And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.
وقوله ( وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ ) معطوف على ما قبله ، أى : اثتبوا عند لقاء الأعداء ، وأكثروا من ذكر الله ، وأطيعوا الله ورسوله فى كل أقوالكم وأعمالكم ، وفى سركم وجهركم ، وفى كل ما تأتون وما تذرون .وقوله ( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) نهى لهم عن الاختلاف المؤدى إلى الفشل وضياع القوة بعد أمرهم بالثبات والمداومة على ذكر الله وطاعته .وقوله ( تَنَازَعُواْ ) من النزع بمعنى الجذب وأخذ الشئ . . . والتنازع والمنازعة المجاذبة كأن كل واحد من المتنازعين يريد أن ينزع ما عند الآخر ويلقى به .والمراد بالتنازع هنا : الخصام والجدال والاختلاف المفضى إلى الفشل أى : الضعف .قال الآلوسى : وقوله : ( وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ، قال الأخفش : الريح مستعارة للدولة . لشبهها بها فى نفوذ أمرها وتمشية ، ومن كلامهم هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة وجرى أمره على ما ريد . وركدت رياحه إذا ولت عنه وأدبر أمره . قال الشاعر :إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكل خافقة سكونلا تغفل عن الإِحسان فيها ... فما تدرى السكون متى يكونوالمعنى : كونوا - أيها المؤمنون - ثابتين ومستمرين على ذكر الله وطاعته عند لقاء الأعداء ، ولا تنازعوا وتختمصوا وتختلفوا ، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الفشل أى الضعف ، وإلى ذهاب دولتكم ، وهوان كلمتكم ، وظهور عدوكم عليكم .( واصبروا ) على شدائد الحرب ، وعلى مخالفة أهوائكم التى تحملكم على التنازع ، ( إِنَّ الله مَعَ الصابرين ) بتأييده ومعونته ونصره .هذا والمتأمل فى هاتين الآيتين يراهما قد رسمتا للؤمنين فى كل زمان ومكان الطريق التى توصلهم إلى الفلاح إلى النصر أكثرهما ثباتا .ويأمرون بمداومة ذكر الله ، لأن ذكر الله هو الصلة التى تربط الإِنسان بخالقه الذى بيده كل شئ ، ومتى حسنت صلة الإِنسان بخالقه ، صغرت فى عينه قوة أعدائه مهما كبرت .ويأمران بطاعة الله ورسوله ، حتى يدخل المؤمنون المعركة بقلوب نقية ، وبنفوس صافية . . لا مكان فيها للتنازع والاختلاف المؤدى إلى الفشل ، وذهاب القوة . . ويأمران بالصبر ، أى بتوطين النفس على ما يرضى الله ، واحتمال المكاره والمشاق فى جلد . وهذه الصفة لا بد منها لمن يريد أن يصل إلى آماله وغاياته .ورحم الله الإِمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهاتين الآيتين الكريميتن : " هذا تعليم من الله - تعالى - لعباده - المؤمنين آداب اللفاء ، وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء " .وقد ثبت فى الصحيحين عن عبد الله بن أبى أوفى " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتظر فى بعض أيامه التى لقى فيها العدو حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال : يأيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف . ثم قام وقال : اللهم منزل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم " .وفى الحديث الآخر المرفوع يقول الله - تعالى - " إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو مناجز قرنه " أى : لا يشغله ذلك الحال عن ذكرى ودعائى واستعانتى .وعن قتادة فى هذه الآية : " افترض الله ذكره عند اشتغل ما يكون . الضرب بالسيوف " .ثم قال : " وقد كان للصحابة - رضى الله عنهم - فى باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم الله ورسوله ، وامتثال ما أرشدهم إليه ، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم ، ولا يكون لأحد من بعدهم ، فإنهم ببركة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وطاعته فيما أمرهم ، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا ، فى المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس . . قهروا الجميع حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان ، وامتدت الممالك الاسلامية فى مشارق الأرض ومغاربها فى أقل من ثلاثين سنة فرضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين ، وحشرنا فى زمرتهم إنه كريم وهاب .
And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.
وبعد هذه التوجيهات السامية التى رسمت للمؤمنين طريق النصر ، نهاهم - سبحانه - عن التشبه بالكافرين الذين صدهم الشيطان عن السبيل الحق ، فقال تعالى : ( وَلاَ تَكُونُواْ كالذين . . . عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .قال الفخر الرازى عند تفسيره لقوله - تعالى - ( وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ ) المراد قريش حين خرجوا من مكة لحفظ العير . خرجوا يالقيان والمغنيات والمعازف ، فلما وردوا الجحفة ، بعث خفاف الكناتى - وكان صديقا لأبى جهل - بهدايا إليه مع ابن له ، فلما أتاه قال : إن أبى ينعمك صباحا ويقول لك : إن شئت أن أمدك بالرجال أمددتك ، وإن شئت أن أزحف إليك بمن معى من قرايتى فعلت .فقال أبو جهل : قل لأبيك جزاك الله والرحم خيرا . إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد فوالله ما لنا بالله طاقة . وإن كنا إنما نقاتل الناس . فوالله إن بنا على الناس لقوة . والله ما نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور ، وتعزف فيها القيان ، فإن بدرا موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم . وحتى تسمع العرب - بمخرجنا فتهابنا آخر الآبد - .قال المفسرون : فوردوا بدرا ، وشربوا كؤوس المنايا مكان الخمر ، وناحت عليهم النوائح مكان القيان .وقوله ( بَطَراً ) مصدر بطر - كفرح - ومعناه كما يقول الراغب : دهش يعترى الإِنسان من سوء احتمال النعمة ، وقلة القيام بحقها ، وصرفها إلى غير وجهها .أى أن البطر ضرب من التكبر والغرور واتخاذ نعم الله - تعالى - وسيلة إلى ما لا يرضيه وه ومفعول لأجله ، أو حال ، أى : حال كوهم بطرين .وقوله ( وَرِئَآءَ ) مصدر رأى ومعناه : القول أو الفعل الذى لا يقصد معه الإِخلاص ، وإنما يقصد به التظاهر وحب الثناء .والمعنى : كونوا أيها المؤمنون - ثابتين عند لقاء الأعداء ، ومكثرين من ذكر الله وطاعته . وصابرين فى كل المواطن . . واحذروا أن تتشبهوا بأولئك المشركين الذين خرجوا من مكة ( بَطَراً وَرِئَآءَ الناس ) أى خرجوا غرورا وفخرا وتظاهرا بالشجاعة والحمية . . حتى ينالوا الثناء منهم . .وقوله : ( وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ) معطوف على ( بَطَراً ) والسبيل : الطريق الذى فيه سهولة . والمراد بسبيل الله : دينه . لأنه يوصل الناس إلى الخير والفلاح .أى : خرجوا بطرين بما أوتوا من نعم ومرائين بها الناس ، وصادين إياهم عن دين الإِسلام الذى باتباعه يصلون إلى السعادة والنجاح .وعبر عن بطرهم وريائهم بصيغة الاسم الدال على التمكن والثبوت ، وعن صدهم بصيغة الفعل الدال على التجدد والحدوث ، للإِشار بأنهم كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والرياء ، وأن هذه الصفات دابهم وديدنهم ، أما الصد عن سبيل الله فلم يحصل منهم إلا بعد أن دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى الإِسلام .وقوله : ( والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) تذييل قصد به التحذير من الاتصاف بهذه الصفات الذميمة ، لأنه - سبحانه - محيط بكل صغيرة وكبيرة وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى .فعلى المؤمنين أن يخصلوا الله - تعالى - أعمالهم .
And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."
وقوله : ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ . . ) تذكير للمؤمنين بما خدع به الشيطان الكافرين من وعود كاذبة ، وأمانى باطلة .والمراد بهذا التذكير : حضهم على المداومة على طاعة الله وشكره ، حيث إنه - سبحانه - لم يجعلهم كأولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان .والمعنى : احذروا - أيها المؤمنون - أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم بطرا ومفاخرة . . واذكروا وقت أن ( زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) فى معاداتكم ، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وانتم على الباطل ، وحسن لهم ما جبلوا عليه من غررو ومراءاة ، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم ، بأن قال لهم ( لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ) أى : لن يغلبكم أحد من الناس ، لا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ولا غيرهم من قبائل العرب ، وأنى مجير ومعين وناصر لكم ، إذ المراد بالجار هنا : الذى يجير غيره . أى : يؤمنه مما يخاف ويخشى .قال الآلوسى : أى : ألقى فى روعهم وخيل لهم أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم ، وعددهم ، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات - تجعله مجيرا لهم ، وحافظا إياهم عن السوء حتى قالوا : اللهم انصر اهدى الفئتين ، وأفضل الدينين .فالقول مجاز عن السوسة . والإِسناد فى قوله ( وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ) من قبيل الاسناد إلى السبب الداعى . و ( لَّكُمْ ) خبر ( لاَ ) أو صفة ( غَالِبَ ) والخبر محذوف . أى : لا غالب كائنا لكم موجود . و ( اليوم ) معمول الخبر . و ( مِنَ الناس ) حال من ضمير الخبر . .وقوله : ( فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب ) بيان لما فعله الشيطان وقاله بعد أن رأى ما رأى من قوة لا طافة له بها . .وقوله : ( تَرَآءَتِ الفئتان ) أى : تقاربتا بحيث صارت كل فئة ترى الأخرى رؤية واضحة .ومنهم من جعل ( تَرَآءَتِ ) بمعنى التقت وقوله ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) أى : ولى هاربا ورجع القهقرى . وأبطل كيده وذهب ما مناهم به من الصنرة والعون يقال : نكص عن الأمر نكوصا ونكصا أى : تراجع عنه وأحجم . والعقب : مؤخر القدم .والمعنى : لقد حرض الشيطان جنوده من الكافرين على حربكم - أيها المؤمنون - ، ومناهم بالنصر عليكم . . . ولكنه حينا تراءت الفئتان : فئتكم وفئته ، ورأى ما أمدكم الله به من الملائكة ، ولىم دبرا وقال للكافرين : ( إِنِّي برياء مِّنْكُمْ ) أى : من عهدكم وجواركم ونصرتكم ، ( إني أرى ) من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم ( إني أَخَافُ الله ) أن يعذبنى قبل يوم القيامة ، أو إنى أخاف الله أن يصيبنى بمكروه من قبل ملائكته .وقوله : ( والله شَدِيدُ العقاب ) يحتمل أن من كلام إبليس الذى حكاه الله - تعالى عنه ، ويحتمل أنه جملة مستأنفة من كلامه عز وجل .أى : والله شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره .هذا ، وهناك قولان فى كيفية تزيين الشيطان للمشركين :أحدهما : أن هذا التزيين لم يكن حسيا ، وإنما كان معنويا عن طريق الوسوسة دون أن يتحول الشيطان إلى صورة إنسان .وعليه يكون قوله ( لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم . . . ) مجازا عن الوسوسة . وقوله ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) استعارة لبطلان كيده ، شبه بطلان كيده بعد وسوسته بمن رجع القهقرى عما يخافه .وثانيهما : أن هذا كان حسيا بمعنى أن الشيطان تمثل لهم فى صورة إنسان ، وقال لهم ما قال مما حكاه الله - تعالى - عنه .وقد ذكر صاحب الكشاف هذين الوجهين فى تفسير الآية فقال : واذكر ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) التى عملوها فى معاداة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون ، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم ، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم ، أى : بطل كيده حين نزلت جنود الله .وكذا عن الحسن - رحمه الله - قال : كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم .وقيل : لما اجتمعت قريش على السير - لحرب المسلمين فى بدر - ذكرت الذى بينها وبين كنانة من الحرب ، فكاد ذلك يثنيهم عن حرب المسلمين ، فتمثل لهم إبليس فى صورة سراقة ابن مالك بن جعشم الشاعر الكنانى - وكان من أشرفهم - فى جند من الشياطين معه راية وقال : لا غالب لكم اليوم وإنى مجيركم من بنى كنانة . فلما رأى الملائكة تنزل ، نكص .وقيل : كانت يده فى يد الحارث بن هشام ، فلما نكص قال له الحارث : إلى أين؟ أتخذلنا فى هذه الحالة؟ فقال : إنى أرى ما لا ترون ، ودفع صدر الحارث وانطلق وانهزموا .فلما بلغوا مكة قالوا : هزم الناس سراقة ، فبلغ ذلك سراقة فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتنى هزيمتكم . فلما أسلموا علموا أنه الشيطان .وفى الحديث - الذى أخرجه مالك فى الموطأ - " وما رئى إبليس يوما أصغرى ولا أدحر ولا أغيظ منه فى يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة . إلا مارئى يوم بدر " .وقد ذكر ابن جرير وابن كثير روايات أخرى تتفق فى جملتها مع ما ذكره صاحب الكشاف ، وإن كانت تختلف عنها فى التفصيل ، ومن ذلك قول ابن جرير :" وكان تزيينه ذلك لهم كما حدثنى المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثنى معاوية عن على بن أبى طلحة عن ابن عباس قال : جاء إبليس يوم بدر فى جند من الشياطين معه رايته فى صورة رجل من بنى مدلج ، فى صورة سارقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإنى جار لكم فلما اصطف الناس ، أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبضة من التراب ، فرمى بها فى وجوه المشركين ، فولوا الأدبار .وأقبل جبريل إلى إبليس ، فلما رآه - وكانت يده فى رجل من المشركين - انتزع إبليس يده فولى مدبرا هو وشيعته .فقال الرجل : يا سراقة تزعم أنك لنا جار؟ قال : ( إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب ) وذلك حين رأى الملائكة .ثم قال : وحدثنا أحمد بن الفرج ، قال : حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون ، قال : حدثنا مالك ، عن ابراهيم بن أبى عبلة ، عن طلحة بن عبد ابن عبيد الله بن كريز : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " " مارئى إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ ولا أدحر من يوم عرفة وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب ، إلا ما رأى يوم بدر " قالوا : يا رسول الله ، وما رأى يوم بدر؟ قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة أى : يرتبهم ويسويهم ويصفهم للحرب " .وقد سار - ابن جرير وابن كثير - فى تفسيرهما للآية على أن التزيين من الشيطان كان حسيا .فابن جرير يقول . بعد أن ذكر بضع روايات فى تفسير الآية : فتأويل : وإن الله لسميع عليم فى هذه الأحوال ، وحين زين لهم الشيطان خروجهم إليكم . ايها لامؤمنون لحربكم وقتالاكم ، وحسن ذلك لهم ، وحثهم عليكم وقال لا غالب لكم اليوم ، من بنى آدم ، فاطمئنوا وابشروا وإنى جار لكم من كنانة أن تأتيكم من روائكم . . واجعلوا جدكم وبأسكم على محمد وأصحابه ( فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان ) يقول : فلما تزاحفت جنود الله من المؤمنين ، وجنود الشيطان من الكافرين ، ونظر بعضهم إلى بعض ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) أى : رجع القهقرى على قفاه هاربا . . وقال للمشركين ( إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ ) يعنى أنه يرى الملائكة الذين بعثهم الله مددا للمؤمنين ، والمشركون لا يرونهم .وابن كثير يقول : وقوله - تعالى - ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) الآية .أى : حسن لهم لعنة الله - ما جاءوا له ، وما هموا به ، وذلك أنه تبدى لهم فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم سيد بنى مدلج . . ثم قال : فلما رأى إبليس الملائكة ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) وقال إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون ، وهو فى صورة سراقة ، وأقبل أبو جهل يحض أصحابه ويقول لهم : لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم ، فإنه كان على موعد من محمد وأصحابه . .ومن هذا يتضح أن هذين الإِمامين الجليلين يسيران فى تفسيرهما للآية الاكريمة ، على أن التزيين كان حسياً ، ويهملان القول بغير ذلك ممن تابعهما فى هذا الإِمام القرطبى ، فقد ذكر عرض الروايات التى وردت فى معنى الآية ، والتى صرحت بأن الشطيان قد تمثل للمشركين فى صورة إنسان ، وبنى تفسيره للآية على ذلك ..وقد خالف صاحب المنار هؤلاء الأئمة ، فرجح القول الأول وهو أن التزيين لم يكن حسياً ، أى أن ما قاله الشيطان لهم من قبيل الوسوسة ، وأنه لم يتمثل لهم فى صورة إنسان .فقد قال - رحمه الله - قوله : ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس . . . ) أى : واذكر ايها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه فى هواجسهم لا غالب لكم اليوم من الناس .( فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْه ) أى : فلما قرب كل من الفريقين من الآخر . نكص ، أى : رجع القهرى . . والمراد أنه كف عن تزيينه لهم ، وتغريره إياهم ، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ ، وتركها بحال من ينكص ، أى : رجع القهقهرى . . والمراد أنه كف عن تزيينه لهم ، وتغريره إياهم ، فخرج الكلام مخرج التمثيل بتشبيه وسوسته بما ذكر بحال المقبل على الشئ ، وتركها بحال من ينكصر عن ويوليه دبره ، ثم زاد على هذا ما يلد على براءته منهم ، وتكره إياهم وشأنهم ، وهو ( وَقَالَ إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله ) أى : تبرأ منهم وخاف عليهم ، وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة .ثم قال - بعد أن ضعف الروايات التى أوردها ابن جرير وابن كثير - والمختار عندنا فى تفسير الآية أن الشيطان القى فى قلوب المشركين أن أحدا لن يغلبهم . .والخلاصة : أننا بمراجعنا لأقوال المفسرين فى كيفية تزيين الشيطان للمشركين ، تراهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام :( أ ) قسم منهم ذكر القولين السابقين فى كيفية التزين دون أن يرجح أحدهما على الآخر ، وممن فعل ذلك الزمخشرى ، والفخر الرازى والآلوسى .( ب ) وقسم منهم سار فى تفسيره على أن التزيين كان حسياً ، بمعنى أن الشيطان تمثل للمشركين فى صورة إنسان وقال لهم ما قال ، وأهمل القول بأن التزيين لم يكن حسياً ، وممن فعل ذلك ابن جرير ، وابن كثير ، والقرطبى .( ج ) وقسم منهم رجح أن التزيين لم يكن حسياً ، بل كان طريق الوسوسة ، وأن الشيطان ما تمثل للمشركين فى صورة إنسان ، وقد اسر فى هذا الاتجاه صاحب المنار مشككا فى صحة ما سواه .والذى نراه بعد هذا العرض لأقوال المفسرين : أن الآية الكريمة صريحة فى أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم ، وأنه قد قال لهم - ما حكاه القرآن عنه : ( لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ) وأنه حين تراءى الجمعان كذب فعلهُ قوله ، فقد ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) وقال للمشركين الذين وعدهم ومناهم بالنصر ( إِنِّي برياء مِّنْكُمْ إني أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب ) .ومن العسير علينا بعد ذلك أن نحدد تحديداً قاطعاً كيفية هذا التزيين والقول والنكوص : أهو حسى أم غير حسى؛ لأن التحديد القاطع لا بد أن يستند إلى نص صريح فى دلالته على المعنى المراد ، وصحيح فى نسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .وهذا النص غير موجود ، لأن الحديث الذى أخرجه الإِمام مالك فى موطئه - والذى سبق أن ذكرناه - قال عنه ابن كثير وابن حجر إنه حديث مرسل ، وزيادة على ذلك ففى بعض رجاله من هو ضعيف الحديث كابن الماجشون ، ولأن الروايات التى رويت فى تمثيل الشيطان بصورة سراقة قد جاء معظمها عن ابن عباس ، وابن عباس - كما يقول صاحب المنار - كان سنة يوم بدر خمس سنين . روايته لأخبارها منقطعة .إذا فنحن نؤمن بما أثبته القرآن من أن الشيطان قد زين للمشركين أعمالهم ، وأنه قد حال لهم ما قاله - مما حكاه القرآن عنه - ، وأنه قد نكص على عقبيه . . إلا أننا لا نستطيع أن نحدد كيفية ذلك .ويعجبنى فى هذا المقام قول بعض الكاتبين عند تفسيره لهذه الآية : " وفى هذا الحادث نص قرآنى يثبت منه أن الشيطان زين للمشركين أعمالهم ، وشجعهم على الخروج . . وأنه بعد ذلك ( نَكَصَ على عَقِبَيْهِ ) فخذلهم وتركهم يلاقون مصيرهم وحدهم .ولكننا لا نعمل الكيفية التى زين لهم بها أعمالهم والتى قال لهم بهاك لا غالب لكم اليوم من الناس . . والتى نكص بها كذلك .الكيفية فقط هى التى لا نجزم بها . ذلك أن أمر الشياطن كله غيب ، ولا سبيل لنا إلى الجزم بشئ من أمره إلا بنص قرآنى أو حديث نبوى صحيح ، والنص هنا لا يذكر الكيفية إنما يثبت الحادث .فإلى هنا ينتهى إجتهادنا ، ولا نميل إلى المنهج الذى تتخذه مدرسة الشيخ محمد بعد فى محاولة تأويل كل أمر غيبى من هذا القبيل تأويلا معينا ينفى الحركة الحسية عن هذه العوالم ، وذلك كقول الشيخ رشيد رضا فى تفسير الآية .( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) واذكر أيها الرسول للمؤمنين إذ زين الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته ، وقال لهم بما ألقاه فى هواجسهم : لا غالب لكم اليوم من الناس . . الخ ما ذكره الشيخ رشيد فى تفسيره الآية .
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
هذا ، وقوله - تعالى - بعد ذلك : ( إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ ) بيان لصنفين آخرين من أعداء المسلمين بعد بيان العدو الرئيسى وهم المشركون الذين خرجوا بطرا ورئاء الناس لمحاربة الإِسلام وقد شجعهم الشيطان على ذلك . قال الفخر الرازى : أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج - كانوا يظهرون الإِسلام ويخفون الكفر ولم يخرج منهم أحد إلى بدر سوى عبد الله بن أبى - وأما الذين فى قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا ولم يهاجروا .ثم إن قريشا لما خرجوا لحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أولئك : نخرج مع قومنا فإن كان محمد فى كثرة خرجنا إليه ، وإن كان فى قلة أقمنا فى قومنا . .وعامل الاعراب فى " إذ " فيه وجهان : الأول : التقدير ، والله شديد العقاب إذ يقول المنافقون .والثانى : اذكروا إذ يقول المنافقون .وقوله : ( غَرَّ ) أى : خدع ، من الغرور وهو كل ما يغر الإِنسان من مال وجاه وشهرة وشيطان .أى : اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن قال المنافقون والذين فى قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم : أى خدعهم ، لأنكم أقدمتم على قتال يفوقكونكم عدة وعددا ، وهذا القتال - فى زعمهم - لون من إلقاء النفس إلى التهلكة ، لأنهم قوم لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة ، فهم لخراب بواطنهم من العقيدة السليمة ، لا يعرفون أثرها فى الإِقدام من أجل نصرة الحق ولا يقدرون ما عليه أصحابها من صلة طيبة بالله - عز وجل - الذى بيده النصر والهزيمة .وما داموا قد فقدوا تلك المعرفة ، وهذا التقدير ، فلا تستبعدوا منهم - أيها المؤمنون - أن يقولوا هذا القول عنكم ، فذلك مبلغهم من العلم ، وتلك موازينهم فى قياس الأمور . . والحق ، أن الإِنسان عندما يتدبر ما قاله المنافقون والذين فى قلوبهم مرض فى حق المؤمنين عندما أقدما على حرب أعدائهم فى بدر . .أقول : عندما يتدبر ذلك ليرى أن هذا القول دأب كل المنافقين والذين فى قلوبهم مرض فى كل زمان ومكان .إننا فى عصرنا الحاضر رأينا كثيرين من أصحاب العقيدة السليمة ، والنفوس النقية ، والقولب المضحية بكل شئ فى سبيل نصرة الحق . . رأينا هؤلاء يبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحدا سواه ويهاجمون الطغاة والمبطلين والفجار ، ليمكنوا لدين الله فى الأرض ، حتى ولو أدت بهم هذه المهاجمة إلى بذل أرواحهم .ورأينا فى مقابل هؤلاء الصادقين أقواما - ممن آثروا شهوات الدنيا على كل شئ - لا يكتفون بالصمت وهم يشاهدون أصحاب العقيدة السليمة يصارعون الطغاة .بل هم - بسبب خلو نفوسهم من المثل العليا - يلقون باللوم على هؤلاء المؤمنين ، ويقولون ما حكاه القرآن من أقوال فى أشباههم السابقين من المنافقين والذين فى قلوبهم مرض : غر هؤلاء دينهم .إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنونها بميزان الإِيمان .إن المؤمن يرى التضحية فى سبيل الحق مؤدية إلى إحدى الحسنين النصر أو الشهاد’ .أما هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض ، فلا يرون الحياة إلا متعة وشهوة وغنيمة ( فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ )وقوله - تعالى - ( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) حض للمؤمنين على التمسك بما يدعوهم إليه إيمانهم من استقامة وقوة . .أى : ومن يكل أمره إلى الله ، ويثق به - ينصره - سبحانه - على أعدائه ، فإنه - عز وجل - عزيز لا يغلبه شئ ، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد صورة تصويرا بديعا ما عليه الكافرون وأشباههم من بطر ومفاخرة وصد عن سبيل الله . . ومن طاعة للشيطان أوردتهم المهالك . وحكت ما قالوه من أقوال تدل على جبنهم وجهلهم وانطماس بصيرتهم .ونهت المؤمنين عن التشبه بهم ، لأن البطر والمفاخرة والبغى ، واتباع الشيطان : كل ذلك يؤدى إلى خزى الدنيا وعذاب الآخرة .ولقد كان أبو جهل قمة فى البغى والمراءة عندما قال - بعد أن نصحه الناصحون بالرجوع عن الحرب فقد نجت العير : " لا لن نرجع حتى نرد بدراً ، فتقيم ثلاثا ، نننحر الجزر ، ونشرب الخمر ، وتعزف القيان علينا ، فلن تزال العرب تهابنا أبدا " .وعندما بلغت مقالة أبى جهل أبا سفيان قال : " واقوماه!! هذا عمل عمرو ابن هشام " يعنى أبا جهل " كره أن يرجع؛ لأنه ترأس على الناس فبغى ، والبغى منقصة وشؤوم . إن أصاب محمد النفير ذللنا " .وصدقت فراسة أبى سفيان ، فقد أصاب محمد - صلى الله عليه وسلم - النفير وتسربل المشكرون بالذل والهوان فى بدر بسبب بطرهم وريائهم وصدهم عن سبيل الله واتباعهم لخطوات الشيطان . فاللهم نأسلك أن توفقنا إلى ما يرضيك ، وأن تجنبنا البطر والرياء وسوء الأخلاق .
And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.
وبعد هذا البيان لأحوال الكافرين فى حياتهم؛ انتقل القرآن لبيان أحوالهم عند مماتهم . فقال - تعالى - : ( وَلَوْ ترى . . . لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) .والخطاب فى قوله - تعالى - : ( وَلَوْ ترى . . ) للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب و ( لَوْ ) شرطية ، وجوابها محذوف لتفظيع الأمر وتهويله .والمراد بالذين كفروا : كل كافر ، وقيل المراد بهم قتلى غزوة بدر من المشركين .قال ابن كثير : وهذا السياق وإن كان سببه غزوة بدر ، ولكنه علم فى حق كل كافر . ولهذا لم يخصصه الله بأهل بدر قال - سبحانه - ( وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ . . ) .والفعل المضارع هنا وهو ( ترى ) بمعنى الماضى ، لأن لو الامتناعية ترد المضارع ماضيا .والفعل ( يَتَوَفَّى ) فاعله محذوف للعلم به وهو الله - عز وجل - وقوله : ( الذين كَفَرُواْ ) هو المفعول وعليه يكون : ( الملائكة ) مبتدأ وجملة ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ . . . ) خير .والمعنى لو عاينت وشاهدت أيها العاقل حال الذين كفروا حين يتوفى الله أرواحهم ، لعاينت وشاهدت منظراً مخيفا ، وأمراً فظيعاً تقشعر من هوله الأبدان .ثم فصل - سبحانه - هذا المنظر المخيف بجملة مستأنفة فقال : ( الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) والمراد بوجودههم : ما أقبل منهم وبأدبارهم : ما أدبر وهو كل الظهر .أى : الملائكة عندما يتوفى الله - تعالى - هؤلاء الكفرة يضربون ما أقبل منهم وما أدبر ، لإِعراضهم عن الحق ، وإيثارهم الغى على الرشد .ومنهم من يرى أن الفعل ( يَتَوَفَّى ) فاعله ( الملائكة ) وأن قوله ( الذين كَفَرُواْ ) هو المفعول وقدم على الفاعل للاهتمام به .وعليه تكون جملة ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ . . ) حال من الفاعل وهو الملائكة .فيكون المعنى : ولو رأيت أيها العاقل - حال الكافرين عندما تتوفى الملائكة أرواحهم فتضرب منهم الوجود والأدبار ، لرأيت عندئذ ما يؤلم النفس ، ويخيف الفؤاد .ويبدو لنا أن التفسير الأول أبلغ ، لأن توضيح وتفصيل الرؤية بالجملة الاسمية المستأنفة خير منه بجملة الحال ، ولأن لإسناد التوفى إلى الله أكثر مناسبة هنا ، إذ أن الله - تعالى - قد بين وظيفة الملائكة هنا فقال : ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) .وخص - سبحانه - الضرب للوجوه والأدبار بالذكر ، لأن الوجوه أكرم الأعضاء ، ولأن الأدبار هى الأماكن التى يكره الناس التحدث عنها فضلا عن الضرب عليها . أو لأن الخزى والنكال فى ضربهما أشد وأعظم .وقوله : ( وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ) معطوف على قوله ( يَضْرِبُونَ ) بتقدير القول . أى يضربون وجوهههم وأدبارهم ويقولون لهم : ذوقوا عذاب تلك النار المحرقة التى كنتم تكذبون بها فى الدنيا .والذوق حقيقة إدراك المطعومات . والأصل فيها أن يكون أمر مرغوب فى ذوقه وطلبه . والتعبير به هنا ذوق العذاب هو لو من التهكم عليهم ، والاستهزاء بهم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) وهو أيضا يشعر بأن ما وقع عليهم من عذاب إنما هو بمنزلة المقدمة لما هو أشد منه ، كما أن الذوق عادة يكون كالمقدمة للمطعوم أو الشئ المذاق .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences