Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Ан-Нахль 16:23–36
16:23Страница 269
لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣
Несомненно, Аллах знает то, что вы утаиваете, и то, что вы обнародуете. Воистину, Он не любит высокомерных.
﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ: حَقًّا. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ هُودٍ.
﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ مِن إنْكارِ قُلُوبِهِمْ ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ مِنِ اسْتِكْبارِهِمْ، وقَوْلِهِمْ لِلْقُرْآنِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن قَبائِحِهِمْ فَيُجازِيهِمْ بِذَلِكَ، ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ مِنَ الوَعِيدِ، أيْ: لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ عَنِ التَّوْحِيدِ، أوْ عَنِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْها، أوْ (p-107)لا يُحِبُّ جِنْسَ المُسْتَكْبِرِينَ، فَكَيْفَ بِمَنِ اسْتَكْبَرَ عَمّا ذُكِرَ؟
16:24Страница 269
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
Когда им говорят: «Что ниспослал вам Господь?». - они говорят: «Это - легенды древних народов!».
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ المُنْكِرِينَ المُسْتَكْبِرِينَ، وهو بَيانٌ لِإضْلالِهِمْ غِبَّ بَيانِ ضَلالِهِمْ.
﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ القائِلُ الوافِدُونَ عَلَيْهِمْ، أوِ المُسْلِمُونَ، أوْ بَعْضٌ مِنهم عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ. و"ماذا" مَنصُوبٌ بِما بَعْدَهُ، أوْ مَرْفُوعٌ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ أنْزَلَ؟، أوْ ما الَّذِي أنْزَلَهُ؟
﴿قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: ما تَدَّعُونَ نُزُولَهُ. والمُنْزَلُ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ أحادِيثُ الأوَّلِينَ، وأباطِيلُهُمْ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ. قِيلَ: هَؤُلاءِ القائِلُونَ هُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ، يُنَفِّرُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ سُؤالِ وُفُودِ الحاجِّ عَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ.
16:25Страница 269
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
Пусть они понесут свою ношу целиком в Последний день, а также ношу тех невежд, которых они ввели в заблуждение. Как же отвратительна их ноша!
﴿لِيَحْمِلُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا، أيْ: قالُوا ما قالُوا لِيَحْمِلُوا ﴿أوْزارَهُمْ﴾ الخاصَّةَ بِهِمْ، وهي أوْزارُ ضَلالِهِمْ ﴿كامِلَةً﴾ لَمْ يُكَفَّرْ مِنها شَيْءٌ بِنَكْبَةٍ أصابَتْهم في الدُّنْيا، كَما يُكَفَّرُ بِها أوْزارُ المُؤْمِنِينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِيَحْمِلُوا ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ وبَعْضِ أوْزارِ مَن ضَلَّ بِإضْلالِهِمْ. وهو وِزْرُ الإضْلالِ؛ لِأنَّهُما شَرِيكانِ هَذا يُضِلُّهُ، وهَذا يُطاوِعُهُ، فَيَتَحامَلانِ الوِزْرَ. و "اللّامُ" لِلتَّعْلِيلِ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ غَرَضًا. وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الإضْلالِ، أوْ بِاعْتِبارِ حالِ قَوْلِهِمْ لا حالِ الحَمْلِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أيْ: يُضِلُّونَهم غَيْرَ عالِمِينَ بِأنَّ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ طَرِيقٌ الضَّلالِ، وأمّا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى غَيْرَ عالِمِينَ بِأنَّهم يَحْمِلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْزارَ الضَّلالِ والإضْلالِ عَلى أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ قالُوا، وتَأْيِيدُهُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ مَن حَمَلَ ما ذُكِرَ مِن أوْزارِ الضَّلالِ والإضْلالِ مِن قَبِيلِ إتْيانِ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَيَرُدُّهُ أنَّ الحَمْلَ المَذْكُورَ إنَّما هو يَوْمَ القِيامَةِ، والعَذابَ المَذْكُورَ إنَّما هو العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ. أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: يُضِلُّونَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّهم ضُلّالٌ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِها الإشْعارُ بِأنَّ مَكْرَهم لا يَرُوجُ عِنْدَ ذِي لُبٍّ، وإنَّما يَتْبَعُهُمُ الأغْبِياءُ والجَهَلَةُ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ جَهْلَهم ذَلِكَ لا يَكُونُ عُذْرًا إذْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَبْحَثُوا، ويُمَيِّزُوا بَيْنَ المُحِقِّ الحَقِيقِ بِالِاتِّباعِ، وبَيْنَ المُبْطِلِ.
﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونُهُ ما ذُكِرَ.
16:26Страница 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Козни строили еще те, которые жили до них, но Аллах разрушил основание их строения. Крыша обрушилась на них сверху, и мучения постигли их оттуда, откуда они их не ожидали.
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وعِيدٌ لَهم بِرُجُوعِ غائِلَةِ مَكْرِهِمْ إلى أنْفُسِهِمْ، كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّذِينَ أصابَهم ما أصابَهم مِنَ العَذابِ العاجِلِ، أيْ: قَدْ سَوَّوْا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها رُسُلَ اللَّهِ تَعالى، ﴿فَأتى اللَّهُ﴾ أيْ: أمْرُهُ وحُكْمُهُ ﴿بُنْيانَهُمْ﴾ وقُرِئَ: (بَيْتَهُمْ) و (بُيُوتَهُمْ) ﴿مِنَ القَواعِدِ﴾ وهي الأساطِينُ الَّتِي تُعْمِدُهُ أوْ أساسُهُ فَضُعْضِعَتْ أرْكانُهُ، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: سَقَطَ عَلَيْهِمْ سَقْفُ بُنْيانِهِمْ. إذْ لا يُتَصَوَّرُ لَهُ القِيامُ (p-108)بَعْدَ تَهَدُّمِ القَواعِدِ، شُبِّهَتْ حالُ أُولَئِكَ الماكِرِينَ في تَسْوِيَتِهِمُ المَكايِدَ والمَنصُوباتِ الَّتِي أرادُوا بِها الإيقاعَ بِرُسُلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وفي إبْطالِهِ تَعالى تِلْكَ الحِيَلَ والمَكايِدَ، وجَعْلِهِ إيّاها أسْبابًا لِهَلاكِهِمْ بِحالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا، وعَمَدُوهُ بِالأساطِينِ فَأُتِيَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أساطِينِهِ، بِأنْ ضُعْضِعَتْ فَسَقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ فَهَلَكُوا. وقُرِئَ: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السُّقُفُ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿وَأتاهُمُ العَذابُ﴾ أيِ: الهَلاكُ والدَّمارُ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ بِإتْيانِهِ مِنهُ بَلْ يَتَوَقَّعُونَ إتْيانَ مُقابِلِهِ مِمّا يُرِيدُونَ ويَشْتَهُونَ، والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ القائِلِينَ لِلْقُرْآنِ العَظِيمِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ سَيَأْتِيهِمْ مِنَ العَذابِ مِثْلُ ما أتاهُمْ، وهم لا يَحْتَسِبُونَ. والمُرادُ بِهِ: العَذابُ العاجِلُ، لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:
16:27Страница 270
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
А потом, в День воскресения, Он опозорит их и скажет: «Где же Мои сотоварищи, о которых вы спорили?». Те, которым было даровано знание, скажут: «Воистину, сегодня неверующих постигнут позор и зло».
﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ فَإنَّهُ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: هَذا الَّذِي فُهِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ مِن عَذابِ هَؤُلاءِ، أوْ ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِمّا ذُكِرَ مِن عَذابِ أُولَئِكَ جَزاؤُهم في الدُّنْيا، ويَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ، أيْ: يُذِلُّهم بِعَذابِ الخِزْيِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وأصْلُ الخِزْيِ ذُلٌّ يُسْتَحْيا مِنهُ، و "ثُمَّ" لِلْإيماءِ إلى ما بَيْنَ الجَزاءَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ مَعَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ، وتَغْيِيرُ السَّبْكِ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ لَيْسَ لِقَصْرِ الخِزْيِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقْدِيرِ الظَّرْفِ عَلى الفِعْلِ، بَلْ لِأنَّ الإخْبارَ بِجَزائِهِمْ في الدُّنْيا مُؤْذِنٌ بِأنَّ لَهم جَزاءً أُخْرَوِيًّا فَتَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ سائِلَةً عَنْهُ بِأنَّهُ ماذا مَعَ تَيَقُّنِها بِأنَّهُ في الآخِرَةِ، فَسِيقَ الكَلامُ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالذِّكْرِ إخْزاؤُهم لا كَوْنُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. والضَّمِيرُ إمّا لِلْمُفْتَرِينَ في حَقِّ القرآن الكَرِيمِ، أوْ لَهم ولِمَن مُثِّلُوا بِهِمْ مِنَ الماكِرِينَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وتَخْصِيصُهُ بِـ "هُمْ" يَأْباهُ السِّباقُ والسِّياقُ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ ﴿وَيَقُولُ﴾ لَهم تَفْضِيحًا وتَوْبِيخًا فَهو ... إلَخْ، بَيانٌ لِلْإخْزاءِ، ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ أضافَهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ حِكايَةً لِإضافَتِهِمُ الكاذِبَةِ، فَفِيهِ تَوْبِيخٌ إثْرَ تَوْبِيخٍ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ.
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُخاصِمُونَ الأنْبِياءَ والمُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ بِأنَّهم شُرَكاءُ حَقًّا، حِينَ بَيَّنُوا لَكم بُطْلانَها. والمُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ اسْتِحْضارُها لِلشَّفاعَةِ، أوِ المُدافَعَةُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّبْكِيتِ، والِاسْتِفْسارُ عَنْ مَكانِهِمْ لا يُوجِبُ غَيْبَتَهم حَقِيقَةً حَتّى يُعْتَذَرَ بِأنَّهم يَجُوزُ أنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ عَبَدَتِهِمْ حِينَئِذٍ لِيَتَفَقَّدُوها في ساعَةٍ عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، أوْ بِأنَّهم لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم. فَكَأنَّهم غُيَّبٌ بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ عَدَمُ حُضُورِهِمْ بِالعُنْوانِ الَّذِي كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم مُتَّصِفُونَ مِن عُنْوانِ الإلَهِيَّةِ، فَلَيْسَ هُناكَ شُرَكاءُ، ولا أماكِنُها، عَلى أنَّ قَوْلَهُ: لِيَتَفَقَّدُوا لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَإنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ عِنْدَهُمُ الأمْرُ حِينَئِذٍ، فَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ التَّفَقُّدُ؟ وقُرِئَ: بِكَسْرِ النُّونِ، أيْ: تُشاقُّونَنِي عَلى أنَّ مَشاقَّةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ لا سِيَّما في شَأْنٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ سُبْحانَهُ مَشاقَّةٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِن أهْلِ المَوْقِفِ، وهُمُ الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أُوتُوا عِلْمًا بِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وكانُوا يَدْعُونَهم في الدُّنْيا إلى التَّوْحِيدِ، فَيُجادِلُونَهم ويَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ، أيْ: تَوْبِيخًا لَهُمْ، وإظْهارًا لِلشَّماتَةِ بِهِمْ، وتَقْرِيرًا لِما كانُوا يَعِظُونَهُمْ، وتَحْقِيقًا لِما أوْعَدُوهم بِهِ. وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ، وتَحَتُّمِ وُقُوعِهِ حَسْبَما هو (p-109)المُعْتادُ في إخْبارِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾، ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ .
﴿إنَّ الخِزْيَ﴾ الفَضِيحَةَ والذُّلَّ والهَوانَ.
﴿اليَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِالخِزْيِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى إعْمالَ المَصْدَرِ المُصَدَّرِ بِاللّامِ، أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ، وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالمَعْطُوفِ إلّا أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في الظُّرُوفِ، وإيرادُهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ.
﴿والسُّوءَ﴾ العَذابَ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ بِاللَّهِ تَعالى، وبِآياتِهِ ورُسُلِهِ.
16:28Страница 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
Те, кого ангелы умертвили, когда они грешили во вред себе, изъявят покорность и скажут: «Мы не совершили никакого зла». Им ответят: «О нет! Воистину, Аллаху известно о том, что вы совершали.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ. وقُرِئَ: بِتَذْكِيرِهِ، وبِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ تَوَفِّيهِمْ إيّاهم لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ. والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْكافِرِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ، وفائِدَتُهُ تَخْصِيصُ الخِزْيِ والسُّوءِ بِمَنِ اسْتَمَرَّ كُفْرُهُ إلى حِينِ المَوْتِ دُونَ مَن آمَنَ مِنهُمْ، ولَوْ في آخِرِ عُمْرِهِ، أيْ: عَلى الكافِرِينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ إلى أنْ يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ.
﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُسْتَمِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، فَإنَّهُ ظُلْمٌ مِنهم لِأنْفُسِهِمْ وأيُّ ظُلْمٍ حَيْثُ عَرَّضُوها لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ، وبَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا.
﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾ أيْ: فَيُلْقُونَ. والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ وما بَيْنَهُما جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ جِيءَ بِها تَحْقِيقًا لِما حاقَ بِهِمْ مِنَ الخِزْيِ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، أيْ: فَيُسالِمُونَ، ويَتْرُكُونَ المَشاقَّةَ، ويَنْزِلُونَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكِبْرِ، وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ، قائِلِينَ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ﴾ في الدُّنْيا ﴿مِن سُوءٍ﴾ أيْ: مِن شِرْكٍ. قالُوهُ مُنْكِرِينَ لِصُدُورِهِ عَنْهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ وإنَّما عَبَّرُوا عَنْهُ بِالسُّوءِ اعْتِرافًا بِكَوْنِهِ سَيِّئًا لا إنْكارًا لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ مَعَ الِاعْتِرافِ بِصُدُورِهِ عَنْهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِلسَّلَمِ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الكَلامَ الدّالَّ عَلَيْهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "أيْنَ شُرَكائِي" في سُورَةِ الأنْعامِ. لا عَنْ قَوْلِ أُولِي العِلْمِ ادِّعاءً لِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما دَهَمَهم مِنَ الخِزْيِ والسُّوءِ.
﴿بَلى﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ مِن قِبَلِ أُولِي العِلْمِ، وإثْباتٌ لِما نَفَوْهُ، أيْ: بَلى كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ما تَعْمَلُونَ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَهو يُجازِيكم عَلَيْهِ، وهَذا أوانُهُ.
16:29Страница 270
فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩
Войдите во врата Геенны и пребудьте там вечно. Как же скверна обитель возгордившихся!».
﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: كُلُّ صِنْفِ بابِهِ المُعَدِّ لَهُ، وقِيلَ أبْوابُها: أصْنافُ عَذابِها، فالدُّخُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُلابَسَةِ والمُقاساةِ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إنْ أُرِيدَ بِالدُّخُولِ حُدُوثُهُ فالحالُ مُقَدَّرَةٌ، وإنْ أُرِيدَ مُطْلَقُ الكَوْنِ فِيها فَهي مُقارِنَةٌ.
﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنِ التَّوْحِيدِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ وذِكْرُهم بِعُنْوانِ التَّكَبُّرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِثَوائِهِمْ فِيها، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، أيْ: جَهَنَّمُ. وتَأْوِيلُ قَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ بِأنّا ما كُنّا عامِلِينَ ذَلِكَ في اعْتِقادِنا رَوْمًا لِلْمُحافَظَةِ عَلى أنْ لا كَذِبَ، ثَمَّةَ يَرُدُّهُ الرَّدُّ المَذْكُورُ، وما في سُورَةِ الأنْعامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ .
16:30Страница 270
۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠
Когда богобоязненных спрашивают: «Что ниспослал вам Господь?». - они говорят: «Благо». Тем, кто творил в этом мире добро, будет воздано добром. А Последняя обитель будет еще лучше. Как же прекрасна Обитель богобоязненных!
(p-110)﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ. وُصِفُوا بِالتَّقْوى إشْعارًا بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الجَوابِ ناشِئٌ عَنِ التَّقْوى.
﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ سَلَكُوا في الجَوابِ مَسْلَكَ السُّؤالِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، ولا تَغْيِيرٍ في الصُّورَةِ. والمَعْنى: أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، فَإنَّهُ جَوابٌ مُطابِقٌ لِلسُّؤالِ، ولِسَبْكِ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ مَضْمُونًا، وأمّا الكَفَرَةُ فَإنَّهم خَذَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى كَما غَيَّرُوا الجَوابَ عَنْ نَهْجِ الحَقِّ الواقِعِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مِن دافِعٍ غَيَّرُوا صُورَتَهُ، وعَدَلُوا بِها عَنْ سَنَنِ السُّؤالِ حَيْثُ رَفَعُوا الأساطِيرَ رَوْمًا لِما مَرَّ مِن إنْكارِ النُّزُولِ، رُوِيَ أنَّ أحْياءَ العَرَبِ كانُوا يَبْعَثُونَ أيّامَ المَوْسِمِ مَن يَأْتِيهِمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا جاءَ الوافِدُ كَفَّهُ المُقْتَسِمُونَ، وأمَرُوهُ بِالِانْصِرافِ. وقالُوا: إنْ لَمْ تَلْقَهُ كانَ خَيْرًا لَكَ. فَيَقُولُ: أنا شَرُّ وافِدٍ إنْ رَجَعْتُ إلى قَوْمِي دُونَ أنْ أسْتَطْلِعَ أمْرَ مُحَمَّدٍ، وأراهُ، فَيَلْقى أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ عَنْهم فَيُخْبِرُونَهُ بِحَقِيقَةِ الحالِ، فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا خَيْرًا ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيْ: أعْمالَهُمْ، أوْ فَعَلُوا الإحْسانَ ﴿فِي هَذِهِ﴾ الدّارِ ﴿الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ أيْ: مَثُوبَةٌ حَسَنَةٌ مُكافَأةً فِيها ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ أيْ: مَثُوبَتُهم فِيها ﴿خَيْرٌ﴾ مِمّا أُوتُوا في الدُّنْيا مِنَ المَثُوبَةِ، أوْ خَيْرٌ عَلى الإطْلاقِ، فَيَجُوزُ إسْنادُ الخَيْرِيَّةِ إلى نَفْسِ دارِ الآخِرَةِ ﴿وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: دارُ الآخِرَةِ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المُتَّقِينَ، وعَدَّ جَوابَهُمُ المَحْكِيَّ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِمْ، ووَعَدَهم بِذَلِكَ ثَوابَيِ الدُّنْيا والآخِرَةَ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، أوْ بَدَلٌ مِن خَيْرًا، أوْ تَفْسِيرٌ لَهُ، أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا هو هَذا الكَلامُ الجامِعُ قالُوهُ تَرْغِيبًا لِلسّائِلِ.
16:31Страница 270
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١
Они войдут в сады Эдема, в которых текут реки. Они получат там все, чего пожелают. Так Аллах воздает богобоязненным,
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَهم جَنّاتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المَخْصُوصَ بِالمَدْحِ ﴿يَدْخُلُونَها﴾ صِفَةٌ لِـ "جَنّاتُ" عَلى تَقْدِيرِ تَنْكِيرِ "عَدْنٍ" وكَذَلِكَ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أوْ كِلاهُما حالٌ عَلى تَقْدِيرِ عَلَمِيَّتِهِ ﴿لَهم فِيها﴾ في تِلْكَ الجَنّاتِ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ الظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرٌ لِما، والثّانِي حالٌ مِنهُ. والعامِلُ "ما" في الأوَّلِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أيْ: حاصِلٌ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ مِن أنْواعِ المُشْتَهِياتِ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِهِ بِالمَشِيئَةِ، أوْ لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ يُوجِبُ تَرَقُّبَ النَّفْسِ إلَيْهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها فَضْلَ تَمَكُّنٍ.
﴿كَذَلِكَ﴾ مَثَلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الأوْفى ﴿يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ "اللّامُ" لِلْجِنْسِ، أيْ: كُلُّ مَن يَتَّقِي مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، ويَدْخُلُ فِيهِ المُتَّقُونَ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويَكُونُ فِيهِ بَعْثٌ لِغَيْرِهِمْ عَلى التَّقْوى، أوْ لِلْعَهْدِ، فَيَكُونُ فِيهِ تَحْسِيرٌ لِلْكَفَرَةِ.
16:32Страница 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢
которых ангелы умерщвляют праведниками. Они говорят: «Мир вам! Войдите в Рай благодаря тому, что вы совершали».
﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَيِّبِينَ﴾ أيْ: طاهِرِينَ عَنْ دَنَسِ الظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ، (p-111)وَفائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ مِلاكَ الأمْرِ في التَّقْوى هو الطَّهارَةُ عَمّا ذُكِرَ إلى وقْتِ تَوَفِّيهِمْ، فَفِيهِ حَثٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ، ولِغَيْرِهِمْ عَلى تَحْصِيلِهِ. وقِيلَ: فَرَحِينَ طَيِّبِي النُّفُوسِ بِبِشارَةِ المَلائِكَةِ إيّاهم بِالجَنَّةِ، أوْ طَيِّبِينَ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ لِتَوَجُّهِ نَفْسِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ إلى جَنابِ القُدُسِ.
﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ: قائِلِينَ لَهم ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ . قالَ القُرَظِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إذا اسْتُدْعِيَتْ نَفْسُ المُؤْمِنِ جاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا ولِيَّ اللَّهِ، اللَّهُ تَعالى يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، وبَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ، ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ "اللّامُ" لِلْعَهْدِ، أيْ: جَنّاتُ عَدْنٍ... إلَخْ، ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ النَّعْتِ، والمُرادُ دُخُولُهم لَها في وقْتِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ، وإنْ تَراخى المُبَشَّرُ بِهِ لا دُخُولُ القَبْرِ الَّذِي هو رَوْضَةٌ مِن رِياضِها، إذْ لَيْسَ في البِشارَةِ بِهِ ما في البِشارَةِ بِدُخُولِ نَفْسِ الجَنَّةِ، ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ ثَباتِكم عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ، أوْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّوَفِّي: التَّوَفِّي لِلْحَشْرِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالدُّخُولِ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ.
16:33Страница 270
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣
Неужели они ждут чего-либо иного, кроме ангелов или веления твоего Господа? Так же поступали те, которые жили прежде. Аллах не был несправедлив к ним - они сами поступали несправедливо по отношению к себе.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: ما يَنْتِظَرُ كُفّارُ مَكَّةَ المارُّ ذِكْرُهم ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ لَقَبْضِ أرْواحِهِمْ بِالعَذابِ، جُعِلُوا مُنْتَظِرِينَ لِذَلِكَ، وشَتّانَ بَيْنَهم وبَيْنَ انْتِظارِهِ لا لِأنَّهُ يَلْحَقُهُمُ البَتَّةَ لُحُوقُ الأمْرِ المُنْتَظَرِ، بَلْ لِمُباشَرَتِهِمْ لِأسْبابِهِ المُوجِبَةِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، فَكَأنَّهم يَقْصِدُونَ إتْيانَهُ، ويَتَرَصَّدُونَ لِوُرُودِهِ. وقُرِئَ: بِتَذْكِيرِ الفَصْلِ ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ إشْعارٌ بِأنَّ إتْيانَهُ لُطْفٌ بِهِ ﷺ، وإنْ كانَ عَذابًا عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالأمْرِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ لا القِيامَةُ، لَكِنْ لا لِأنَّ انْتِظارَها يُجامِعُ انْتِظارَ إتْيانِ المَلائِكَةِ فَلا يُلائِمُهُ العَطْفُ بَأوْ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ نَصًّا فى العِنادِ إذْ يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ مَنعُ الخُلُوِّ، ويُرادَ بِإيرادِها كِفايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ في عَذابِهِمْ؛ بَلْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيما سَيَأْتِي: ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهُمْ﴾ ... الآيَةَ. صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِهِ ما أصابَهم مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ فِعْلِ هَؤُلاءِ مِنَ الشِّرْكِ والظُّلْمِ والتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾ خَلَوْا ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بِما سَيُتْلى مِن عَذابِهِمْ ﴿وَلَكِنْ كانُوا﴾ بِما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ المُوجِبَةِ لِذَلِكَ ﴿أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: ﴿وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ كَما في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. لَكِنَّهُ أُوثِرَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِإفادَةِ أنَّ غائِلَةَ ظُلْمِهِمْ آيِلَةٌ إلَيْهِمْ، وعاقِبَتَهُ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمْ مَعَ اسْتِلْزامِ اقْتِصارِ ظُلْمِ كُلِّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ، مِن حَيْثُ الوُقُوعُ اقْتِصارَهُ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ الصُّدُورُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ يُونُسَ.
16:34Страница 270
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤
Злое возмездие постигло их за то, что они творили, и окружило (или поразило) их то, над чем они издевались.
﴿فَأصابَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِبَيانِ أنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ ظُلْمٌ لِأنْفُسِهِمْ ﴿سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ أيْ: أجِزْيَةُ أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ سَبَبِهِ، إيذانًا بِفَظاعَتِهِ لا عَلى حَذْفِ المُضافِ، فَإنَّهُ يُوهِمُ أنْ لَهم أعْمالًا غَيْرَ سَيِّئاتِهِمْ.
﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: أحاطَ بِهِمْ مِنَ الحَيْقِ الَّذِي هو إحاطَةُ الشَّرِّ، وهو أبْلَغُ مِنَ الإصابَةِ، وأفْظَعُ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مِنَ العَذابِ.
16:35Страница 271
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥
Многобожники говорят: «Если бы Аллах захотел, то ни мы, ни наши отцы не стали бы поклоняться ничему, кроме Него, и мы не стали бы запрещать чтолибо вопреки Ему». Так же поступали те, которые жили прежде. Разве на посланников было возложено что-либо, кроме ясной передачи откровения?
(p-112)﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ. وهو بَيانٌ لِفَنٍ آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ، والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى المَوْصُولِ لِتَقْرِيعِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وذَمِّهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ.
﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَوْ شاءَ عَدَمَ عِبادَتِنا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ، كَما تَقُولُ: لَما عَبَدْنا ذَلِكَ ﴿نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾ الَّذِي نَقْتَدِي بِهِمْ في دِينِنا ﴿وَلا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ وغَيْرِها، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا لِلرَّسُولِ ﷺ، وطَعْنًا في الرِّسالَةِ رَأْسًا مُتَمَسِّكِينَ بِأنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ، وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ. فَلَوْ أنَّهُ شاءَ أنْ نُوَحِّدَهُ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، ولا نُحَرِّمَ مِمّا حَرَّمْنا شَيْئًا، كَما يَقُولُ الرُّسُلُ، ويَنْقُلُونَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَكانَ الأمْرُ كَما شاءَ مِنَ التَّوْحِيدِ، ونَفْيِ الإشْراكِ، وما يَتْبَعُهُما. وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَشَأْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإنَّما يَقُولُهُ الرُّسُلُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، فَأُجِيبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الفِعْلِ الشَّنِيعِ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ، أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ، وحَرَّمُوا حِلَّهُ، ورَدُّوا رُسُلَهُ، وجادَلُوهم بِالباطِلِ حِينَ نَبَّهُوهم عَلى الخَطَأِ، وهَدَوْهم إلى الحَقِّ.
﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ﴾ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ، وعَزائِمَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: لَيْسَتْ وظِيفَتُهم إلّا تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ تَبْلِيغًا واضِحًا، أوْ مُوَضَّحًا. وإبانَةَ طَرِيقِ الحَقِّ، وإظْهارَ أحْكامِ الوَحْيِ الَّذِي مِن جُمْلَتِها تَحَتُّمُ تَعَلُّقِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى بِاهْتِداءِ مَن صَرَفَ قدرته، واخْتِبارَهُ إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ وأمّا إلْجاؤُهم إلى ذَلِكَ، وتَنْفِيذُ قَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ شاءُوا، أوْ أبَوْا، كَما هو مُقْتَضى اسْتِدْلالِهِمْ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن وظِيفَتِهِمْ، ولا مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ التَّكْلِيفِ في شَيْءٍ، حَتّى يُسْتَدَلَ بِعَدَمِ ظُهُورِ آثارِهِ عَلى عَدَمِ حَقِيقَةِ الرُّسُلِ، أوْ عَلى عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ، فَإنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ مِن أفْعالِ العِبادِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِذَلِكَ، فَإنَّ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ مِن أفْعالِ العِبادِ لا بُدَّ في تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِوُقُوعِهِ مِن مُباشَرَتِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ لَهُ، وصَرْفِ اخْتِيارِهِمُ الجُزْئِيِّ إلى تَحْصِيلِهِ، وإلّا لَكانَ الثَّوابُ والعِقابُ اضْطِرارِيِّينَ فَـ "الفاءُ" لِلتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَذَلِكَ فَعَلَ أسْلافُهم. وذَلِكَ باطِلٌ، فَإنَّ الرُّسُلَ لَيْسَ شَأْنُهم إلّا تَبْلِيغَ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، ونَواهِيهِ لا تَحْقِيقَ مَضْمُونِهِما، وإجْراءَ مُوجِبِهِما عَلى النّاسِ قَسْرًا وإلْجاءً، وإيرادُ كَلِمَةِ عَلى لِلْإيذانِ بِأنَّهم في ذَلِكَ مَأْمُورُونَ، أوْ بِأنَّ ما يُبَلِّغُونَهُ حَقٌّ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ إيفاؤُهُ، وبِهَذا ظَهَرَ أنَّ حَمْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ ... إلَخْ. عَلى الِاسْتِهْزاءِ لا يُلائِمُ الجَوابَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
16:36Страница 271
وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦
Мы отправили к каждой общине посланника: «Поклоняйтесь Аллаху и избегайте тагута!». Среди них есть такие, которых Аллах наставил на прямой путь, и такие, которым было справедливо предначертано заблуждение. Ступайте же по земле и посмотрите, каким был конец неверующих.
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا﴾ تَحْقِيقٌ لِكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِأفْعالِ العِبادِ بَعْدَ بَيانِ أنَّ الإلْجاءَ لَيْسَ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ، ولا مِن بابِ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما يَدُورُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ لَهُمْ، أيْ: بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ رَسُولًا خاصَّةً بِهِمْ.
﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لِما في البَعْثِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بَعْثُنا بِأنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ، ﴿واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ (p-113)هُوَ الشَّيْطانُ، وكُلُّ ما يَدْعُو إلى الضَّلالَةِ ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الأُمَمِ، و "الفاءُ" فَصِيحَةٌ، أيْ: فَبَلَّغُوا ما بُعِثُوا بِهِ مِنَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، واجْتِنابِ الطّاغُوتِ، فَتَفَرَّقُوا فَمِنهم ﴿مَن هَدى اللَّهُ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو عِبادَتُهُ، واجْتِنابُ الطّاغُوتِ بَعْدَ صَرْفِ قدرتهمْ، واخْتِيارِهِمُ الجُزْئِيِّ إلى تَحْصِيلِهِ.
﴿وَمِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيْ: وجَبَتْ، وثَبَتَتْ إلى حِينِ المَوْتِ لِعِنادِهِ وإصْرارِهِ عَلَيْها، وعَدَمِ صَرْفِ قدرته إلى تَحْصِيلِ الحَقِّ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فَلَمْ يَكُنْ كُلٌّ مِن مَشِيئَةِ الهِدايَةِ وعَدَمِها إلّا حَسْبَما حَصَلَ مِنهم مِنَ التَّوَجُّهِ إلى الحَقِّ، وعَدَمِهِ إلّا بِطَرِيقِ القَسْرِ والإلْجاءِ، حَتّى يُسْتَدَلَّ بِعَدَمِهِما عَلى عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِعِبادَتِهِمْ لَهُ تَعالى وحْدَهُ، ﴿فَسِيرُوا﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿فِي الأرْضِ فانْظُرُوا﴾ في أكْنافِها ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ مِن عادٍ وثَمُودَ، ومَن سارَ سِيرَتَهم مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ حِينَ تُشاهِدُونَ في مَنازِلِهِمْ ودِيارِهِمْ آثارَ الهَلاكِ والعَذابِ، وتَرْتِيبُ الأمْرِ بِالسَّيْرِ عَلى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِثُبُوتِ الضَّلالَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِحُلُولِ العَذابِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وأنْ لَيْسَ الخَبَرُ كالعِيانِ، وتَرْتِيبُ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ لِما أنَّهُ بَعْدَهُ، وأنَّ مِلاكَ الأمْرِ في تِلْكَ العاقِبَةِ هو التَّكْذِيبُ، والتَّعَلُّلُ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии