Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Фатиха 1:1, продолжение
وَأمّا شَهادَةُ التَّجارِبِ بِذَلِكَ فَهي أكْثَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ، وذَلِكَ في كُلِّ زَمانٍ، وقَدْ جَرَّبْتُ أنا مِن ذَلِكَ في نَفْسِي وفي غَيْرِي أُمُورًا عَجِيبَةً، ولا سِيَّما مُدَّةَ المُقامِ بِمَكَّةَ، فَإنَّهُ كانَ يَعْرِضُ لِي آلامٌ مُزْعِجَةٌ، بِحَيْثُ تَكادُ تَقْطَعُ الحَرَكَةَ مِنِّي، وذَلِكَ في أثْناءِ الطَّوافِ وغَيْرِهِ، فَأُبادِرُ إلى قِراءَةِ الفاتِحَةِ، وأمْسَحُ بِها عَلى مَحَلِّ الألَمِ فَكَأنَّهُ حَصاةٌ تَسْقُطُ، جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِرارًا عَدِيدَةً، وكُنْتُ آخُذُ قَدَحًا مِن ماءِ زَمْزَمٍ فَأقْرَأُ عَلَيْهِ الفاتِحَةَ مِرارًا، فَأشْرَبُهُ فَأجِدُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ والقُوَّةِ ما لَمْ أعْهَدْ مِثْلَهُ في الدَّواءِ، والأمْرُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ بِحَسَبِ قُوَّةِ الإيمانِ، وصِحَّةِ اليَقِينِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[فَصْلٌ: في اشْتِمالِ الفاتِحَةِ عَلى الرَّدِّ عَلى جَمِيعِ المُبْطِلِينَ مِن أهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ، والرَّدِّ عَلى أهْلِ البِدَعِ والضَّلالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ]
وَهَذا يُعْلَمُ بِطَرِيقَيْنِ، مُجْمَلٍ ومُفَصَّلٍ:
أمّا المُجْمَلُ: فَهو أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُتَضَمِّنٌ مَعْرِفَةَ الحَقِّ، وإيثارَهُ، وتَقْدِيمَهُ عَلى غَيْرِهِ، ومَحَبَّتَهُ والِانْقِيادَ لَهُ، والدَّعْوَةَ إلَيْهِ، وجِهادَ أعْدائِهِ بِحَسَبِ الإمْكانِ.
والحَقُّ: هو ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، وما جاءَ بِهِ عِلْمًا وعَمَلًا في بابِ صِفاتِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، وأسْمائِهِ وتَوْحِيدِهِ، وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وفي حَقائِقِ الإيمانِ، الَّتِي هي مَنازِلُ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى، وكُلُّ ذَلِكَ مُسَلَّمٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، دُونَ آراءِ الرِّجالِ وأوْضاعِهِمْ وأفْكارِهِمْ واصْطِلاحاتِهِمْ.
فَكُلُّ عِلْمٍ أوْ عَمَلٍ أوْ حَقِيقَةٍ، أوْ حالٍ أوْ مَقامٍ خَرَجَ مِن مِشْكاةِ نُبُوَّتِهِ، وعَلَيْهِ السِّكَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ، بِحَيْثُ يَكُونُ مِن ضَرْبِ المَدِينَةِ، فَهو مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو مِن صِراطِ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ، فَما ثَمَّ خُرُوجٌ عَنْ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثِ: طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وما جاءَ بِهِ، وطَرِيقِ أهْلِ الغَضَبِ، وهي طَرِيقُ مَن عَرَفَ الحَقَّ وعانَدَهُ، وطَرِيقِ أهْلِ الضَّلالِ وهي طَرِيقُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِهَذا قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: " الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو الإسْلامُ "، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: " هو القُرْآنُ "، وفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ في التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: " طَرِيقُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ "، وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ: " طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
وَلا رَيْبَ أنَّ ما كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ عِلْمًا وعَمَلًا وهو مَعْرِفَةُ الحَقِّ وتَقْدِيمُهُ، وإيثارُهُ عَلى غَيْرِهِ، فَهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ دالَّةٌ عَلَيْهِ جامِعَةٌ لَهُ.
فَبِهَذا الطَّرِيقِ المُجْمَلِ يُعْلَمُ أنَّ كُلَّ ما خالَفَهُ فَباطِلٌ، وهو مِن صِراطِ الأُمَّتَيْنِ: الأُمَّةِ الغَضَبِيَّةِ، وأُمَّةِ أهْلِ الضَّلالِ.
[فَصْل]
وَأمّا المُفَصَّلُ: فَبِمَعْرِفَةِ المَذاهِبِ الباطِلَةِ، واشْتِمالِ كَلِماتِ الفاتِحَةِ عَلى إبْطالِها، فَنَقُولُ:
النّاسُ قِسْمانِ: مُقِرٌّ بِالحَقِّ تَعالى، وجاحِدٌ لَهُ، فَتَضَمَّنَتِ الفاتِحَةُ إثْباتَ الخالِقِ تَعالى، والرَّدَّ عَلى مَن جَحَدَهُ، بِإثْباتِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ.
وَتَأمَّلْ حالَ العالَمِ كُلِّهِ، عُلْوِيِّهِ وسُفْلِيِّهِ، بِجَمِيعِ أجْزائِهِ: تَجِدُهُ شاهِدًا بِإثْباتِ صانِعِهِ وفاطِرِهِ ومَلِيكِهِ، فَإنْكارُ صانِعِهِ وجَحْدُهُ في العُقُولِ والفِطَرِ بِمَنزِلَةِ إنْكارِ العِلْمِ وجَحْدِهِ، لا فَرْقَ بَيْنَهُما، بَلْ دِلالَةُ الخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ، والفَعّالِ عَلى الفِعْلِ، والصّانِعِ عَلى أحْوالِ المَصْنُوعِ عِنْدَ العُقُولِ الزَّكِيَّةِ المُشْرِقَةِ العُلْوِيَّةِ، والفِطَرِ الصَّحِيحَةِ أظْهَرُ مِنَ العَكْسِ.
فالعارِفُونَ أرْبابُ البَصائِرِ يَسْتَدِلُّونَ بِاللَّهِ عَلى أفْعالِهِ وصُنْعِهِ، إذا اسْتَدَلَّ النّاسُ بِصُنْعِهِ وأفْعالِهِ عَلَيْهِ، ولا رَيْبَ أنَّهُما طَرِيقانِ صَحِيحانِ، كُلٌّ مِنهُما حَقٌّ، والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِما.
فَأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالصَّنْعَةِ فَكَثِيرٌ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِالصّانِعِ فَلَهُ شَأْنٌ، وهو الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ بِقَوْلِهِمْ لِأُمَمِهِمْ ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: ١٠] أيْ أيُشَكُّ في اللَّهِ حَتّى يُطْلَبَ إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى وُجُودِهِ؟ وأيُّ دَلِيلٍ أصَحُّ وأظْهَرُ مِن هَذا المَدْلُولِ؟ فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلى الأظْهَرِ بِالأخْفى؟ ثُمَّ نَبَّهُوا عَلى الدَّلِيلِ بِقَوْلِهِمْ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤].
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: كَيْفَ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ عَلى مَن هو دَلِيلٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟ وكانَ كَثِيرًا ما يَتَمَثَّلُ بِهَذا البَيْتِ:
؎وَلَيْسَ يَصِحُّ في الأذْهانِ شَيْءٌ ∗∗∗ إذا احْتاجَ النَّهارُ إلى دَلِيلٍ
وَمَعْلُومٌ أنَّ وُجُودَ الرَّبِّ تَعالى أظْهَرُ لِلْعُقُولِ والفِطَرِ مِن وُجُودِ النَّهارِ، ومَن لَمْ يَرَ ذَلِكَ في عَقْلِهِ وفِطْرَتِهِ فَلْيَتَّهِمْهُما.
وَإذا بَطَلَ قَوْلُ هَؤُلاءِ بَطَلَ قَوْلُ أهْلِ الإلْحادِ، القائِلِينَ بِوَحْدَةِ الوُجُودِ، وأنَّهُ ما ثَمَّ وُجُودٌ قَدِيمٌ خالِقٌ ووُجُودٌ حادِثٌ مَخْلُوقٌ، بَلْ وُجُودُ هَذا العالَمِ هو عَيْنُ وُجُودِ اللَّهِ، وهو حَقِيقَةُ وُجُودِ هَذا العالَمِ، فَلَيْسَ عِنْدَ القَوْمِ رَبٌّ وعَبْدٌ، ولا مالِكٌ ومَمْلُوكٌ، ولا راحِمٌ ومَرْحُومٌ، ولا عابِدٌ ومَعْبُودٌ، ولا مُسْتَعِينٌ ومُسْتَعانٌ بِهِ، ولا هادٍ ولا مَهْدِيٌّ، ولا مُنْعِمٌ ولا مُنْعَمٌ عَلَيْهِ، ولا غَضْبانُ ومَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، بَلِ الرَّبُّ هو نَفْسُ العَبْدِ وحَقِيقَتُهُ، والمالِكُ هو عَيْنُ المَمْلُوكِ، والرّاحِمُ هو عَيْنُ المَرْحُومِ، والعابِدُ هو نَفْسُ المَعْبُودِ، وإنَّما التَّغايُرُ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ بِحَسَبِ مَظاهِرِ الذّاتِ وتَجَلِّيّاتِها، فَتَظْهَرُ تارَةً في صُورَةِ مَعْبُودٍ، كَما ظَهَرَتْ في صُورَةِ فِرْعَوْنَ، وفي صُورَةِ عَبْدٍ، كَما ظَهَرَتْ في صُورَةِ العَبِيدِ، وفي صُورَةِ هادٍ، كَما في صُورَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ والعُلَماءِ، والكُلُّ مِن عَيْنٍ واحِدَةٍ، بَلْ هو العَيْنُ الواحِدَةُ، فَحَقِيقَةُ العابِدِ ووُجُودُهُ أوْ أنِّيَّتُهُ: هي حَقِيقَةُ المَعْبُودِ ووُجُودُهُ وأنِّيَّتُهُ.
والفاتِحَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها تُبَيِّنُ بُطْلانَ قَوْلِ هَؤُلاءِ المَلاحِدَةِ وضَلالَهم.
[فَصْلٌ: في تَضَمُّنِها الرَّدَّ عَلى الجَهْمِيَّةِ مُعَطِّلَةِ الصِّفاتِ]
وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: مِن قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] فَإنَّ إثْباتَ الحَمْدِ الكامِلِ لَهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ كُلِّ ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ، مِن صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ، إذْ مَن عُدِمَ صِفاتِ الكَمالِ فَلَيْسَ بِمَحْمُودٍ عَلى الإطْلاقِ، وغايَتُهُ: أنَّهُ مَحْمُودٌ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ولا يَكُونُ مَحْمُودًا بِكُلِّ وجْهٍ،
وَبِكُلِّ اعْتِبارٍ، بِجَمِيعِ أنْواعِ الحَمْدِ إلّا مَنِ اسْتَوْلى عَلى صِفاتِ الكَمالِ جَمِيعِها، فَلَوْ عُدِمَ مِنها صِفَةً واحِدَةً لَنَقَصَ مِن حَمْدِهِ بِحَسَبِها.
وَكَذَلِكَ في إثْباتِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ لَهُ ما يَتَضَمَّنُ إثْباتَ الصِّفاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُها مِنَ الحَياةِ، والإرادَةِ والقُدْرَةِ، والسَّمْعِ والبَصَرِ، وغَيْرِها.
وَكَذَلِكَ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ صِفاتِ الفِعْلِ وصِفَةُ الإلَهِيَّةِ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ أوْصافِ الكَمالِ ذاتًا وأفْعالًا، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
فَكَوْنُهُ مَحْمُودًا إلَهًا رَبًّا، رَحْمانًا رَحِيمًا، مَلِكًا مَعْبُودًا، مُسْتَعانًا، هادِيًا مُنْعِمًا، يَرْضى ويَغْضَبُ مَعَ نَفْيِ قِيامِ الصِّفاتِ بِهِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وهو مَن أمْحَلِ المُحالَ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقُ تَتَضَمَّنُ إثْباتَ الصِّفاتِ الخَبَرِيَّةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّها مِن لَوازِمِ كَمالِهِ المُطْلَقِ، فَإنَّ اسْتِواءَهُ عَلى عَرْشِهِ مِن لَوازِمِ عُلُوِّهِ، ونُزُولَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا في نِصْفِ اللَّيْلِ الثّانِي مِن لَوازِمِ رَحْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، وهَكَذا سائِرُ الصِّفاتِ الخَبَرِيَّةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السَّمْعَ ورَدَ بِها، ثَناءً عَلى اللَّهِ ومَدْحًا لَهُ، وتَعَرُّفًا مِنهُ إلى عِبادِهِ بِها، فَجَحْدُها وتَحْرِيفُها عَمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وعَمّا أُرِيدَ بِها مُناقِضٌ لِما جاءَتْ بِهِ، فَلَكَ أنْ تَسْتَدِلَّ بِطَرِيقِ السَّمْعِ عَلى أنَّها كَمالٌ، وأنْ تَسْتَدِلَّ بِالعَقْلِ كَما تَقَدَّمَ.
[فَصْلٌ: في تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى الجَبْرِيَّةِ]
وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: مِن إثْباتِ عُمُومِ حَمْدِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ لا يُعاقِبَ عَبِيدَهُ عَلى ما لا قُدْرَةَ لَهم عَلَيْهِ، ولا هو مِن فِعْلِهِمْ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ ألْوانِهِمْ، وطُولِهِمْ وقِصَرِهِمْ، بَلْ هو يُعاقِبُهم عَلى نَفْسِ فِعْلِهِ بِهِمْ، فَهو الفاعِلُ لِقَبائِحِهِمْ في الحَقِيقَةِ، وهو المُعاقِبُ لَهم عَلَيْها، فَحَمْدُهُ عَلَيْها يَأْبى ذَلِكَ أشَدَّ الإباءِ، ويَنْفِيهِ أعْظَمَ النَّفْيِ، فَتَعالى مَن لَهُ الحَمْدُ كُلُّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ إنَّما يُعاقِبُهم عَلى نَفْسِ أفْعالِهِمُ الَّتِي فَعَلُوها حَقِيقَةً، فَهي أفْعالُهم لا أفْعالُهُ، وإنَّما أفْعالُهُ العَدْلُ، والإحْسانُ والخَيْراتُ.
الوَجْهُ الثّانِي: إثْباتُ رَحْمَتِهِ ورَحْمانِيَّتِهِ يَنْفِي ذَلِكَ إذْ لا يُمْكِنُ اجْتِماعُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ قَطُّ أنْ يَكُونَ رَحْمانًا رَحِيمًا ويُعاقِبُ العَبْدَ عَلى ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، ولا هو مِن فِعْلِهِ، بَلْ يُكَلِّفُهُ ما لا يُطِيقُهُ، ولا لَهُ عَلَيْهِ قُدْرَةٌ ألْبَتَّةَ، ثُمَّ يُعاقِبُهُ عَلَيْهِ، وهَلْ هَذا إلّا ضِدُّ الرَّحْمَةِ، ونَقْضٌ لَها وإبْطالٌ؟ وهَلْ يَصِحُّ في مَعْقُولِ أحَدٍ اجْتِماعُ ذَلِكَ والرَّحْمَةِ التّامَّةِ الكامِلَةِ في ذاتٍ واحِدَةٍ؟
الوَجْهُ الثّالِثُ: إثْباتُ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ لَهُمْ، ونِسْبَتُها إلَيْهِمْ، بِقَوْلِهِمْ " نَعْبُدُ، ونَسْتَعِينُ " وهي نِسْبَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لا مَجازِيَّةٌ، واللَّهُ لا يَصِحُّ وصْفُهُ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ الَّتِي هي مِن أفْعالِ عَبِيدِهِ، بَلِ العَبْدُ حَقِيقَةً هو العابِدُ المُسْتَعِينُ، واللَّهُ هو المَعْبُودُ المُسْتَعانُ بِهِ.
[فَصْلٌ: في بَيانِ تُضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى القائِلِينَ بِالمُوجَبِ بِالذّاتِ دُونَ الِاخْتِيارِ والمَشِيئَةِ، وبَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ فاعِلٌ مُخْتارٌ]
وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: مِن إثْباتِ حَمْدِهِ، إذْ كَيْفَ يُحْمَدُ عَلى ما لَيْسَ مُخْتارًا لِوُجُودِهِ، ولا هو بِمَشِيئَتِهِ وفِعْلِهِ؟ وهَلْ يَصِحُّ حَمْدُ الماءِ عَلى آثارِهِ ومُوجَباتِهِ؟ أوِ النّارِ والحَدِيدِ وغَيْرِها في عَقْلٍ أوْ فِطْرَةٍ؟ وإنَّما يُحْمَدُ الفاعِلُ المُخْتارُ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ عَلى أفْعالِهِ الحَمِيدَةِ، هَذا الَّذِي لَيْسَ يَصِحُّ في العُقُولِ والفِطَرِ سِواهُ، فَخِلافُهُ خارِجٌ عَنِ الفِطْرَةِ والعَقْلِ وهو لا يُنْكِرُ خُرُوجَهُ عَنِ الشَّرائِعِ والنُّبُوّاتِ، بَلْ يَتَبَجَّحُ بِذَلِكَ ويَعُدُّهُ فَخْرًا.
الثّانِي: إثْباتُ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى يَقْتَضِي فِعْلَهُ بِمَشِيئَتِهِ واخْتِيارِهِ، وتَدْبِيرِهِ وقُدْرَتِهِ، ولَيْسَ يَصِحُّ في عَقْلٍ ولا فِطْرَةٍ رُبُوبِيَّةُ الشَّمْسِ لِضَوْئِها، والماءِ لِتَبْرِيدِهِ، ولِلنَّباتِ الحاصِلِ بِهِ، ولا رُبُوبِيَّةُ شَيْءٍ أبَدًا لِما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ ألْبَتَّةَ، وهَلْ هَذا إلّا تَصْرِيحٌ بِجَحْدِ الرُّبُوبِيَّةِ؟
فالقَوْمُ كَنَّوْا لِلْأغْمارِ، وصَرَّحُوا لِأُولِي الأفْهامِ.
الثّالِثُ: إثْباتُ مِلْكِهِ، وحُصُولُ مِلْكٍ لِمَن لا اخْتِيارَ لَهُ ولا فِعْلَ ولا مَشِيئَةَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، بَلْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ مَشِيئَةٌ واخْتِيارٌ وفِعْلٌ أتَمُّ مِن هَذا المَلِكِ وأكْمَلُ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧].
الرّابِعُ: مِن كَوْنِهِ مُسْتَعانًا، فَإنَّ الِاسْتِعانَةَ بِمَن لا اخْتِيارَ لَهُ ولا مَشِيئَةَ ولا قُدْرَةَ مُحالٌ.
الخامِسُ: مِن كَوْنِهِ مَسْئُولًا أنْ يَهْدِيَ عِبادَهُ، فَسُؤالُ مَن لا اخْتِيارَ لَهُ مُحالٌ، وكَذَلِكَ مِن كَوْنِهِ مُنْعِمًا.
[فَصْلٌ: في تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالجُزْئِيّاتِ]
وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: كَمالُ حَمْدِهِ، وكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ العالَمِ وأحْوالِهِ وتَفاصِيلِهِ، ولا عَدَدَ الأفْلاكِ، ولا عَدَدَ النُّجُومِ، ولا مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، ولا مَن يَدْعُوهُ مِمَّنْ لا يَدْعُوهُ؟
الثّانِي: أنَّ هَذا مُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ إلَهًا، وأنْ يَكُونَ رَبّا، فَلا بُدَّ لِلْإلَهِ المَعْبُودِ،
والرَّبِّ المُدَبِّرِ، مِن أنْ يَعْلَمَ عابِدَهُ، ويَعْلَمَ حالَهُ.
الثّالِثُ: مِن إثْباتِ رَحْمَتِهِ، فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَرْحَمَ مَن لا يَعْلَمُ.
الرّابِعُ: إثْباتُ مِلْكِهِ، فَإنَّ مَلِكًا لا يَعْرِفُ أحَدًا مِن رَعِيَّتِهِ ألْبَتَّةَ، ولا شَيْئًا مِن أحْوالِ مَمْلَكَتِهِ ألْبَتَّةَ، لَيْسَ بِمَلِكٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
الخامِسُ: كَوْنُهُ مُسْتَعانًا.
السّادِسُ: كَوْنُهُ مَسْئُولًا أنْ يَهْدِيَ سائِلَهُ ويُجِيبَهُ.
السّابِعُ: كَوْنُهُ هادِيًا.
الثّامِنُ: كَوْنُهُ مُنْعِمًا.
التّاسِعُ: كَوْنُهُ غَضْبانَ عَلى مَن خالَفَهُ.
العاشِرُ: كَوْنُهُ مُجازِيًا، يَدِينُ النّاسَ بِأعْمالِهِمْ يَوْمَ الدِّينِ.
فَنَفْيُ عِلْمِهِ بِالجُزْئِيّاتِ مُبْطِلٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ.
[فَصْلٌ في بَيانِ تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي النُّبُوّاتِ]
وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إثْباتُ حَمْدِهِ التّامِّ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي كَمالَ حِكْمَتِهِ، وأنْ لا يَخْلُقَ خَلْقَهُ عَبَثًا، ولا يَتْرُكَهم سُدًى، لا يُؤْمَرُونَ ولا يُنْهَوْنَ، ولِذَلِكَ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَنْ هَذا في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتابِهِ، وأخْبَرَ أنَّ مَن أنْكَرَ الرِّسالَةَ والنُّبُوَّةَ وأنْ يَكُونَ ما أُنْزِلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ فَإنَّهُ ما عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، ولا عَظَّمَهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، ولا قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، بَلْ نَسَبَهُ إلى ما لا يَلِيقُ بِهِ، ويَأْباهُ حَمْدُهُ ومَجْدُهُ.
فَمَن أعْطى الحَمْدَ حَقَّهُ عِلْمًا ومَعْرِفَةً وبَصِيرَةً اسْتَنْبَطَ مِنهُ " أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " كَما يَسْتَنْبِطُ مِنهُ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وعَلِمَ قَطْعًا أنَّ تَعْطِيلَ النُّبُوّاتِ في مُنافاتِهِ لِلْحَمْدِ، كَتَعْطِيلِ صِفاتِ الكَمالِ، وكَإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ.
الثّانِي: إلَهِيَّتُهُ، وكَوْنُهُ إلَهًا، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ مَعْبُودًا مُطاعًا، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما يُعْبَدُ بِهِ ويُطاعُ إلّا مِن جِهَةِ رُسُلِهِ.
الثّالِثُ: كَوْنُهُ رَبًّا، فَإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي أمْرَ العِبادِ ونَهْيَهُمْ، وجَزاءَ مُحْسِنِهِمْ بِإحْسانِهِ، ومُسِيئِهِمْ بِإساءَتِهِ، هَذا حَقِيقَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
الرّابِعُ: كَوْنُهُ رَحْمانًا رَحِيمًا، فَإنَّ مِن كَمالِ رَحْمَتِهِ أنْ يُعَرِّفَ عِبادَهُ نَفْسَهُ وصِفاتِهِ ويَدُلَّهم عَلى ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ، ويُباعِدُهم مِنهُ، ويُثِيبَهم عَلى طاعَتِهِ، ويَجْزِيَهم بِالحُسْنى، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، فَكانَتْ رَحْمَتُهُ مُقْتَضِيَةً لَها.
الخامِسُ: مِلْكُهُ، فَإنَّ المِلْكَ يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ بِالقَوْلِ، كَما أنَّ المِلْكَ يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ بِالفِعْلِ، فالمَلِكُ هو المُتَصَرِّفُ بِأمْرِهِ وقَوْلِهِ، فَتَنْفُذُ أوامِرُهُ ومَراسِيمُهُ حَيْثُ شاءَ، والمالِكُ هو المُتَصَرِّفُ في مُلْكِهِ بِفِعْلِهِ، واللَّهُ لَهُ المُلْكُ، ولَهُ المِلْكُ، فَهو المُتَصَرِّفُ في خَلْقِهِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
وَتَصَرُّفُهُ بِقَوْلِهِ نَوْعانِ: تَصَرُّفٌ بِكَلِماتِهِ الكَوْنِيَّةِ، وتَصَرُّفٌ بِكَلِماتِهِ الدِّينِيَّةِ، وكَمالُ المُلْكِ بِهِما.
فَإرْسالُ الرُّسُلِ مُوجَبُ كَمالِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ، وهَذا هو المُلْكُ المَعْقُولُ في فِطَرِ النّاسِ وعُقُولِهِمْ، فَكُلُّ مَلِكٍ لا تَكُونُ لَهُ رُسُلٌ يَبُثُّهم في أقْطارِ مَمْلَكَتِهِ فَلَيْسَ بِمَلِكٍ.
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقِ يُعْلَمُ وُجُودُ مَلائِكَتِهِ، وأنَّ الإيمانَ بِهِمْ مِن لَوازِمِ الإيمانِ بِمُلْكِهِ، فَإنَّهم رُسُلُ اللَّهِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ.
السّادِسُ: " ثُبُوتُ يَوْمِ " الدِّينِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي يَدِينُ اللَّهُ فِيهِ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ خَيْرًا وشَرًّا، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، وقِيامِ الحُجَّةِ الَّتِي بِسَبَبِها يُدانُ المُطِيعُ والعاصِي.
السّابِعُ: كَوْنُهُ مَعْبُودًا، فَإنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا بِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، ولا سَبِيلَ لِلْخَلْقِ إلى مَعْرِفَةِ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ إلّا مِن جِهَةِ رُسُلِهِ، فَإنْكارُ رُسُلِهِ إنْكارٌ لِكَوْنِهِ مَعْبُودًا.
الثّامِنُ: كَوْنُهُ هادِيًا إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وهو مَعْرِفَةُ الحَقِّ والعَمَلُ بِهِ، وهو أقْرَبُ الطُّرُقِ المُوَصِّلَةِ إلى المَطْلُوبِ، فَإنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ: هو أقْرَبُ خَطٍّ مُوَصِّلٍ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، وذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ، فَتَوَقُّفُهُ عَلى الرُّسُلِ ضَرُورِيٌّ، أعْظَمُ مِن تَوَقُّفِ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ عَلى سَلامَةِ الحَواسِ.
التّاسِعُ: كَوْنُهُ مُنْعِمًا عَلى أهْلِ الهِدايَةِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ: فَإنَّ إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ إنَّما تَمَّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وجَعْلِهِمْ قابِلِينَ الرِّسالَةَ، مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ، وبِذَلِكَ ذَكَّرَهم مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ وإنْعامَهُ في كِتابِهِ.
العاشِرُ: انْقِسامُ خَلْقِهِ إلى مُنْعَمٍ عَلَيْهِمْ، ومَغْضُوبٍ عَلَيْهِمْ، وضالِّينَ، فَإنَّ هَذا الِانْقِسامَ ضَرُورِيٌّ بِحَسَبِ انْقِسامِهِمْ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ، والعَمَلِ بِهِ إلى عالِمٍ بِهِ، عامِلٍ بِمُوجَبِهِ، وهم أهْلُ النِّعْمَةِ، وعالِمٍ بِهِ مُعانِدٍ لَهُ، وهم أهْلُ الغَضَبِ، وجاهِلٍ بِهِ وهُمُ الضّالُّونَ، هَذا الِانْقِسامُ إنَّما نَشَأ بَعْدَ إرْسالِ الرُّسُلِ، فَلَوْلا الرُّسُلُ لَكانُوا أُمَّةً واحِدَةً، فانْقِسامُهم إلى هَذِهِ الأقْسامِ مُسْتَحِيلٌ بِدُونِ الرِّسالَةِ، وهَذا الِانْقِسامُ ضَرُورِيٌّ بِحَسَبِ الواقِعِ، فالرِّسالَةُ ضَرُورِيَّةٌ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ والَّتِي قَبْلَها بَيانُ تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مَن أنْكَرَ المَعادَ الجُسْمانِيَّ، وقِيامَةَ الأبْدانِ، وعَرَفْتَ اقْتِضاءَها ضَرُورَةً لِثُبُوتِ الثَّوابِ والعِقابِ والأمْرِ والنَّهْيِ وهو الحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ ولَهُ السَّماواتُ والأرْضُ والدُّنْيا والآخِرَةُ وهو مُقْتَضى الخَلْقِ والأمْرِ، ونَفْيُهُ نَفْيٌ لَهُما.
[فَصْلٌ: إذا ثَبَتَتِ النُّبُوّاتُ والرِّسالَةُ ثَبَتَتْ صِفَةُ التَّكَلُّمِ والتَّكْلِيمِ]
فَإنَّ حَقِيقَةَ الرِّسالَةِ تَبْلِيغُ كَلامِ المُرْسِلِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ كَلامٌ فَماذا يُبَلِّغُ الرَّسُولُ؟ بَلْ كَيْفَ يُعْقَلُ كَوْنُهُ رَسُولًا؟ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا، أوْ يَكُونَ القُرْآنُ كَلامَهُ: فَقَدْ أنْكَرَ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، بَلْ ورِسالَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ الَّتِي حَقِيقَتُها تَبْلِيغُ كَلامِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، ولِهَذا قالَ مُنْكِرُو رِسالَتِهِ ﷺ عَنِ القُرْآنِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤] إنَّما عَنَوُا القُرْآنَ المَسْمُوعَ الَّذِي بُلِّغُوهُ، وأُنْذِرُوا بِهِ.
فَمَن قالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَقَدْ ضاهَأ قَوْلُهُ قَوْلَهُمْ: تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
[فَصْلٌ: في بَيانِ تَضَمُّنِها لِلرَّدِّ عَلى مَن قالَ بِقِدَمِ العالَمِ]
وَذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: إثْباتُ حَمْدِهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ أفْعالِهِ لاسِيَّما وعامَّةُ مَوادِّ الحَمْدِ في القُرْآنِ أوْ كُلُّها إنَّما هي عَلى الأفْعالِ، وكَذَلِكَ هو هاهُنا، فَإنَّهُ حَمِدَ نَفْسَهُ عَلى رُبُوبِيَّتِهِ،
المُتَضَمِّنَةِ لِأفْعالِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ، ومِنَ المُسْتَحِيلِ مُقارَنَةُ الفِعْلِ لِفاعِلِهِ، هَذا مُمْتَنِعٌ في كُلِّ عَقْلٍ سَلِيمٍ، وفِطْرَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، فالفِعْلُ مُتَأخِّرٌ عَنْ فاعِلِهِ بِالضَّرُورَةِ.
وأيْضًا فَإنَّهُ مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والتَّأْثِيرِ والقُدْرَةِ، ولا يَكُونُ مُتَعَلِّقُها قَدِيمًا ألْبَتَّةَ.
الثّانِي: إثْباتُ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ، وتَقْرِيرُ ما ذَكَرْناهُ، والعالَمُ كُلُّ ما سِواهُ فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ، والمَرْبُوبُ مَخْلُوقٌ بِالضَّرُورَةِ، وكُلُّ مَخْلُوقٍ حادِثٌ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، فَإذًا رُبُوبِيَّتُهُ تَعالى لِكُلِّ ما سِواهُ تَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَهُ عَلَيْهِ، وحُدُوثَ المَرْبُوبِ، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ العالَمُ قَدِيمًا وهو مَرْبُوبٌ أبَدًا، فَإنَّ القَدِيمَ مُسْتَغْنٍ بِأزَلِيَّتِهِ عَنْ فاعِلٍ لَهُ، وكُلُّ مَرْبُوبٍ فَهو فَقِيرٌ بِالذّاتِ، فَلا شَيْءَ مِنَ المَرْبُوبِ يُغْنِي ولا قَدِيمَ.
الثّالِثُ: إثْباتُ تَوْحِيدِهِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ مُشارَكَةِ شَيْءٍ مِنَ العالَمِ لَهُ في خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، والقُدْرَةُ مِن خَصائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، فالتَّوْحِيدُ يَنْفِي ثُبُوتَهُ لِغَيْرِهِ ضَرُورَةً، كَما يَنْفِي ثُبُوتَ الرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ لِغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ: في اشْتِمالِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنْواعِ التَّوْحِيدِ الثَّلاثَةِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْها الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ]
التَّوْحِيدُ نَوْعانِ: نَوْعٌ في العِلْمِ والِاعْتِقادِ، ونَوْعٌ في الإرادَةِ والقَصْدِ، ويُسَمّى الأوَّلُ: التَّوْحِيدَ العِلْمِيَّ، والثّانِي: التَّوْحِيدَ القَصْدِيَّ الإرادِيَّ، لِتَعَلُّقِ الأوَّلِ بِالأخْبارِ والمَعْرِفَةِ، والثّانِي بِالقَصْدِ والإرادَةِ، وهَذا الثّانِي أيْضًا نَوْعانِ: تَوْحِيدٌ في الرُّبُوبِيَّةِ، وتَوْحِيدٌ في الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ.
فَأمّا تَوْحِيدُ العِلْمِ: فَمَدارُهُ عَلى إثْباتِ صِفاتِ الكَمالِ، وعَلى نَفْيِ التَّشْبِيهِ والمِثالِ، والتَّنْزِيهِ عَنِ العُيُوبِ والنَّقائِصِ، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا شَيْئانِ: مُجْمَلٌ، ومُفَصَّلٌ.
أمّا المُجْمَلُ: فَإثْباتُ الحَمْدِ لَهُ سُبْحانَهُ، وأمّا المُفَصَّلُ: فَذِكْرُ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، والرَّحْمَةِ والمُلْكِ، وعَلى هَذِهِ الأرْبَعِ مَدارُ الأسْماءِ والصِّفاتِ.
فَأمّا تَضَمُّنُ الحَمْدِ لِذَلِكَ: فَإنَّ الحَمْدَ يَتَضَمَّنُ مَدْحَ المَحْمُودِ بِصِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ، مَعَ مَحَبَّتِهِ والرِّضا عَنْهُ، والخُضُوعِ لَهُ، فَلا يَكُونُ حامِدًا مَن جَحَدَ صِفاتِ المَحْمُودِ، ولا مَن أعْرَضَ عَنْ مَحَبَّتِهِ والخُضُوعِ لَهُ، وكُلَّما كانَتْ صِفاتُ كَمالِ المَحْمُودِ أكْثَرَ كانَ حَمْدُهُ أكْمَلَ، وكُلَّما نَقَصَ مِن صِفاتِ كَمالِهِ نَقَصَ مِن حَمْدِهِ بِحَسَبِها، ولِهَذا كانَ الحَمْدُ كُلُّهُ لِلَّهِ حَمْدًا لا يُحْصِيهِ سِواهُ، لِكَمالِ صِفاتِهِ وكَثْرَتِها، ولِأجْلِ هَذا لا يُحْصِي أحَدٌ مِن خَلْقِهِ ثَناءً عَلَيْهِ، لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ونُعُوتِ الجَلالِ الَّتِي لا يُحْصِيها سِواهُ، ولِهَذا ذَمَّ اللَّهُ تَعالى آلِهَةَ الكُفّارِ، وعابَها بِسَلْبِ أوْصافِ الكَمالِ عَنْها، فَعابَها بِأنَّها لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ، ولا تَتَكَلَّمُ ولا تَهْدِي، ولا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذِهِ صِفَةُ إلَهِ الجَهْمِيَّةِ، الَّتِي عابَ بِها الأصْنامَ، نَسَبُوها إلَيْهِ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ والجاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُحاجَّتِهِ لِأبِيهِ ﴿ياأبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] فَلَوْ كانَ إلَهُ إبْراهِيمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ والمَثابَةِ لَقالَ لَهُ آزَرُ: وأنْتَ إلَهُكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَكَيْفَ تُنْكِرُ عَلَيَّ؟ لَكِنْ كانَ مَعَ شِرْكِهِ أعْرَفَ بِاللَّهِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ، وكَذَلِكَ كَفّارُ قُرَيْشٍ كانُوا مَعَ شِرْكِهِمْ مُقِرِّينَ بِصِفاتِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وعُلُوِّهِ عَلى خَلْقِهِ، وقالَ تَعالى ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] فَلَوْ كانَ إلَهُ الخَلْقِ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في هَذا إنْكارٌ عَلَيْهِمْ، واسْتِدْلالٌ عَلى بُطْلانِ الإلَهِيَّةِ بِذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: فاللَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُ عِبادَهُ.
قِيلَ: بَلى، قَدْ كَلَّمَهُمْ، فَمِنهم مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ، مِنهُ إلَيْهِ بِلا واسِطَةٍ كَمُوسى، ومِنهم مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ المَلَكِيِّ، وهُمُ الأنْبِياءُ، وكَلَّمَ اللَّهُ سائِرَ النّاسِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كَلامَهُ الَّذِي بَلَّغَتْهُ رُسُلُهُ عَنْهُ، وقالُوا لَهُمْ: هَذا كَلامُ اللَّهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ، وأمَرَنا بِتَبْلِيغِهِ إلَيْكُمْ، ومِن هاهُنا قالَ السَّلَفُ: مَن أنْكَرَ كَوْنَ اللَّهِ مُتَكَلِمًا فَقَدْ أنْكَرَ رِسالَةَ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ، لِأنَّ حَقِيقَتَها تَبْلِيغُ كَلامِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ إلى عِبادِهِ، فَإذا انْتَفى كَلامُهُ انْتَفَتِ الرِّسالَةُ، وقالَ تَعالى في سُورَةِ طه عَنِ السّامِرِيِّ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٨] ورَجْعُ القَوْلِ: هو التَّكَلُّمُ والتَّكْلِيمُ، وقالَ تَعالى ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] فَجَعَلَ نَفْيَ صِفَةِ الكَلامِ مُوجِبًا لِبُطْلانِ الإلَهِيَّةِ، وهَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ بِالفِطَرِ والعُقُولِ السَّلِيمَةِ والكُتُبِ السَّماوِيَّةِ: أنَّ فاقِدَ صِفاتِ الكَمالِ لا يَكُونُ إلَهًا، ولا مُدَبِّرًا، ولا رَبًّا، بَلْ هو مَذْمُومٌ، مَعِيبٌ ناقِصٌ، لَيْسَ لَهُ الحَمْدُ، لا في الأُولى، ولا في الآخِرَةِ، وإنَّما الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ لِمَن لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، ونُعُوتُ الجَلالِ، الَّتِي لِأجْلِها اسْتَحَقَّ الحَمْدَ، ولِهَذا سَمّى السَّلَفُ كُتُبَهُمُ الَّتِي صَنَّفُوها في السُّنَّةِ وإثْباتِ صِفاتِ الرَّبِّ وعُلُوِّهِ عَلى خَلْقِهِ وكَلامِهِ وتَكْلِيمِهِ تَوْحِيدًا، لِأنَّ نَفْيَ ذَلِكَ وإنْكارَهُ والكُفْرَ بِهِ إنْكارٌ لِلصّانِعِ وجَحْدٌ لَهُ، وإنَّما تَوْحِيدُهُ: إثْباتُ صِفاتِ كَمالِهِ، وتَنْزِيهُهُ عَنِ التَّشْبِيهِ والنَّقائِصِ، فَجَعَلَ المُعَطِّلَةُ جَحْدَ الصِّفاتِ وتَعْطِيلَ الصّانِعِ عَنْها تَوْحِيدًا، وجَعَلُوا إثْباتَها لِلَّهِ تَشْبِيهًا وتَجْسِيمًا وتَرْكِيبًا، فَسَمَّوُا الباطِلَ بِاسْمِ الحَقِّ، تَرْغِيبًا فِيهِ، وزُخْرُفًا يُنْفِقُونَهُ بِهِ، وسَمَّوُا الحَقَّ بِاسْمِ الباطِلِ تَنْفِيرًا عَنْهُ، والنّاسُ أكْثَرُهم مَعَ ظاهِرِ السِّكَّةِ، لَيْسَ لَهم نَقْدُ النُّقّادِ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] والمَحْمُودُ لا يُحْمَدُ عَلى العَدَمِ والسُّكُوتِ ألْبَتَّةَ، إلّا إذا كانَتْ سَلْبَ عُيُوبٍ ونَقائِصَ، تَتَضَمَّنُ إثْباتَ أضْدادِها مِنَ الكِمالاتِ الثُبُوتِيَّةِ، وإلّا فالسَّلْبُ المَحْضُ لا حَمْدَ فِيهِ، ولا مَدْحَ ولا كَمالَ.
وَكَذَلِكَ حَمْدُهُ لِنَفْسِهِ عَلى عَدَمِ اتِّخاذِ الوَلَدِ المُتَضَمِّنِ لِكَمالِ صَمَدِيَّتِهِ وغِناهُ ومُلْكِهِ، وتَعْبِيدِ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ، فاتِّخاذُ الوَلَدِ يُنافِي ذَلِكَ، كَما قالَ تَعالى ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [يونس: ٦٨].
وَحَمْدُ نَفْسِهِ عَلى عَدَمِ الشَّرِيكِ، المُتَضَمِّنِ تَفَرُّدَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ، وتَوَحُّدَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا يُوصَفُ بِها غَيْرُهُ، فَيَكُونُ شَرِيكًا لَهُ، فَلَوْ عُدِمَها لَكانَ كُلُّ مَوْجُودٍ أكْمَلَ مِنهُ، لِأنَّ المَوْجُودَ أكْمَلُ مِنَ المَعْدُومِ، ولِهَذا لا يَحْمَدُ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِعَدَمٍ إلّا إذا كانَ مُتَضَمِّنًا لِثُبُوتِ كَمالٍ، كَما حَمِدَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ لا يَمُوتُ لِتَضَمُّنِهِ كَمالَ حَياتِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ، لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ كَمالَ قَيُّومِيَّتِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ، لِكَمالِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، لِكَمالِ عَدْلِهِ وإحْسانِهِ، وحَمِدَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، لِكَمالِ عَظَمَتِهِ، يَرى ولا يُدْرَكُ، كَما أنَّهُ يَعْلَمُ ولا يُحاطُ بِهِ عِلْمًا، فَمُجَرَّدُ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِكَمالٍ؛ لِأنَّ العَدَمَ لا يُرى، فَلَيْسَ في كَوْنِ الشَّيْءِ لا يُرى كَمالٌ ألْبَتَّةَ، وإنَّما الكَمالُ في كَوْنِهِ لا يُحاطُ بِهِ رُؤْيَةً ولا إدْراكًا، لِعَظَمَتِهِ في نَفْسِهِ، وتَعالِيهِ عَنْ إدْراكِ المَخْلُوقِ لَهُ، وكَذَلِكَ حَمِدَ نَفْسَهُ بِعَدَمِ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ، لِكَمالِ عِلْمِهِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии