Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Юнус 10:61–70
10:61Страница 215
وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٦١
Какой бы поступок ты ни совершал, что бы ты ни читал из Корана и что бы вы ни совершали, Мы наблюдаем за вами с самого начала. Ничто на земле и на небе не скроется от твоего Господа, будь оно даже весом в мельчайшую частицу, или меньше того, или больше того. Все это - в ясном Писании.
﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ أيْ: في أمْرٍ، مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ ﴿وَما تَتْلُو مِنهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ والظَّرْفِ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تِلاوَةً كائِنَةً مِنَ الشَّأْنِ إذْ هي مُعْظَمُ شُئُونِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لِلتَّنْزِيلِ، والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ، أوْ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، والَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قُرْآنٍ﴾ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أوِ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الثّانِي والثّالِثِ.
﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ إثْرَ تَخْصِيصِهِ بِمُقْتَدى الكُلِّ، وقَدْ رُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ، حَيْثُ ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ الأعْمالِ ما فِيهِ فَخامَةٌ وجَلالَةٌ، وثانِيًا ما يَتَناوَلُ الجَلِيلَ والحَقِيرَ.
﴿إلا (p-158)كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ أحْوالِ المُخاطَبِينَ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ، أيْ: ما تُلابِسُونَ بِشَيْءٍ مِنها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِنا رُقَباءَ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ حافِظِينَ لَهُ ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَخُوضُونَ وتَنْدَفِعُونَ فِيهِ، وأصْلُ الإفاضَةِ الِانْدِفاعُ بِكَثْرَةٍ أوْ بِقُوَّةٍ، وحَيْثُ أُرِيدَ بِالأفْعالِ السّابِقَةِ الحالَةُ المُسْتَمِرَّةُ الدّائِمَةُ المُقارَنَةُ لِلزَّمانِ الماضِي - أيْضًا - أُوثِرَ في الِاسْتِثْناءِ صِيغَةُ الماضِي، وفي الظَّرْفِ كَلِمَةُ إذِ الَّتِي تُفِيدُ المُضارِعَ مَعْنى الماضِي.
﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ أيْ: لا يَبْعُدُ ولا يَغِيبُ عَلى عِلْمِهِ الشّامِلِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مِنَ الإشْعارِ بِاللُّطْفِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الزّايِ ﴿مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ كَلِمَةُ "مِن" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: ما يَعْزُبُ عَنْهُ ما يُساوِي في الثِّقَلِ نَمْلَةً صَغِيرَةً أوْ هَباءً ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: في دائِرَةِ الوُجُودِ والإمْكانِ، فَإنَّ العامَّةَ لا تَعْرِفُ سِواهُما مُمْكِنًا لَيْسَ عَلى أحَدِهِما، أوْ مُتَعَلِّقًا بِهِما، وتَقْدِيمُ الأرْضِ لِأنَّ الكَلامَ في حالِ أهْلِها، والمَقْصُودُ إقامَةُ البُرْهانِ عَلى إحاطَةِ علمه تعالى بِتَفاصِيلِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كَلامٌ بِرَأْسِهِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ و"لا" نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، و(أصْغَرَ) اسْمُها، و(فِي كِتابٍ) خَبَرُها، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، و(مِن) عَطْفٌ عَلى لَفْظِ (مِثْقالِ ذَرَّةٍ) وجُعِلَ الفَتْحُ بَدَلَ الكَسْرِ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ، أوْ عَلى مَحَلِّهِ مَعَ الجارِّ جُعِلَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ شَيْءٌ ما لَكِنْ جَمِيعُ الأشْياءِ في كِتابٍ مُبِينٍ، فَكَيْفَ يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، ويَعْزُبُ بِمَعْنى: يَبِينُ ويَصْدُرُ، والمَعْنى لا يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى شَيْءٌ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ، والمُرادُ بِالكِتابِ المُبِينِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
10:62Страница 216
أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢
Воистину, угодники Аллаха не познают страха и не будут опечалены.
﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ بَيانٌ عَلى وجْهِ التَّبْشِيرِ والوَعْدِ لِما هو نَتِيجَةٌ لِأعْمالِ المُؤْمِنِينَ، وغايَةٌ لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِ تَعالى مُهَيْمِنًا عَلى نَبِيِّهِ ﷺ وأُمَّتِهِ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِجَمِيعِ ما في السَّماءِ والأرْضِ، وكَوْنِ الكُلِّ مُثْبَتًا في الكِتابِ المُبِينِ بَعْدَما أُشِيرَ إلى فَظاعَةِ حالِ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، وما سَيَعْتَرِيهِمْ مِنَ الهَوْلِ إشارَةً إجْمالِيَّةً عَلى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِها، والوَلِيُّ لُغَةً القَرِيبُ، والمُرادُ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: خُلَّصُ المُؤْمِنِينَ لِقُرْبِهِمُ الرُّوحانِيِّ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، كَما سَيُفْصِحُ عَنْهُ تَفْسِيرُهم ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الدّارَيْنِ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ، أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ، ولا أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِمْ خَوْفٌ وحُزْنٌ أصْلًا، بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى النَّشاطِ والسُّرُورِ، كَيْفَ لا واسْتِشْعارُ الخَوْفِ والخَشْيَةِ اسْتِعْظامًا لِجَلالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وهَيْبَتِهِ واسْتِقْصارًا لِلْجِدِّ والسَّعْيِ في إقامَةِ حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ مِن خَصائِصِ الخَواصِّ والمُقَرَّبِينَ؟ والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما، كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ النَّفْيَ إنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ والدَّوامَ بِحَسَبِ المَقامِ، وإنَّما يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَقْصِدَهم لَيْسَ إلّا طاعَةُ اللَّهِ تَعالى، ونَيْلُ رِضْوانِهِ المُسْتَتْبِعِ لِلْكَرامَةِ والزُّلْفى، وذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ في حُصُولِهِ ولا احْتِمالَ لِفَواتِهِ بِمُوجِبِ الوَعْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ المُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الحُصُولِ والفَواتِ فَهي بِمَعْزِلٍ مِنَ الِانْتِظامِ في سِلْكِ مَقْصِدِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا حَتّى يَخافُوا مِن حُصُولِ (p-159)ضارِّها، أوْ يَحْزَنُوا بِفَواتِ نافِعِها.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِكُلِّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَقُونَ أنْفُسَهم عَمّا يَحِقُّ وِقايَتُها عَنْهُ مِنَ الأفْعالِ والتُّرُوكِ وِقايَةً دائِمَةً، حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لَهم وإشارَةٌ إلى ما بِهِ نالُوا ما نالُوا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ المَبْنِيِّ عَلى السُّؤالِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أُولَئِكَ وما سَبَبُ فَوْزِهِمْ بِتِلْكَ الكَرامَةِ، فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ والتَّقْوى المُفْضِيَيْنِ إلى كُلِّ خَيْرٍ، المُنْحِيَيْنِ عَنْ كُلِّ شَرٍّ، وقِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ عَلى المَدْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ وصْفٌ مادِحٌ لِلْأوْلِياءِ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ تَوَسُّطُ الخَبَرِ.
والمُرادُ بِالتَّقْوى: المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ مِنها الجامِعَةُ لِما تَحْتَها مِن مَرْتَبَةِ التَّوَقِّي عَنِ الشِّرْكِ الَّتِي يُفِيدُها الإيمانُ أيْضًا، ومَرْتَبَةِ التَّجَنُّبِ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ، أعْنِي تَنَزُّهَ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ والتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وهي التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المَأْمُورُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ وبِهِ يَحْصُلُ الشُّهُودُ والحُضُورُ والقُرْبُ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِ، وهَكَذا كانَ حالُ مَن دَخَلَ مَعَهُ ﷺ تَحْتَ الخِطابِ، بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ (وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ)﴾ خَلا أنَّ لَهم في شَأْنِ التَّبَتُّلِ والتَّنَزُّهِ دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةً حَسَبَ تَفاوُتِ دَرَجاتِ اسْتِعْداداتِهِمُ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الأبِيَّةِ، أقْصاها ما انْتَهى إلَيْهِ هِمَمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، حَتّى جَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ رِياسَتَيِ النُّبُوَّةِ والوِلايَةِ، ولَمْ يَعُقْهُمُ التَّعَلُّقُ بِعالَمِ الأشْباحِ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في عالَمِ الأرْواحِ، ولَمْ تَصُدُّهُمُ المُلابَسَةُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى جَنابِ الحَقِّ، لِكَمالِ اسْتِعْدادِ نُفُوسِهِمُ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ، فَمَلاكُ أمْرِ الوِلايَةِ هو التَّقْوى المَذْكُورُ، فَأوْلِياءُ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، ويَقْرُبُ مِنهُ ما قِيلَ مِن أنَّهُمُ الَّذِينَ تَوَلّى اللَّهُ هِدايَتَهم بِالبُرْهانِ، وتَوَلَّوُا القِيامَ بِحَقِّ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى والدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ولا يُخالِفُهُ ما قِيلَ مِن أنَّهُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ بِرُؤْيَتِهِمْ، لِما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: مَن أوْلِياءُ اللَّهِ؟ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ يُذْكَرُ اللَّهُ بِرُؤْيَتِهِمْ"» أيْ: بِسَمْتِهِمْ وإخْباتِهِمْ وسِكِينَتِهِمْ، ولا ما قِيلَ مِن أنَّهُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ، لِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ" قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَلَعَلَّنا نُحِبُّهُمْ، قالَ: "هم قَوْمٌ تَحابُّوا في اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ مِنهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها، فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُورٍ، لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ".»
فَإنَّ ما ذُكِرَ مِن حُسْنِ السَّمْتِ والسَّكِينَةِ المُذَكِّرَةِ لِلَّهِ تَعالى، والتَّحابِّ في اللَّهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأحْكامِ الدُّنْيَوِيَّةِ اللّازِمَةِ لِلْإيمانِ والتَّقْوى والآثارِ الخاصَّةِ بِهِما الحَقِيقَةُ بِالتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، لِظُهُورِها وقُرْبِها مِن أفْهامِ النّاسِ.
قَدْ أوْرَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلًّا مِن ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الإرْشادِ والتَّذْكِيرِ تَرْغِيبًا لِلسّائِلِينَ أوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الحاضِرِينَ فِيما خَصَّهُ بِالذِّكْرِ هُناكَ مِن أحْكامِهِما، فَلَعَلَّ الحاضِرِينَ أوَّلًا كانُوا مُحْتاجِينَ إلى إصْلاحِ الحالِ مِن جِهَةِ الأقْوالِ والأفْعالِ والمَلابِسِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والحاضِرِينَ ثانِيًا مُفْتَقِرِينَ إلى تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ وعَطْفِها نَحْوَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا عَلاقَةَ بَيْنَهم وبَيْنَهم مِن جِهَةِ النَّسَبِ والقَرابَةِ، وتَأْكِيدِ ما بَيْنَهم مِنَ الأُخُوَّةِ (p-160)الدِّينِيَّةِ بِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِها، ورِفْعَةِ مَكانَتِها، وحُسْنِ عاقِبَتِها؛ لِيُراعُوا حُقُوقَها، ويَهْجُرُوا مَن لا يُوافِقُهم في الدِّينِ مِن أرْحامِهِمْ.
وَأمّا ما ذُكِرَ مِن أنَّهُ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ فَتَصْوِيرٌ لِحُسْنِ حالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّثْمِيلِ، قالَ الكَواشِيُّ: وهَذا مُبالَغَةٌ، والمَعْنى: لَوْ فُرِضَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَكانُوا هَؤُلاءِ، وقِيلَ: أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ بِالطّاعَةِ ويَتَوَلّاهم بِالكَرامَةِ، وجُعِلَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ" تَفْسِيرًا لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ تَعالى، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
10:64Страница 216
لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٤
Им предназначена радостная весть в этом мире и в Последней жизни. Слова Аллаха не подлежат отмене. Это - великое преуспеяние.
﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَفْسِيرًا لِتَوَلِّيهِ تَعالى إيّاهُمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ اعْتِبارَ القَيْدِ الأخِيرِ في مَفْهُومِ الوِلايَةِ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ تَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِها، والثَّباتِ عَلَيْها، وبِشارَتِهِمْ بِآثارِها، ونَتائِجِها، بَلْ مُخِلٌّ بِذَلِكَ؛ إذِ التَّحْصِيلُ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَقْدُورِ، والِاسْتِبْشارُ لا يَحْصُلُ إلّا بِما عُلِمَ وُجُودُ سَبَبِهِ، والقَيْدُ المَذْكُورُ لَيْسَ بِمَقْدُورٍ لَهم حَتّى يُحَصِّلُوا الوِلايَةَ بِتَحْصِيلِهِ، ولا بِمَعْلُومٍ لَهم عِنْدَ حُصُولِهِ حَتّى يَعْرَفُوا حُصُولَ الوِلايَةِ لَهُمْ، ويَسْتَبْشِرُوا بِمَحاسِنِ آثارِها، بَلِ التَّوَلِّي بِالكَرامَةِ عَيْنُ نَتِيجَةِ الوِلايَةِ، فاعْتِبارُهُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ، ثُمَّ الإخْبارُ بِعَدَمِ الخَوْفِ والحُزْنِ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، فالَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظْمُهُ الكَرِيمُ أنَّ الأوَّلَ تَفْسِيرٌ لِلْأوْلِياءِ حَسْبَما شُرِحَ، والثّانِيَ بَيانٌ لِما أوْلاهم مِن خَيْراتِ الدّارَيْنِ بَعْدَ بَيانِ إنْجائِهِمْ مِن شُرُورِهِما ومَكارِهِهِما، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ لَهم وراءَ ذَلِكَ مِن نِعْمَةٍ وكَرامَةٍ، فَقِيلَ: لَهم ما يَسُرُّهم في الدّارَيْنِ، وتَقْدِيمُ الأوَّلِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ سابِقَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ حَقِّ المُقابَلَةِ بَيْنَ حُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ وسُوءِ حالِ المُفْتَرِينَ.
وَتَعْجِيلُ إدْخالِ المَسَرَّةِ بِتَبْشِيرِ الخَلاصِ عَنِ الأهْوالِ، وتَوْسِيطِ البَيانِ السّابِقِ بَيْنَ بِشارَةِ الخَلاصِ عَنِ المَحْذُورِ وبِشارَةِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ؛ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَفْسِيرِ الأوْلِياءِ، مَعَ الإيذانِ بِأنَّ انْتِفاءَ الخَوْفِ والحُزْنِ لِاتِّقائِهِمْ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِما مِنَ الأسْبابِ.
والبُشْرى مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبَشَّرُ بِهِ مِنَ الخَيْراتِ العاجِلَةِ، كالنَّصْرِ، والفَتْحِ، والغَنِيمَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، والآجِلَةِ الغَنِيَّةِ عَنِ البَيانِ، وإيثارُ الإبْهامِ والإجْمالِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ وراءَ البَيانِ والتَّفْصِيلِ، والظَّرْفانِ في مَوْقِعِ الحالِ مِنهُ، والعامِلُ ما في الخَبَرِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، أيْ: لَهُمُ البُشْرى حالَ كَوْنِها في الحَياةِ الدُّنْيا، وحالَ كَوْنِها في الآخِرَةِ، أيْ: عاجِلَةً وآجِلَةً، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ في الحَياةِ... إلَخْ.
وَمِنَ البُشْرى العاجِلَةِ الثَّناءُ الحَسَنُ، والذِّكْرُ الجَمِيلُ، ومَحَبَّةُ النّاسِ، «عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ العَمَلَ لِلَّهِ ويُحِبُّهُ النّاسُ، فَقالَ ﷺ: «تِلْكَ عاجِلُ بُشْرى المُؤْمِنِ».»
هَذا، وقِيلَ: البُشْرى مَصْدَرٌ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أمّا البُشْرى في الدُّنْيا فَهي البِشاراتُ الواقِعَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الكِتابِ المُبِينِ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««هِيَ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أوْ تُرى لَهُ»» وعَنْهُ ﷺ: ««ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ»» وعَنْ عَطاءٍ: (لَهُمُ البُشْرى) عِنْدَ المَوْتِ، تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالرَّحْمَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ﴾ .
وَأمّا البُشْرى في الآخِرَةِ: فَتَلَقِّي المَلائِكَةِ إيّاهم مُسْلِمِينَ مُبَشَّرِينَ بِالفَوْزِ والكَرامَةِ، وما يَرَوْنَ مِن بَياضِ وُجُوهِهِمْ وإعْطاءِ الصَّحائِفِ بِأيْمانِهِمْ، وما يَقْرَءُونَ مِنها، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ، فَتَكُونُ هَذِهِ بِشارَةً بِما سَيَقَعُ مِنَ البِشاراتِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ المَطْلُوبَةِ لِغاياتِها لا لِذَواتِها، ولا يَخْفي أنَّ صَرْفَ البِشارَةِ النّاجِزَةِ (p-161)عَنِ المَقاصِدِ بِالذّاتِ إلى وسائِلِها مِمّا لا يُساعِدُهُ جَلالَةُ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ.
﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ لا تَغْيِيرَ لِأقْوالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَواعِيدُهُ الوارِدَةُ بِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ، فَيَدْخُلُ فِيها البِشاراتُ الوارِدَةُ هَهُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَثْبُتُ امْتِناعُ الإخْلافِ فِيها ثُبُوتًا قَطْعِيًّا، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالبُشْرى الرُّؤْيا الصّالِحَةُ، فالمُرادُ بِعَدَمِ تَبْدِيلِ كَلِماتِهِ تَعالى لَيْسَ عَدَمُ الخُلْفِ بَيْنَها وبَيْنَ نَتائِجِها الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، بَلْ عَدَمُ الخُلْفِ بَيْنَها وبَيْنَ ما دَلَّ عَلى ثُبُوتِها ووُقُوعِها فِيما سَيَأْتِي بِطَرِيقِ الوَعْدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَهُمُ البُشْرى" فَتَدَبَّرْ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ لَهُمُ البُشْرى في الدّارَيْنِ ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وفِيهِ تَفْسِيرٌ لِما أُبْهِمَ فِيما سَبَقَ، وهاتِيكَ الجُمْلَةُ والَّتِي قَبْلَها اعْتِراضٌ لِتَحْقِيقِ المُبَشَّرِ بِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، ولَيْسَ مِن شَرْطِهِ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أوْ هَذِهِ تَذْيِيلٌ والسّابِقَةُ اعْتِراضٌ.
10:65Страница 216
وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٥
Пусть тебя не печалит то, что они говорят, ибо могущество целиком принадлежит Аллаху. Он - Слышащий, Знающий.
﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَمّا كانَ يَلْقاهُ مِن جِهَتِهِمْ مِنَ الأذِيَّةِ النّاشِئَةِ عَنْ مَقالاتِهِمُ المُوحِشَةِ، وتَبْشِيرٌ لَهُ ﷺ بِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَنْصُرُهُ ويُعِزُّهُ عَلَيْهِمْ، إثْرَ بَيانِ أنَّ لَهُ ولِأتْباعِهِ أمْنًا مِن كُلِّ مَحْذُورٍ وفَوْزًا بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، وقُرِئَ (وَلا يُحْزِنُكَ) مِن أحْزَنَهُ، وهو في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ ﷺ عَنِ الحُزْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ بِقَوْلِهِمْ ولا تُبالِ بِتَكْذِيبِهِمْ وتَشاوُرِهِمْ في تَدْبِيرِ هَلاكِكَ، وإبْطالِ أمْرِكَ وسائِرِ ما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ في شَأْنِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وإنَّما وُجِّهَ النَّهْيُ إلى قَوْلِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في نَهْيِهِ ﷺ عَنِ الحُزْنِ، لِما أنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّأْثِيرِ نَهْيٌ عَنِ التَّأثُّرِ بِأصْلِهِ، ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ، وقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى اللّازِمِ، والمُرادُ: هو النَّهْيُ عَنِ المَلْزُومِ، كَما في قَوْلِكَ: لا أُرَيَنَّكَ هَهُنا، وتَخْصِيصُ النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ بِالإيرادِ مَعَ شُمُولِ النَّفْيِ السّابِقِ لِلْحُزْنِ أيْضًا؛ لِما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ﷺ شائِبَةُ خَوْفٍ حَتّى يُنْهى عَنْهُ، ورُبَّما كانَ يَعْتَرِيهِ ﷺ في بَعْضِ الأوْقاتِ نَوْعُ حُزْنٍ فَسُلِّيَ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ العِزَّةَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ، أيِ: الغَلَبَةَ والقَهْرَ ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: في مَلَكَتِهِ وسُلْطانِهِ لا يَمْلِكُ أحَدٌ شَيْئًا مِنها أصْلًا لا هم ولا غَيْرُهُمْ، فَهو يَقْهَرُهم ويَعْصِمُكَ مِنهم ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ فَهي مِن جُمْلَةِ المُبَشِّراتِ العاجِلَةِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ (أنَّ) عَلى صَرِيحِ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ في حَقِّكَ، ويَعْلَمُ ما يَعْزِمُونَ عَلَيْهِ، وهو مُكافِئُهم بِذَلِكَ.
10:66Страница 216
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦
Воистину, Аллаху принадлежат те, кто на небесах, и те, кто на земле. Чему же следуют те, которые поклоняются помимо Аллаха другим божествам. Они следуют лишь предположениям и только измышляют.
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ أيِ: العُقَلاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم مَعَ شَرَفِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ إذا كانُوا عَبِيدًا لَهُ سُبْحانَهُ مَقْهُورِينَ تَحْتَ قَهْرِهِ ومَلَكَتِهِ فَما عَداهم مِنَ المَوْجُوداتِ أوْلى بِذَلِكَ، وهو مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِما سَبَقَ مِنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِاللَّهِ تَعالى المُوجِبِ لِسَلْوَتِهِ ﷺ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِالمُشْرِكِينَ وبِمَقالاتِهِمْ تَمْهِيدٌ لِما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾ وبُرْهانٌ عَلى بُطْلانِ (p-162)ظُنُونِهِمْ وأعْمالِهِمُ المَبْنِيَّةِ عَلَيْها، و"ما" إمّا نافِيَةٌ، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولُ "يَتَّبِعُ" ومَفْعُولُ "يَدْعُونَ" مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ: ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ في الحَقِيقَةِ، وإنْ سَمَّوْها شُرَكاءَ فاقْتُصِرَ عَلى أحَدِهِما لِظُهُورِ دَلالَتِهِ عَلى الآخَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ مَفْعُولَ "يَدْعُونَ" ويَكُونَ مَفْعُولُ "يَتَّبِعُ" مَحْذُوفًا لِانْفِهامِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ أيْ: ما يَتَّبِعُونَ يَقِينًا، إنَّما يَتَّبِعُونَ ظَنَّهُمُ الباطِلَ، وإمّا مَوْصُولَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "مِن" كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّهِ ما يَتَّبِعُهُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ، أيْ: ولَهُ شُرَكاؤُهم.
وَتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمْ فِيما سَبَقَ عِبارَةٌ أوْ دَلالَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ بُطْلانِ اتِّباعِهِمْ، وفَسادِ ما بَنَوْهُ عَلَيْهِ مِن ظَنِّهِمْ شُرَكاءَهم مَعْبُودِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَبِيدًا لَهُ سُبْحانَهُ، وإمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُونَ، أيْ: لا يَتَّبِعُونَ شَيْئًا ما يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ والحالَ الباطِلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ ... إلَخْ.
وَقُرِئَ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ الَّذِينَ تَدْعُونَهم شُرَكاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، تَقْرِيرًا لِكَوْنِهِمْ مُتَّبِعِينَ لِلَّهِ تَعالى مُطِيعِينَ لَهُ، وتَوْبِيخًا لَهم عَلى عَدَمِ اقْتِدائِهِمْ بِهِمْ في ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ ثُمَّ صُرِفَ الكَلامُ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، فَقِيلَ: إنْ يَتَّبِعُ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ إلّا الظَّنَّ ولا يَتَّبِعُونَ ما يَتَّبِعُهُ المَلائِكَةُ والنَّبِيُّونَ مِنَ الحَقِّ ﴿وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ يَكْذِبُونَ فِيما يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ويَحْزِرُونَ ويُقَدِّرُونَ أنَّهم شُرَكاءُ تَقْدِيرًا باطِلًا.
10:67Страница 216
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٧
Он - Тот, Кто сотворил для вас ночь, чтобы вы отдыхали в течение нее, и день для освещения. Воистину, в этом - знамения для тех, кто внимает.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ والنِّعْمَةِ الشّامِلَةِ لِيَدُلَّهم عَلى تَوَحُّدِهِ سُبْحانَهُ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، وتَقْرِيرٌ لِما سَلَفَ مِن كَوْنِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ المُمْكِنَةِ تَحْتَ قدرته ومَلَكَتِهِ المُفْصِحِ عَنِ اخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، والجَعْلُ إنْ كانَ بِمَعْنى الإبْداعِ والخَلْقِ فَـ(مُبْصِرًا) حالٌ، وإلّا فَـ"لَكُمْ" مَفْعُولُهُ الثّانِي، أوْ هو حالٌ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، والمَفْعُولُ الثّانِي "لِتَسْكُنُوا فِيهِ"، أوْ هو مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، كَما أنَّ العِلَّةَ الغائِيَّةَ مِنها مَحْذُوفَةٌ اعْتِمادًا عَلى ما في الأُولى.
والتَّقْدِيرُ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، والنَّهارَ مُبْصِرًا لِتَتَحَرَّكُوا فِيهِ لِمَصالِحِكُمْ، كَما سَيَجِيءُ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ ... الآيَةَ، فَحُذِفَ في كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الجانِبَيْنِ ما ذُكِرَ في الآخَرِ اكْتِفاءً بِالمَذْكُورِ عَنِ المَتْرُوكِ، وإسْنادُ الإبْصارِ إلى النَّهارِ مَجازِيٌّ، كالَّذِي فِي: (نَهارُهُ صائِمٌ).
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: في جَعْلِ كُلٍّ مِنهُما - كَما وُصِفَ - أوْ فِيهِما، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ المُشارِ إلَيْهِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ ﴿لآياتٍ﴾ عَجِيبَةً كَثِيرَةً، أوْ آياتٍ أُخَرَ غَيْرَ ما ذُكِرَ ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ الآياتِ المَتْلُوَّةَ ونَظائِرَها المُنَبِّهَةَ عَلى تِلْكَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآمِرَةِ بِالتَّأمُّلِ فِيها سَماعَ تَدَبُّرٍ واعْتِبارٍ فَيَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاها، وتَخْصِيصُ الآياتِ بِهِمْ - مَعَ أنَّها مَنصُوبَةٌ لِمَصْلَحَةِ الكُلِّ - لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.
10:68Страница 216
قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨
Они говорят: «Аллах взял себе сына». Пречист Он! Он богат, и Ему принадлежит то, что на небесах, и то, что на земле. Нет у вас никакого доказательства этому. Неужели вы наговариваете на Аллаха то, чего вы не знаете?
﴿قالُوا﴾ شُرُوعٌ في ذِكْرِ ضَرْبٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ وبَيانِ بُطْلانِهِ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ (p-163)أيْ: تَبَنّاهُ ﴿سُبْحانَهُ﴾ تَنْزِيهٌ وتَقْدِيسُ لَهُ عَمّا نَسَبُوا إلَيْهِ، وتَعْجِيبٌ مِن كَلِمَتِهِمُ الحَمْقاءِ ﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾ عَلى الإطْلاقِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ في كُلِّ شَيْءٍ، وهو عِلَّةٌ لِتَنْزِيهِهِ سُبْحانَهُ، وإيذانٌ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ مِن أحْكامِ الحاجَةِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، تَقْرِيرٌ لِغِناهُ، وتَحْقِيقٌ لِمالِكِيَّتِهِ تَعالى لِكُلِّ ما سِواهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ: حُجَّةٍ ﴿بِهَذا﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمُ الباطِلِ، تَوْضِيحٌ لِبُطْلانِهِ بِتَحْقِيقِ سَلامَةِ ما أُقِيمَ مِنَ البُرْهانِ السّاطِعِ عَنِ المَعارِضِ فَـ"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وهو مُبْتَدَأٌ، والظَّرْفُ المُقَدَّمُ خَبَرُهُ، أوْ مُرْتَفَعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى النَّفْيِ، و"بِهَذا" مُتَعَلِّقٌ إمّا بِـ"سُلْطانٍ" لِأنَّهُ بِمَعْنى الحُجَّةِ والبُرْهانِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ، وإمّا بِما في (عِنْدَكُمْ) مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ عِنْدَكم في هَذا القَوْلِ مِن سُلْطانٍ، والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِمَزِيدِ المُبالَغَةِ في الإلْزامِ والإفْحامِ، وتَأْكِيدِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى جَهْلِهِمْ واخْتِلافِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَقالَةٍ لا دَلِيلَ عَلَيْها فَهي جَهالَةٌ، وأنَّ العَقائِدَ لا بُدَّ لَها مِن بُرْهانٍ قَطْعِيٍّ، وأنَّ التَّقْلِيدَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاعْتِدادِ بِهِ.
10:69Страница 216
قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩
Скажи: «Воистину, те, которые возводят навет на Аллаха, не преуспеют!».
﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُبَيِّنَ لَهم سُوءَ مَغَبَّتِهِمْ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ فَيَدْخُلُ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ الِافْتِراءِ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ أيْ: لا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ أصْلًا، وتَخْصِيصُ عَدَمِ النَّجاةِ والفَوْزِ بِما يَنْدَرِجُ في ذَلِكَ مِن عَدَمِ النَّجاةِ مِنَ النّارِ وعَدَمِ الفَوْزِ بِالجَنَّةِ - لا يُناسِبُ مَقامَ المُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.
10:70Страница 216
مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
Они попользуются мирскими благами, а затем вернутся к Нам. И тогда Мы дадим им вкусить тяжкие мучения за то, что они не уверовали.
﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما يَتَراءى فِيهِمْ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِن نَيْلِ المَطالِبِ والفَوْزِ بِالحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ - أوْ في ضِمْنِ افْتِرائِهِمْ - بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الفَلاحِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ لا يُفْلِحُونَ وهم في غِبْطَةٍ ونَعِيمٍ؟ فَقِيلَ: هو مَتاعٌ يَسِيرٌ في الدُّنْيا ولَيْسَ بِفَوْزٍ بِالمَطْلُوبِ، ثُمَّ أُشِيرَ إلى انْتِفاءِ النَّجاةِ عَنِ المَكْرُوهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ.
﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فَيَبْقَوْنَ في الشَّقاءِ المُؤَبَّدِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ، أوْ بِكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا فَأيْنَ هم مِنَ الفَلاحِ، وقِيلَ: المُبْتَدَأُ المَحْذُوفُ حَياتُهُمْ، أوْ تَقَلُّبُهُمْ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ افْتِراؤُهم ولا يَخْفي أنَّ المَتاعَ إنَّما يُطْلَقُ عَلى ما يَكُونُ مَطْبُوعًا عِنْدَ النَّفْسِ، مَرْغُوبًا فِيهِ في نَفْسِهِ، يُتَمَتَّعُ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وإنَّما عَدَمُ الِاعْتِدادِ بِهِ لِسُرْعَةِ زَوالِهِ، ونَفْسُ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أقْبَحُ القَبائِحِ عِنْدَ النَّفْسِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَطْبُوعًا عِنْدَها، وعَدُّهُ كَذَلِكَ بِاعْتِبارِ إجْراءِ حُكْمِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن رِياسَتِهِمْ عَلَيْهِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ فالوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ ما قِيلَ: إنَّ المَحْذُوفَ هو الخَبَرُ، أيْ: لَهم مَتاعٌ، والآيَةُ إمّا مَسُوقَةٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى لِتَحْقِيقِ عَدَمِ إفْلاحِهِمْ غَيْرُ داخِلَةٍ في الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ إلَيْنا" وقَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ نُذِيقُهُمُ" وإمّا داخِلَةٌ فِيهِ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَأْمُورٌ بِنَقْلِهِ وحِكايَتِهِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ.(p-164)
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии