At-Tafsir al-WasitAt‑Tawbah · 9:86–90

At-Tafsir al-Wasit · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:86–90

9:86Page 200

وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦

And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

ثم بين - سبحانه - موقف المنافقين وموقف المؤمنين بالنسبة للجهاد ، كما بين عاقبة كل فريق فقال - تعالى - : ( وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ . . . . الفوز العظيم ) .والمراد بالسورة فى قوله - سبحانه - ( وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ ) : كل سورة ذكر الله - تعالى - فيها وجوب الإِيمان به والجهاد فى سبيله .أى : أن من الصفات الذميمة لهؤلاء المنافقين ، أنهم كلما نزلت سورة قرآنية ، تدعو فى بعض آياتها الناس إلى الإِيمان بالله والجهاد فى سبيله ، ما كان منهم عند ذلك إلا الجبن والاستخذاء والتهرب من تكاليف الجهاد . . .وقوله : ( استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ . . . ) بيان لحال هؤلاء المنافقين عند نزول هذه السورة .والطول - بفتح الطاء - يطلق على الغنى والثروة ، مأخوذ من مادة الطول بالضم التى هى ضد القصر .والمراد بأولى الطول : رؤساء المنافقين وأغنياؤهم والقادرون على تكاليف الجهاد .أى : عند نزول السورة الداعية إلى الجهاد ، يجئ هؤلاء المنافقين أصحاب الغنى والثروة ، إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليستأذنوا فى القعود وعدم الخروج . . وليقولوا له بجبن واستخذاء ( ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين ) .أى : اتركنا يا محمد مع القاعدين فى المدينة من العجزة والنساء والصبيان ، واذهب أنت وأصحابه إلى القتال .وإنما خص ذوى الطول بالكذر ، تخليداً لمذمتهم واحتقارهم؛ لأنه كان المتوقع منهم أن يتقدموا صفوف المجاهدين ، لأنهم يملكون وسائل الجهاد والبذل ، لا ليتخاذلوا ويعتذروا ، ويقولوا ما قالوا مما يدل على جبنهم والتوائهم .

9:87Page 201

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

وقوله : ( رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف ) زيادة فى تحقيرهم وذمهم .والخوالف : جمع خالفة ، ويطل على المرأة المتخلفة عن أعمال الرجال لضعفها ، كما يطلق لفظ الخالفة - أيضاً - على كل من لا خير فيه .والمعنى : رضى هؤلاء المنافقون لأنفسهم ، أن يبقوا فى المدينة مع النساء ، ومع كل من لا خير فيه من الناس ، ولا يرضى بذلك إلا من هانت كرامته ، وسقطت مروءته ، وألف الذل والصغار .وقوله ( وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ) بيان لما ترتب على استمرارهم فى النفاق ، وعدم رجوعهم إلى طريق الحق .أى : أنه ترتب على رسوخهم فى النفاق ، وإصرارهم على الفسوق والعصيان أن ختم الله على قلوبهم ، فصارت لا تفقه ما فى الإِيمان والجهاد من الخير والسعادة ، وما فى النفاق والشقاق من الشقاق والهلاك .

9:88Page 201

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.

وقوله - سبحانه - ( لكن الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ) استدراك لبيان حال الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، بعد بيان حال المنافقين .أى : إذا كان حال المنافقين كما وصفنا من جبن وتخاذل وهو أن . . . فإن حال المؤمنين ليس كذلك ، فإنهم قد وقفوا إلى جانب رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمة الله ، وأطاعوه فى السر والعلن ، وآثروا ما عند الله على كل شئ فى هذه الحياة . .وقد بين - سبحانه - جزاءهم الكريم فقال : ( وأولئك لَهُمُ الخيرات ) أى : أولئك المؤمنون الصادقون لهم الخيرات التى تسر النفس ، وتشرح الصدر فى الدنيا والآخرة ( وأولئك هُمُ المفلحون ) الفائزون بسعادة الدارين .

9:89Page 201

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩

Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

( أَعَدَّ الله ) - تعالى - لهؤلاء المؤمنين الصادقين ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن ) تحت ثمارها وأشجارها ومساكنها ( الأنهار خَالِدِينَ ) فى تلك الجنات خلودا أبديا ، و " ذلك " العطاء الجزيل ، هو ( الفوز العظيم ) الذى لا يدانيه فوز ، ولا تقاربه سعادة .وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذمت المنافقين لجبنهم ، وسوء نيتهم ، وتخلفهم عن كل خير . . . ومدحت الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، الذين نهضوا بتكاليف العقيدة ، وأدوا ما يجب عليهم نحو خالقهم وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم من أجل إعلاء كلمته - سبحانه .

9:90Page 201

وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

وبعد أن بين - سبحان- أحوال المنافقين من سكان المدينة ، أتبع ذلك بالحديث عن المنافقين من الأعراب سكان البادية فقال - تعالى : ( وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب . . . ) .قال القرطبى ما ملخصه : قوله - تعالى - : ( وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب ) قرأ الأعرج والضحاك المعذرون مخففا ، ورواها أبو كريب عن أبى بكر عن عاصم . . وهى من أعذر ، ومنه قد أعذر من أنذر ، أى : قد بالغ فى العذر من تقدم إليك فأنذرك ، وأما " المعذرون " بالتشديد - وهى قراءة الجمهور - ففيها قولان :أحدهما : أنه يكون المحق ، فهو فى المعنى المعتذر ، لأن له عذراً ، فيكون " المعذرون " على هذه أصله المعتذرون ، ثم أدغمت التاء فى الذال . .وثانيهما : أن المعذر قد يكون غير محق ، وهو الذى يعتذر ولا عذر له .والمعنى ، أنهم اعتذروا بالكذب . .قال الجوهرى : وكان ابن عباس يقول : لعن الله المعذرين ، كان الأمر عنده أن المعذر - بالتشديد - هو المظهر للعذر ، اعتلالاً من غير حقيقة له فى العذر . .ومن هذه الأقوال التى نقلناها عن القرطبى يتبين لنا أن من المفسرين من يرى أن المقصود من المعذرين : أصحاب الأعذار المقبولة .وقد رجح الإِمام ابن كثير هذا الرأى فقال : بين الله - تعالى - حال ذوى الأعذار فى ترك الجهاد ، وهم الذين جاءوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه ، ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة .قال الضحاك عن ابن عباس : إنه كان يقرأ " وجاء المعذرون " - بالتخفيف ، ويقول : هم أهل العذر . . وهذا القول أظهر فى معنى الآية؛ لأنه - سبحانه - قال بعد هذا : ( وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ) .أى : لم يأتوا فيعتذروا . . .وعلى هذا الرأى تكون الآية قد ذكرت قسمين من الأعراب : قسما جاء معتذرا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقسما لم يجئ ولم يعتذر ، وهذا القسم هو الذى توعده الله بسوء المصير .ومنهم من يرى أن المقصود بالمعذرين : أصحاب الأعذار الباطلة ، وقد سار على هذا الرأى صاحب الكشاف فقال : " المعذرون " عن عذر فى الأمر ، إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد فيهن وحقيقته أنه يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له .أو المعتذرون بإدغام التاء فى الذال ، وهم الذين يعتذرون بالباطل ، كقوله ، يعتذرن إليكم إذا رجعتم إليهم . .وقرئ " المعذرون " بالتخفيف : وهو الذى يجتهد فى العذر ويحتشد فيه . قيل هم أسد وغطفان . قالوا : إن لنا عيالا ، وإن بنا جهدا فائذن لنا فى التخلف .وقيل : " هم رهط عامر بن الطفيل . قالوا : إن غزونا معك أغارك أعراب طئ على أهالينا ومواشينا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - " سيغنين الله عنكم " وعن مجاهد : نفر من غفارا عتذروا فلم يعذرهم الله - تعالى - وعن قتادة : اعتذروا بالكذب ..وعلى هذا الرأى تكون الآية الكريمة قد ذكرت قسمين - أيضاً - من الأعراب ، إلا أن أولهما قد اعتذر بأعذار غير مقبولة ، وثانيهما لم يعتذر ، بل قعد فى داره مصرا على كفره ، ولذا قال أبو عمرو بن العلاء : كلا الفريقين كان سيئا : قوم تكلفوا عذرا بالباطل وهم الذين عناهم الله - تعالى . بقوله ( وَجَآءَ المعذرون ) ، وقوم تخلفوا من غير عذر فقعدوا جرأة على الله وهم المنافقون ، فتوعدهم الله قوله : ( سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .والذين يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب؛ لتناسقه مع يفيده ظاهره الآية ، لأن الآية الكريمة ذكرت نوعين من الأعراب ، أحدهما : المعذرون .أى أصحاب الأعذار ، وثانيهما : الذين قعدوا فى بيوتهم مكذبين لله ولرسوله ، فتوعدهم - سبحانه - بالعذاب الأليم ، ولأنه لا توجد قريئة قوية تجعلنا نرجح أن المراد بالمعذرين هنا ، أصحاب الأعذار الباطلة ، لأن التفسير اللغوى للكلمة - كما نقلنا عن القرطبى - يجعلها صالحة للأعذار المقبولة ، فكان الحلم على حسن الظن أولى ، والله ، تعالى ، بعد ذلك هو العليم بأحوال العباد ، ما ظهر منها وما بطن .وعلى هذا يكون معنى الآية الكريمة : وعندما استنفر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الناس إلى غزة تبوك ، جاءه أصحاب الأعذار من الأعراب ليستأذنوه فى عدم الخروج معه ، فقبل - صلى الله عليه وسلم ما هو حق منها .وقوله : ( وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ ) بيان للفريق الثانى من الأعراب وهو الذى لم يجئ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم معتذرا .أى : وقعد عن الخروج إلى تبوك ، وعن المجئ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للاعتذار ، أولئك الذين كذبوا الله ورسوله فى دعوى الإِيمان ، وهم الراسخون فى النفاق والعصيان من الأعراب سكان البادية .وقوله : ( سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وعيد لهم بسوء العاقبة فى الدارين .أي : سيصيب الذين أصروا على كفرهم ونفاقهم من هؤلاء الأعراب ، عذاب أليم فى الدنيا والآخرة ، أما الذين رجعوا عن كفرهم ونفاقهم منهم ، وتابوا إلى الله - تعالى توبة صادقة ، فهؤلاء عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском