And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.
ثم بين - سبحانه - حكم الفىء الذى أفاءه على المسلمين فى غزوة بنى النضير وفيما يشبهها من غزوات ، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فى أمره ونهيه ، وأثنى - سبحانه - على المهاجرين والأنصار لقوة إيمانهم ، ولنقاء قلوبهم وسخاء نفوسهم . . . فقال - تعالى - : ( وَمَآ أَفَآءَ . . . . ) .قوله : ( وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ . . ) معطوف على قوله - تعالى - : ( مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ . . . ) لبيان نعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على المؤمنين ، فى غزوة بنى النضير .و ( أَفَآءَ ) من الفىء بمعنى الرجوع ، يقال : فاء عليه ، إذا رجع ، ومنه قوله - تعالى - فى شأن الإيلاء : ( فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) والمراد به هنا معناه الشرعى : وهو ما حصل عليه المؤمنون من أموال أعدائهم بدون قتال ، كأن يكون هذا المال عن طريق الصلح ، كما فعل بنو النضير ، فقد صالحوا المؤمنين على الخروج من المدينة ، على أن يكون لكل ثلاثة منهم حمل بعير - سوى السلاح - وأن يتركوا بقية أموالهم للمسلمين .والضمير فى قوله ( مِنْهُمْ ) يعود إلى بنى النضير ، الذى عبر - سبحانه - عنهم بقوله : ( هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب . . ) وقوله : ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ . . ) من الإيجاف بمعنى الإسراع فى السير يقال : وجَفَ الفرس يجِف وجَفا ووجيفا ، إذا أسرع فى سيره . والجملة خبر " ما " الموصولة فى قوله : ( وَمَآ أَفَآءَ . . ) و ( مَآ ) فى قوله ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ ) نافية .والركاب : اسم جمع للإبل التى تركب ، وفى الكلام حذف أغنى عنه قوله - سبحانه - : ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ . . ) .والمعنى : أعلموا - أيها المؤمنون - أن ما أعطاء الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - من أموال بنى النضير التى صالحوه عليها ، فلا حق لكم فيها لأنكم لم تنالوها بقتالكم لهم على الخيل أو الإبل ، وإنما تفضل بها - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بلا قتلا يذكر ، فقد كانت ديار بنى النضير على بعد ميلين من المدينة ، فذهب إليها المسلمون راجلين ، وحاصروها حتى تم استسلام بنى النضير لهم . .قال الآلوسى : روى أن بنى النضير لما أجلوا عن أوطانهم ، وتركوا ربعاعهم وأموالهم . طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر ، فأنزل الله - تعالى - : ( وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ . . . ) فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة .فقد أخرج البخارى ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وغيرهم عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال : كانت أموال بنى النضير ، مما أفاء الله - تعالى - : على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، فكان ينفق عل أهله منها نفقة سنة ، ثم يجعل ما بقى فى السلاح والكراع عدة فى سبيل الله - تعالى - .وقال الضحاك : كانت أموال بنى النضير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة ، فآثر بها المهاجرين . وقسمها عليهم ، ولم يعط الأنصار منها شيئا ، إلا ثلاثة منهم أعطاهم لفقرهم . .وقوله - سبحانه - : ( ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ . . . ) استدراك على النفى فى قوله - تعالى - : ( فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ . . ) .أى : ليس لكم الحق - أيها المؤمنون - فى أموال بنى النضير ، لأنكم لم تظفروا بها عن طريق قتال منكم لهم ، ولكن الله - تعالى - سلط رسوله - صلى الله عليه وسلم - عليهم وعلى ما فى أيديهم ، كما كان يسلط رسله على من يشاء من أعدائهم ، والله - تعالى - قدير على كل شىء . . .وما دام الأمر كذلك ، فاتركوا رسولكم - صلى الله عليه وسلم - يتصرف فى أموال بنى النضير بالطريقة التى يريدها ويختارها بإلهام من الله - عز وجل - .
And what Allāh restored to His Messenger from the people of the towns - it is for Allāh and for the Messenger and for [his] near relatives1 and orphans and the needy and the [stranded] traveler2 - so that it will not be a perpetual distribution among the rich from among you. And whatever the Messenger has given you - take; and what he has forbidden you - refrain from. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.
وقوله - تعالى - : ( مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى . . ) يرى كثير من العلماء أنه وارد على سبيل الاستئناف الابتدائى ، وأنه سيق لبيان حكم شرعى جديد ، يختلف عن الحمك الذى أوردته الآية السابقة على هذه الآية . . .إذ أن الاية السابقة ، واردة فى حكم أحوال بنى النضير بصفة خاصة ، وهذه فى حكم الفىء بعد ذلك بصفة عامة .وعليه يكون المعنى : لقد بينت لكم - أيها المؤمنون - حكم أموال بنى النضير ، وهى أنها لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - يضعها حيث شاء .أما ما أفاءه الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أموال أهل القرى الأخرى ، كقريظة وفدك وغيرهما فحكم هذا الفىء أنه يقسم إلى خمسة أقسام :قسم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ينفق منه على نفسه وأهله وما تبقى منه يكون فى مصالح المسلمين .وقسم لأقاربه - صلى الله عليه وسلم - وهم : بنو هاشم وبنو المطلب .وقسم لليتامى : وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم عنهم قبل أن يبلغوا .وقسم للمساكين : وهم الذين ليس لهم مال يكفيهم ضررويات الحياة .وقسم لأبناء السبيل : وهم المسافرون المنقطعون عن مالهم فى سفرهم ، ولو كانوا أغنياء فى بلدهم .وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى ، فقال بعد استعراضه للأقوال : والصواب من القول فى ذلك عندى أن هذه الآية حكمها غير حكم الآية التى قبلها وذلك أن الآية التى قبلها ، مال جعله الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - خاصة دون غيره . لم يجعل فيه لأحد نصيبا .فإذا كانت هذه الآية التى قبلها مضت ، وذكر المال الذى خص الله به رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يجعل لأحد منه شيئا ، وكانت هذه الآية خبرا عن المال الذى جعله الله لأصناف شتى ، كان معلوما بذلك أن المال الذى جعله لأصناف من خلقه .غير المال الذى جعله للنبى - صلى الله عليه وسلم - .وقال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية ما مخلصه : قوله - تعالى - : ( مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى . . ) بيان لحكم ما أفاءه الله على رسوله من قرى الكفار على العموم ، بعد بيان حكم ما أفاءه من بنى النضير .فالجملة جواب سؤال مقدر ناشىء مما فهم من الكلام السابق ، فكأن قائلا يقول : قد علمنا حكم ما أفاءه الله - تعالى - من بنى النضير ، فما حكم ما أفاء الله - عز وجل - من غيرهم؟فقيل : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى . . . ولذا لم يعطف على ما تقدم ، ولم يذكر فى الآية قيد الإيجاف ولا عدمه . . .وسهمه - سبحانه - وسهم رسوله واحد ، وذكره - تعالى - : افتتاح كلام للتيمن والتبرك . فإن لله ما فى السموات وما فى الأرض ، وفيه تعظيم لشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - .وأهل القرى المذكورون فى الآية هم : أهل الصفراء ، وينبع ، ووادى القرى ، وما هنالك من قرى العرب ، التى تسمى قرى عرينة ، وحكمها مخالف لحكم أموال بنى النضير .ومن العلماء من يرى أن الآية التى معنا ، بمنزلة البيان والتفسير للآية التى قبلها ، لأن الآية الأولى لم تبين المستحقين للفىء الذى أفاءه الله - تعالى - على رسوله من أموال بنى النضير ، فجاءت الآية الثانية وبينت المستحقين له .وعلى رأس المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : لم يدخل - سبحانه - العاطف على هذه الجملة - وهى قوله : ( مَّآ أَفَآءَ . . . ) - لأنها بيان للأولى ، فهى منها غير أجنبية عنها . بين لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ما يصنع بما أفاءه الله عليه ، وأمره أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم ، مقسوما على الأقسام الخمسة .وقال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى ) : أى جميع البلدان التى تفتح هكذا ، فحكمها حكم أموال بنى النضير ، ولهذا قال : ( فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) . فهذه مصارف أموال الفىء ووجوهه .ومن هذا نرى أن أصحاب الرأى الأول ، يقولون : إن الآيتين فى حكمين مختلفين ، لأن الآية الأولى فى بيان حكم أموال بنى النضير ، وأن الله - تعالى - قد جعلها للرسول - صلى الله عليه وسلم - يضعها حيث يشاء ، وأما الآية الثانية فهى فى حكم أموال القرى الأخرى التى أفاءها الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وأن الله - تعالى - قد حدد له وجوه صرفها ، فقال : ( فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى .. . ) .وأما أصحاب الرأى الثانى فيرون أن الآية الثانية مفصلة لما أجملته الآية الأولى ، وأن كل فىء يقسم بالطريقة التى بينتها الآية الثانية .ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب ، لأن الثابت فى السنة الصحيحة : أن أموال بنى النضير ، لم يخمسها - صلى الله عليه وسلم - بل كانت له خاصة ، يوزعها كما يشاء ، وقد آثر بها المهاجرين ، وقسمها عليهم : ولم يعط الأنصار منها شيئا سوى ثلاثة رجال منهم ، كانت بهم حاجة فأعطاهم ، وبذلك نرى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتقيد فى التوزيع لهذه الأموال ، بمن ورد ذكرهم فى الآية الثانية .وما دام الأمر كذلك ، فلا حاجة إلى القول بأن الآية الثانية ، ببيان وتفصيل للآية الأولى .هذا وهناك أقوال أخرى فى معنى هذه الآية ، مبسوطة فى كتب الفقه والتفسير ، فليرجع إليها من شاء المزيد من الأحكام الفقهية .وقوله - سبحانه - : ( كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ . . ) بيان لحكمة هذا التشريع الذى شرعه - سبحانه - بالنسبة للأموال التى أتت عن طريق الفىء . . . والضمير المستتر فى قوله : ( يَكُونَ ) للفىء .و " الدُّولة " بضم الدال المشددة اسم لما يتداوله الناس فيما بينهم من أموال ، فيكون فى يد هذا تارة ، وفى يد ذاك تارة أخرى .والدَّولة - بفتح الدال المشددة - اسم للنوبة من الظفر والنصر فى الحرب وغيرها .يقال : لفلان على فلان دولة ، أى : غلبة ونصر .وبعضهم يرى أن الدولة - بالضم والفتح - بمعنى واحد ، وهو ما يدور ويدول للإنسان من الغنى والنصر .والمعنى : شرعنا لكم هذه الأحكام المتعلقة بتقسيم الفىء ، كى لا يكون المال الناجم عنه ، متداولا بين أيدى أغنيائكم دون فقرائكم .والمقصود بهذه الجملة الكريمة ، إبطال ما كان شائعا فى الجاهلية ، من استئثار قواد الجيوش ، ورؤساء القبائل ، بالكثير من الغنائم دون غيرهم ممن اشترك معهم فى الحروب ، كما قال أحد الشعراء ، لأحد الرؤساء أو القادة :لك المِربَاع منها والصفايا ... وحُكْمُك والنَّشيِطةُ والفُضُولأى : لك - أيها القائد وحدك - من الغنيمة ربعها ، والصفايا أى : والنفيس منها ، ولك - أيضا ما تحكم به على العدو ، ولك النشيطة ، وهى ما يصيبه الجيش من العدو قبل الحرب ، ولك - كذلك - الفضول ، أى : ما يبقى بعد قسمة الغنائم .وقد أبطل الإسلام كل ذلك ، حيث جعل مصارف الفىء ، تعود إلى المسلمين جميعا ، بطريقة عادلة ، بينها - سبحانه - فى هذه الآية وفى غيرها . .قال بعض العلماء : والجدير بالذكر هنا : أن دعاة المذاهب الاقتصادية الفاسدة ، يحتجون بهذه الآية على مذهبهم الفاسد ، ويقولون : ويجوز للدولة أن تستولى على مصادر الإنتاج ورءوس الأموال ، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء ، وما يسمونهم طبقة العمال ، وهذا على ما فيه من كساد اقتصادى ، وفساد اجتماعى ، قد ثبت خطؤه وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة الاستدلال .قال بعض العلماء : والجدير بالذكر هنا : أن دعاة المذاهب الاقتصادية الفاسدة ، يحتجون بهذه الآية على مذهبهم الفاسد ، ويقولون : ويجوز للدولة أن تستولى على مصادر الإنتاج ورءوس الأموال ، لتعطيها أو تشرك فيها الفقراء ، وما يسمونهم طبقة العمال ، وهذا على ما فيه من كساد اقتصادى ، وفساد اجتماعى ، قد ثبت وظهر بطلانه مجانبا لحقيقة الاستدلال .لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامة ، من الإنفاق على المجاهدين ، وتأمين الغزاة فى الحدود والثغور ، وليس يعطى للأفراد كما يقولون ، ثم - هو أساسا - مال جاء غنيمة للمسملين ، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه الحلال .ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص ، ولا هو - أيضا - كسب لشخص معين ، تحقق فيه العموم فى مصدره ، وهو الغنيمة ، والعموم فى مصرفه وعو عموم مصالح الأمة ، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه ، فشتان بين هذا الأصل فى التشريع ، وهذا الفرع فى التضليل .ثم أمر - سبحانه - المسلمين أن يمتثلوا أمر رسولهم - صلى الله عليه وسلم - امتثالا تاما ، فقال : ( وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) .وقوله : ( آتَاكُمُ ) من الإتيان ، والمقصود به هنا ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هدايات وتشريعات ، وآداب . ويدخل فى ذلك دخولا أوليا قسمته لفىء بنى النضير بين المهاجرين ، دون الأنصار .أى : ما أمركم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفعله - أيها المؤمنون - فافعلوه ، وما نهاكم عن فعله فاجتنبوه ، واتقوا الله فى كل أحوالكم ، فإنه - سبحانه - شديد العقاب لمن خالف أمره . ومنهم من جعل ( آتَاكُمُ ) هنا بمعنى أعطاكم من الفىء ، وجعل ( نَهَاكُمْ ) بمعنى نهاكم عن الأخذ منه ، وكأن صاحب هذا الرأى يستعين على ما ذهب إليه بفحوى المقام .قال صاحب الكشاف : قوله : ( وَمَآ آتَاكُمُ الرسول ) من قسمة غنيمة أو فىء فخذوه وما نهاكم عنه ، أى : عن أخذه منه ( فانتهوا ) عنه .والأجود أن يكون - الأمر والنهى - عاما فى كل ما آتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه ، أمر الفىء داخل فى عمومه .وقال الإمام ابن كثير : وقوله - تعالى - : ( وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ) ؟ قالت : بلى .قال : فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه . قالت : إنى لأظن أهلك يفعلونه!!قال : اذهبى فانظرى ، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا . فجاءت فقالت : ما رأيت شيئا . قال : لو كان كذا لم تجامعنا .وقال بعض العلماء وفى الآية دليل على وجوب الآخذ بالسنن الصحيحة فى كل الأمور .وعن أبى رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى!! ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه . . " .وهذا الحديث من أعلام النبوة ، فقد وقع ذلك بعدُ من الجاهلين بكتاب الله ، وبمنصب الرسالة ، ومن الزنادقة الصادين عن سبيل الله . .
For the poor emigrants who were expelled from their homes and their properties, seeking bounty from Allāh and [His] approval and supporting [the cause of] Allāh and His Messenger, [there is also a share]. Those are the truthful.
ثم أثنى - سبحانه - على المهاجرين الذين فارقوا أموالهم وعشيرتهم ، من أجل إعلاء كلمته - تعالى - فقال : ( لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أولئك هُمُ الصادقون ) .قال الإمام الرازى : اعلم أن هذا بدل من قوله - تعلاى - : ( وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل . . ) كأنه قيل : أعنى بأولئك الأربعة ، هؤلاء الفقراء المهاجرين الذين من صفتهم كذا وكذا .ثم إنه - تعالى - وصفهم بأمور ، أولها : أنهم فقراء ، ثانيها : أنهم مهاجرون وثالثها : أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم ، يعنى أن الكفار أجبروهم على الخروج . . . ورابعها : أنهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، والمراد بالفضل ثواب الجنة ، وبالرضوان : قوله : ( وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ ) وخامسها : قوله : ( وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ ) أى : بأنفسهم وأموالهم .وسادسها : قوله : ( أولئك هُمُ الصادقون ) يعنىأنهم لما هجروا لذَّات الدنيا وتحملوا شدائدها لأجل الدين ، ظهر صدقهم فى دينهم . .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف المهاجرين فى سبيله ، بجملة من المناقب الحميدة . التى استحقوا بسببها الفلاح والفوز برضوان الله .
And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
ثم مدح - سبحانه - بعد ذلك الأنصار ، الذين يحبون من هاجر إليهم فقال : ( والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) .والجملة الكريمة معطوفة على ( الْمُهَاجِرِينَ ) أو مبتدأ وخبره : ( يُحِبُّونَ ) والتبوؤ : النزول فى المكان ، ومنه المباءة للمنزل الذى ينزل فيه الإنسان .والمراد بالدار : المدينة المنورة ، وأل للعهد . أى : الدار المعهودة المعروفة وهى دار الهجرة .وقوله : ( والإيمان ) منصوب بفعل مقدر ، أى : وأخلصوا الإيمان .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى عطف الإيمان على الدار ، ولا يقال : تبوأوا الإيمان؟قلت معناه : تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان . كقوله : علفتها تبنا وماء باردا .أى : وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم ، لتمكنهم منه ، واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك .أو أراد : دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التعريف فى الدار مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه . .أو سمى المدينة - لأنها دار الهجرة ، ومكان ظهور الإيمان - بالإيمان . .وقوله : ( مِن قَبْلِهِمْ ) أى : من قبل المهاجرين ، وهو متعلق بقوله ( تَبَوَّءُوا ) .وقوله : ( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) خبر لمبتدأ ، أو حال من الذين تبوأوا الدار .أى : هذه هى صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم .. . وهذا هو جزاؤهم .أما الذين سكنوا دار الهجرة وهى المدينة المنورة ، من قبل المهاجرين ، وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم لله - تعالى- ، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم الذين هاجروا إليهم حبا شديدا ، لأن الإيمان ربط قلوبهم برباط المودة والمحبة . وقوله : ( وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ) صفة أخرى من صفات الأنصار .ومعنى : ( يَجِدُونَ ) هنا : يحسون ويعلمون ، والضمير للأنصار ، وفى قوله ( أُوتُواْ ) للمهاجرين . والحاجة فى الأصل : اسم مصدر بمعنى الاحتياج ، أى الافتقار إلى الشىء .والمراد بها هنا : المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبى - صلى الله عليه وسلم - للمهاجرين دون الأنصار ، من فىء أو غيره .أى : أن من صفات الأنصار - أيضا - أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شىء مما أعطى للمهاجرين من الفىء أو غيره ، لأن المحبة التى ربطت قلوب الأنصار بالمهاجرين ، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شىء مما أعطاه النبى - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين وحدهم . . .ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة كريمة فقال : ( وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . ) .والإيثار معناه : أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه ، على سبيل الإكرام والنفع ، والخصاصة : شدة الحاجة ، وأصلها من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتحات .أى : أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون فى النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ، ولو كانوا فى حاجة ماسة ، وفقر واضح ، إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين .ولقد ضرب الأنصار - رضى الله عنهم - أروع الأمثال وأسماها فى هذا المضمار ، ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذى والنسائى وغيرهم عن أبى هريرة قال : " أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ، أصابنى الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه الله "؟ فقام رجل من الأنصار - وفى رواية أنه أبو طلحة - فقال : أنا يا رسول الله ، فذهب به إلى أهله ، فقال لامرأته : أكرمى ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : والله ما عندى إلا قوت الصيبة!! قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالى فأطفئى السراج ، ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعلت .ثم غدا الضيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لقد عجب الله الليلة من فلان وفلانة " وأنزل الله فيهما : ( وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ . . . ) . "وقوله - سبحانه - : ( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون ) تذييل قصد به حض الناس على التحلى بفضيلة السخاء والكرم .والشح : يرى بعضهم أنه بمعنى البخل ، ويرى آخرون أن الشح غريزة فى النفس تحملها على الإمساك والتقتير ، وأما البخل فهو المنع ذاته ، فكأن البخل أثر من آثار الشح .قال صاحب الكشاف : " الشح " - بالضم والكسر قد قرئ بهما - : اللؤم ، وأن تكون نفس المرء كزة حريصة على المنع كما قال الشاعر :يمارس نفسا بين جنبيه كَزَّةً ... إذا هَمَّ بالمعروف قالت له مهلاوقد أضيف إلى النفس لأنه غريزة فيها ، وأما البخل فهو المنع نفسه ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح . . ) أى : ومن يوق - بتوفيق الله وفضله - شح نفسه وحرصها على الإمساك ، فيخالفها فيما تأمره به من المنع والتقتير . فأولئك الذين يخالفونها هم المفلحون ، الفائزون برضا الله - عز وجل - .ومن الأحاديث التى وردت فى النهى عن الشح ، ما أخرجه مسلم - فى صحيحه - عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم " .
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
ثم مدح - سبحانه - كل من سار على نهج المهاجرين والأنصار فى قوة الإيمان ، وفى طهارة القلب ، وسماحة النفس فقال - تعالى - : ( والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ . . ) عطف عند الأكثرين أيضا على المهاجرين ، والمراد بهؤلاء : قيل : الذين هاجروا حين قوة الإسلام ، فالمجىء حسى ، وهو مجيئهم إلى المدينة ، وضمير من بعدهم ، للمهاجرين الأولين .وقيل هم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ، فالمجىء إما إلى الوجود أو إلى الايمان وضمير ( مِن بَعْدِهِمْ ) للفريقين : المهاجرين والأنصار .وهذا هو الذى يدل عليه كلام عمر - رضى الله عنه - وكلام كثير من السلف كالصريح فيه ، فالآية قد استوعبت جميع المؤمنين .ويبدو لنا أن هذا الرأى الثانى ، وهو كون الذين جاءوا من بعدهم يشمل المؤمنين الصادقين جميعا ، أقرب إلى الصواب ، لأنهم هم التابعون بإحسان للمهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ، كما قال - تعالى - : ( والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ . . . ) وعليه يكون المعنى : والذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار ، واتبعوهم بإحسان إلى يوم القيامة ( يَقُولُونَ ) على سبيل الدعاء لأنفسهم ولإخوانهم فى العقيدة ، ( رَبَّنَا اغفر لَنَا ) أى : يا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ، واغفر ، لإخواننا فى الدين ( الذين سَبَقُونَا بالإيمان ) فهم أسبق منا إلى الخير والفضل . . ( وَلاَ تَجْعَلْ ) يا ربنا ( فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ) أى : حسدا وحقدا ( لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ) أى : يا ربنا لا تجعل فى قلوبنا أى غل أو حسد لإخواننا المؤمنين جميعا .( رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) أى : يا ربنا إنك شديد الرأفة بعبادك واسع الرحمة بهم .وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة ، أن من حق الصحابة - رضى الله عنهم - على من جاءوا بعدهم ، أن يدعوا لهم ، وأن ينزلوهم فى قلوبهم منزلة الاحترام والتبجيل والتكريم . .ورحم الله الإمام القرطبة فقد أفاض فى بيان هذا المعنى ، فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ . . . ) يعنى التابعين ، ومن دخل فى الإسلام إلى يوم القيامة .قال ابن أبى ليلى : الناس على ثلاثة منازل : المهاجرون ، والذين تبوأوا الدار والإيمان ، والذين جاءوا من بعدهم ، فاجتهد ألا تخرج من هذه المنازل .وهذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة . .وقال الإمام الرازى : واعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع المؤمنين لأنهم إما المهاجرون ، أو الأنصار ، أو الذين جاءوا من بعدهم ، وبين أن من شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار ، أن يذكر السابقين ، وهم المهاجرون والأنصار بالدعاء والرحمة ، فمن لم يكن كذلك ، بل ذكرهم بسوء كان خارجا من جملة أقسام المؤمنين ، بحسب نص هذه الآية .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences