن كثير : قوله : ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً . . . ) وهى الأرض التى كانت هامدة ، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج . . وذلك بعد أن كانت لانبات فيها فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك ، كذلك يحيى الله الموتى ، وهذا المشاد من عظيم قدرته بالحس ، أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث . .كقوله - تعالى - : ( لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ) وقوله : ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى بلى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) وقوله - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، وعلى أن البعث حق ، وأنه آت لا ريب فيه .

50:12Page 518

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ ١٢

The people of Noah denied before them,1 and the companions of the well2 and Thamūd

وبعد هذا العرض البديع لمظاهر قدرة الله - تعالى - فى هذا الكون ، ولمظاهر نعمه على خلقه ، ساقت السورة الكريمة جانبا من أحوال المكذبين للرسل السابقين . تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه ، فقال - تعالى - : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ . . . مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) .أى : لا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابت من أذى من هؤلاء المشركين الجاحدين المكذبين فقد سبقهم إلى هذا التكذيب والكفر والجود " قوم نوح " - عليه السلام - ، فإنهم قد قالوا فى حقه إنه مجنون ، كما حكى عنهم ذلك فى قوله - تعالى - : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وازدجر ) وقوله : ( أَصْحَابُ الرس ) معطوف على ما قبله ، والرس فى لغة العرب : البئر التى لم تبن بعد بالحجارة ، وقيل : هى البئر طلقا .وللمفسرين فى حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود ، بعث الله إليهم واحدا من أنبيائه ، فكذبوه ورسوه فى تلك البئر ، أى : ألقوا به فيها فأهلكهم - سبحانه - بسبب ذلك .وقيل : هم الذين قتلوا حبيبا النجار عندما جاء يدعوهم إلى الدين الحق ، وكانت تلك البئر بأنطاكية ، وبعد قتلهم له ألقوه فيها . وقيل : هم قوم شعيب - عليه السلام - .واختبار ابن جرير - رحمه الله - أن أصحاب الرسل هم أصحاب الأخدود ، الذين جاء الحديث عنهم فى سورة البروج .والمراد بثمود : قوم صالح - عليه السلام - الذين كذبوه فأهلكهم الله - تعالى - .والمراد بعاد : قوم هود - عليه السلام - الذين اغتروا بقوتهم ، وكذبوا نبيهم ، فأخذهم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر .

50:13Page 518

وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ ١٣

And ʿAad and Pharaoh and the brothers [i.e., people] of Lot

( وَفِرْعَوْنُ ) هو الذى أرسل الله إليه موسى - عليه السلام - فكذبه وقال لقومه ( فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى ) ( وَإِخْوَانُ لُوطٍ ) هم قومه الذين أتوا بفاحشة لم يسبقوا إليها . قالوا : ووصفهم الله - تعالى - بأنهم إخوانه ، لأنه كانت ترطبه بهم رابطة المصاهرة حيث إن امرأته - عليه السلام - كانت منهم .

50:14Page 518

وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ١٤

And the companions of the thicket and the people of Tubbaʿ. All denied the messengers, so My threat was justly fulfilled.

( وَأَصْحَابُ الأيكة ) هم قوم شعيب - عليه السلام - كما قال - تعالى - : ( كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيكة المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ ) والأيكة : اسم لمنطقة كانت مليئة بالأشجار ، ومكانها - فى الغالب - بين الحجاز وفلسيطن حول خليج العقبة ، ولعلها المنطقة التى تمسى بمعان .وكان قوم شعيب يبعدون الأوثان ، ويطففون فى المكيال فنهاهم شعيب عن ذلك ، ولكنهم كذبوه فأهلكهم الله - تعالى - .( وَقَوْمُ تُّبَّعٍ ) وهو تبع الحميرى اليمانى ، وكان مؤمنا وقومه كفار ، قالوا : وكان اسمه سعد أبو كرب ، وقد أشار القرآن إلى قصتهم فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - : ( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ . . ) والتنوين فى قوله - تعالى - : ( كُلٌّ كَذَّبَ الرسل . . ) عوض عن المضاف إليه . أى : كل قوم من هؤلاء الأقوام السابقين كذبوا رسولهم الذى جاء لهدايتهم .وقوله : ( فَحَقَّ وَعِيدِ ) بيان لما حل بهم بسبب تكذيبهم لرسلهم .أى : كل واحد من هؤلاء الأقوام كذبوا رسولهم ، فكانت نتيجة ذلك أن وجب ونزل بهم وعيدى ، وهو العذاب الذى توعدتهم به ، كما قال - سبحانه - ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) قال ابن كثير : قوله : ( كُلٌّ كَذَّبَ الرسل . . . ) أى : كل من هذه الأمم ، وهؤلاء القرون كذب رسوله ، ومن كذب رسولا فكأنما كذب جميع الرسل .( فَحَقَّ وَعِيدِ ) أى : فحق عليهم ما أوعدهم الله - تعالى - على التكذيب من العذاب والنكال ، فليحذر المخاطبون أن يصبهم ما أصابهم ، فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك .

50:15Page 518

أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٥

Did We fail in the first creation? But they are in confusion over a new creation.

وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين ، عادت السورة إلى تقرير الحقيقة التى كفر بها الجاهلون والجاحدون ، وهى أن البعث حق ، فقال - تعالى - : ( أَفَعَيِينَا بالخلق الأول بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) والاستفهام للإِنكار والنفى ، وقوله ( عَيِينَا ) من العى بمعنى العجز . يقال : عَيِىَ فلان بهذا الشئ ، إذا عجز عنه ، وانقطعت حيلته فيه ، ولم يهتد إلى طريقه توصله إلى مقصوده منه .واللبس : الخلط . يقال : لبس على فلان الأمر - من باب ضرب - إذا اشتبه واختلط عليه ، ولم يستطع التمييز بين ما هو صواب وما هو خطأ .أى : أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء الكافرين وإيجادهم من العدم ، حتى يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم؟كلا إننا لم نعجز عن شئ من ذلك لأن قدرتنا لا يعجزنا شئ ، ولكن هؤلاء الكافرين لانطماس بصائرهم ، واستيلاء الشيطان عليهم ، قد صاروا فى لبس وخلط من أمرهم ، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ولم يكونوا شيئا مذكورا ، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على " الخلق الجديد " أى : على إعادتهم إلى الحاية الدنيا مرة أخرى بعد موتهم .فقوله - تعالى - : ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أى : بل إن هؤلاء الكافرين فى خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أى خلق مستأنف لهم بعد موتهم ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون - لعلموا أن القادر على الخلق من العدم ، قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى ، كما قال - سبحانه - : ( وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . ) قال الآلوسى : وقوله : ( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) عطف على مقدر يدل عليه ما قبله ، كأن قيل : إنهم معترفون بالأول غير منكرين قدرتنا عليه ، فلا وجه لإِنكارهم الثانى ، بل هم فى خلط وشبهة فى خلق مستأنف .وقال بعض العلماء ما ملخصه : فى الآية أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول؟ ولم نكر اللبس؟ ولم نكر الخلق الجديد؟وللإِجابة على ذلك نقول : عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور فى قوله( يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور ) وأما التنكير فأمره منقسم ، فأحيانا يقصد به التفخيم ، من حيث ما فيه من الإِبهام . . وهو المقصود هنا من تنكير لفظ ( لبس ) . كأنه قيل : بل هم فى لبس أى لبس .وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره ، وهو المقصود هنا بقوله من ( خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أى : أن هذا الخلق الجديد شئ هين بالنسبة إلى الخلق الأول ، وإن كان كل شئ هين بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى - .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском