At-Tawbah 9:38
The Repentance · Juz 10 · Page 193
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨
O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.
1 translator’s note
- i.e., inclining toward the comforts of worldly life. ↩
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 9:38
صفحة ٤٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ مَعايِبَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وفَضائِحَهم، عادَ إلى التَّرْغِيبِ في مُقاتَلَتِهِمْ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآياتِ السّابِقَةِ أسْبابًا كَثِيرَةً مُوجِبَةً لِقِتالِهِمْ، وذَكَرَ مَنافِعَ كَثِيرَةً تَحْصُلُ مِن مُقاتَلَتِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٤] وذَكَرَ أقْوالَهُمُ المُنْكَرَةَ، وأعْمالَهُمُ القَبِيحَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا، وعِنْدَ هَذا لا يَبْقى لِلْإنْسانِ مانِعٌ مِن قِتالِهِمْ إلّا مُجَرَّدُ أنْ يَخافَ القَتْلَ ويُحِبَّ الحَياةَ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا المانِعَ خَسِيسٌ؛ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى سَعادَةِ الآخِرَةِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ، وتَرْكُ الخَيْرِ الكَثِيرِ، لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ جَهْلٌ وسَفَهٌ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَجَعَ مِنَ الطّائِفِ أقامَ بِالمَدِينَةِ وأمَرَ بِجِهادِ الرُّومِ، وكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ زَمانَ شِدَّةِ الحَرِّ، وطابَتْ ثِمارُ المَدِينَةِ وأيْنَعَتْ، واسْتَعْظَمُوا غَزْوَ الرُّومِ وهابُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: وإنَّما اسْتَثْقَلَ النّاسُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: شِدَّةُ الزَّمانِ في الصَّيْفِ والقَحْطِ.
وثانِيها: بُعْدُ المَسافَةِ والحاجَةُ إلى الِاسْتِعْدادِ الكَثِيرِ الزّائِدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في سائِرِ الغَزَواتِ.
وثالِثُها: إدْراكُ الثِّمارِ بِالمَدِينَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
ورابِعُها: شِدَّةُ الحَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
وخامِسُها: مَهابَةُ عَسْكَرِ الرُّومِ فَهَذِهِ الجِهاتُ الكَثِيرَةُ اجْتَمَعَتْ فاقْتَضَتْ تَثاقُلَ النّاسِ عَنْ ذَلِكَ الغَزْوِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ: اسْتَنْفَرَ الإمامُ النّاسَ لِجِهادِ العَدُوِّ فَنَفَرُوا يَنْفِرُونَ نَفْرًا ونُفُورًا، إذا حَثَّهم ودَعاهم إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«إذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» “ وأصْلُ النَّفْرِ الخُرُوجُ إلى مَكانٍ لِأمْرٍ واجِبٍ، واسْمُ ذَلِكَ القَوْمِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ النَّفِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهم: فُلانٌ لا في العِيرِ، ولا في النَّفِيرِ، وقَوْلُهُ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ، وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ ومَعْناهُ: تَباطَأْتُمْ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فادّارَأْتُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٧٢] وقَوْلُهُ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ﴾ [النَّمْلِ: ٤٧] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: وضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ فَعُدِّيَ بِإلى، والمَعْنى مِلْتُمْ إلى الدُّنْيا وشَهَواتِها، وكَرِهْتُمْ مَشاقَّ السَّفَرِ ومَتاعِبَهُ، ونَظِيرُهُ: ﴿أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعْرافِ: ١٧٦] وإنْ كانَ في الظّاهِرِ اسْتِفْهامًا إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ والمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنا المُوجِباتِ الكَثِيرَةَ الدّاعِيَةَ إلى القِتالِ، وقَدْ شَرَحْنا المَنافِعَ العَظِيمَةَ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ القِتالِ، وبَيَّنّا أنْواعَ فَضائِحِهِمْ وقَبائِحِهِمُ الَّتِي تَحْمِلُ العاقِلَ عَلى مُقاتَلَتِهِمْ، فَتَرَكْتُمْ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ، ألَيْسَ أنَّ مَعْبُودَكم يَأْمُرُكم بِمُقاتَلَتِهِمْ، وتَعْلَمُونَ أنَّ طاعَةَ المَعْبُودِ تُوجِبُ الثَّوابَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ ؟ فَهَلْ يَلِيقُ بِالعاقِلِ تَرْكُ الثَّوابِ العَظِيمِ في الآخِرَةِ، لِأجْلِ المَنفَعَةِ اليَسِيرَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا في الآخِرَةِ قَلِيلٌ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ في أنْفُسِها ومَشُوبَةٌ بِالآفاتِ والبَلِيّاتِ، ومُنْقَطِعَةٌ عَنْ قَرِيبٍ لا مَحالَةَ، ومَنافِعَ
صفحة ٤٩
الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ عالِيَةٌ خالِصَةٌ عَنْ كُلِّ الآفاتِ، ودائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ سَرْمَدِيَّةٌ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ مَتاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ حَقِيرٌ خَسِيسٌ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ في كُلِّ حالٍ، لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّ تَثاقُلَهم عَنِ الجِهادِ أمْرٌ مُنْكَرٌ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الجِهادُ واجِبًا لَما كانَ هَذا التَّثاقُلُ مُنْكَرًا، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الجِهادُ إنَّما يَجِبُ في الوَقْتِ الَّذِي يُخافُ هُجُومُ الكُفّارِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ يَخافُ هُجُومَ الرُّومِ عَلَيْهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أوْجَبَ الجِهادَ مَعَهم، ومَنافِعُ الجِهادِ مُسْتَقْصاةٌ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وأيْضًا هو واجِبٌ عَلى الكِفايَةِ، فَإذا قامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ مَعَ كُلِّ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُتَثاقِلِينَ في ذَلِكَ التَّكْلِيفِ، وذَلِكَ التَّثاقُلُ مَعْصِيَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى إطْباقِ كُلِّ الأُمَّةِ عَلى المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ.
الجَوابُ: أنَّ خِطابَ الكُلِّ لِإرادَةِ البَعْضِ مَجازٌ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ، وفي سائِرِ أنْواعِ الكَلامِ كَقَوْلِهِ:
إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةْ
Page 193
9:37
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
9:38
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨
O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.
1 translator’s note
- i.e., inclining toward the comforts of worldly life. ↩
9:39
إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩
If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.
9:40
إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠
If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.