At-Tafsir al-WasitAl‑A'raf · 7:61–65

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:61–65

7:61Page 158

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.

ويرد نوح على قومه بأسلوب عف مهذب ، فينفى عن نفسه الضلالة ، ويكشف لهم عن حقيقة دعوته ومصدرها فيقول - كما حكى القرآن عنه - :( قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ ) أى : قال نوح لقومه مستميلا لقلوبهم : يا قوم ليس بى أدنى شىء مما يسمى بالضلال فضلا عن الضلال المبين الذى رميتمونى به ، فقد نفى الضلال عن نفسه الكريمة على أبلغ وجه ، لأن التاء فى - ضلالة - للمرة الواحدة منه ، ونفى الأدنى أبلغ من نفى الأعلى ، والمقام يقتضى ذلك ، لأنهم لما بالغوا فى رميه بالضلال المبين ، رد عليهم بما يبرئه من أى لونه من ألوانه . وفى تقديم الظرف ( بي ) تعريض بأنهم هم فى ضلال واضح .

7:62Page 158

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allāh what you do not know.

ثم قفى على نفى الضلالة عنه بإثبات مقابلها لنفسه وهى الهداية والتبليغ عن الله - تعالى - فقال : ( وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .فأنت ترى أن نوحاً - عليه السلام - بعد أن نفى عن نفسه أى لون من ألوان الضلالة وصف نفسه بأربع صفات كريمة :أولها : قوله : ( وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين ) أى : لست بمنجاة من الضلال الذى أنتم فيه فحسب ، ولكنى فضلا عن ذلك رسول من رب العالمين إليكم لهدايتكم وإنقاذكم مما أنتم فيه من شرك وكفر .قال الجمل : ( وقد جاءت لكن هنا أحسن مجىء لأنها ين نقيضين ، لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين : ضلال أو هدى ، والرسالة لا تجامع الضلال و ( مِّن رَّبِّ العالمين ) صفة لرسول ومن لابتداء الغاية ) .وثانيها : قوله : ( أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي ) أى : أبلغكم ما أوحاه الله إلى من الأوامر والنواهى ، والمواعظ والزواجر ، والبشائر والنذائر ، والعبادات والمعاملات .قال الآلوسى : وجمع الرسالات مع أن رسالة كل نبى واحدة ، رعاية لاختلاف أوقاتها أو تنوع معانى ما أرسل - عليه السلام - به من العبادات والمعاملات - أو أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس - عليه السلام - والجملة الكريمة مستأنفة لتقرير رسالته وتقرير أحكامها .وثالثها : قوله : ( وَأَنصَحُ لَكُمْ ) أى : أبلغكم جميع تكاليف الله وأتحرى ما فيه صلاحكم وخيركم فأرشدكم إليه وآخذكم نحوه .وأنصح : مأخوذ من النصح - وهو كما قال القرطبى - إخلاص النية من شوائب الفساد ، يقال : نصحته ونصحت له نصيحة ونصاحة - أى أرشدته إلى ما فيه صلاحه - ويقال : رجل ناصح الجيب ، أى : نقى القلب . والناصح الخالص من العسل وغيره ، مثل الناصع . وكل شىء خلص فقد نصح .والفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصح ، هو أن تبليغ الرسالة معناه أن يعرفهم جميع أوامر الله ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التى كلفهم الله بها ، وأما النصح فمعناه أن يرغبهم فى قبول تلك الأوامر والنواهى والعبادات ويحذرهم من عذاب الله إن عصوه .وأما الصفة الرابعة فهى قوله : ( وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) أى : أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم عن إخلاص ، وأعلم فى الوقت نفسه من الأمور الغيبية التى لا تعلم إلا عن طريق الوحى أشياء لا علم لكم بها ، لأن الله قد خصنى بها .أو المعنى : وأعلم من قدرة الله الباهرة ، وشدة بطشه على أعدائه ، ما لا تعلمونه فأنا أحذركم عن علم ، وأنذركم عن بينة ( فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ ) قال ابن كثير : وهذا شأن الرسول أن يكون مبلغا نصيحاً عالماً بالله لا يدركه أحد من خلق الله فى هذه الصفات كما جاء فى صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعاً : " أيها الناس ، إنكم مسئولون عنى ، فما أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها عليهم ، ويقول : اللهم اشهد ، اللهم اشهد " .

7:63Page 158

أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allāh so you might receive mercy?"

وبعد أن وصف نوح نفسه بتلك الصفات الأربع ، وبين لهم وظيفته أكمل بيان أخذ ينكر عليهم استبعادهم أن يخصه الله بالنبوة فقال :( أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) الهمزة فى أول الجملة للاستفهام الإنكارى ، والواو بعدها للعطف على محذوف مقدر بعد الهمزة .والمعنى : أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر أى موعظة من ربكم وخالقكم على لسان رجل من جنسكم ، تعرفون مولده ونشأته .ولقد حكى القرآن عن قوم نوح أنهم عجبوا من أن يختار الله رسولا منهم ، قال - تعالى - :( فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بهذا في آبَآئِنَا الأولين ) .وقوله : ( لِيُنذِرَكُمْ ) علة للمجىء ، أى : وليحذركم العذاب والعقاب على الكفر والمعاصى .وقوله : ( وَلِتَتَّقُواْ ) علة ثانية مرتبة على العلة التى قبلها ، أى : ولتوجد منكم التقوى ، وهى الخشية من الله بسبب الإنذار .وقوله : ( وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) علة ثالثة مترتبة على التى قبلها . أى : ولترحموا بسبب التقوى إن وجدت منكم .قال بعض العلماء : وهذا الترتيب فى غاية الحسن ، لأن المقصود من الإرسال الإنذار ، ومن الإنذار التقوى . ومن التقوى الفوز بالرحمة .وفائدة حرف الترجى ( وَلَعَلَّكُمْ ) التنبيه على عزة المطلب ، وأن التقوى غير موجبة للرحمة ، بل هى منوطة بفضل الله ، وأن المتقى ينبغى ألا يعتمد على تقواه ولا يأمن عذاب الله " .وإلى هنا نكون قد عرفنا أسلوب نوح فى دعوته كما جاء فى هذه السورة الكريمة ، فماذا كان موقف قومه؟

7:64Page 158

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1

لقد صرحت السورة الكريمة بأن موقفهم كان قبيحا ، ولذا عوقبوا بما يناسب جرمهم قال - تعالى - : ( فَكَذَّبُوهُ ) أى : فكذب قوم نوح نبيهم ومرشدهم نوحا ، وأصروا على التكذيب مع أنه دعاهم إلى الهدى ليلا ونهاراً ، وسراً وجهاراً ، ومع أنه مكث فيهم " ألف سنة إلا خمسين عاما " كانت نتيجة ذلك - كما حكى القرآن :( فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ فِي الفلك ) أى : فأنجيناه من الغرق هو والذين آمنوا معه بأن حملناهم فى السفينة التى صنعها . والفاء فى ( فَأَنجَيْنَاهُ ) للسببية .قيل كان عدد الذين آمنوا معه أربعين رجلا وأربعين امرأة . وقيل غير ذلك . والقرآن قد صرح بأن المؤمنين به كانوا قلة ، فقال : ( وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ) ( وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ ) عمين : جمع عم صفة مشبهة ، يقال : هو عم - كفرح - لأعمى البصيرة .أى : وأغرقنا بالطوفان أولئك الذين كذبوا بآياتنا من قوم نوح لأنهم كانوا قوماً عمى البصائر عن الحق والإيمان لا تنفع فيهم المواعظ ولم يجد معهم التذكير .

7:65Page 158

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥

And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"

وهذه سنة الله فى خلقه أن جعل حسن العاقبة للمؤمنين ، وسوء العذاب للجاحدين . ثم تحكى لنا السورة بعد ذلك قصة هود - عليه السلام - مع قومه ، فيقول الله - تعالى - : ( وإلى عَادٍ . . . . ) .تلك هى قصة هود - عليه السلام - مع قومه كما حكتها سورة الأعراف . وقد وردت - أيضاً - فى سورة أخرى ، منها : سورة هود ، والشعراء ، والأحقاف . . . إلخ .وينتهى نسب هود إلى نوح - عليهما السلام - كما قال بعض المؤرخين . فهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح .وقومه هم قبيلة عاد - نسبة إلى أبيهم الذى كان يسمى بهذا الاسم - وكانت مساكنهم بالأحقاف جمع حقف وهو الرمل الكثير المائل .وكانوا يعبدون الأصنام من دون الله ، فأرسل الله إليهم هوداً لهدايتهم ، ويقال بأن هوداً - عليه السلام - قد أرسله الله إلى عاد الأولى ، أما عاد الثاني فهم قوم صالح ، وبينهما مائة سنة .وقوله : ( وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ ) إلخ معطوف على قوله - تعالى - : ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ ) والمعنى :وأرسلنا إلى قبيلة عاد أخاهم فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره .ووصفه بأنه أخاهم لأنه من قبيلتهم نسباً ، أو لأنه أخوهم فى الإنسانية ، ثم حكى القرآن أن هوداً أنكر على قومه عبادتهم لغير الله ، وحضهم على إفراده بالعبادة فقال : ( أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) استعطاف وتحضيض على تحصيل التقوى . ولما كان ما حل بقوم نوح من أمر الطوفان واقعة لم يظهر فى العالم مثلها قال لهم : ( إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) وواقعة هود كانت مسبوقة بواقعة نوح وعهد الناس قريب بها فاكتفى هود بقوله لهم : ( أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) . والمعنى تعرفون أن قوم نوح لما لم يتقوا الله وعبدوا غيره حل بهم ذلك العذاب الذى اشتهر خبره فى الدنيا ، فقوله : ( أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) إشارة إلى التخويف بتلك الواقعة المشهورة " .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском