He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
( يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل ) أى : يدخل - سبحانه - طائفة من الليل فى النهار ، فيقصر الليل ويزيد النهار ويدخل طائفة من النهار فى الليل ، فيقصر النهار ، ويزيد الليل ، ثم يسيران على هذا النظام البديع ، دون أن يسبق أحدهما الآخر .( وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) و " ذات " هنا مؤنث ذو بمعنى صاحب .أى : وهو - سبحانه - عليم علما تاما بمكنونات الصدور ، وما تضمره من خير أو شر وما يتردد فيها من خواطر وأفكار .والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة من أول السورة إلى هنا ، يراها قد اشتملت على بضع عشرة صفة ، من صفات الله عز وجل - الدالة على وجوب إخلاص العبادة له ، والنقياد لأمره ونهيه .
Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.
ثم دعا - سبحانه - عباده المؤمنين إلى التمسك بهذا الإيمان ، وإلى تنفيذ تكاليفه ، ووعدهم على ذلك بأجزل الثواب ، فقال - تعالى - : ( آمِنُواْ بالله . . . ) .الخطاب فى قوله - تعالى - : ( آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ) إلى الناس جميعا ويدخل فيه المؤمنون دخولا أوليا ، ويكون المقصود بدعوتهم إلى الإيمان المداومة عليه والتمسك بتعاليمه ، وتنفيذ توجيهاته . . . كما قال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذي أَنزَلَ مِن قَبْل ) وقوله : ( وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) بيان لما يقتضيه هذا الإيمان .وقوله : ( مُّسْتَخْلَفِينَ ) اسم مفعول من الاستخلاف ، بمعنى أن يخلف الإنسان غيره ، أو أن يخلفه غيره من بعده .أى : آمنوا - أيها الناس - بالله - تعالى - وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - إيمانا حقا ، وإن من مقتضيات هذا الإيمان ، أن تنفقوا من أموالكم فى وجوه الخير ، فإن هذه الأموال هى عارية فى أيديكم ، فقد ورثتموها من غيركم ، وغيركم سيرثها عنكم ، وهى فى جيمع الأحوال ملك لله - تعالى - وحده على الحقيقة .قال القرطبى : قوله : ( وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) دليل على أن أصل الملك لله - سبحانه - وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذى يرضى الله فيثيبه على ذلك بالجنة ، فمن أنفق منا فى حقوق الله ، وهان عليه الإنفاق منها ، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ، كان له الأجر الجزيل .وقال الحسن : مستخلفين فيه : ورثتكم إياه عمن كان قبلكم .وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم فى الحقيقة ، وما أنتم إلا بمنزلة النواب والوكلاء ، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق ، قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم .ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المنفقين فقال : ( فالذين آمَنُواْ مِنكُمْ ) إيمانا حقا . . ( وَأَنفَقُواْ ) أموالهم فيما يرضى الله - تعالى - ( لَهُمْ ) منه - عز وجل - ( أَجْرٌ كَبِيرٌ ) لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .
And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?
ثم رغبهم - سبحانه - فى الثبات على الإيمان بالله ورسوله فقال : ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) .أى : وأى مانع يمنعكم من الثبات على الإيمان . ومن القيام بتكاليفه ، ومن إخلاص العبادة له - تعالى - وحده ، والحال أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينكم صباح مساء ، يدعوكم إلى الإيمان بربكم ، وقد أخذ - سبحانه - عليكم العهود والمواثيق على هذا الإيمان ، عن طريق ما ركب فيكم من عقول تعقل ، وعن طريق ما نصب لكم من أدلة متنوعة كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله الواحد القهار .قال : الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : أى : وأى شىء يمنعكم من الإيمان ، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به .وقد روينا فى الحديث من طرق ، فى أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح البخارى ، " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوما لأصحابه : " أى المؤمنين أعجب إليكم إيمانا؟ " قالوا : الملائكة .قال : " وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ " قالوا : فالأنبياء قال : " ومالهم لا يؤمنون والوحى ينزل عليهم " قالوا : فنحن ، قال : " فما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم ، يجدون صحفا يؤمنون بما فيها " " .وقوله - تعالى - : ( وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ ) كما قال - تعالى - : ( واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا . . ) ويعنى بذلك بيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .وزعم ابن جرير : أن المراد بذلك : الميثاق الذى أخذ عليهم فى صلب آدم .وجواب الشرط فى قوله - تعالى - : ( إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) محذوف لدلالة ما قبله عليه .أى : إن كنتم مؤمنين لسبب من الأسباب ، فعلى رأس هذه الأسباب وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينكم يدعوكم إلى هذا الإيمان ويقنعكم بوجوب الاعتصام به .
It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.
ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وعليهم فقال : ( هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) .والرءوف : مبالغة فى الاتصاف بالرأفة ، ومعناها : كراهية إصابة الغير بما يضره أو يؤذيه .والرحيم : مبالغة فى الاتصاف بصفة الرحمة . ومعناه : محبة إيصال الخير والنفع إلى الغير .أى : هو - سبحانه - وحده الذى ينزل على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ( آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) أى : حججا واضحات ، ودلائل باهرات ، لكى يخرجكم من ظلمات الكفر والجهل ، إلى نور الإيمان والعلم .وإن الله - تعالى - بكم - أيها الناس - لكثير الرأفة والرحمة ، حيث أنزل إليكم كتابه ، وأرسل إليكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.
وكما حضهم - سبحانه - على الثبات على الإيمان . . . حضهم أيضاً مرة أخرى على الإنفاق فى سبيله بأبلغ أسلوب ، فقال : ( وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض ) .والاستفهام فى قوله تعالى : ( وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ . . ) للتعجيب من حال من يمسك عن الإنفاق فى سبيل الله ، مع أن كل المقتضيات تدعوه إلى هذا الإنفاق . والكلام فى قوله - تعالى - : ( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض ) على حذف مضاف ، والجملة حال من فاعل ( تُنفِقُواْ ) ، أو من مفعوله المعلوم مما تقدم .وإضافة ميراث إلى السموات والأرض ، من إضافة المصدر إلى المفعول أى : وأى سبب يحملكم على البخل وعدم الإنفاق فى سبيل إعلاء كلمة الله ، والحال أن لله - تعالى - ميراث أهل السموات وأهل الأرض .إنه لا عذر لكم فى الشح والإمساك بعد أن بينت لكم ما بينت من وجوب الإنفاق فى سبيل الله .قال الآلوسى : قوله : ( وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض ) أى : يرث كل شىء فيهما ، ولا يبقى لأحد مال ، على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما ، لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف . وجوز أن يراد : يرثهما وما فيهما ، واختير الأول ، لأنه يكفى لتوبيخهم ، إذ لا علاقة لأخذ السموات والأرض هنا . . . والجملة مؤكدة للتوبيخ ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ، ومع تحقيق ما يوجب الإنفاق أشد فى القبح ، وأدخل فى الإنكار .ثم قال - تعالى - : ( لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ ) .والمراد بمن أنفق من قبل الفتح وقاتل : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ، الذين أنفقوا الكثير من أموالهم ، قيل فتح مكة . . . وقيل : المراد بالفتح : صلح الحديبية .وإنما كان الذين أنفقوا وقاتلوا قبل هذا الوقت ، أعظم درجة ممن فعل ذلك بعد هذا الوقت ، لأن الأيام التى سبقت الفتح تعرض المسلمون خلالها لكثير من المصائب والخوف والجوع ونقص الثمرات . . فكان الإنفاق والجهاد فيها أشق على النفس ، والثواب على قدر المشقة .أى : لا يستوى منكم - أيها المؤمنون - فى الفضيلة والدرجة من أنفق الكثير من ماله ، من قبل أن تفتح مكة ، وجاهد فى سبيل الله - تعالى - جهادا كبيرا ، أولئك الذين فعلوا ذلك ، أعظم درجة ومنزلة من الذين انفقوا وقاتلوا بعد أن فتحت مكة .فالجملة الكريمة بيان لتفاوت الدرجات ، على حسب تفاوت الأحوال والأعمال ، وعطف - سبحانه - القتال فى قوله ( وَقَاتَلُواْ ) على الإنفاق فى قوله : ( أَنفَقُواْ ) للإشعار بشدة ارتباطهما ، وأنه لا غنى لأحدهما عن الآخر .قال القرطبى : أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح : فتح مكة . وقال الشعبى والزهرى : فتح الحديبية . . . وفى الكلام حذف . أى : لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقائل ، فحذف لدلالة الكلام عليه .وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم ، لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام ، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق ، والأجر على قدر النصب .وقوله - تعالى - : ( مَّنْ أَنفَقَ . . ) عام يشمل جميع من بذل ماله قبل الفتح فى سبيل الله .وقيل : المراد به أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - لأنه أول من أسلم ، وأول من أنفق .وقوله - عز وجل - : ( وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى ) مدح للفريقين ، ودفع للتوهم من أن يظن ظان أن الفريق الثانى وهو الذى أنفق من بعد الفتح وقاتل ، محروم من الأجر .أى : وكلا الفريقين وعده الله - تعالى - المثوبة الحسنى وهى الجنة ، إلا أن الذين انفقوا من قبل الفتح وقاتلوا ، أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد ذلك .فهذه الآية أصل فى تفاضل أهل الفضل فيما بينهم ، وأن الفضل ثابت لهم جميعا إلا أنهم تفاوتوا على حسب أعمالهم وجهادهم وسبقهم .ثم حتم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) أى : أنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم الظاهرة أو الباطنة فأخلصوا أقوالكم وأفعالكم لله - تعالى - لتنالوا أجره وثوابه .وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التى تدل على فضل الصحابة - رضوان الله عليهم - ومنها ما جاء فى الحديث الصحيح " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : " لا تسبوا أصحابى ، فوالذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " " .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences