Абу-с-Сууд · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:112–120
2:112Страница 17
بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢
О нет! Кто покорит свой лик Аллаху, совершая добро, тот получит награду от своего Господа. Они не познают страха и не будут опечалены.
قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿بَلى﴾؛ إلَخْ.. إثْباتٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى) لِما نَفَوْهُ؛ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ ما أثْبَتُوهُ؛ وإذْ لَيْسَ الثّابِتُ بِهِ مُجَرَّدَ دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ؛ ولَوْ مَعَهُمْ؛ لِيَكُونَ المَنفِيُّ مُجَرَّدَ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ؛ مَعَ بَقاءِ أصْلِ الدُّخُولِ عَلى حالِهِ؛ بَلْ هو اخْتِصاصُ غَيْرِهِمْ بِالدُّخُولِ؛ كَما سَتَعْرِفُهُ - بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى) -؛ ظَهَرَ أنَّ المَنفِيَّ أصْلُ دُخُولِهِمْ؛ ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي كُلِّفُوا إقامَةَ البُرْهانِ عَلَيْهِ؛ لا اخْتِصاصُهم بِهِ؛ لِيَتَّحِدَ مَوْرِدُ الإثْباتِ والنَّفْيِ؛ وإنَّما عَدَلَ عَنْ إبْطالِ ما ادَّعَوْهُ؛ وسَلَكَ هَذا المَسْلَكَ؛ إبانَةً لِغايَةِ حِرْمانِهِمْ مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمْ؛ وإظْهارًا لِكَمالِ عَجْزِهِمْ عَنْ إثْباتِ مُدَّعاهُمْ؛ لِأنَّ حِرْمانَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالدُّخُولِ؛ وعَجْزَهم عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ عَلَيْهِ؛ لا يَقْتَضِيانِ حِرْمانَهم مِن أصْلِ الدُّخُولِ؛ وعَجْزَهم عَنْ إثْباتِهِ؛ وأمّا نَفْسُ الدُّخُولِ؛ فَحَيْثُ ثَبَتَ حِرْمانُهم مِنهُ؛ وعَجْزُهم عَنْ إثْباتِهِ؛ فَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِهِ أبْعَدُ؛ وعَنْ إثْباتِهِ أعْجَزُ؛ وإنَّما الفائِزُ بِهِ مَنِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ (تَعالى)؛ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا؛ عَبَّرَ عَنْها بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ؛ ومَجْمَعُ المَشاعِرِ؛ ومَوْضِعُ السُّجُودِ؛ ومَظْهَرُ آثارِ الخُضُوعِ؛ الَّذِي هو مِن أخَصِّ خَصائِصِ الإخْلاصِ؛ أوْ تَوَجُّهَهُ؛ وقَصْدَهُ؛ بِحَيْثُ لا يَلْوِي عَزِيمَتَهُ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ؛ ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ "أسْلَمَ"؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مُحْسِنٌ في جَمِيعِ أعْمالِهِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإسْلامُ؛ المَذْكُورُ. وحَقِيقَةُ الإحْسانِ: الإتْيانُ بِالعَمَلِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ؛ وهو حُسْنُهُ الوَصْفِيُّ؛ التّابِعُ لِحُسْنِهِ الذّاتِيِّ؛ وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"؛» ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾؛ الَّذِي وُعِدَ لَهُ عَلى عَمَلِهِ؛ وهو عِبارَةٌ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ؛ أوْ عَمّا يَدْخُلُ هو فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وأيًّا ما كانَ؛ فَتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأجْرِ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ؛ واسْتِحالَةِ نَيْلِهِ بِدُونِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾: حالٌ مِن "أجْرُهُ"؛ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ؛ والعِنْدِيَّةِ؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ ووَضْعُ اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ "مَن أسْلَمَ" مَوْضِعَ ضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ؛ وتَقْرِيرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ أيْ: فَلَهُ أجْرُهُ (p-148)
عِنْدَ مالِكِهِ؛ ومُدَبِّرِ أُمُورِهِ؛ ومُبَلِّغِهِ إلى كَمالِهِ؛ والجُمْلَةُ جَوابُ "مَن"؛ إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً؛ وخَبَرُها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً؛ والفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ؛ فَيَكُونُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ (تَعالى) ﴿بَلى﴾؛ وحْدَهُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَن" فاعِلًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: بَلى؛ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾؛ مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فَتَعَلُّقُ ثُبُوتِ الأجْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ الإسْلامِ؛ والإحْسانِ؛ المُخْتَصَّيْنِ بِأهْلِ الإيمانِ قاضٍ بِأنَّ أُولَئِكَ المُدَّعِينَ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ بِمَعْزِلٍ؛ ومِنَ الِاخْتِصاصِ بِهِ بِألْفِ مَعْزِلٍ؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ في الدّارَيْنِ؛ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ؛ أيْ: يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ لَكِنَّهم يَخافُونَ ويَحْزَنُونَ؛ والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن"؛ كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
2:113Страница 18
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣
Иудеи сказали: «Христиане не следуют прямым путем». А христиане сказали: «Иудеи не следуют прямым путем». Все они читают Писание, но слова невежественных людей похожи на их слова. В День воскресения Аллах рассудит их в том, в чем они расходились во мнениях.
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾: بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ؛ إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ؛ عَلى وجْهِ العُمُومِ؛ نَزَلَتْ لَمّا قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وأتاهم أحْبارُ اليَهُودِ؛ فَتَناظَرُوا؛ فارْتَفَعَتْ أصْواتُهُمْ؛ فَقالُوا لَهُمْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ؛ أيْ أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الدِّينِ؛ أوْ عَلى شَيْءٍ ما مِنهُ أصْلًا؛ مُبالَغَةً في ذَلِكَ؛ كَما قالُوا: "أقَلُّ مِن لا شَيْءَ"؛ وكَفَرُوا بِعِيسى؛ والإنْجِيلِ؛ ﴿وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾؛ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ؛ وكَفَرُوا بِمُوسى؛ والتَّوْراةِ؛ لا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِناءً لِلْأمْرِ عَلى مَنسُوخِيَّةِ التَّوْراةِ؛ ﴿وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾؛ الواوُ لِلْحالِ؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: قالُوا ما قالُوا؛ والحالُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مِن أهْلِ العِلْمِ والكِتابِ؛ أيْ: كانَ حَقُّ كُلٍّ مِنهم أنْ يَعْتَرِفَ بِحَقِّيَّةِ دِينِ صاحِبِهِ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ كِتابُهُ؛ فَإنَّ كُتَبَ اللَّهِ (تَعالى) مُتَصادِقَةٌ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ؛ والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ إمّا عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ قُدِّمَ عَلى عامِلِهِ؛ لِإفادَةِ القَصْرِ؛ أيْ: قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ بِعَيْنِهِ؛ قَوْلًا مُغايِرًا لَهُ؛ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ والمُعَطِّلَةِ؛ ونَحْوِهِمْ مِنَ الجَهَلَةِ؛ أيْ: قالُوا لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ: لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ؛ وإمّا عَلى أنَّها حالٌ مِنَ المَصْدَرِ المُضْمَرِ؛ المُعَرَّفِ؛ الدّالِّ عَلَيْهِ "قالَ"؛ أيْ: قالَ القَوْلَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ؛ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ إمّا بَدَلٌ مِن مَحَلِّ الكافِ؛ وإمّا مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَنفِيِّ قَبْلَهُ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ قالَ الجاهِلُونَ بِمِثْلِ مَقالَةِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ وهَذا تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهُمْ؛ حَيْثُ نَظَمُوا أنْفُسَهم - مَعَ عِلْمِهِمْ - في سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ أصْلًا؛ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِبَيانِ حالِهِمْ؛ وإنَّما التَّعَرُّضُ لِمَقالَةِ غَيْرِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ بُطْلانِ مَقالِهِمْ؛ ولِأنَّ المُحاجَّةَ المُحْوِجَةَ إلى الحُكْمِ إنَّما وقَعَتْ بَيْنَهُمْ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَحْكُمُ"؛ وكَذا ما قَبْلَهُ؛ وما بَعْدَهُ؛ ولا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِاخْتِلافِ المَعْنى؛ ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ بِما يُقْسَمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العِقابِ؛ وقِيلَ: حُكْمُهُ بَيْنَهم أنْ يُكَذِّبَهُمْ؛ ويُدْخِلَهُمُ النّارَ؛ والظَّرْفُ الأخِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَخْتَلِفُونَ"؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ؛ لا بِـ "كانُوا".
2:114Страница 18
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤
Кто может быть несправедливее того, кто запрещает в мечетях Аллаха поминать имя Его и стремится разрушить их? Им следовало бы входить туда только с чувством страха. Позор им в мирской жизни и великие мучения в Последней жизни.
(p-149)﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾: إنْكارٌ؛ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ أوْ مُساوِيًا لَهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ؛ ونَفْيُها يَشْهَدُ بِهِ العُرْفُ الفاشِي؛ والِاسْتِعْمالُ المُطَّرِدُ؛ فَإذا قِيلَ: "مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ؟!"؛ أوْ: "لا أفْضَلُ مِن فُلانٍ"؛ فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ؛ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ؛ وهَذا الحُكْمُ عامٌّ لِكُلِّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ في أيِّ مَسْجِدٍ كانَ؛ وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ فِعْلَ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ في مَسْجِدٍ مَخْصُوصٍ؛ رُوِيَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَطْرَحُونَ في بَيْتِ المَقْدِسِ الأذى؛ ويَمْنَعُونَ النّاسَ أنْ يُصَلُّوا فِيهِ؛ وأنَّ الرُّومَ غَزَوْا أهْلَهُ؛ فَخَرَّبُوهُ؛ وأحْرَقُوا التَّوْراةَ؛ وقَتَلُوا؛ وسَبَوْا؛ وقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ طِيطَيُوسَ الرُّومِيَّ؛ مَلِكَ النَّصارى؛ وأصْحابَهُ؛ غَزَوْا بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقَتَلُوا مُقاتِلَتَهُمْ؛ وسَبَوْا ذَرارِيَهُمْ؛ وأحْرَقُوا التَّوْراةَ؛ وخَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ؛ وقَذَفُوا فِيهِ الجِيَفَ؛ وذَبَحُوا فِيهِ الخَنازِيرَ؛ ولَمْ يَزَلْ خَرابًا حَتّى بَناهُ المُسْلِمُونَ في عَهْدِ عُمْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وإنَّما أُوقِعَ المَنعُ عَلى المَساجِدِ؛ وإنْ كانَ المَمْنُوعُ هو النّاسَ؛ لِما أنَّ فِعْلَهُمْ؛ مِن طَرْحِ الأذى؛ والتَّخْرِيبِ؛ ونَحْوِهِما؛ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسْجِدِ؛ لا بِالنّاسِ؛ مَعَ كَوْنِهِ عَلى حالِهِ؛ وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها؛ مِن حَيْثُ إنَّها مُبْطِلَةٌ لِدَعْوى النَّصارى اخْتِصاصَهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ؛ وقِيلَ: هو مَنعُ المُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ فَتَعَلُّقُها بِما تَقَدَّمَها مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ مِن جُمْلَةِ الجاهِلِينَ؛ القائِلِينَ لِكُلِّ مَن عَداهُمْ: لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ؛ ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾: ثانِي مَفْعُولَيْ "مَنَعَ"؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): " وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا "؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَذْفِ الجارِّ؛ مَعَ "أنْ"؛ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْعُولًا لَهُ؛ أيْ: "يُذَكَرَ فِيها اسْمُهُ"؛ ﴿وَسَعى في خَرابِها﴾؛ بِالهَدْمِ؛ أوِ التَّعْطِيلِ؛ بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ المانِعُونَ؛ الظّالِمُونَ؛ السّاعُونَ في خَرابِها؛ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾؛ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا بِخَشْيَةٍ؛ وخُضُوعٍ؛ فَضْلًا عَنْ الِاجْتِراءِ عَلى تَخْرِيبِها؛ أوْ تَعْطِيلِها؛ أوْ: ما كانَ الحَقُّ أنْ يَدْخُلُوها إلّا عَلى حالِ التَّهَيُّبِ؛ وارْتِعادِ الفَرائِصِ؛ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ؛ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْها؛ ويَلُوها؛ ويَمْنَعُوهم مِنها؛ أوْ: ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَضائِهِ بِالآخِرَةِ؛ إلّا ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ؛ واسْتِخْلاصِ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنهُمْ؛ وقَدْ أُنْجِزَ الوَعْدُ؛ ولِلَّهِ الحَمْدُ؛ رُوِيَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا مُتَنَكِّرًا؛ مُسارَقَةً؛ وقِيلَ: مَعْناهُ النَّهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ في المَسْجِدِ؛ واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في ذَلِكَ؛ فَجَوَّزَهُ أبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا؛ ومَنَعَهُ مالِكٌ مُطْلَقًا؛ وفَرَّقَ الشّافِعِيُّ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ؛ ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أيْ: لِأُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ ﴿فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾؛ أيْ: خِزْيٌ فَظِيعٌ؛ لا يُوصَفُ؛ بِالقَتْلِ؛ والسَّبْيِ؛ والإذْلالِ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ وهو عَذابُ النّارِ؛ لِما أنَّ سَبَبَهُ أيْضًا - وهو ما حُكِيَ مِن ظُلْمِهِمْ - كَذَلِكَ في العِظَمِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّشْوِيقِ إلى ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ الخِزْيِ؛ والعَذابِ؛ لِما مَرَّ مِن أنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مُوجِبٌ لِتَوَجُّهِ النَّفْسِ إلَيْهِ؛ فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ وُرُودِهِ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ كَما في (p-150)قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ و﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
2:115Страница 18
وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥
Аллаху принадлежат восток и запад. Куда бы вы ни повернулись, там будет Лик Аллаха. Воистину, Аллах - Объемлющий, Знающий.
﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾؛ أيْ: لَهُ كُلُّ الأرْضِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ ناحِيَتَيِ المَشْرِقِ؛ والمَغْرِبِ؛ لا يَخْتَصُّ بِهِ؛ مِن حَيْثُ المِلْكُ؛ والتَّصَرُّفُ؛ ومِن حَيْثُ المَحَلِّيَّةُ؛ لِعِبادَتِهِ مَكانٌ مِنها دُونَ مَكانٍ؛ فَإنْ مُنِعْتُمْ مِن إقامَةِ العِبادَةِ في المَسْجِدِ الأقْصى؛ أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾؛ أيْ: فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمْ تَوْلِيَةَ وُجُوهِكم شَطْرَ القِبْلَةِ؛ ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾؛ "ثَمَّ": اسْمُ إشارَةٍ لِلْمَكانِ البَعِيدِ خاصَّةً؛ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ؛ ولا يَتَصَرَّفُ؛ سِوى الجَرِّ بِـ "مِن"؛ وهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ و"وَجْهُ اللَّهِ": مُبْتَدَأٌ؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَزْمِ؛ عَلى أنَّها جَوابُ الشَّرْطِ؛ أيْ: هُناكَ جِهَتُهُ الَّتِي أمَرَ بِها؛ فَإنَّ إمْكانَ التَّوْلِيَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ؛ أوْ مَكانٍ دُونَ آخَرَ؛ أوْ "فَثَمَّ ذاتُهُ"؛ بِمَعْنى الحُضُورِ العِلْمِيِّ؛ أيْ فَهو عالِمٌ بِما يُفْعَلُ فِيهِ؛ ومُثِيبٌ لَكم عَلى ذَلِكَ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ؛ أيْ: فَأيْنَما تَوَجَّهُوا القِبْلَةُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ﴾؛ بِإحاطَتِهِ بِالأشْياءِ؛ أوْ بِرَحْمَتِهِ يُرِيدُ التَّوْسِعَةَ عَلى عِبادِهِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِمَصالِحِهِمْ؛ وأعْمالِهِمْ في الأماكِنِ كُلِّها؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ؛ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِينَ عَلى الرّاحِلَةِ؛ أيْنَما تَوَجَّهُوا؛ وقِيلَ: في قَوْمٍ عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ؛ فَصَلَّوْا إلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنُوا خَطَأهُمْ؛ وعَلى هَذا لَوْ أخْطَأ المُجْتَهِدُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الخَطَأُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّدارُكُ؛ وقِيلَ: هي تَوْطِئَةٌ لَنَسْخِ القِبْلَةِ؛ وتَنْزِيهٌ لِلْمَعْبُودِ عَنْ أنْ يَكُونَ في جِهَةٍ.
2:116Страница 18
وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ١١٦
Они сказали: «Аллах взял Себе сына». Пречист Он! Напротив, Ему принадлежит то, что на небесах и земле. Ему одному все покоряются.
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾: حِكايَةٌ لِطَرَفٍ آخَرَ مِن مَقالاتِهِمُ الباطِلَةِ المَحْكِيَّةِ فِيما سَلَفَ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالَتِ﴾؛ إلَخْ.. لا عَلى صِلَةِ "مَن"؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ الأجْنَبِيَّةِ؛ والضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ومَن شارَكَهم فِيما قالُوا مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ؛ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ نَزَلَتْ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ والنَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ ومُشْرِكُو العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والِاتِّخاذُ: إمّا بِمَعْنى "الصُّنْعُ"؛ و"العَمَلُ"؛ فَلا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ؛ وإمّا بِمَعْنى "التَّصْيِيرُ"؛ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: صَيَّرَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا؛ ﴿سُبْحانَهُ﴾: تَنْزِيهٌ؛ وتَبْرِئَةٌ لَهُ (تَعالى) عَمّا قالُوا؛ و"سُبْحانَ": عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ؛ كَـ "عُثْمانَ"؛ لِلرَّجُلِ؛ وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ؛ أيْ: أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا لائِقًا بِهِ؛ وفِيهِ مِنَ التَّنْزِيهِ البَلِيغِ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِن "السَّبْحُ"؛ الَّذِي هو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ؛ ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ؛ ومِن جِهَةِ العُدُولِ مِنَ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً؛ لا سِيَّما العِلْمُ المُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ؛ ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ ما لا يَخْفى؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ؛ كَـ "غُفْرانَ"؛ بِمَعْنى "التَّنَزُّهُ"؛ أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا حَقِيقًا بِهِ؛ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إسْنادُ البَراءَةِ إلى الذّاتِ المُقَدَّسَةِ؛ وإنْ كانَ التَّنْزِيهُ اعْتِقادَ نَزاهَتِهِ (تَعالى) عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ لا إثْباتَها لَهُ (تَعالى)؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: رَدٌّ لِما زَعَمُوا؛ وتَنْبِيهٌ عَلى بُطْلانِهِ؛ وكَلِمَةُ "بَلْ": لِلْإضْرابِ عَمّا يَقْتَضِيهِ مَقالَتُهُمُ الباطِلَةُ مِن مُجانَسَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ ومِن سُرْعَةِ فَنائِهِ المُحْوِجَةِ إلى اتِّخاذِ ما يَقُومُ مَقامَهُ؛ فَإنَّ مُجَرَّدَ الإمْكانِ والفَناءِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ؛ ألا يُرى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ؛ مَعَ إمْكانِها وفَنائِها بِالآخِرَةِ؛ مُسْتَغْنِيَةٌ (p-151)بِدَوامِها؛ وطُولِ بَقائِها عَمّا يَجْرِي مُجْرى الوَلَدِ مِنَ الحَيَوانِ؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا؛ بَلْ هو خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عُزَيْرٌ؛ والمَسِيحُ؛ والمَلائِكَةُ؛ ﴿كُلٌّ﴾: التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ كُلُّ ما فِيهِما - كائِنًا ما كانَ - مِن أُولِي العِلْمِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿لَهُ قانِتُونَ﴾؛ مُنْقادُونَ؛ لا يَسْتَعْصِي شَيْءٌ مِنهم عَلى تَكْوِينِهِ؛ وتَقْدِيرِهِ؛ ومَشِيئَتِهِ؛ ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ مُجانَسَتُهُ لِشَيْءٍ؛ ومِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ؛ وإنَّما جِيءَ بِـ "ما" المُخْتَصَّةِ بِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ؛ وإيذانًا بِكَمالِ بُعْدِهِمْ عَمّا نَسَبُوا إلى بَعْضٍ مِنهم. وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ في "قانِتُونَ"؛ لِلتَّغْلِيبِ؛ أوْ: كُلُّ مَن جَعَلُوهُ لِلَّهِ (تَعالى) ولَدًا لَهُ قانِتُونَ؛ أيْ: مُطِيعُونَ؛ عابِدُونَ لَهُ؛ مُعْتَرِفُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ (تَعالى)؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ .
2:117Страница 18
بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ١١٧
Он - Первосоздатель небес и земли. Когда Он принимает решение, то стоит Ему сказать: «Будь!», как это сбывается.
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ: مُبْدِعُهُما؛ ومُخْتَرِعُهُما بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ؛ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ؛ فَإنَّ البَدِيعَ - كَما يُطْلَقُ عَلى المُبْتَدِعِ - يُطْلَقُ عَلى المُبْدِعِ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أساطِينُ أهْلِ اللُّغَةِ؛ وقَدْ جاءَ "بَدَعَهُ"؛ كَـ "مَنَعَهُ"؛ بِمَعْنى أنْشَأهُ؛ كَـ "ابْتَدَعَهُ"؛ كَما ذُكِرَ في القامُوسِ؛ وغَيْرِهِ؛ ونَظِيرُهُ "السَّمِيعُ"؛ بِمَعْنى "المُسْمِعُ"؛ في قَوْلِهِ:
؎ أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗
وَقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها لِلتَّخْفِيفِ؛ بَعْدَ نَصْبِهِ عَلى تَشْبِيهِها بِاسْمِ الفاعِلِ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ أيْ: بَدِيعُ سَمَواتِهِ؛ مِن "بَدَعَ"؛ إذا كانَ عَلى شَكْلٍ فائِقٍ؛ وحُسْنٍ رائِقٍ؛ وهو حُجَّةٌ أُخْرى لِإبْطالِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ؛ تَقْرِيرُها أنَّ الوالِدَ عُنْصُرُ الوَلَدِ؛ المُنْفَعِلُ بِانْفِصال مادَّتِهِ عَنْهُ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها؛ عَلى الإطْلاقِ؛ مُنَزَّهٌ عَنْ الِانْفِعالِ؛ فَلا يَكُونُ والِدًا. ورَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو بَدِيعُ.. إلَخْ.. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى المَدْحِ؛ وبِالجَرِّ؛ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُ"؛ عَلى رَأْيِ مَن يَجُوِّزُ الإبْدالَ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
...
؎ عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمِ
﴿وَإذا قَضى أمْرًا﴾: أيْ: أرادَ شَيْئًا؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾؛ وأصْلُ "القَضاءُ": "الإحْكامُ"؛ أُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ لِإيجابِها إيّاهُ البَتَّةَ؛ وقِيلَ: "الأمْرُ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾؛ إلَخْ..
﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: كِلاهُما مِن "الكَوْنُ التّامُّ"؛ أيْ: "احْدُثْ؛ فَيَحْدُثُ"؛ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ والِامْتِثالِ؛ وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّي المَقْدُوراتِ بِحَسَبِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ (تَعالى)؛ وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ حُدُوثِها؛ بِما هو عَلَمٌ في البابِ؛ مِن طاعَةِ المَأْمُورِ؛ المُطِيعِ لِلْآمِرِ المُطاعِ؛ وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الإبْداعِ؛ وتَلْوِيحٌ لِحُجَّةٍ أُخْرى لِإبْطالِ ما زَعَمُوهُ؛ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ شَأْنُ مَن يَفْتَقِرُ في تَحْصِيلِ مُرادِهِ إلى مَبادٍ يَسْتَدْعِي تَرْتِيبُها مُرُورَ زَمانٍ؛ وتَبَدُّلَ أطْوارٍ؛ وفِعْلُهُ (تَعالى) مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ.
2:118Страница 18
وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ١١٨
Те, которые лишены знания, говорят: «Почему Аллах не говорит с нами? Почему знамение не приходит к нам?». Такие же слова произносили их предшественники. Их сердца похожи. Мы уже разъяснили знамения людям убежденным!
﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾: حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ؛ وهو قَدْحُهم في أمْرِ النُّبُوَّةِ؛ بَعْدَ حِكايَةِ قَدْحِهِمْ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: اليَهُودُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النَّصارى. ووَصْفُهم بِعَدَمِ العِلْمِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ؛ والنُّبُوَّةِ؛ كَما يَنْبَغِي؛ أوْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمُوجِبِ عَمَلِهِمْ؛ أوْ لِأنَّ ما يُحْكى عَنْهم لا يَصْدُرُ عَمَّنْ لَهُ شائِبَةُ عِلْمٍ أصْلًا؛ وقالَ قَتادَةُ؛ (p-152)وَأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾؛ وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ .
﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾: أيْ: هَلّا يُكَلِّمُنا؛ بِلا واسِطَةٍ؛ أمْرًا؛ أوْ نَهْيًا؛ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ؛ أوْ: هَلّا يُكَلِّمُنا تَنْصِيصًا عَلى نُبُوَّتِكَ؛ ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾: حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ؛ بَلَغُوا مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ إلى حَيْثُ أمَّلُوا نَيْلَ مَرْتَبَةِ المُفاوَضَةِ الإلَهِيَّةِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والمَلَكِ؛ ومِنَ العِنادِ والمُكابَرَةِ إلى حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا ما آتاهم مِنَ البَيِّناتِ الباهِرَةِ؛ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ؛ مِن قَبِيلِ الآياتِ؛ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾: مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ؛ الصّادِرِ عَنِ العِنادِ والفَسادِ؛ ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ؛ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ هَذا الباطِلِ الشَّنِيعِ؛ فَقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ وقالُوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾؛ الآيَةَ.. وقالُوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؛ إلَخْ.. وقالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾؛ إلَخْ..
﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أيْ: قُلُوبُ هَؤُلاءِ؛ وأُولَئِكَ؛ في العَمى؛ والعِنادِ؛ وإلّا لَما تَشابَهَتْ أقاوِيلُهُمُ الباطِلَةُ؛ ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ﴾: أيْ: نَزَّلْناها بَيِّنَةً؛ بِأنْ جَعَلْناها كَذَلِكَ في أنْفُسِها؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ؛ وكَبَّرَ الفِيلَ"؛ لا أنّا بَيَّنّاها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً؛ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: أيْ: يَطْلُبُونَ اليَقِينَ؛ ويُوقِنُونَ بِالحَقائِقِ؛ لا يَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ؛ ولا رِيبَةٌ؛ وهَذا رَدٌّ لِطَلَبِهِمُ الآيَةَ؛ وفي تَعْرِيفِ الآياتِ؛ وجَمْعِها؛ وإيرادِ التَّبْيِينِ المُفْصِحِ عَنْ كَمالِ التَّوْضِيحِ؛ مَكانَ الإتْيانِ؛ الَّذِي طَلَبُوهُ؛ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ؛ والمَعْنى أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا آيَةً فَذَّةً؛ ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ العِظامَ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ الحَقَّ؛ واليَقِينَ؛ وإنَّما لَمْ يُتَعَرَّضْ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾؛ إيذانًا بِأنَّهُ مِن ظُهُورِ البُطْلانِ؛ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الرَّدِّ والجَوابِ.
2:119Страница 18
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ ١١٩
Мы отправили тебя с истиной добрым вестником и предостерегающим увещевателем, и ты не будешь спрошен об обитателях Ада.
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾: أيْ: مُلْتَبِسًا بِالقرآن؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾؛ أوْ بِالصِّدْقِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ . وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ؛ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الأُولى؛ أيْ: أرْسَلْناكَ مُلْتَبِسًا بِالقرآن حالَ كَوْنِكَ بَشِيرًا لِمَن آمَنَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكَ؛ وعَمِلَ بِهِ؛ ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِهِ؛ أوْ: أرْسَلْناكَ صادِقًا حالَ كَوْنِكَ بَشِيرًا لِمَن صَدَّقَكَ بِالثَّوابِ؛ ونَذِيرًا لِمَن كَذَّبَكَ بِالعَذابِ؛ لِيَخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ ما أحَبُّوا؛ لا قاسِرَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ فَلا عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا وكابَرُوا؛ ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجحيم﴾: ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَما بَلَّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ؟ وقُرِئَ: "لَنْ تُسْألَ"؛ و"ما تُسْألُ"؛ وقُرِئَ: "لا تَسْألْ"؛ عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ؛ إيذانًا بِكَمالِ شِدَّةِ عُقُوبَةِ الكُفّارِ؛ وتَهْوِيلًا لَها؛ كَأنَّها لِغايَةِ فَظاعَتِها لا يَقْدِرُ المُخْبِرُ عَلى إجْرائِها عَلى لِسانِهِ؛ أوْ لا يَسْتَطِيعُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَ خَبَرَها؛ وحَمْلُهُ عَلى نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ مِمّا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ و"الجحيم": المُتَأجِّجُ مِنَ النّارِ؛ وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِصاحِبِيَّةِ الجحيم؛ دُونَ الكُفْرِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ ونَحْوِهِما؛ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهُمْ؛ وإيذانٌ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلَيْهِمْ؛ لا يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ قَطْعًا؛ .
2:120Страница 19
وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠
Иудеи и христиане не будут довольны тобой, пока ты не станешь придерживаться их религии. Скажи: «Путь Аллаха - это прямой путь». Если же ты станешь потакать их желаниям после того, как к тебе явилось знание, то Аллах не будет тебе ни Покровителем, ни Помощником.
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ شَكِيمَةِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ خاصَّةً؛ إثْرَ بَيانِ ما يَعُمُّهُما؛ والمُشْرِكِينَ؛ مِنَ الإصْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ إلى المَوْتِ. وإيرادُ "لا" (p-153)النّافِيَةِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ؛ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ لِما مَرَّ مِن أنَّ تَصَلُّبَ اليَهُودِ في أمْثالِ هَذِهِ العَظائِمِ أشَدُّ مِنَ النَّصارى؛ والإشْعارِ بِأنَّ رِضا كُلٍّ مِنهُما مُبايِنٌ لِرِضا الأُخْرى؛ أيْ: لَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ؛ ولَوْ خَلَّيْتَهم وشَأْنَهُمْ؛ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ ولا النَّصارى؛ ولَوْ تَرَكْتَهم ودِينَهُمْ؛ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ فَأُوجِزَ النَّظْمُ ثِقَةً بِظُهُورِ المُرادِ؛ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في إقْناطِهِ ﷺ مِن إسْلامِهِمْ ما لا غايَةَ وراءَهُ؛ فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ولَوْ خَلّاهم يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ؛ بَلْ أمَلُّوا مِنهُ ﷺ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الإمْكانِ؛ مِنَ اتِّباعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمِلَّتِهِمْ؛ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ اتِّباعُهم لِمِلَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهَذِهِ حالَتُهم في أنْفُسِهِمْ؛ ومَقالَتُهم فِيما بَيْنَهُمْ؟ وأمّا أنَّهم أظْهَرُوها لِلنَّبِيِّ ﷺ وشافَهُوهُ بِذَلِكَ؛ وقالُوا: لَنْ نَرْضى عَنْكَ؛ وإنْ بالَغْتَ في طَلَبِ رِضانا؛ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَنا؛ كَما قِيلَ؛ فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾؛ صَرِيحٌ في أنَّ ما وقَعَ هَذا جَوابًا عَنْهُ لَيْسَ عَيْنَ تِلْكَ العِبارَةِ؛ بَلْ ما يَسْتَلْزِمُ مَضْمُونَها؛ أوْ يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اليَهُودِيَّةِ؛ والنَّصْرانِيَّةِ؛ وادِّعاءِ أنَّ الِاهْتِداءَ فِيهِما كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - حِكايَةً عَنْهم -: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾؛ أيْ: قُلْ - رَدًّا عَلَيْهِمْ -: إنَّ هُدى اللَّهِ؛ الَّذِي هو الإسْلامُ؛ هو الهُدى بِالحَقِّ؛ والَّذِي يَحِقُّ ويَصِحُّ أنْ يُسَمّى هُدًى؛ وهو الهُدى كُلُّهُ؛ لَيْسَ وراءَهُ هُدًى؛ وما تَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى؛ بَلْ هو هَوًى؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾؛ أيْ: آراءَهُمُ الزّائِغَةَ؛ الصّادِرَةَ عَنْهم بِقَضِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ؛ وهي الَّتِي عُبِّرَ عَنْها فِيما قَبْلُ بِـ "مِلَّتَهُمْ"؛ إذْ هي الَّتِي يَنْتَمُونَ إلَيْها؛ وأمّا ما شَرَعَهُ اللَّهُ (تَعالى) لَهم مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِلْمِلَّةِ؛ فَقَدْ غَيَّرُوها تَغْيِيرًا؛ ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾؛ أيْ: الوَحْيِ؛ أوْ: الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ؛ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾: مِن جِهَتِهِ العَزِيزَةِ؛ ﴿مِن ولِيٍّ﴾؛ يَلِي أمْرَكَ عُمُومًا؛ ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾؛ يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ؛ وحَيْثُ لَمْ يَسْتَلْزِمْ نَفْيُ الوَلِيِّ نَفْيَ النَّصِيرِ؛ وُسِّطَ "لا" بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ؛ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ وهَذا بابُ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ؛ وإلّا فَأنّى يُتَوَهَّمُ إمْكانُ اتِّباعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمِلَّتِهِمْ؟ وهو جَوابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي وطَّأهُ اللّامُ؛ واكْتُفِيَ بِهِ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии