Az-ZamakhshariAl‑Mujadila · 58:1–13

Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic

المجادلة

Al-Mujadila

The Pleading Woman · Medinan · 22 ayahs

58:1Page 542

قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١

Certainly has Allāh heard the speech of the one who argues [i.e., pleads] with you, [O Muḥammad], concerning her husband and directs her complaint to Allāh. And Allāh hears your dialogue; indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

مدنية، وآياتها 22 [نزلت بعد المنافقون] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قالت عائشة رضى الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات: [[قال محمود: «قالت عائشة رضى الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ... الخ» قال أحمد: ولقد استدل به بعضهم على عدم لزوم ظهار الذمي، وليس بقوى، لأنه غير المقصود.]]

لقد كلمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع، وقد سمع [[أخرجه النسائي وابن ماجة والطبري وأحمد وإسحاق والبزار من طريق الأعمش عن تميم بن سلمة عن عروة عن عائشة. وعلقه البخاري، وأخرجه الحاكم أتم سياقا منه، وفيه تسميتها وتسمية زوجها.]]

لها. وعن عمر أنه كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها. وقرئ: تحاورك، أى: تراجعك الكلام. وتحاولك، أى: تسائلك، وهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخى عبادة:

رآها وهي تصلى وكانت حسنة الجسم، فلما سلمت راودها فأبت، فغضب وكان به خفة ولمم [[قوله «ولمم» أى طرف من الجنون، أو مس من الجن. أفاده الصحاح (ع)]]

، فظاهر منها، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب فىّ، فلما خلا سنى ونثرت بطني- أى: كثر ولدى- جعلني عليه [[أخرجه الدارقطني والبيهقي.]]

كأمّه. وروى أنها قالت له: إنّ لي صبية صغارا، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلىّ جاعوا. فقال: ما عندي في أمرك شيء. وروى أنه قال لها: حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله، ما ذكر طلاقا وإنما هو أبو ولدى وأحب الناس إلىّ، فقال: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي، كلما قال رسول الله ﷺ: حرمت عليه، هتفت وشكت إلى الله [[هذه الرواية الثانية أخرجها الطبري من طريق أبى معشر عن محمد بن كعب القرظي قال: كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس بن الصامت. وكان رجلا به لمم. فقال في بعض هجراته: أنت على كظهر أمى، قال: ما أظنك إلا قد حرمت على فجاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا نبى الله، إن أوس بن الصامت أبو ولدى، وأحب الناس إلى، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا قال: ما أراك إلا حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله لا تقل كذلك والله ما ذكر طلاقا. فراودت النبي ﷺ مرارا ثم قالت: اللهم إنى أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق على من فراقه- الحديث» ومن طريق أبى العالية قال: فجعلت كلما قال لها: حرمت عليه، هتفت وقالت: أشكو إلى الله، فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية.]]

، فنزلت فِي زَوْجِها في شأنه ومعناه إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يصح أن يسمع كل مسموع ويبصر كل مبصر. فإن قلت: ما معنى قَدْ في قوله قَدْ سَمِعَ؟ قلت: معناه التوقع، لأن رسول الله ﷺ والمجادلة كانا يتوقعان أن يسمع الله مجادلتها وشكواها وينزل في ذلك ما يفرّج عنها.

58:2–4Page 542

ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢

Those who pronounce ẓihār1 among you [to separate] from their wives - they are not [consequently] their mothers. Their mothers are none but those who gave birth to them. And indeed, they are saying an objectionable statement and a falsehood. But indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.

وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣

And those who pronounce ẓihār from their wives and then [wish to] go back on what they said - then [there must be] the freeing of a slave before they touch one another. That is what you are admonished thereby; and Allāh is Aware of what you do.

فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

And he who does not find [a slave] - then a fast for two months consecutively1 before they touch one another; and he who is unable - then the feeding of sixty poor persons. That is for you to believe [completely] in Allāh and His Messenger; and those are the limits [set by] Allāh. And for the disbelievers is a painful punishment.

الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ في مِنْكُمْ توبيخ للعرب وتهجين لعادتهم في الظهار، لأنه كان من أيمان أهل جاهليتهم خاصة دون سائر الأمم ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وقرئ بالرفع على اللغتين الحجازية والتميمية. وفي قراءة ابن مسعود: بأمّهاتهم، وزيادة الباء في لغة من ينصب. والمعنى أن من يقول لامرأته أنت علىّ كظهر أمى: ملحق في كلامه هذا للزوج بالأم، وجاعلها مثلها.

وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ يريد أن الأمهات على الحقيقة إنما هنّ الوالدات وغيرهنّ ملحقات بهنّ لدخولهنّ في حكمهنّ، فالمرضعات أمّهات لأنّهنّ لما أرضعن دخلن بالرضاع في حكم الأمهات، وكذلك أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، لأن الله حرّم نكاحهن على الأمة فدخلن بذلك في حكم الأمهات. وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة لأنهنّ لسن بأمّهات على الحقيقة. ولا بداخلات في حكم الأمهات، فكان قول المظاهر: منكرا من القول تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية وزورا وكذبا باطلا منحرفا عن الحق وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ لما سلف منه إذا تيب عنه ولم يعد إليه، ثم قال: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يعنى: والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول [[قال محمود: «يعنى والذين كانت عادتهم أن يقولوا هذا القول ... الخ» قال أحمد: وهذا الوجه يلزم الكفارة لمجرد قول الظهار في الإسلام لا غير، والقول بوجوبها بمجرد الظهار: قول مجاهد من التابعين وسفيان من الفقهاء.]]

المنكر فقطعوه بالإسلام، ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرّر رقبة ثم يماس المظاهر منها لا تحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. ووجه آخر: ثم يعودون لما قالوا: ثم يتداركون ما قالوا [[قال محمود: «ووجه ثان ثم يعودون لما قالوا ثم يتداركون ما قالوا ... الخ» قال أحمد: وهذا التفسير منزل على أن وجوب الكفارة مشروط بالعود بعد الظهار وهو القول المشهور لفقهاء الأمصار ولا يخص هذا التفسير وجها من وجوه العود التي ذكرها العلماء.]]

، لأنّ المتدارك للأمر عائد إليه. ومنه المثل:

عاد غيث على ما أفسد، أى: تداركه بالإصلاح. والمعنى: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى ترجع حالهما كما كانت قبل الظهار. ووجه ثالث: وهو أن يراد بما قالوا: ما حرّموه [[قال محمود: «ووجه ثالث: وهو أن يكون المراد بما قالوه ... الخ» قال أحمد: وهذا التفسير يقوى القول بأن العود الوطء. نفسه، لأن حاصله: ثم يعودون للوطء، وظاهر قولك: عاد الوطء. فعله، وحمل العود على الوطء: من جملة أقوال مالك رحمه الله، فقد تلخص أن كلام المختلفين في العود له مآخذ من هذه الآية، فأما من لم يقف وجوب الكفارة عنده إلا على مجرد الظهار، فحمل العود على الظهار، وتسميته عودا والحالة هذه باعتبار أنه كان في الجاهلية وانقطع في الإسلام، فايقاعه بعد الإسلام عود إليه. وأما من أوقفها على العود وجعل العود أن يعيد لفظ الظهار وهو قول داود فاعتبر ظاهر اللفظ، وأما من حمل العود على العزم على الوطء فرأى أن العود إلى القول الأول عود بالتدارك لا بالتكرار، وتدارك بعضه ببعضه، وهل نقيضه العزم على الوطء لأن الأول امتناع منه أو العزم على الإمساك، لأن العصمة تقتضي الحل وعدم الامتناع، فيكفى محل خلاف. وأما من حمله على الوطء نفسه فرأى أن المراد بالقول المقول فيه، ويحمل قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أى مرة ثانية. وقد اختلف العلماء أيضا فيما إذا قدم الوطء على الكفارة، فالمذهب المشهور للعلماء أن ذلك لا يسقط الكفارة ولا يوجب أخرى.

وذهب مجاهد إلى إيجاب أخرى به، وذهبت طائفة إلى إسقاط الكفارة به أصلا ورأسا، وكأن منشأ خلافهم النظر إلى قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فرآه أكثر العلماء منعا من الوطء قبل التكفير، حتى كأنه قال: لا تماس حتى تكفر، ورأته الطائفة المسقطة للكفارة بالوطء شرطا في الوجوب، فلا جرم إذا مسها، فقد فقد الشرط الذي هو عدم التماس فسقط الوجوب. ورآه مجاهد في إيجاب الكفارة، فإذا تماسا قبل الكفارة تعددت، ثم فيه نظر آخر: وهو أنه ذكر عدم التماس في كفارتى العتق والصوم، وأسقطه في كفارة الإطعام، فتلقى أبو حنيفة بذلك الفرق بين الإطعام وبين الأخريين، حتى أنه لو وطئ في حال الإطعام لم يجب عليه استئناف كفارة، بخلاف الأخريين فان الوطء في خلال كل واحدة منهما يوجب إبطالها واستئناف أخرى، على أن أبا حنيفة سوى بين الثلاث في تحريم المساس قبل حصولها كاملة، كذا نقل الزمخشري عنه. ولقائل أن يقول على أبى حنيفة: إذا جعلت الفائدة في ذكر عدم التماس في بعضها وإسقاطه من بعضها الفرق بين أنواعها، فلم صرفت الفرق إلى أحد الحكمين وهو إيجاب الاستئناف بالوطء في خلال الكفارة في بعضها دون البعض دون الحكم الآخر وهو تحريم التماس قبل الشروع في الكفارة، فما تخصيص أحد الحكمين دون الآخر إلا نوع من التحكم. وله أن يقول: اتفقنا على التسوية فيه فتعين صرفه إلى الآخر هذا منتهى النظر مع أبى حنيفة، ورأى القائلون بأن الطعام يبطل بتخلل الوطء في أثنائه كالصيام: أن فائدة ذكره عدم المماسة، ثم إسقاطه للتنبيه على التسوية بين التكفير قبل وبعد. وتقريره: أن ذكره مع الاثنين كذكره مع الثالث، وإطلاق الثالث كاطلاق الاثنين، فكأنه قال في الجميع: من قبل أن يتماسا ومن بعد. وانطوى إيراد الآية على هذا الوجه على إبطال قول من قال: إن الأمر يختلف بين ما قبل التماس وما بعده فيجب قبل ويسقط بعد، وعلى قول من قال: يجب قبل كفارة وبعد كفارتان، وهاهنا نظر آخر: في أنه لم ذكر عدم التماس مع نوعين منها، وقد كان ذكره مع واحد منها مفيدا لهذه الفائدة على التقرير المذكور. والجواب عنه:

أن ذكره مع العتق مقتصر على إفادة تحريم الوطء قبل العتق، ولا يتصور في العتق الوطء في أثنائه، إذ لا يتبعض ولا يتفرق، فاحتيج إلى ذكره مع الصيام الواقع على التوالي ليفيد تحريم الوطء قبل الشروع قيه وبعد الشروع إلى التمام، إذ لو لم يذكره هنا لتوهم أن الوطء إنما يحرم قبل الشروع خاصة لا بعد، لأنها هي الحالة التي دل عليها التقييد في العتق، فلما ذكره مع الصيام الواقع متواليا: استغنى عن ذكره مع الطعام لأنه مثله في التعدد والتوالي وإمكان الوطء في خلاله، وهذا التقرير منزل على أن العتق لا يتجزأ ولا يتبعض، وهذا هو المرضى. وقد نفل العيني عن ابن القاسم أن من أعتق شقصا من عبد يملك جميعه ثم أعتق بقيته عن الظهار: أن ذلك يجزيه، وهو خلاف أصله في المدونة، وعابه عليه أصبغ وسحنون وابنه. «تنبيه» إن قال قائل بارتفاع التحريم بالكفارة لا يخلو، إما أن يكون مشروطا فيلزم أن لا يرتفع التحريم بالكفارة التي تقدم على الشروع فيها مساس، وإن لم يكن مشروطا لزم ارتفاع التحريم بالكفارة التي تخللها المساس، وكلاهما غير مقول به عندكم، فالجواب: أن المساس مناف لصحة الكفارة واعتبارها في رفع التحريم، فإن وقع قبل الشروع في الكفارة تعذر الحكم ببطلان الكفارة، لأن المحل لم يوجد، وتعذر ذلك لا يبطل الحكم ككونه منافيا: أما إن وقع في أثنائها: فالمحل المحكوم فيه بعدم الصحة قائم، فوجب إعمال المنافى، وهذا كالحدث مناف لصحة الصلاة، فان وقع في أثنائها أثر في إبطالها، والله تعالى الموفق للصواب.]] على أنفسهم بلفظ الظهار، تنزيلا للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكرنا في قوله تعالى وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويكون المعنى: ثم يريدون العود للتماس. والمماسة: الاستمتاع بها من جماع، أو لمس بشهوة، أو نظر إلى فرجها لشهوة [[قوله «أو نظر إلى فرجها لشهوة» عبارة التسفى بشهوة. (ع)]]

ذلِكُمْ الحكم تُوعَظُونَ بِهِ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه. فإن قلت: هل يصح الظهار بغير هذا اللفظ؟ قلت: نعم إذا وضع مكان أنت عضوا منها يعبر به عن الجملة كالرأس والوجه والرقبة والفرج، أو مكان الظهر عضوا آخر يحرم النظر إليه من الأم كالبطن والفخذ. ومكان الأمّ ذات رحم محرم منه من نسب أو رضاع أو صهر أو جماع، نحو أن يقول: أنت علىّ كظهر أختى من الرضاع أو عمتي من النسب أو امرأة ابني أو أبى أو أمّ امرأتى أو بنتها، فهو مظاهر. وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه. وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعى والثوري وغيرهم نحوه. وقال الشافعي: لا يكون الظهار إلا بالأمّ وحدها وهو قول قتادة والشعبي. وعن الشعبي: لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات، إذ أخبر أن الظهار انما يكون بالأمّهات الوالدات دون المرضعات. وعن بعضهم: لا بد من ذكر الظهر حتى يكون ظهارا. فإن قلت: فإذا امتنع المظاهر من الكفارة، هل للمرأة أن ترافعه؟ قلت: لها ذلك. وعلى القاضي أن يجبره على أن يكفر، وأن يحبسه، ولا شيء من الكفارات يجبر عليه ويحبس إلا كفارة الظهار وحدها، لأنه يضرّبها في ترك التكفير والامتناع من الاستمتاع، فيلزم إيفاء حقها. فإن قلت: فإن مسّ قبل أن يكفر؟ قلت: عليه أن يستغفر ولا يعود حتى يكفر، لما روى أن سلمة بن صخر البياضي قال لرسول الله ﷺ: ظاهرت من امرأتى ثم أبصرت خلخالها في ليلة قمراء فواقعتها، فقال عليه الصلاة والسلام: «استغفر ربك ولا تعد حتى تكفر» [[لم أره بهذا اللفظ وهو في السنن الأربعة من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس «أن رجلا ظاهر من امرأته، ثم واقعها قبل أن يكفر فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال:

رأيت بياض ساقها في القمر. قال: فاعتزلها حتى تكفر عنك» وللترمذي «قال: رأيت خلخالها في القمر. قال:

فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» أخرجوه من رواية الفضل بن موسى عن معمر عنه موصولا، وأبو داود والنسائي من رواية عبد الرزاق عن معمر مرسلا. قال النسائي: هذا أولى بالصواب ولأبى داود والترمذي من حديث سلمة بن صخر بن البياضي قال: كنت امرأ أستكثر من النساء. فذكر القصة مطولة، وليس فيها «استغفر الله» إلى آخره.]]

فإن قلت: أى رقبة تجزئ في كفارة الظهار؟ قلت: المسلمة والكافرة جميعا، لأنها في الآية مطلقة.

وعند الشافعي لا تجزى إلا المؤمنة. لقوله تعالى في كفارة القتل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ولا تجزى أمّ الولد والمدبر والمكاتب الذي أدّى شيئا، فإن لم يؤدّ شيئا جاز. وعند الشافعي: لا يجوز:

فإن قلت: فإن أعتق بعض الرقبة أو صام بعض الصيام ثم مس؟ قلت: عليه أن يستأنف- نهارا مس- أو ليلا- ناسيا أو عامدا- عند أبى حنيفة، وعند أبى يوسف ومحمد: عتق بعض الرقبة عتق كلها فيجزيه، وإن كان المسّ يفسد الصوم استقبل، وإلا بنى. فإن قلت: كم يعطى المسكين في الإطعام؟

قلت: نصف صاع من برّ أو صاعا من غيره عند أبى حنيفة، وعند الشافعي مدّا من طعام بلده الذي يقتات فيه. فإن قلت: ما بال التماس لم يذكر عند الكفارة بالإطعام كما ذكر عند الكفارتين؟ قلت: اختلف في ذلك، فعند أبى حنيفة: أنه لا فرق بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس، وإنما ترك ذكره عند الإطعام دلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم إذا وقع في خلاله. وعند غيره: لم يذكر للدلالة على أن التكفير قبله وبعده سواء. فإن قلت: الضمير في أن يتماسا إلام يرجع؟ قلت: إلى ما دلّ عليه الكلام من المظاهر والمظاهر منها ذلِكَ البيان والتعليم للأحكام والتنبيه عليها لتصدقوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ في العمل بشرائعه التي شرعها من الظهار وغيره، ورفض ما كنتم عليه في جاهليتكم وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ التي لا يجوز تعدّيها وَلِلْكافِرِينَ الذين لا يتبعونها ولا يعملون عليها عَذابٌ أَلِيمٌ.

58:5–6Page 542

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥

Indeed, those who oppose Allāh and His Messenger are abased as those before them were abased. And We have certainly sent down verses of clear evidence. And for the disbelievers is a humiliating punishment

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦

On the Day when Allāh will resurrect them all and inform them of what they did. Allāh had enumerated it, while they forgot it; and Allāh is, over all things, Witness.1

يُحَادُّونَ يعادون ويشاقون كُبِتُوا أخزوا وأهلكوا كَما كُبِتَ من قبلهم من أعداء الرسل. قيل: أريد كبتهم يوم الخندق وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ تدل على صدق الرسول وصحة ما جاء به وَلِلْكافِرِينَ بهذه الآيات عَذابٌ مُهِينٌ يذهب بعزهم وكبرهم يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ منصوب بلهم. أو بمهين. أو بإضمار اذكر تعظيما لليوم جَمِيعاً كلهم لا يترك منهم أحد غير مبعوث. أو مجتمعين في حال واحدة، كما تقول: حى جميع فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا تخجيلا لهم وتوبيخا وتشهيرا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد أَحْصاهُ اللَّهُ أحاط به عددا لم يفته منه شيء وَنَسُوهُ لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه لم يبالوا به لضراوتهم بالمعاصي، وإنما تحفظ معظمات الأمور.

58:7Page 543

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧

Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

ما يَكُونُ من كان التامة. وقرئ بالياء والتاء، والياء على أنّ النجوى تأنيثها غير حقيقى ومن فاصلة. أو على أنّ المعنى ما يكون شيء من النجوى. والنجوى: التناجي، فلا تخلو إما أن تكون مضافة إلى ثلاثة، أى: من نجوى ثلاثة نفر. أو موصوفة بها، أى: من أهل نجوى ثلاثة، فحذف الأهل. أو جعلوا نجوى في أنفسهم مبالغة، كقوله تعالى: خلصوا نجيا. وقرأ ابن أبى عيلة: ثلاثة وخمسة، بالنصب على الحال بإضمار يتناجون، لأن نجوى يدل عليه. أو على تأويل نجوى بمتناجين، ونصبها من المستكن فيه. فإن قلت: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن قوما من المنافقين تحلقوا للتناجى مغايظة للمؤمنين على هذين العددين: ثلاثة وخمسة، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك وَلا أَدْنى مِنْ عدديهم وَلا أَكْثَرَ إِلَّا والله معهم يسمع ما يقولون، فقد روى عن ابن عباس رضى الله عنه: أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية: كانوا يوما يتحدثون، فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضا ولا يعلم بعضا.

وقال الثالث: إن كان يعلم بعضا فهو يعلم كله، وصدق. لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والمتخالين للشورى والمندبون [[قوله «والمندبون لذلك» لعل أصله، المنتدبون، فأدغم. (ع)]]

لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من أولى النهى والأحلام، ورهط من أهل الرأى والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال وحكم الاستصواب. ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ فدلّ على الاثنين والأربعة وقال وَلا أَكْثَرَ فدلّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه. وفي مصحف عبد الله: إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا. وقرئ: ولا أدنى من ذلك ولا أكثر، بالنصب على أن لا لنفى الجنس.

ويجوز أن يكون: ولا أكثر، بالرفع معطوفا على محل لا مع أدنى، كقولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوّة. ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك:

لا حول ولا قوّة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل مِنْ نَجْوى كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين [[قوله «ويجوز أن يكونا مجرورين» على قراءة أَكْثَرَ بفتح الراء. (ع)]]

عطفا على نجوى، كأنه قيل:

ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وقرئ: ولا أكبر، بالباء. ومعنى كونه معهم:

أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. وقرئ: ثم ينبئهم، على التخفيف.

58:8Page 543

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨

Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.

كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله ﷺ فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ومخالفته. وقرئ: ينتجون بالإثم والعدوان، بكسر العين، ومعصيات الرسول حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ يعنى أنهم يقولون في تحيتك:

السام عليك يا محمد والسام: الموت، والله تعالى يقول وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ويا أَيُّهَا الرَّسُولُ ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ: لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ كانوا يقولون: ما له إن كان نبيا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ عذابا.

58:9–10Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩

O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.

إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠

Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم. ويجوز أن يكون للمؤمنين، أى: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وعن النبي ﷺ: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإنّ ذلك يحزنه» [[متفق عليه وهذا اللفظ لمسلم من حديث ابن مسعود. وقوله: «وروى دون الثالث» هذا اللفظ البخاري «فائدة» أخرج البزار من حديث ابن عمر نحوه- وزاد «إلا باذنه» قلت: فان كانوا أربعة؟ قال: لا بأس به» .]]

وروى «دون الثالث» . وقرئ فلا تناجوا. وعن ابن مسعود: إذا انتجيتم فلا تنتجوا إِنَّمَا النَّجْوى اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان، بدليل قوله تعالى لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا والمعنى: أنّ الشيطان يزينها لهم، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم وَلَيْسَ الشيطان أو الحزن بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. فإن قلت: كيف لا يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟ قلت: كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا وأنّ أقاربهم قتلوا، فقال: لا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله، أى: بمشيئته، وهو أن يقضى الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة. وقرئ: ليحزن، وليحزن.

58:11Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١

O you who have believed, when you are told, "Space yourselves" in assemblies, then make space; Allāh will make space for you.1 And when you are told, "Arise,"2 then arise; Allāh will raise those who have believed among you and those who were given knowledge, by degrees. And Allāh is Aware of what you do.

تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: أفسح عنى، أى: تنح، ولا تتضامّوا. وقرئ: تفاسحوا. والمراد: مجلس رسول الله، وكانوا يتضامّون فيه تنافسا على القرب منه، وحرصا على استماع كلامه. وقيل: هو المجلس من مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وقرئ: في المجالس. قيل: كان الرجل يأتى الصف فيقول: تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة. وقرئ: في المجلس- بفتح اللام:

وهو الجلوس، أى: توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ مطلق في كل ما يبتغى الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك انْشُزُوا انهضوا للتوسعة على المقبلين. أو انهضوا عن مجلس رسول الله إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه: أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم، ولا تثبطوا ولا تفرطوا يَرْفَعِ اللَّهُ المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة [[قال محمود: «فيه تعميم ثم تخصيص للعلماء ... الخ» قال أحمد: في الجزاء برفع الدرجات هاهنا مناسبة العمل لأن المأمور به تفسيح المجلس كيلا يتنافسوا في القرب من المكان الرفيع حوله عليه الصلاة والسلام فيتضايقوا، فلما كان الممتثل لذلك يخفض نفسه عما يتنافس فيه من الرفعة امتثالا وتواضعا: جوزي على تواضعه برفع الدرجات كقوله: «من تواضع لله رفعه الله» ، ثم لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم، خصهم بالذكر عند الجزاء ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعا لله تعالى.]]

دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ قرئ بالتاء والياء. عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: أنه كان إذا قرأها قال يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم. وعن النبي ﷺ بين العالم والعابد مائة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر [[قوله «حضر الجواد المضمر» الذي في الصحاح: أحضر الفرس إحضارا، واحتضر: أى عدا، واستحضرته: أعديته، وفرس محضير: أى كثير العدو اه (ع)]]

سبعين سنة [[أخرجه أبو يعلى وابن عدى من رواية عبد الله بن محزر عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة، وعبد الله ابن محرز- بمهملات-: ساقط الحديث، وذكر ابن عبد البر في العلم أن ابن عون رواه عن ابن سيرين عن أبى هريرة، فينظر من خرجه. وفي الباب عن ابن عمرو بن العاص في الترغيب للأصبهانى.]]

. وعنه عليه السلام «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» [[أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبى الدرداء رضى الله عنه.]]

وعنه عليه السلام «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء» [[أخرجه ابن ماجة وأبو يعلى وابن عدى والعقيل والبيهقي في الشعب من حديث عثمان. وفيه عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، وهو متروك.]]

فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوّة والشهادة بشهادة رسول الله. وعن ابن عباس: خير سليمان بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطى المال والملك معه [[ذكره صاحب الفردوس هكذا، وذكره قبله ابن عبد البر في كتاب العلم بلا إسناد.]]

. وقال عليه السلام «أوحى الله إلى إبراهيم.

يا إبراهيم، إنى عليم أحب كل عليم» [[أخرجه ابن عبد البر في العلم قال: روى عن النبي ﷺ- فذكره بغير إسناد.]]

وعن بعض الحكماء: ليت شعري أى شيء أدرك من فاته العلم، وأى شيء فات من أدرك العلم. وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابا، وكل عز لم يوطد [[قوله «وكل عز لم يوطد بعلم» في الصحاح: وطدت الشيء، أى: أثبته وثقلته. (ع)]]

بعلم فإلى ذل مّا يصير. وعن الزبيري [[قوله «وعن الزبيري: العلم ذكر» قوله الزبيري: هو أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير مولى لبنى أسد، وليس من ولد الزبير بن العوام، كذا في الهداية والإرشاد اه من هامش. (ع)]]

العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال.

58:12–13Page 544

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢

O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣

Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.

بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ استعارة ممن له يدان. والمعنى: قبل نجواكم كقول عمر: من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدّمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم ويستنزل به [[لم أجده.]] اللئيم، يريد: قبل حاجته ذلِكَ التقديم خَيْرٌ لَكُمْ في دينكم وَأَطْهَرُ لأنّ الصدقة طهرة.

روى أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله ﷺ بما يريدون حتى أملوه وأبرموه [[قوله «حتى أملوه وأبرموه» في الصحاح: أبرمه» أى: أمله وأضجره اه. (ع)]] ، فأريد أن يكفوا عن ذلك، فأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدّم قبل مناجاته صدقة. قال على رضى الله عنه: لما نزلت دعاني رسول الله ﷺ فقال: ما تقول في دينار؟ قلت: لا يطيقونه. قال: كم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد. فلما رأوا ذلك: اشتدّ عليهم فارتدعوا وكفوا. أما الفقير فلعسرته، وأما الغنىّ فلشحه [[قلت: هذا ملفق من حديثين. فمن قوله «قال على إنك لزهيد» أخرجه الترمذي وابن حبان وأبو يعلى والبزار من رواية علقمة الأنماري عن على به وأتم منه. وقال بعد قوله «إنك لزهيد: فنزلت أأشفقتم الآية» قال: فمتى خفف الله عن هذه الأمة» قال الترمذي: حسن غريب: إنما نعرفه من هذا الوجه. وقال البزار:

لا يحفظ إلا عن على بهذا الاسناد. وأما أوله وآخره فأخرجه الطبري وابن مردويه من رواية على بن أبى طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال «إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه.

فأراد الله أن يخفف عن نبيه ﷺ، فلما قال ذلك ضن كثير من الناس بأموالهم، فكف كثير من الناس عن المسألة. فأنزل الله تعالى بعد هذا فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الآية فوسع الله عليهم.]] . وقيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعة من نهار. وعن على رضى الله عنه: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي: كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم [[أخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن أبى ليلى عن على به وأتم منه. وأخرجه ابن أبى شيبة من رواية ليث بن أبى سليم عن على بلفظ المصنف.]] . قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهنّ رسول الله ﷺ [[لم أجده.]] . وعن ابن عمر: كان لعلىّ ثلاث: لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحب إلىّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. قال ابن عباس: هي منسوخة بالآية التي بعدها، وقيل: هي منسوخة بالزكاة أَأَشْفَقْتُمْ أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه، وأنّ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمرتم به وشق عليكم، وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وعذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات بِما تَعْمَلُونَ قرئ بالتاء والياء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском