Az-Zamakhshari · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:168–186
7:168–169Page 172
وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨
And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].
فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩
And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?
وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً وفرقناهم فيها، فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ الذين آمنوا منهم بالمدينة، أو الذين وراء الصين وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة. فإن قلت: ما محل دون ذلك؟ قلت:
الرفع، وهو صفة لموصوف محذوف، معناه: ومنهم ناس منحطون عن الصلاح، ونحوه وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ بمعنى: وما منا أحد إلا له مقام وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ بالنعم والنقم لَعَلَّهُمْ ينتهون فينيبون فَخَلَفَ من بعد المذكورين خَلْفٌ وهم الذين كانوا في زمن رسول الله ﷺ وَرِثُوا الْكِتابَ التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرءونها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أى حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها. وفي قوله هذَا الْأَدْنى تخسيس وتحقير. والأدنى: إما من الدنوّ بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنوّ الحال وسقوطها وقلتها، والمراد: ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا لا يؤاخذنا الله بما أخذنا. وفاعل سَيُغْفَرُ الجار والمجرور، وهو لَنا ويجوز أن يكون الأخذ الذي هو مصدر يأخذون وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ الواو للحال، أى يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم، غير تائبين. وغفران الذنوب لا يصح إلا بالتوبة، والمصر لا غفران له أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعنى قوله في التوراة: من ارتكب ذنبا عظيما فإنه لا يغفر له إلا بالتوبة وَدَرَسُوا ما فِيهِ في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، والذي عليه المجبرة [[قوله «في غفران الذنوب والذي عليه المجبرة» يعنى أهل السنة، ومذهبهم تجويز المغفرة بمجرد الفضل، لا الطمع فيها مع الإصرار على المعصية. (ع)]] هو مذهب اليهود بعينه كما ترى. وعن مالك بن دينار رحمه الله، يأتى على الناس زمان إن قصروا عما أمروا به، قالوا: سيغفر لنا، لأنا لم نشرك بالله شيئا، كل أمرهم إلى الطمع، خيارهم فيهم المداهنة، فهؤلاء من هذه الأمّة أشباه الذين ذكرهم الله، وتلا الآية. وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ من ذلك العرض الخسيس لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الرشا ومحارم الله. وقرئ: ورّثوا الكتاب. وألا تقولوا، بالتاء. وادّارسوا، بمعنى تدارسوا. وأفلا تعقلون، بالياء والتاء. فإن قلت: ما موقع قوله أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ؟ قلت: هو عطف بيان لميثاق الكتاب. ومعنى ميثاق الكتاب. الميثاق المذكور في الكتاب. وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبة خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله.
وتقوّل عليه ما ليس بحق. وإن فسر ميثاق الكتاب بما تقدم ذكره كان أَنْ لا يَقُولُوا مفعولا له. ومعناه: لئلا يقولوا. ويجوز أن تكون إِنْ مفسرة، ولا يَقُولُوا نهياً، كأنه قيل: ألم يقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟ فإن قلت: علام عطف قوله وَدَرَسُوا ما فِيهِ؟ قلت: على أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ لأنه تقرير، فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه.
7:170Page 172
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠
But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ فيه وجهان، أحدهما: أن يكون مرفوعا بالابتداء وخبره إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ والمعنى: إنا لا نضيع أجرهم، لأنّ المصلحين في معنى الذين يمسكون بالكتاب، كقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا والثاني:
أن يكون مجروراً عطفاً على الذين يتقون، ويكون قوله إِنَّا لا نُضِيعُ اعتراضا. وقرئ:
يمسكون، بالتشديد. وتنصره قراءة أبىّ. والذين مسكوا بالكتاب. فإن قلت: التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة. ومنها إقامة الصلاة، فكيف أفردت؟ قلت: إظهارا لمزية الصلاة لكونها عماد الدين، وفارقة بين الكفر والإيمان. وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه. والذين استمسكوا بالكتاب.
7:171Page 173
۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١
And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ قلعناه ورفعناه، كقوله: ورفعنا فوقهم الطور. ومنه: نتق السقاء، إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه. والظلة: كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب. وقرئ بالطاء، من أهل عليه إذا أشرف وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا.
أن يقبلوا أحكام التوراة. لغلظها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ. وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه، فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر، ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله. لم يبق جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فلذلك لا ترى يهوديا تقرأ عليه التوراة إلا اهتز وأنغض لها رأسه [[قوله «وأنغض لها رأسه» أى حرك رأسه كالمتعجب. أفاده الصحاح. (ع)]] خُذُوا ما آتَيْناكُمْ على إرادة القول. أى: وقلنا خذوا ما آتيناكم، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب بِقُوَّةٍ وعزم على احتمال مشاقه وتكاليفه وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الأوامر والنواهي ولا تنسوه.
أو واذكروا ما فيه من التعريض للثواب العظيم فارغبوا فيه. ويجوز أن يراد: خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوّة إن كنتم تطيقونه، كقوله إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فانفذوا. وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الدلالة على القدرة الباهرة والإنذار لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ما أنتم عليه. وقرأ ابن مسعود: وتذكروا. وقرئ: واذّكروا، بمعنى. وتذكروا.
7:172–174Page 173
وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢
And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."
أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ١٧٣
Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allāh before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"
وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٧٤
And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.1
مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل من بنى آدم بدل البعض من الكل. ومعنى أخذ ذرّياتهم من ظهورهم:
إخراجهم من أصلابهم نسلا وإشهادهم على أنفسهم. وقوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى شَهِدْنا من باب التمثيل والتخييل [[قال محمود: «هذا من باب التمثيل والتخييل ... الخ» قال أحمد: إطلاق التمثيل أحسن، وقد ورد الشرع به. وأما إطلاقه التخييل على كلام الله تعالى فمردود، ولم يرد به سمع، وقد كثر إنكارنا عليه لهذه اللفظة. ثم إن القاعدة مستقرة على أن الظاهر ما لم يخالف المعقول يجب إقراره على ما هو عليه، فلذلك أقره الأكثرون على ظاهره وحقيقته ولم يجعلوه مثالا. وأما كيفية الإخراج والمخاطبة فالله أعلم بذلك.]] ! ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك. وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله عليه السلام، وفي كلام العرب.
ونظيره قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ وقوله:
إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ [[مر شرح هذا الشاهد بالجزء الأول ص 181 فراجعه هناك إن شئت اه مصححه.]]
قَالَتْ لَهُ رِيحُ الصَّبَا قَرْقَارِ [[قالت له ريح الصبا قرقار ... واختلط المعروف بالإنكار
لأبى النجم العجلى. و «قرقار» اسم فعل بمعنى قرقر: أمر للسحاب لتنزيله منزلة العاقل، أى: صوت بالرعد.
هذا قول سيبويه. وقال المبرد تبعاً للمازنى: هو حكاية صوت الرعد، وهو على كل مبنى على الكسر على أصل التخلص من التقاء الساكنين، لكنه على الأول متحمل للضمير، فهو مركب. وعلى الثاني: لا ضمير فيه، فهو مفرد، لكن فيه أن حكاية الأصوات لا تفيد حثا ولا زجراً. وهنا يفيد الحث لقرينة المقام ولا فعل لها، وهذا له فعل. يقال: قرقرت الدجاجة إذا صوتت، إلا أن يقال إن المعنى: صوت يا رعد قرقار. وقولهم. قرقرت الدجاجة، مأخوذ من قرقار، كما أخذوا العياط من عيط بكسرتين بينهما سكون، حكاية لصوت المتلاعبين. واختلط يحتمل أنه أمر وهو أنسب بما قبله. ويحتمل أنه ماض. والمراد بالإنكار المنكر، ولا قول للريح. وإنما شبهها حيث تسوق السحاب بمن يصح منه القول، على طريق المكنية والقول تخييل. ويجوز أن يستعار القول لصوب السحاب، على طريق التصريح. ويجوز أنه من باب الكناية. وعلى هذا النحو قوله في ناقة صالح: فأتاها أحيمر كأخى السهم بغضب، فقال كوني عقيراً. وصرف الممنوع الضرورة. وأضاف الملقى لغير الملقى، ليدل على الملازمة لوجه شبه العاقر بالمبهم. أى قالت الصبا للسحب: قرقر بالرعد. واختلط الأماكن التي اعتدت سقيها بالتي كنت لا تبلغها بالسقى، أى سو بين الجميع فيه. ويحتمل أن المعروف المطر والمنكر الرعد والبرق والصواعق، أى افعل الجميع على أنه ماض، فهو عطف على قالت. وليس من قول الريح. وعليه فيجوز أيضاً رفع المعروف، ويكون الفعل لازما. وهذا البيت من أبيات الكتاب.]] ومعلوم أنه لا قول ثم، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى أَنْ تَقُولُوا مفعول له، أى فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، كراهة أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم ننبه عليه أَوْ كراهة أن تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء. كما لا عذر لآبائهم في الشرك- وأدلة التوحيد منصوبة لهم- فإن قلت: بنو آدم وذرّياتهم من هم [[عاد كلامه. قال: «فان قلت بنو آدم وذرياتهم من هم ... الخ» ؟ قال أحمد: والأظهر أنها شاملة لجملة بنى آدم فتدخل اليهود في عمومها، لأن كل واحد من بنى آدم يصدق عليه الأمران جميعاً أنه ابن آدم وأنه ذريته، ولا يخرج من هذا إلا آدم عليه السلام، وإنما لم يذكر لظهوره، ولا يخلو الكلام عن النوع المسمى في فن البلاغة باللف اختصاراً وإيجازاً.]] ؟ قلت: عنى ببني آدم: أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، حيث قالوا: عزير ابن الله. وبذرّياتهم: الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ من أخلافهم المقتدين بآبائهم. والدليل على أنها في المشركين وأولادهم:
قوله أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ والدليل على أنها في اليهود: الآيات التي عطفت عليها هي، والتي عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها، وذلك قوله وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ، إِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ، وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ، وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا. أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ أى كانوا السبب في شركنا، لتأسيسهم الشرك، وتقدّمهم فيه، وتركه سنة لنا وَكَذلِكَ ومثل ذلك التفصيل البليغ نُفَصِّلُ الْآياتِ لهم وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها. وقرئ: ذريتهم، على التوحيد. وأن يقولوا: بالياء.
7:175–176Page 173
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥
And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2
وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦
And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ على اليهود نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها هو عالم من علماء بنى إسرائيل. وقيل: من الكنعانيين، اسمه بلعم بن باعوراء أوتى علم بعض كتب الله فَانْسَلَخَ مِنْها من الآيات، بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له. أو فأتبعه خطواته. وقرئ: فاتبعه، بمعنى فتبعه فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ فصار من الضالين الكافرين. روى أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى وقال: كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا عليه ولم يزالوا به حتى فعل وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ مال إلى الدنيا ورغب فيها. وقيل: مال إلى السفالة. فإن قلت:
كيف علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع؟ قلت: المعنى: ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها. وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة. والمراد: ما هي تابعة له ومسببة عنه، كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها. ألا ترى إلى قوله وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون وَلَوْ شِئْنا في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ فصفته التي هي مثل في الخسة والضعة كصفة الكلب في أخس أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث [[قوله «دوام اللهث به» في الصحاح لهث الكلب إذا خرج لسانه من التعب أو العطش. وقوله تعالى إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ لأنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هاربا. وإن تتركه شد عليك ونبح، فيتعب نفسه في الحالين فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. (ع)]] به واتصاله، سواء حمل عليه- أى شدّ عليه وهيج فطرد- أو ترك غير متعرّض له بالحمل عليه. وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلا إذا هيج منه وحرّك، وإلا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعاً، وكان حق الكلام أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعنا منزلته، فوضع قوله فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ موضع حططناه أبلغ حط، لأنّ تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك. وعن ابن عباس رضى الله عنه، الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حمل عليه أو لم يجمل عليه. وقيل: معناه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث. فإن قلت: ما محل الجملة الشرطية؟ قلت: النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثاً في الحالتين. وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا من اليهود بعد ما قرءوا نعت رسول الله ﷺ في التوراة، وذكر القرآن المعجز وما فيه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستفتحون به فَاقْصُصِ قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيحذرون مثل عاقبته، إذ ساروا نحو سيرته، وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحى فيزدادوا إيقاناً بك وتزداد الحجة لزوماً لهم.
7:177Page 173
سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧
How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.
ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ أى مثل القوم. أو ساء أصحاب مثل القوم. وقرأ الجحدري ساء مثل القوم. وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ إما أن يكون معطوفا على كذبوا، فيدخل في حيز الصلة بمعنى:
الذين جمعوا بين التكذيب، بآيات الله وظلم أنفسهم. وإما أن يكون كلاما منقطعا عن الصلة، بمعنى: وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول به للاختصاص، كأنه قيل:
وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدّها إلى غيرها.
7:178Page 173
مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨
Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.
فَهُوَ الْمُهْتَدِي حمل على اللفظ. وفَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ حمل على المعنى.
7:179Page 174
وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩
And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.
كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم. وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسماعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع الآذان، وجعلهم- لإعراقهم [[قوله «لاعراقهم» يقال أعرق الشجر والنبات- بالعين المهملة- إذا امتدت عروقه في الأرض. وأغرق النازع في القوس- بالمعجمة- أى استوفى مدها اه من الصحاح. (ع)]] في الكفر وشدّة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار- مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار ومنه كتاب عمر رضى الله عنه إلى خالد بن الوليد: بلغني أن أهل الشام اتخذوا لك دلوكا [[قوله «دلوكا» في الصحاح: الدلوك ما يدلك به من طيب وغيره. (ع)]] عجن بخمر وإنى لأظنكم آل المغيرة ذره النار [[أخرجه أبو عبيد في غريبه: حدثني إسماعيل بن عياش عن حميد بن ربيعة عن سليمان بن موسى: أن عمر كتب إلى خالد- فذكره منقطعا.]] . ويقال لمن كان عريقا في بعض الأمور: ما خلق فلان إلا لكذا. والمراد وصف حال اليهود [[قوله «والمراد وصف حال اليهود» إنما فسره بذلك لأنه تعالى يجب عليه الأصلح العبد عند المعتزلة، وخلقه لجهنم ليس أصلح له. وعند أهل السنة لا يجب عليه شيء. (ع)]] في عظم ما أقدموا عليه من تكذيب رسول الله ﷺ، مع علمهم أنه النبي الموعود. وأنهم من جملة الكثير الذين لا يكاد الإيمان يتأتى منهم، كأنهم خلقوا للنار أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتدبر بَلْ هُمْ أَضَلُّ من الأنعام عن الفقه والاعتبار والتدبر أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الكاملون في الغفلة. وقيل: الأنعام تبصر منافعها ومضارّها فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار.
7:180Page 174
وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠
And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي هي أحسن الأسماء [[قال محمود: «معنى الحسنى التي هي أحسن الأسماء ... الخ» قال أحمد: أى مما يجوز عليه وإن لم يرد إطلاقه شرعا، كالشريف والعارف، ونحو ذلك.]] ، لأنها ندل على معان حسنة من تمجيد وتقديس وغير ذلك فَادْعُوهُ بِها فسموه بتلك الأسماء وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، كما سمعنا البدو يقولون بجهلهم [[قال محمود: «كما سمعنا البدو يقولون يجهلهم ... الخ» قال أحمد: وفي هذا التأويل بعد، لأن ترك الدعاء ببعض الأسماء لا يطلق عليه إلحاد في العرف، وإنما يطلق على فعل لا على ترك، ولكن يتميز عن الوجه السالف بأنه أضاف الأسماء الملحد فيها إلى ذاته، وهذا أدل على الرحمن منه على مثل أبيض الوجه ونحوه، فان هذا ليس من أسمائه، إلا أن يقال: أضافه إليه تنزيلا على زعمهم.]] : يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخىّ. أو أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى، نحو أن يقولوا: يا الله، ولا يقولوا: يا رحمن وقد قال الله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ، أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ويجوز أن يراد: ولله الأوصاف الحسنى [[قال محمود: «ويجوز أن يراد: ولله الأوصاف الحسنى، وهي الوصف بالعدل والخير ... الخ» قال أحمد:
لا يدع حشو العقائد الفاسدة في غير موضع يسعها، فان يكن المراد الأوصاف، فالحسنى منها وصف الله بعموم القدرة والانفراد بالمخلوقات، حتى لا يشرك معه عباده في خلق أفعالهم. ويعظم الله تعالى بأنه لا يسأل عما يفعل، وأن كل قضائه عدل، وانه لا يجب عليه رعاية ما يتوهمه الخلق مصلحة بعقولهم، وأن وعده الصدق وقوله الحق، وقد وعد رؤيته فوجب وقوعها، إلى غير ذلك من أوصافه الجليلة، وذروا الذين يلحدون في أوصافه فيجحدونها، ثم يزعمون أنه لا تشمل قدرته المخلوقات، بل هي مقسومة بينه وبين عباده، ويوجبون عليه رعاية ما يتوهمونه مصلحة، ويحجرون واسعاً من مغفرته وعفوه وكرمه على الخطائين من موحديه، إلى غير ذلك من الإلحاد المعروف بالطائفة المتلقبين عدلية، المزكين لأنفسهم وهو أعلم بمن اتقى.]] ، وهي الوصف بالعدل والخير والإحسان وانتفاء شبه الخلق فصفوه بها، وذروا الذين يلحدون [[قوله «وذر الذين يلحدون» يريد أهل السنة القائلين: كل كائن فهو مراد ومخلوق له تعالى ولو شرا، وتجوز رؤيته، خلافا للمعتزلة في كل ذلك، كما تقرر في محله. (ع)]] في أوصافه فيصفونه بمشيئة القبائح وخلق الفحشاء والمنكر وبما يدخل في التشبيه كالرؤية ونحوها وقيل: إلحادهم في أسمائه: تسميتهم [[قال محمود: «وقيل إلحادهم في أسمائه: تسميتهم ... الخ» قال أحمد: وهذا تفسير حسن ملائم، والله أعلم.]] الأصنام آلهة، واشتقاقهم اللات من الله، والعزى من العزيز.
7:181Page 174
وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١
And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.
لما قال وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً فأخبر أنّ كثيراً من الثقلين عاملون بأعمال أهل النار، أتبعه قوله وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وعن النبي ﷺ أنه كان يقول إذا قرأها «هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها [[ذكره الثعلبي عن قتادة وابن جريج. وإسناده إليها مذكور في أول كتابه.]] » وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وعنه ﷺ «إنّ من أمتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى عليه السلام [[ذكره الثعلبي عن الربيع بن أنس، وإسناده إليه في أول كتابه. رواه أحمد من حديث عمران بن حصين بلفظ «لا تزال طائفة من أمتى على الحق حتى يأتى أمر الله، وينزل عيسى ابن مريم» وفي تاريخ البخاري عن عبد الطغاوى عن جابر نحوه، ورواه أبو يعلى من وجه آخر، وزاد «فيقول إمامهم: تقدم يا روح الله فيقول: أنتم أحق أمر كرم به هذه الأمة» .]] » وعن الكلبي:
هم الذين آمنوا من أهل الكتاب. وقيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين.
7:182–185Page 174
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢
But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤
Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.
أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥
Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?
الاستدراج: استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة.
قال الأعشى:
فلو كنت في جبّ ثمانين قامة ... ورقيت أسباب السّماء بسلّم
ليستدر جنك القول حتّى تهرّه ... وتعلم أنّى عنكم غير مفحم [[مر شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 395 فراجعه إن شئت اه مصححه.]]
ومنه: درج الصبى إذا قارب بين خطاه. وأدرج الكتاب: طواه شيئاً بعد شيء. ودرج القوم: مات بعضهم في أثر بعض. ومعنى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ما يراد بهم. وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع انهماكهم في الغىّ، فكلما جدّد عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجدّدوا معصية، فيتدرّجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أنّ مواترة النعم أثرة من الله وتقريب، وإنما هي خذلان منه وتبعيد، فهو استدراج الله تعالى، نعوذ بالله منه وَأُمْلِي لَهُمْ عطف على سَنَسْتَدْرِجُهُمْ وهو داخل في حكم السين إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ سماه كيداً لأنه شبيه بالكيد، من حيث أنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان ما بِصاحِبِهِمْ بمحمد ﷺ مِنْ جِنَّةٍ من جنون، وكانوا يقولون شاعر مجنون. وعن قتادة أنّ النبي ﷺ علا الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يهوّت [[قوله «بات يهوت» أى يضيح. (ع)]] إلى الصباح [[أخرجه الطبري بإسناد صحيح إلى قتادة قال «ذكر لنا- فذكره. فأنزل الله أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ الآية]] أَوَلَمْ يَنْظُرُوا نظر استدلال فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيما تدلان عليه من عظم الملك. والملكوت: الملك العظيم وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء، من أجناس لا يحصرها العدد ولا يحيط بها الوصف وَأَنْ عَسى أن مخففة من الثقيلة، والأصل: وأنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن. والمعنى: أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ولعلهم يموتون عما قريب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم. قبل مغافصة الأجل [[قوله «قبل مغافصة الأجل» أى أخذه إياهم على حين غفلة. اه من الصحاح. (ع)]] وحلول العقاب. ويجوز أن يراد باقتراب الأجل: اقتراب الساعة، ويكون من «كان» التي فيها ضمير الشأن. فإن قلت: بم يتعلق قوله فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟ قلت: بقوله عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ كأنه قيل: لعلّ أجلهم قد اقترب، فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحقِّ، وبأىّ حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا.
7:186Page 174
مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦
Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.
قرئ وَيَذَرُهُمْ بالياء والنون، والرفع على الاستئناف، ويذرهم، بالياء والجزم عطفا على محل فَلا هادِيَ لَهُ كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences