An-Nisa 4:82
The Women · Juz 5 · Page 91
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.
1 translator’s note
- i.e., its meanings and its objective. ↩
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 4:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ أنْواعَ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، وكانَ كُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ مُحِقًّا في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ صادِقًا فِيهِ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مُفْتَرٍ مُتَخَرِّصٌ، فَلا جَرَمَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْظُرُوا ويَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. فَقالَ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فاحْتَجَّ تَعالى بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: التَّدْبِيرُ والتَّدَبُّرُ عِبارَةٌ عَنِ النَّظَرِ في عَواقِبِ الأُمُورِ وأدْبارِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: إلامَ تَدَبَّرُوا أعْجازَ أُمُورٍ قَدْ ولَّتْ صُدُورُها، ويُقالُ في فَصِيحِ الكَلامِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، أيْ لَوْ عَرَفْتُ في صَدْرِ أمْرِي ما عَرَفْتُ مِن عاقِبَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى احْتَجَّ بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إذْ لَوْ
صفحة ١٥٧
لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها البَتَّةَ، والعُلَماءُ قالُوا: دَلالَةُ القُرْآنِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
أوَّلُها: فَصاحَتُهُ.
وثانِيها: اشْتِمالُهُ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ.
والثّالِثُ: سَلامَتُهُ عَنِ الِاخْتِلافِ، وهَذا هو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ سَلامَتِهِ عَنِ الِاخْتِلافِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَواطَئُونَ في السِّرِّ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى كانَ يُطْلِعُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ حالًا فَحالًا، ويُخْبِرُهُ عَنْها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وما كانُوا يَجِدُونَ في كُلِّ ذَلِكَ إلّا الصِّدْقَ، فَقِيلَ لَهم: إنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَما اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ، ولَظَهَرَ في قَوْلِ مُحَمَّدٍ أنْواعُ الِاخْتِلافِ والتَّفاوُتِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ كَبِيرٌ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَقَعَ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الكَلِماتِ المُتَناقِضَةِ، لِأنَّ الكِتابَ الكَبِيرَ الطَّوِيلَ لا يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢- ٢٣] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وآياتُ الجَبْرِ كالمُناقِضَةِ لِآياتِ القَدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] .
قُلْنا: قَدْ شَرَحْنا في هَذا التَّفْسِيرِ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا مُناقَضَةَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِنا: القُرْآنُ سَلِيمٌ عَنِ الِاخْتِلافِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاخْتِلافُ في رُتْبَةِ الفَصاحَةِ، حَتّى لا يَكُونَ في جُمْلَتِهِ ما يُعَدُّ في الكَلامِ الرَّكِيكِ، بَلْ بَقِيَتِ الفَصاحَةُ فِيهِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في غايَةِ البَلاغَةِ ونِهايَةِ الفَصاحَةِ، فَإذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا مُشْتَمِلًا عَلى المَعانِي الكَبِيرَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ التَّفاوُتُ في كَلامِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُهُ قَوِيًّا مَتِينًا وبَعْضُهُ سَخِيفًا نازِلًا، ولَمّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمُعْجِزٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وضَرَبَ القاضِي لِهَذا مَثَلًا فَقالَ: إنَّ الواحِدَ مِنّا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْتُبَ الطَّوامِيرَ الطَّوِيلَةَ بِحَيْثُ لا يَقَعُ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الحُرُوفِ خَلَلٌ ونُقْصانٌ، حَتّى لَوْ رَأيْنا الطَّوامِيرَ الطَّوِيلَةَ مَصُونَةً عَنْ مِثْلِ هَذا الخَلَلِ والنُّقْصانِ لَكانَ ذَلِكَ مَعْدُودًا في الإعْجازِ فَكَذا هَهُنا.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومُ المَعْنى خِلافَ ما يَقُولُهُ مَن يَذْهَبُ إلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ مَعْناهُ إلّا النَّبِيُّ والإمامُ المَعْصُومُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما تَهَيَّأ لِلْمُنافِقِينَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالتَّدَبُّرِ، ولَما جازَ أنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأنْ يَجْعَلَ القُرْآنَ حُجَّةً في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، ولا أنْ يَجْعَلَ عَجْزَهم عَنْ مِثْلِهِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى كُفّارِ الزَّنْجِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وعَلى القَوْلِ بِفَسادِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُنافِقِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِهَذا الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وإذا كانَ لا بُدَّ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، فَبِأنْ يُحْتاجَ في مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ كانَ أوْلى.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ قَوْلَهُ
صفحة ١٥٨
تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الِاخْتِلافِ، والِاخْتِلافُ والتَّفاوُتُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَإذا كانَ فِعْلُ العَبْدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الِاخْتِلافِ والتَّفاوُتِ، وفِعْلُ اللَّهِ لا يُوجَدُ فِيهِ التَّفاوُتُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَكُونُ فِعْلًا لِلَّهِ.
والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] مَعْناهُ نَفِيُ التَّفاوُتِ في أنَّهُ يَقَعُ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، فَإنَّ فِعْلَ غَيْرِهِ لا يَقَعُ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ عَلى الإطْلاقِ.
Page 91
4:80
مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠
He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.
4:81
وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.
4:82
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢
Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.
1 translator’s note
- i.e., its meanings and its objective. ↩
4:83
وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣
And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.
4:84
فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤
So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1
1 translator’s note
- Allāh is able to defeat them in such a way as to deter others from attempting anything similar. ↩
4:85
مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥
Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1
1 translator’s note
- Providing, protecting, witnessing, keeping precise records and capable of recompense. ↩
4:86
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦
And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.