At-Tafsir al-WasitAl‑A'raf · 7:71–75

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:71–75

7:71Page 159

قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ ٧١

[Hūd] said, "Already have defilement and anger fallen upon you from your Lord. Do you dispute with me concerning [mere] names you have named them,1 you and your fathers, for which Allāh has not sent down any authority? Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ) أى : قال هود لقومه بعد أن لجوا فى طغيانهم : قد حق ووجب عليكم من قبل ربكم عذاب وسخط بسبب إصراركم على الكفر والعناد .والرجس والرجز بمعنى ، وأصل معناه الاضطراب يقال : رجست السماء أى : رعدت رعداً شديداً ، وهم فى مرجوسة من أمرهم أى : فى اختلاط والتباس . ثم شاع فى العذاب لاضطراب من حل به .وعبر عن العذاب المتوقع وقوعه بأنه ( قَدْ وَقَعَ ) مبالغة فى تحقيق الوقوع ، وأنه أمر لا مفر لهم منه .وعطف الغضب على الرجس ، للإشارة إلى ما سينزل بهم من عذاب هو انتقام لا يمكن دفعه ، لأنه صادر من الله الذى غضب عليهم بسبب كفرهم ، وبعد أن أنذرهم هددهم بوقوع العذاب عليهم ، ووبخهم على مجادلتهم إياه بدون علم فقال : ( أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ ) أى : أتجادلونى وتخاصمونى فى شأن أشياء ما هى إلا أسماء ليس تحتها مسميات ، لأنكم تسمونها آلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ومحال وجوده إذ المستحق للعبادة إنما هو الله الذى خلق كل شىء ، أما هذه الأصنام التى زعمتم أنها آلهة فهى لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا .فأنت ترى أن هوداً - عليه السلام - قد حول آلهتهم إلى مجرد أسماء لا تبلغ أن تكون شيئاً وراء الاسم الذى يطلق عليها ، وهذا أعمق فى الإنكار عليهم ، والاستهزاء بعقولهم .وقوله : ( مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) أى : ما أنزل الله بها من حجة أو دليل يؤيد زعمكم فى ألوهيتها أو فى كونها شفعاء لكم عند الله ، وإنما هى أصنام باطلة قلدتم آباءكم فى عبادتها بدون علم أو تفكير .ثم هدد بالعاقبة المقررة المحتومة فقال : ( فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ) أى : فانتظروا نزول العذاب الذى استعجلتموه وطلبتموه حين قلتم ( فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ) فإنى معكم من المنتظرين لما سيحل بكم بسبب شرككم وتكذيبكم .

7:72Page 159

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٧٢

So We saved him and those with him by mercy from Us. And We eliminated those who denied Our signs, and they were not [at all] believers.

ولم يطل انتظار هود عليهم ، فقد حل بهم العقاب الذى توعدهم به سريعا ولذا قال - تعالى - : ( فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ) الفاء فصيحة . أى : فوقع ما وقع فأنجينا هودا والذين اتبعوه فى عقيدته برحمة عظيمة منا لا يقدر عليها غيرنا .( وَقَطَعْنَا دَابِرَ الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ) أى : استأصلناهم عن آخرهم بالريح العقيم التى ( مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم ) فقطع الدابر كناية عن الاستئصال والاهلاك للجميع يقال قطع الله دابره أى : أذهب أصله .وقوله : ( وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ) مع إثبات التكذيب بآيات الله؟ قلت : هو تعريض بمن آمن منهم - كمرثد بن سعد - ومن نجا مع هود - عليه السلام - كأنه قال : وقطعنا دابر الذين كذبوا منهم ، ولم يكونوا مثل من آمن منهم ليؤذن أن الهلاك للمكذبين ونجى الله المؤمنين " .وهكذا طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين ، وتحقق النذير فى قوم هود كما تحقق قبل ذلك فى قوم نوح .

7:73Page 159

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٣

And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.

ثم قصت علينا السورة بعد ذلك قصة صالح - عليه السلام - مع قومه فقالت : ( وإلى ثَمُودَ . . . . ) .صالح - كما قال الحافظ البغوى - هو ابن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد ابن حاذر بن ثمود : وينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - .وثمود اسم للقبيلة التى منها صالح سميت باسم جدها ثمود ، وقيل سميت بذلك لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مسكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، وقيل سميت بذلك لقلة مائها لأن الثمد هو الماء القليل .وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم - ، والحجر مكان يقع بين الحجاز والشام إلى وادى القرى ، وموقعه الآن ، تقريباً - المنطقة التى بين الحجاز وشرق الأردن ، وما زال المكان الذى كانوا يسكنونه يسمى بمدائن صالح إلى اليوم ، وقد مر النبى صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة .وقبيلة صالح من قبائل العرب ، وكانوا خلفاء لقوم هود - عليه السلام - بعد أن هلكوا فورثوا أرضهم ، وآتاهم الله نعما وفيرة ، وكانوا يعبدون الأصنام فأرسل إليهم نبيهم صالحا مبشرا ونذيراً .قال - تعالى - : ( وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ) .أى : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم فى النسب والموطن صالحا - عليه السلام - فقال لهم الكلمة التى دعا بها كل نبى قومه : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله سواه ، قد جاءتكم معجزة ظاهرة الدلائل ، شاهدة بنبوتى وصدقى فيما أبلغه عن ربى .وقوله : ( مِّن رَّبِّكُمْ ) متعلق بمحذوف صفة لبينة ، أى هذه البينة كائنة من ربكم وليست من صنعى فعليكم أن تصدقونى لأنى مبلغ عن الله - تعالى - .ثم كشف لهم عن معجزته وحجته فقال : ( هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً ) أى : هذه التى ترونها وأشير إليها ناقة الله ، والتى جعلها - سبحانه - علامة لكم على صدقى .واضاف الناقة إلى الله للتفضيل والتخصيص والتعظيم لشأنها . وقيل : لأنه - سبحانه - خلقها على خلاف سنته فى خلق الإبل وصفاتها ، وقيل : لأنها لم يكن لها مالك .وقد ذكر المفسرون عنها قصصاً لا تخلو من ضعف ، لذا اكتفينا بما ورد فى شأنها فى القرآن الكريم .ثم أرشدهم إلى ما يجب عليهم نحوها فقال : ( فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .أى ارتكوا الناقة حرة طليقة تأكل فى أرض الله لاتى لا يملكها أحد سواه ولا تعتدوا عليها بأى لون من ألوان الاعتداء ، لأنكم لو فعلتم ذلك أصابكم عذاب أليم .والفاء فى قوله : ( فَذَرُوهَا ) للتفريع على كونها آية من آيات الله ، فيجب إكرامها وعدم التعرض لها بسوء .و ( تَأْكُلْ ) مجزوم فى جواب الأمر .وأضيفت الأرض إلى الله - أيضاً - قطعا لعذرهم فى التعرض لها ، فكأنه يقول لهم ، الأرض أرض الله والناقة ناقته ، فذروها تأكل فى أرضه لأنها ليست لكم ، وليس ما فيها من عشب ونبات من صنعكم ، فأى عذر لكم فى التعرض لها؟وفى نهيهم عن أن يمسوها بسوء تنبيه بالأدنى على الأعلى ، لأنه إذا كان قد نهاهم عن مسها بسوء إكراما لها فنهيهم عن نحرها أو عقرها أو منعها من الكلأ والماء من باب أولى . فالجملة الكريمة وعيد شديد لمن يمسها بسوء .وقوله : ( فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الفعل المضارع منصوب فى جواب النهى .وبعد أن بين لهم صالح - عليه السلام - وظيفته ، وكشف لهم عن معجزته ، وأنذرهم بسوء العاقبة إذا ما خالفوا أمره ، أخذ فى تذكيرهم بنعم الله عليهم . وبمصائر الماضين قبلهم .

7:74Page 160

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٧٤

And remember when He made you successors after the ʿAad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allāh and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

فقال - كما حكى القرآن عنه - : ( واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ ) .أى : واذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم حيث جعلكم خلفاء لقبيلة عادة فى الحضارة والعمران والقوة والبأس ، بعد أن أهلكهم الله بسبب طغيانهم وشركهم .وقوله : ( وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض ) أى : أنزلكم فيها وجعلها مباءة ومساكن لكم . يقال : بوأه منزلا ، أى : أنزله وهيأه له ومكن له فيه .والمراد بالأرض : أرض الحجر التى كانوا يسكنونها وهى بين الحجاز والشام ، تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا .السهول : الأراضى السهلة المنبسطة . والجبال : الأماكن المتحجرة المترفعة .أى أنزلكم فى أرض الحجر ، ويسر لكم أن تتخذوا من سهولها قصورا جميلة ، ودورا عالية ، ومن جبالها بيوتا تسكنونها بعد نحتكم إياها .يقال : نحته ينحته - كيضربه وينصره ويعلمه - أى : براه وسواه .قيل إنهم كانوا يسكنون الجبال فى الشتاء لما فى البيوت المنحوتة من القوة التى لا تؤثر فيها الأمطار والعواصف ، ولما فيها من الدفء . أما فى غير الشتاء فكانوا يسكنون السهول لأجل الزراعة والعمل ومن التعبير القرآنى نلمح أثر النعمة والتمكين فى الأرض لقوم صالح ، وندرك طبيعة الموقع الذى كانوا يعيشون فيه ، فهو سهل وجبل ، يتخذون فى السهل القصور ، وينحتون فى الجبال البيوت ، فهم فى حضارة عمرانية واضحة المعالم ، ولذا نجد صالح - عليه السلام - يكرر عليهم التذكير بشكر النعم فيقول :( فاذكروا آلآءَ الله وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ ) .أى : فاذكروا بتدبر واتعاظ نعم الله عليكم ، واشكروه على هذه النعم الجزيلة ، وخصوه وحده بالعبادة ، ولا تتمادوا فى الفساد حال إفسادكم فى الأرض .والمقصود النهى عما كانوا عليه من التمادى فى الفساد . مأخوذ من العيث وهو أشد الفساد . يقال : عثى - كرضى - عثوا إذ أفسد أشد الإفساد .وإلى هنا تكون السورة الكريمة قد ذكرت لنا جانبا من النصائح التى وجهها صالح لقومه فماذا كان موقفهم منه .

7:75Page 160

قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٧٥

Said the eminent ones who were arrogant among his people to those who were oppressed - to those who believed among them, "Do you [actually] know that Ṣāliḥ is sent from his Lord?" They said, "Indeed we, in that with which he was sent, are believers."

لقد كان موقفهم لا يقل فى القبح والتطاول والعناد عن موقف قوم نوح وقوم هود ، وهاك ما حكاه القرآن عنهم :( قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ) ؟أى : قال المترفون المتكبرون من قوم صالح للمؤمنين المستضعفين الذين هداهم الله إلى الحق : أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه إليكم لعبادته وحده لا شريك له؟وهو سؤال قصد المترفون منه تهديد المؤمنين والاستهزاء بهم ، لأنهم يعلمون أن المؤمنين يعرفون ان صالحا مرسل من ربه .ولذا وجدنا المؤمنين لا يردون عليهم بما يقتضيه ظاهر السؤال بأن يقولوا لهم : نعم أنه مرسل من ربه ، وإنما ردوا عليهم بقوله : ( إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) ، مسارعة منهم إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وإظهاراً للإيمان الذى استقر فى قلوبهم ، وتنبيها على أن أمر إرسال صالح - عليه السلام - من الظهور والوضوح حيث لا ينبغى لعاقل أن يسأل عنه ، وإنما الشىء الجدير بالسؤال عنه هو الإيمان بما جاء به هذا الرسول الكريم ، والامتثال لما يقتضيه العقل السليم .وهو رد من المؤمنين المستضعفين يدل على شجاعتهم فى الجهر بالحق وعلى قوة إيمانهم ، وسلامة يقينهم .وقوله : ( لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) بدل من ( لِلَّذِينَ استضعفوا ) بإعادة الجار بدل كل من كل ، والضمير فى ( مِنْهُمْ ) يعود على قوم صالح .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском