Ибн аль-КаййимАль‑Фатиха · 1:2–4

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Фатиха 1:2–4, продолжение

فصل: وإذا عرف أن الغنى والفقر والبلاء والعافية فتنة وابتلاء من الله لعبده تمتحن بها صبره وشكره علم أن الصبر والشكر مطيتان للإيمان لا يحمل إلا عليهما ولا بد لكل مؤمن منهما وكل منهما في موضعه أفضل فالصبر في مواطن الصبر أفضل والشكر في مواضع الشكر أفضل هذا إن صح مفارقة كل واحد منهما للآخر وأما إذا كان الصبر جزء مسمى الشكر والشكر جزء مسمى الصبر وكل منهما حقيقة مركبة من الأمرين معا كما تقدم بيانه فالتفضيل بينهما لا يصح إلا إذا جرد أحدهما عن الآخر وذلك فرض ذهنى يقدره الذهن ولا يوجد في الخارج ولكن يصح على وجه وهو أن العبد قد يغلب صبره على شكره الذي هو قدر زائد على مجرد الصبر من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فلا يبقى فيه اتساع لغير صبر النفس على ما هو فيه لقوة الوارد وضيق المحل فتنصرف قواه كلها إلى كف النفس وحبسها لله وقد يغلب شكره بالأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة على قوة كفه لنفسه وحبسها لله فتكون قوة إرادته وعمله أقوى من قوة امتناعه وحبس نفسه

واعتبر هذا بشخصين أحدهما حاكم على نفسه متمكن من حبسها عن الشهوات قليل التشكى للمصيبات وذلك جل عمله وآخر كثير الإعطاء لفعل الخير القاصر والمتعدى سمح النفس ببذل المعروف وآخر ضعيف النفس عن قوة الصبر فللنفس قوتان قوة الصبر والكف وامساك النفس وقوة البذل وفعل الخير والاقدام على فعل ما تكمل به وكمالها باجتماع هاتين القوتين فيها والناس في ذلك أربع طبقات فأعلاهم من اجتمعت له القوتان وسفلتهم من عدم القوتين، ومنهم من قوة صبره أكمل من قوة فعله وبذله ومنهم من هو بالعكس في ذلك، فإذا فضل الشكر على الصبر فإما أن يكون باعتبار ترجيح مقام على مقام.

وأما أن يكون باعتبار تجريد كل من الأمرين عن الآخر وقطع النظر عن اعتباره وتمام إيضاح هذا بمسالة الغنى الشاكر والفقير الصابر فلنذكر لها بابا يخصها ويكشف عن الصواب فيها.

1:3Страница 1

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣

Милостивому, Милосердному,

ولقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عبودية تخصها، وهي شهود عموم رحمته، وسعتها لكل شيء، وأخْذ كل موجود بنصيبه منها، ولاسيما الرحمة الخاصة به التي أقامت عبده بين يديه في خدمته، يناجيه بكلامه ويتملَّقه ويسترحمه ويسأله هدايته ورحمته، وإتمامَ نعمته عليه، فهذا من رحمته بعبده، فرحمتُه وسعتْ كلَّ شيء، كما أن حمده وسعَ كل شيء.

[فَصْلٌ: ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بَعْدَ الحَمْدِ]

فِي ذِكْرِ هَذِهِ الأسْماءِ بَعْدَ الحَمْدِ، وإيقاعِ الحَمْدِ عَلى مَضْمُونِها ومُقْتَضاها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحْمُودٌ في إلَهِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رُبُوبِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في رَحْمانِيَّتِهِ، مَحْمُودٌ في مُلْكِهِ، وأنَّهُ إلَهٌ مَحْمُودٌ، ورَبٌّ مَحْمُودٌ، ورَحْمَنٌ مَحْمُودٌ، ومَلِكٌ مَحْمُودٌ، فَلَهُ بِذَلِكَ جَمِيعُ أقْسامِ الكَمالِ: كَمالٌ مِن هَذا الِاسْمِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنَ الآخَرِ بِمُفْرَدِهِ، وكَمالٌ مِنِ اقْتِرانِ أحَدِهِما بِالآخَرِ.

مِثالُ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٧]، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فالغِنى صِفَةُ كَمالٍ، والحَمْدُ صِفَةُ كَمالٍ، واقْتِرانُ غِناهُ بِحَمْدِهِ كَمالٌ أيْضًا، وعِلْمُهُ كَمالٌ، وحِكْمَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِكْمَةِ كَمالٌ أيْضًا، وقُدْرَتُهُ كَمالٌ ومَغْفِرَتُهُ كَمالٌ، واقْتِرانُ القُدْرَةِ بِالمَغْفِرَةِ كَمالٌ، وكَذَلِكَ العَفْوُ بَعْدَ القُدْرَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] واقْتِرانُ العِلْمِ بِالحِلْمِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢].

وَحَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ يَقُولانِ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، واثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، فَما كُلُّ مَن قَدَرَ عَفا، ولا كُلُّ مَن عَفا يَعْفُو عَنْ قُدْرَةٍ، ولا كُلُّ مَن عَلِمَ يَكُونُ حَلِيمًا، ولا كُلُّ حَلِيمٍ عالِمٌ، فَما قُرِنَ شَيْءٌ إلى شَيْءٍ أزْيَنُ مِن حِلْمٍ إلى عِلْمٍ، ومِن عَفْوٍ إلى قُدْرَةٍ، ومِن مُلْكٍ إلى حَمْدٍ، ومِن عِزَّةٍ إلى رَحْمَةٍ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]

وَمِن هاهُنا كانَ قَوْلُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]

أحْسَنُ مِن أنْ يَقُولَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، أيْ إنْ غَفَرْتَ لَهم كانَ مَصْدَرُ مَغْفِرَتِكَ عَنْ عِزَّةٍ، وهي كَمالُ القُدْرَةِ، وعَنْ حِكْمَةٍ، وهي كَمالُ العِلْمِ، فَمَن غَفَرَ عَنْ عَجْزٍ وجَهْلٍ بِجُرْمِ الجانِي، فَأنْتَ لا تَغْفِرُ إلّا عَنْ قُدْرَةٍ تامَّةٍ، وعِلْمٍ تامٍّ، وحِكْمَةٍ تَضَعُ بِها الأشْياءَ مَواضِعَها، فَهَذا أحْسَنُ مِن ذِكْرِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ في هَذا المَوْضِعِ، الدّالِّ ذِكْرُهُ عَلى التَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ في غَيْرِ حِينِها، وقَدْ فاتَتْ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، كانَ في هَذا مِنَ الِاسْتِعْطافِ والتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِمَن لا يَسْتَحِقُّها ما يُنَزَّهُ عَنْهُ مَنصِبُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا سِيَّما والمَوْقِفُ مَوْقِفُ عَظَمَةٍ وجَلالٍ، ومَوْقِفُ انْتِقامٍ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ ولَدًا، واتَّخَذَهُ إلَهًا مِن دُونِهِ، فَذِكْرُ العِزَّةِ والحِكْمَةِ فِيهِ ألْيَقُ مِن ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ.

وَهَذا بِخِلافِ قَوْلِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ {واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ

فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: ٣٥]

وَلَمْ يَقِلْ: فَإنَّكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لِأنَّ المَقامَ مَقامُ اسْتِعْطافٍ وتَعْرِيضٍ بِالدُّعاءِ، أيْ إنْ تَغْفِرْ لَهم وتَرْحَمْهُمْ، بِأنْ تُوَفِّقَهم لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ المَعْصِيَةِ إلى الطّاعَةِ، كَما في الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ».

وَفِي هَذا أظْهَرُ الدِّلالَةِ عَلى أنَّ أسْماءَ الرَّبِّ تَعالى مُشْتَقَّةٌ مِن أوْصافٍ ومَعانٍ قامَتْ بِهِ، وأنَّ كُلَّ اسْمٍ يُناسِبُ ما ذُكِرَ مَعَهُ، واقْتَرَنَ بِهِ، مِن فِعْلِهِ وأمْرِهِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

[فَصْلٌ ارْتِباطُ الخَلْقِ بِأسْماءِ اللَّهِ]

وَتَأمَّلِ ارْتِباطَ الخَلْقِ والأمْرِ بِهَذِهِ الأسْماءِ الثَّلاثَةِ، وهي اللَّهُ، والرَّبُّ، والرَّحْمَنُ كَيْفَ نَشَأ عَنْها الخَلْقُ، والأمْرُ، والثَّوابُ، والعِقابُ؟ وكَيْفَ جَمَعَتِ الخَلْقَ وفَرَّقَتْهُمْ؟ فَلَها الجَمْعُ، ولَها الفَرْقُ.

فاسْمُ الرَّبِّ لَهُ الجَمْعُ الجامِعُ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، فَهو رَبُّ كُلَّ شَيْءٍ وخالِقُهُ، والقادِرُ عَلَيْهِ، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وكُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عَبْدٌ لَهُ في قَبْضَتِهِ، وتَحْتَ قَهْرِهِ، فاجْتَمَعُوا بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وافْتَرَقُوا بِصِفَةِ الإلَهِيَّةِ، فَألَّهَهُ وحْدَهُ السُّعَداءُ، وأقَرُّوا لَهُ طَوْعًا بِأنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، الَّذِي لا تَنْبَغِي العِبادَةُ والتَّوَكُّلُ، والرَّجاءُ والخَوْفُ، والحُبُّ والإنابَةُ والإخْباتُ والخَشْيَةُ، والتَّذَلُّلُ والخُضُوعُ إلّا لَهُ.

وَهُنا افْتَرَقَ النّاسُ، وصارُوا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا مُشْرِكِينَ في السَّعِيرِ، وفَرِيقًا مُوَحِّدِينَ في الجَنَّةِ.

فالإلَهِيَّةُ هي الَّتِي فَرَّقَتْهُمْ، كَما أنَّ الرُّبُوبِيَّةَ هي الَّتِي جَمَعَتْهم.

فالدِّينُ والشَّرْعُ، والأمْرُ والَنَّهْيُ مَظْهَرُهُ، وقِيامُهُ مِن صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، والخَلْقُ والإيجادُ والتَّدْبِيرُ والفِعْلُ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، والجَزاءُ بِالثَّوابِ والعِقابِ والجَنَّةِ والنّارِ مِن صِفَةِ المُلْكِ، وهو مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ، فَأمَرَهم بِإلَهِيَّتِهِ، وأعانَهم ووَفَّقَهم وهَداهم وأضَلَّهم بِرُبُوبِيَّتِهِ، وأثابَهم وعاقَبَهم بِمُلْكِهِ وعَدْلِهِ، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الأُخْرى.

وَأمّا الرَّحْمَةُ فَهي التَّعَلُّقُ، والسَّبَبُ الَّذِي بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عِبادِهِ، فالتَّأْلِيهُ مِنهم لَهُ، والرُّبُوبِيَّةُ مِنهُ لَهُمْ، والرَّحْمَةُ سَبَبٌ واصِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ، بِها أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، وبِها هَداهُمْ، وبِها أسْكَنَهم دارَ ثَوابِهِ، وبِها رَزَقَهم وعافاهم وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَبَيْنَهم وبَيْنَهُ سَبَبُ العُبُودِيَّةِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَهم سَبَبُ الرَّحْمَةِ.

واقْتِرانُ رُبُوبِيَّتِهِ بِرَحْمَتِهِ كاقْتِرانِ اسْتِوائِهِ عَلى عَرْشِهِ بِرَحْمَتِهِ، فَ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ - الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢-٣] فَإنَّ شُمُولَ الرُّبُوبِيَّةِ وسِعَتْها بِحَيْثُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْها أقْصى شُمُولِ الرَّحْمَةِ وسِعَتِها، فَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ بِرَحْمَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ، مَعَ أنَّ في كَوْنِهِ رَبًّا لِلْعالَمِينَ ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّهِ عَلى خَلْقِهِ، وكَوْنِهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

1:4Страница 1

مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤

Властелину Дня воздаяния!

إنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يُدِينُ اللَّهُ العِبادَ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، فَيُثِيبُهم عَلى الخَيْراتِ، ويُعاقِبُهم عَلى المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أحَدًا قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، والحُجَّةُ إنَّما قامَتْ بِرُسُلِهِ وكُتُبِهِ، وبِهِمُ اسْتُحِقَّ الثَّوابُ والعِقابُ، وبِهِمْ قامَ سُوقُ يَوْمِ الدِّينِ، وسِيقَ الأبْرارُ إلى النَّعِيمِ، والفُجّارُ إلى الجَحِيمِ.

وقال في كتاب (الكلام على مسألة السماع)

ثم يعطي قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ عبوديتها، ويتأمل تضمنها لإثبات المعاد، وتفرد الرب فيه بالحكم بين خلقه، وأنه يوم يدين فيه العباد بأعمالهم في الخير والشر، وذلك من تفاصيل حمده وموجبه.

ولما كان قوله: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إخبارًا عن حمده تعالى قال الله: حمدني عبدي، ولما كان قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إعادةً وتكريرًا لأوصاف كماله قال: أثنى عليَّ عبدي، فإن الثناء إنما يكون بتكرار المحامد وتعداد أوصاف المحمود، ولما وصفه سبحانه بتفرده بملك يوم الدين وهو الملك الحق المتضمن لظهور عدله وكبريائه وعظمته ووحدانيته وصدق رسله، سمى هذا الثناء مجدًا، فقال: مجَّدني عبدي، فإن التمجيد هو الثناء بصفات العظمة والجلال.

(فائدة: في اختصاص المَلِكِ بِيَوْمِ الدِّينِ)

وَصِفاتُ العَدْلِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، والخَفْضِ والرَّفْعِ، والعَطاءِ والمَنعِ، والإعْزازِ والإذْلالِ، والقَهْرِ والحُكْمِ، ونَحْوُها أخَصُّ بِاسْمِ المَلِكِ وخَصَّهُ بِيَوْمِ الدِّينِ، وهو الجَزاءُ بِالعَدْلِ، لِتَفَرُّدِهِ بِالحُكْمِ فِيهِ وحْدَهُ، ولِأنَّهُ اليَوْمُ الحَقُّ، وما قَبْلَهُ كَساعَةٍ، ولِأنَّهُ الغايَةُ، وأيّامُ الدُّنْيا مَراحِلُ إلَيْهِ.

تَضَمَّنَتْ الفاتِحَةُ إثْباتَ المَعادِ، وجَزاءَ العِبادِ بِأعْمالِهِمْ، حَسَنِها وسَيِّئِها، وتَفَرُّدَ الرَّبِّ تَعالى بِالحُكْمِ إذْ ذاكَ بَيْنَ الخَلائِقِ، وكَوْنَ حُكْمِهِ بِالعَدْلِ، وكُلُّ هَذا تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.

(فصل)

والدِّينُ فِيهِ مَعْنى الإذْلالِ والقَهْرِ، وفِيهِ مَعْنى الذُّلِّ والخُضُوعِ والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، كَما يُقالُ: دِنْتُهُ فَدانَ، أيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎هُوَ دانَ الرَّبابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ∗∗∗ ينَ فَأضْحَوْا بِعِزَّةٍ وصِيالِ

وَيَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، كَما يُقالُ: دِنْتُ اللَّهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفُلانٌ لا يَدِينُ اللَّهَ دِينًا، ولا يَدِينُ اللَّهَ بِدِينٍ، فَدانَ اللَّهَ: أيْ أطاعَ اللَّهَ وأحَبَّهُ وخافَهُ، ودانَ اللَّهَ: تَخَشَّعَ لَهُ وخَضَعَ وذَلَّ وانْقادَ.

والدِّينُ الباطِنُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الحُبِّ والخُضُوعِ كالعِبادَةِ سَواءً، بِخِلافِ الدِّينِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ الحُبَّ، وإنْ كانَ فِيهِ انْقِيادٌ وذُلٌّ في الظّاهِرِ.

وَسَمّى اللَّهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ [يَوْمَ الدِّينِ] فَإنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَدِينُ فِيهِ النّاسُ فِيهِ بِأعْمالِهِمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ جَزاءَهم وحِسابَهُمْ، فَلِذَلِكَ فَسَّرُوهُ بِيَوْمِ الجَزاءِ، ويَوْمِ الحِسابِ.

(فائدة)

فإذا قال المصلي: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحق المبين فيشهد ملكا قاهرا قد دانت له الخليقة وعنت له الوجوه وذلت لعظمته الجبابرة وخضع لعزته كل عزيز فيشهد بقلبه ملكا على عرش السماء مهيمنا لعزته تعنو الوجوه وتسجد، وإذا لم تعطل حقيقة صفة الملك أطلعته على شهود حقائق الأسماء والصفات التي تعطيلها تعطيل لملكه وجحد له فإن الملك الحق التام الملك لا يكون إلا حيا قيوما سميعا بصيرا مدبرا قادرا متكلما آمرا ناهيا مستويا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحق الرضا، ويثيبه ويكرمه ويدنيه، ويغضب على من يستحق الغضب ويعاقبه ويهينه ويقصيه، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء ويعطى من يشاء ويقرب من يشاء ويقصى من يشاء، له دار عذاب وهي النار، وله دار سعادة عظيمة وهي الجنة. فمن أبطل شيئا من ذلك أو جحده وأنكر حقيقته فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى ونفى عنه كماله وتمامه.

وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره فقد أنكر عموم ملكه وكماله فيشهد المصلي مجد الرب تعالى في قوله: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.

[فصل: الدِّينُ دِينانِ]

والدِّينُ دِينانِ: دِينٌ شَرْعِيٌّ أمْرِيٌّ، ودِينٌ حِسابِيٌّ جَزائِيٌّ، وكَلاهُما لِلَّهِ وحْدَهُ، فالدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ أمْرًا أوْ جَزاءً، والمَحَبَّةُ أصْلُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ، فَإنَّ ما شَرَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأمَرَ بِهِ يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وما نَهى عَنْهُ فَإنَّهُ يَكْرَهُهُ ويُبْغِضُهُ؛ لِمُنافاتِهِ لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، فَهو يُحِبُّ ضِدَّهُ، فَعادَ دِينُهُ الأمْرِيُّ كُلُّهُ إلى مَحَبَّتِهِ ورِضاهُ.

وَدِينُ العَبْدِ لِلَّهِ بِهِ إنَّما يُقْبَلُ إذا كانَ عَنْ مَحَبَّتِهِ ورِضاهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا»، فَهَذا مَدِينٌ قائِمٌ بِالمَحَبَّةِ وبِسَبَبِها شُرِعَ، ولِأجْلِها شُرِعَ، وعَلَيْها أُسِّسَ، وكَذَلِكَ دِينُهُ الجَزائِيُّ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُجازاةَ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ، والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ، وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ، فَإنَّهُما عَدْلُهُ وفَضْلُهُ، وكِلاهُما مِن صِفاتِ كَمالِهِ، وهو سُبْحانَهُ يُحِبُّ صِفاتِهِ وأسْماءَهُ، ويُحِبُّ مَن يُحِبُّها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الدِّينَيْنِ فَهو صِراطُهُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي هو عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، كَما قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤-٥٦].

وَلَمّا عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ رَبَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، وثَوابِهِ وعِقابِهِ، وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، ومَنعِهِ وعَطائِهِ، وعافِيَتِهِ وبَلائِهِ، وتَوْفِيقِهِ وخِذْلانِهِ، لا يَخْرُجُ في ذَلِكَ عَنْ مُوجِبِ كَمالِهِ المُقَدَّسِ، الَّذِي يَقْتَضِيهِ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ، مِنَ العَدْلِ والحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ والفَضْلِ، ووَضْعِ الثَّوابِ مَواضِعَهُ، والعُقُوبَةِ في مَوْضِعِها اللّائِقِ بِها، ووَضْعِ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ والعَطاءِ والمَنعِ والهِدايَةِ والإضْلالِ، كُلُّ ذَلِكَ في أماكِنِهِ ومِحالِّهِ اللّائِقَةِ بِهِ، بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ عَلى ذَلِكَ كَمالَ الحَمْدِ والثَّناءِ، أوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ العِلْمَ والعِرْفانَ، إذْ نادى عَلى رُؤُوسِ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِجَنانٍ ثابِتٍ وقَلْبٍ غَيْرِ خائِفٍ بَلْ مُتَجَرِّدٍ لِلَّهِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ - مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ - إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عُمُومِ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ لِكُلِّ ما سِواهُ، وذُلِّ كُلِّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ، فَقالَ: ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فَكَيْفَ أخافُ مَن ناصِيَتُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، وهو في قَهْرِهِ وقَبْضَتِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ دُونَهُ، وهَلْ هَذا إلّا مِن أجْهَلِ الجَهْلِ، وأقْبَحِ الظُّلْمِ؟

ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَكُلُّ ما يَقْضِيهِ ويُقَدِّرُهُ فَلا يَخافُ العَبْدُ جَوْرَهُ ولا ظُلْمَهُ، فَلا أخافُ ما دُونَهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِهِ، ولا أخافُ جَوْرَهُ وظُلْمَهُ، فَإنَّهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَهو سُبْحانَهُ ماضٍ في عَبْدِهِ حُكْمُهُ، عَدْلٌ فِيهِ قَضاؤُهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، ولا يَخْرُجُ في تَصَرُّفِهِ في عِبادِهِ عَنِ العَدْلِ والفَضْلِ، إنْ أعْطى وأكْرَمَ وهَدى ووَفَّقَ فَبِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وإنْ مَنَعَ وأهانَ وأضَلَّ وخَذَلَ وأشْقى فَبِعَدْلِهِ وحِكْمَتِهِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في هَذا وهَذا.

وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما أصابَ عَبْدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حَزَنٌ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرَتْ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ: أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجِلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وغَمَّهُ، وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَجًا، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نَتَعَلَّمُهُنَّ؟ قالَ: بَلى يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ».

وَهَذا يَتَناوَلُ حُكْمَ الرَّبِّ الكَوْنِيَّ والأمْرِيَّ وقَضاءَهُ الَّذِي يَكُونُ بِاخْتِيارِ العَبْدِ وغَيْرِ اخْتِيارِهِ، وكِلا الحُكْمَيْنِ ماضٍ في عَبْدِهِ، وكِلا القَضائَيْنِ عَدْلٌ فِيهِ، فَهَذا الحَدِيثُ مُشْتَقٌّ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَيْنَهُما أقْرَبُ نَسَبٍ.

[فائدة: في الذكر عند لقاء العدو ومن يخاف سلطانًا وغيره]

في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى أن النبي ﷺ كان إذا خاف قومًا قال «اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم».

ويذكر عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند لقاء العدو «اللهم أنت عضدي وأنت ناصري وبك أقاتل».

وعنه ﷺ أنه كان في غزوة فقال «يا مالك يوم الدين إياك أعبد وإياك أستعين» قال أنس فلقد رأيت الرجال تصرعها الملائكة من بين يديها ومن خلفها.

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «إذا خفت سلطانًا أو غيره فقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت عز جارك، وجل ثناؤك».

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار.

وقالها محمد ﷺ حين قال له الناس ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾».

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English