Ar-RaziAn‑Nisa · 4:80–82

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:80–82

4:80Page 91

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠

He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ .

والمَعْنى أنَّ مَن أطاعَ الرَّسُولَ لِكَوْنِهِ رَسُولًا مُبَلِّغًا إلى الخَلْقِ أحْكامَ اللَّهِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما أطاعَ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، فَإنَّ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الرُّشْدِ وأضَلَّهُ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا يَقْدِرُ عَلى إرْشادِهِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أنارَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورِ الهِدايَةِ قَطَعَ بِأنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْنا، فَإنَّكَ تَرى الدَّلِيلَ الواحِدَ تَعْرِضُهُ عَلى شَخْصَيْنِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، ثُمَّ إنَّ أحَدَهُما يَزْدادُ إيمانًا عَلى إيمانٍ عِنْدَ سَماعِهِ، والآخَرُ يَزْدادُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ عِنْدَ سَماعِهِ، ولَوْ أنَّ المُحِبَّ لِذَلِكَ الكَلامِ أرادَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ قَلْبِهِ حُبَّ ذَلِكَ الكَلامِ واعْتِقادَ صِحَّتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ولَوْ أنَّ المُبْغِضَ لَهُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ قَلْبِهِ بُغْضَ ذَلِكَ الكَلامِ واعْتِقادَ فَسادِهِ لَمْ يَقْدِرْ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ رُبَّما انْقَلَبَ المُحِبُّ مُبْغِضًا والمُبْغِضُ مُحِبًّا، فَمَن تَأمَّلَ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن إسْنادِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، ثُمَّ اعْتَبَرَ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِقْراءَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ثُمَّ لَمْ يَقْطَعْ بِأنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَلْيَجْعَلْ واقِعَتَهُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا تَحْصُلُ الهِدايَةُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ مِن جِهَةِ أنَّ مَعَ العِلْمِ بِمِثْلِ هَذا الدَّلِيلِ، ومَعَ العِلْمِ بِمِثْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ هَذا الِاعْتِقادُ، عَرَفَ أنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِأنَّ اللَّهَ صَدَّهُ عَنْهُ ومَنَعَهُ مِنهُ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ مَعْصُومٌ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي وفي كُلِّ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لَوْ أخْطَأ في شَيْءٍ مِنها لَمْ تَكُنْ طاعَتُهُ طاعَةَ اللَّهِ وأيْضًا وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْصُومًا في جَمِيعِ أفْعالِهِ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِمُتابَعَتِهِ في قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] والمُتابَعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِأجْلِ أنَّهُ فِعْلُ ذَلِكَ الغَيْرِ، فَكانَ الآتِي بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ مُطِيعًا لِلَّهِ في قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] فَثَبَتَ أنَّ الِانْقِيادَ لَهُ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وفي جَمِيعِ أفْعالِهِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، طاعَةٌ لِلَّهِ وانْقِيادٌ لِحُكْمِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في كِتابِ الرِّسالَةِ في بابِ فَرْضِ الطّاعَةِ لِلرَّسُولِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ في بابِ الوُضُوءِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وسائِرِ الأبْوابِ في القُرْآنِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ مُبَيَّنًا في القُرْآنِ، فَحِينَئِذٍ لا سَبِيلَ لَنا إلى القِيامِ بِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلّا بِبَيانِ الرَّسُولِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَوْلُ بِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ عَيْنُ طاعَةِ اللَّهِ، هَذا مَعْنى كَلامِ الشّافِعِيِّ.

صفحة ١٥٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طاعَةَ إلّا لِلَّهِ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ لِكَوْنِهِ رَسُولًا فِيما هو فِيهِ رَسُولٌ لا تَكُونُ إلّا طاعَةً لِلَّهِ، فَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّهُ لا طاعَةَ لِأحَدٍ إلّا لِلَّهِ. قالَ مُقاتِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: ”«مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ» “ فَقالَ المُنافِقُونَ: لَقَدْ قارَبَ هَذا الرَّجُلُ الشِّرْكَ وهو أنْ يَنْهى أنْ نَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ، ويُرِيدُ أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا كَيْفِيَّةَ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا طاعَةَ البَتَّةَ لِلرَّسُولِ، وإنَّما الطّاعَةُ لِلَّهِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ مِنَ التَّوَلِّي هو التَّوَلِّي بِالقَلْبِ، يَعْنِي يا مُحَمَّدُ حُكْمُكَ عَلى الظَّواهِرِ، أمّا البَواطِنُ فَلا تَتَعَرَّضْ لَها.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ التَّوَلِّي بِالظّاهِرِ.

ثُمَّ هَهُنا فَفي قَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تَغْتَمَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّوَلِّي وأنْ تَحْزَنَ، فَما أرْسَلْناكَ لِتَحْفَظَ النّاسَ عَنِ المَعاصِي، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَشْتَدُّ حُزْنُهُ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذا الكَلامَ تَسْلِيَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ الحُزْنِ.

الثّانِي: أنَّ المَعْنى فَما أرْسَلْناكَ لِتَشْتَغِلَ بِزَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ التَّوَلِّي وهو كَقَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ثُمَّ نُسِخَ هَذا بَعْدَهُ بِآيَةِ الجِهادِ.

4:81Page 91

وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .

أيْ ويَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ (طاعَةٌ) بِالرَّفْعِ، أيْ أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى أطَعْناكَ طاعَةً، وهَذا كَما إذا قالَ الرَّجُلُ المُطِيعُ المُنْقادُ: سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ. قالَ سِيبَوَيْهِ: سَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهم كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: حَمْدُ اللَّهِ وثَناءٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ.

واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الفِعْلِ. وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ واسْتِقْرارِها ﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ تَفَكَّرُوا فِيهِ كَثِيرًا وتَأمَّلُوا في مَصالِحِهِ ومَفاسِدِهِ كَثِيرًا قِيلَ هَذا أمْرٌ مُبَيَّتٌ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] وفي اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ البَيْتُوتَةِ، لِأنَّ أصْلَحَ الأوْقاتِ لِلْفِكْرِ أنْ يَجْلِسَ الإنْسانُ في بَيْتِهِ بِاللَّيْلِ، فَهُناكَ تَكُونُ الخَواطِرُ أخْلى والشَّواغِلُ أقَلَّ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ أنَّ الإنْسانَ وقْتَ اللَّيْلِ يَكُونُ في البَيْتِ، والغالِبُ لَهُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَقْصِي في الأفْكارِ في اللَّيْلِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ الفِكْرُ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا.

الثّانِي: اشْتِقاقُهُ مِن بَيْتِ الشِّعْرِ. قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ إذا أرادُوا قَرْضَ الشِّعْرِ بالَغُوا في التَّفَكُّرِ فِيهِ فَسَمَّوُا المُتَفَكَّرَ فِيهِ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا، تَشْبِيهًا لَهُ بِبَيْتِ الشِّعْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ.

صفحة ١٥٦

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى خَصَّ طائِفَةً مِن جُمْلَةِ المُنافِقِينَ بِالتَّبْيِيتِ، وفي هَذا التَّخْصِيصِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَبْقى عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ، فَأمّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهم.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ كانُوا قَدْ أسْهَرُوا لَيْلَهم في التَّبْيِيتِ، وغَيْرَهم سَمِعُوا وسَكَتُوا ولَمْ يُبَيِّتُوا، فَلا جَرَمَ لَمْ يُذْكَرُوا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ (بَيَّت طّائِفَةٌ) بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ، والباقُونَ بِالإظْهارِ أمّا مَن أدْغَمَ فَلَهُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: جَزَمُوا لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَلَمّا سَكَنَتِ التّاءُ أُدْغِمَتْ في الطّاءِ.

والثّانِي: أنَّ الطّاءَ والدّالَ والتّاءَ مِن حَيِّزٍ واحِدٍ، فالتَّقارُبُ الَّذِي بَيْنَها يُجْرِيها مَجْرى الأمْثالِ في الإدْغامِ، ومِمّا يُحَسِّنُ هَذا الإدْغامَ أنَّ الطّاءَ تَزِيدُ عَلى التّاءِ بِالإطْباقِ، فَحَسُنَ إدْغامُ الأنْقَصِ صَوْتًا في الأزْيَدِ صَوْتًا. أمّا مَن لَمْ يُدْغِمْ فَعِلَّتُهُ أنَّهُما حَرْفانِ مِن مَخْرَجَيْنِ في كَلِمَتَيْنِ مُتَفاصِلَتَيْنِ، فَوَجَبَ إبْقاءُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحالِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: (بَيَّتَ) بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ: بَيَّتَتْ بِالتَّأْنِيثِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الطّائِفَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّها في مَعْنى الفَرِيقِ والفَوْجِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ أيْ زَوَّرَتْ وزَيَّنَتْ خِلافَ ما قالَتْ وما أُمِرَتْ بِهِ، أوْ خِلافَ ما قالَتْ وما ضَمِنَتْ مِنَ الطّاعَةِ، لِأنَّهم أبْطَنُوا الرَّدَّ لا القَبُولَ، والعِصْيانَ لا الطّاعَةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ ذَكَرَ الزَّجّاجُ فِيهِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ يُنَزِّلُ إلَيْكَ في كِتابِهِ.

والثّانِي: يَكْتُبُ ذَلِكَ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازُوا بِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ والمَعْنى لا تَهْتِكْ سِتْرَهم ولا تَفْضَحْهم ولا تَذْكُرْهم بِأسْمائِهِمْ، وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِسَتْرِ أمْرِ المُنافِقِينَ إلى أنْ يَسْتَقِيمَ أمْرُ الإسْلامِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في شَأْنِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ شَرَّهم ويَنْتَقِمُ مِنهم ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ الأمْرُ بِالإعْراضِ عَنِ المُنافِقِينَ في ابْتِداءِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] وهَذا الكَلامُ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ الأمْرَ بِالصَّفْحِ مُطْلَقٌ فَلا يُفِيدُ إلّا المَرَّةَ الواحِدَةَ، فَوُرُودُ الأمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالجِهادِ لا يَكُونُ ناسِخًا لَهُ.

4:82Page 91

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢

Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ أنْواعَ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، وكانَ كُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ مُحِقًّا في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ صادِقًا فِيهِ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مُفْتَرٍ مُتَخَرِّصٌ، فَلا جَرَمَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْظُرُوا ويَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. فَقالَ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فاحْتَجَّ تَعالى بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّدْبِيرُ والتَّدَبُّرُ عِبارَةٌ عَنِ النَّظَرِ في عَواقِبِ الأُمُورِ وأدْبارِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: إلامَ تَدَبَّرُوا أعْجازَ أُمُورٍ قَدْ ولَّتْ صُدُورُها، ويُقالُ في فَصِيحِ الكَلامِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، أيْ لَوْ عَرَفْتُ في صَدْرِ أمْرِي ما عَرَفْتُ مِن عاقِبَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى احْتَجَّ بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إذْ لَوْ

صفحة ١٥٧

لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها البَتَّةَ، والعُلَماءُ قالُوا: دَلالَةُ القُرْآنِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أوَّلُها: فَصاحَتُهُ.

وثانِيها: اشْتِمالُهُ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ.

والثّالِثُ: سَلامَتُهُ عَنِ الِاخْتِلافِ، وهَذا هو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ سَلامَتِهِ عَنِ الِاخْتِلافِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَواطَئُونَ في السِّرِّ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى كانَ يُطْلِعُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ حالًا فَحالًا، ويُخْبِرُهُ عَنْها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وما كانُوا يَجِدُونَ في كُلِّ ذَلِكَ إلّا الصِّدْقَ، فَقِيلَ لَهم: إنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَما اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ، ولَظَهَرَ في قَوْلِ مُحَمَّدٍ أنْواعُ الِاخْتِلافِ والتَّفاوُتِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ كَبِيرٌ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَقَعَ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الكَلِماتِ المُتَناقِضَةِ، لِأنَّ الكِتابَ الكَبِيرَ الطَّوِيلَ لا يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢- ٢٣] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وآياتُ الجَبْرِ كالمُناقِضَةِ لِآياتِ القَدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] .

قُلْنا: قَدْ شَرَحْنا في هَذا التَّفْسِيرِ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا مُناقَضَةَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِنا: القُرْآنُ سَلِيمٌ عَنِ الِاخْتِلافِ: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ المُرادَ مِنهُ الِاخْتِلافُ في رُتْبَةِ الفَصاحَةِ، حَتّى لا يَكُونَ في جُمْلَتِهِ ما يُعَدُّ في الكَلامِ الرَّكِيكِ، بَلْ بَقِيَتِ الفَصاحَةُ فِيهِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في غايَةِ البَلاغَةِ ونِهايَةِ الفَصاحَةِ، فَإذا كَتَبَ كِتابًا طَوِيلًا مُشْتَمِلًا عَلى المَعانِي الكَبِيرَةِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ التَّفاوُتُ في كَلامِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَعْضُهُ قَوِيًّا مَتِينًا وبَعْضُهُ سَخِيفًا نازِلًا، ولَمّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمُعْجِزٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وضَرَبَ القاضِي لِهَذا مَثَلًا فَقالَ: إنَّ الواحِدَ مِنّا لا يُمْكِنُهُ أنْ يَكْتُبَ الطَّوامِيرَ الطَّوِيلَةَ بِحَيْثُ لا يَقَعُ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الحُرُوفِ خَلَلٌ ونُقْصانٌ، حَتّى لَوْ رَأيْنا الطَّوامِيرَ الطَّوِيلَةَ مَصُونَةً عَنْ مِثْلِ هَذا الخَلَلِ والنُّقْصانِ لَكانَ ذَلِكَ مَعْدُودًا في الإعْجازِ فَكَذا هَهُنا.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَعْلُومُ المَعْنى خِلافَ ما يَقُولُهُ مَن يَذْهَبُ إلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ مَعْناهُ إلّا النَّبِيُّ والإمامُ المَعْصُومُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما تَهَيَّأ لِلْمُنافِقِينَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ بِالتَّدَبُّرِ، ولَما جازَ أنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأنْ يَجْعَلَ القُرْآنَ حُجَّةً في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، ولا أنْ يَجْعَلَ عَجْزَهم عَنْ مِثْلِهِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، كَما لا يَجُوزُ أنْ يَحْتَجَّ عَلى كُفّارِ الزَّنْجِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وعَلى القَوْلِ بِفَسادِ التَّقْلِيدِ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُنافِقِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِهَذا الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وإذا كانَ لا بُدَّ في صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، فَبِأنْ يُحْتاجَ في مَعْرِفَةِ ذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ كانَ أوْلى.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ قَوْلَهُ

صفحة ١٥٨

تَعالى: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الِاخْتِلافِ، والِاخْتِلافُ والتَّفاوُتُ شَيْءٌ واحِدٌ، فَإذا كانَ فِعْلُ العَبْدِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الِاخْتِلافِ والتَّفاوُتِ، وفِعْلُ اللَّهِ لا يُوجَدُ فِيهِ التَّفاوُتُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لا يَكُونُ فِعْلًا لِلَّهِ.

والجَوابُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] مَعْناهُ نَفِيُ التَّفاوُتِ في أنَّهُ يَقَعُ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، فَإنَّ فِعْلَ غَيْرِهِ لا يَقَعُ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ عَلى الإطْلاقِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском