Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Фатиха 1:5, продолжение
والثّانِي: الإخْلاصُ لِلْمَعْبُودِ، فَهَذا تَحْقِيقُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
والنّاسُ مُنْقَسِمُونَ بِحَسَبِ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ أيْضًا إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:
أحَدُها: أهْلُ الإخْلاصِ لِلْمَعْبُودِ والمُتابَعَةِ، وهم أهْلُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقِيقَةً، فَأعْمالُهم كُلُّها لِلَّهِ، وأقْوالُهم لِلَّهِ، وعَطاؤُهم لِلَّهِ، ومَنعُهم لِلَّهِ، وحُبُّهم لِلَّهِ، وبُغْضُهم لِلَّهِ، فَمُعامَلَتُهم ظاهِرًا وباطِنًا لِوَجْهِ اللَّهِ وحْدَهُ، لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مِنَ النّاسِ جَزاءً ولا شُكُورًا، ولا ابْتِغاءَ الجاهِ عِنْدَهُمْ، ولا طَلَبَ المُحَمَّدَةِ، والمُنْزِلَةِ في قُلُوبِهِمْ، ولا هَرَبًا مِن ذَمِّهِمْ، بَلْ قَدْ عَدُّوا النّاسَ بِمَنزِلَةِ أصْحابِ القُبُورِ، لا يَمْلِكُونَ لَهم ضُرًّا ولا نَفْعًا، ولا مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا، فالعَمَلُ لِأجْلِ النّاسِ، وابْتِغاءُ الجاهِ والمَنزِلَةِ عِنْدَهُمْ، ورَجاؤُهم لِلضُّرِّ والنَّفْعِ مِنهم لا يَكُونُ مِن عارِفٍ بِهِمُ ألْبَتَّةَ، بَلْ مِن جاهِلٍ بِشَأْنِهِمْ، وجاهِلٍ بِرَبِّهِ، فَمَن عَرَفَ النّاسَ أنْزَلَهم مَنازِلَهُمْ، ومَن عَرَفَ اللَّهَ أخْلَصَ لَهُ أعْمالَهُ وأقْوالَهُ، وعَطاءَهُ ومَنعَهُ وحُبَّهُ وبُغْضَهُ، ولا يُعامِلُ أحَدَ الخَلْقِ دُونَ اللَّهِ إلّا لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ وجَهْلِهِ بِالخَلْقِ، وإلّا فَإذا عَرَفَ اللَّهَ وعَرَفَ النّاسَ آثَرَ مُعامَلَةَ اللَّهِ عَلى مُعامَلَتِهِمْ.
وَكَذَلِكَ أعْمالُهم كُلُّها وعِبادَتُهم مُوافَقَةٌ لِأمْرِ اللَّهِ، ولِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وهَذا هو العَمَلُ الَّذِي لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن عامِلٍ سِواهُ، وهو الَّذِي بَلا عِبادَهُ بِالمَوْتِ والحَياةِ لِأجْلِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وجَعَلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَخْتَبِرَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: العَمَلُ الحَسَنُ هو أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ، قالُوا: يا أبا عَلِيٍّ ما أخْلَصُهُ وأصْوَبُهُ؟ قالَ: إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصًا ولَمْ يَكُنْ صَوابًا لَمْ يُقْبَلْ، وإذا كانَ صَوابًا، ولَمْ يَكُنْ خالِصًا لَمْ يُقْبَلْ، حَتّى يَكُونَ خالِصًا صَوابًا، والخالِصُ: ما كانَ لِلَّهِ، والصَّوابُ: ما كانَ عَلى السُّنَّةِ، وهَذا هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وفي قَوْلِهِ ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] فَلا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ العَمَلِ إلّا ما كانَ خالِصًا لِوَجْهِهِ، عَلى مُتابَعَةِ أمْرِهِ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو مَرْدُودٌ عَلى عامِلِهِ، يُرَدُّ عَلَيْهِ أحْوَجَ ما هو إلَيْهِ هَباءً مَنثُورًا، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنا فَهو رَدٌّ» وكُلُّ عَمَلٍ بِلا اقْتِداءٍ فَإنَّهُ لا يَزِيدُ عامِلَهُ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما يُعْبَدُ بِأمْرِهِ، لا بِالآراءِ والأهْواءِ.
(فَصْلٌ)
الضَّرْبُ الثّانِي: مَن لا إخْلاصَ لَهُ ولا مُتابَعَةَ، فَلَيْسَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِشَرْعٍ، ولَيْسَ هو خالِصًا لِلْمَعْبُودِ، كَأعْمالِ المُتَزَيِّنِينَ لِلنّاسِ، المُرائِينَ لَهم بِما لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ شِرارُ الخَلْقِ، وأمْقَتُهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَهم أوْفَرُ نَصِيبٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨] يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا مِنَ البِدْعَةِ والضَّلالَةِ والشِّرْكِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِاتِّباعِ السُّنَّةِ والإخْلاصِ.
وَهَذا الضَّرْبُ يَكْثُرُ فِيمَنِ انْحَرَفَ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى العِلْمِ والفَقْرِ والعِبادَةِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّهم يَرْتَكِبُونَ البِدَعَ والضَّلالاتِ، والرِّياءَ والسُّمْعَةَ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوهُ مِنَ الِاتِّباعِ والإخْلاصِ والعِلْمِ، فَهم أهْلُ الغَضَبِ والضَّلالِ.
[مُخْلِصٌ في أعْمالِهِ لَكِنَّها عَلى غَيْرِ مُتابَعَةِ الأمْرِ]
الضَّرْبُ الثّالِثُ: مَن هو مُخْلِصٌ في أعْمالِهِ، لَكِنَّها عَلى غَيْرِ مُتابَعَةِ الأمْرِ، كَجُهّالِ العُبّادِ، والمُنْتَسِبِينَ إلى طَرِيقِ الزُّهْدِ والفَقْرِ، وكُلِّ مَن عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ أمْرِهِ، واعْتَقَدَ عِبادَتَهُ هَذِهِ قُرْبَةً إلى اللَّهِ فَهَذا حالُهُ، كَمَن يَظُنُّ أنَّ سَماعَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ قُرْبَةٌ، وأنَّ الخَلْوَةَ الَّتِي يَتْرُكُ فِيها الجُمْعَةَ والجَماعَةَ قُرْبَةٌ، وأنَّ مُواصَلَةَ صَوْمِ النَّهارِ بِاللَّيْلِ قُرْبَةٌ، وأنَّ صِيامَ يَوْمِ فِطْرِ النّاسِ كُلِّهِمْ قُرْبَةٌ، وأمْثالِ ذَلِكَ.
[مَن أعْمالُهُ عَلى مُتابَعَةِ الأمْرِ لَكِنَّها لِغَيْرِ اللَّهِ]
فَصْلٌ
الضَّرْبُ الرّابِعُ: مَن أعْمالُهُ عَلى مُتابَعَةِ الأمْرِ، لَكِنَّها لِغَيْرِ اللَّهِ، كَطاعَةِ المُرائِينَ، وكالرَّجُلِ يُقاتِلُ رِياءً وحَمِيَّةً وشَجاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقالَ، فَهَؤُلاءِ أعْمالُهم ظاهِرُها أعْمالٌ صالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِها، لَكِنَّها غَيْرُ صالِحَةٍ، فَلا تُقْبَلُ ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَكُلُّ أحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ بِما أمَرَ، والإخْلاصِ لَهُ في العِبادَةِ، وهم أهْلُ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
[فَصْلٌ: أهْلُ مَقامِ (إيّاكَ نَعْبُدُ) لَهم في أفْضَلِ العِبادَةِ وأنْفَعِها وأحَقِّها بِالإيثارِ والتَّخْصِيصِ أرْبَعُ طُرُقٍ]
ثُمَّ أهْلُ مَقامِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] " لَهم في أفْضَلِ العِبادَةِ وأنْفَعِها وأحَقِّها بِالإيثارِ والتَّخْصِيصِ أرْبَعُ طُرُقٍ، فَهم في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ:
الصِّنْفُ الأوَّلُ: عِنْدَهم أنْفَعُ العِباداتِ وأفْضَلُها أشَقُّها عَلى النُّفُوسِ وأصْعَبُها.
قالُوا: لِأنَّهُ أبْعَدُ الأشْياءِ عَنْ هَواها، وهو حَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ.
قالُوا: والأجْرُ عَلى قَدْرِ المَشَقَّةِ، ورَوَوْا حَدِيثًا لا أصْلَ لَهُ " «أفْضَلُ الأعْمالِ أحَمَزُها» " أيْ أصْعَبُها وأشَقُّها.
وَهَؤُلاءِ: هم أهْلُ المُجاهَداتِ والجَوْرِ عَلى النُّفُوسِ.
قالُوا: وإنَّما تَسْتَقِيمُ النُّفُوسُ بِذَلِكَ، إذْ طَبْعُها الكَسَلُ والمَهانَةُ، والإخْلادُ إلى الأرْضِ، فَلا تَسْتَقِيمُ إلّا بِرُكُوبِ الأهْوالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ.
الصِّنْفُ الثّانِي، قالُوا: أفْضَلُ العِباداتِ التَّجَرُّدُ، والزُّهْدُ في الدُّنْيا، والتَّقَلُّلُ مِنها غايَةَ الإمْكانِ، واطِّراحُ الِاهْتِمامِ بِها، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِكُلِّ ما هو مِنها.
ثُمَّ هَؤُلاءِ قِسْمانِ:
فَعَوامُّهم ظَنُّوا أنَّ هَذا غايَةٌ، فَشَمَّرُوا إلَيْهِ وعَمِلُوا عَلَيْهِ، ودَعَوُا النّاسَ إلَيْهِ، وقالُوا: هو أفْضَلُ مِن دَرَجَةِ العِلْمِ والعِبادَةِ، فَرَأوُا الزُّهْدَ في الدُّنْيا غايَةَ كُلِّ عِبادَةٍ ورَأْسَها.
وَخَواصُهم رَأوْا هَذا مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ، وأنَّ المَقْصُودَ بِهِ عُكُوفُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، وجَمْعُ الهِمَّةِ عَلَيْهِ، وتَفْرِيغُ القَلْبِ لِمَحَبَّتِهِ، والإنابَةِ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، والِاشْتِغالِ بِمَرْضاتِهِ، فَرَأوْا أنَّ أفْضَلَ العِباداتِ في الجَمْعِيَّةِ عَلى اللَّهِ، ودَوامِ ذِكْرِهِ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، والِاشْتِغالِ بِمُراقَبَتِهِ، دُونَ كُلِّ ما فِيهِ تَفْرِيقٌ لِلْقَلْبِ وتَشْتِيتٌ لَهُ.
ثُمَّ هَؤُلاءِ قِسْمانِ، فالعارِفُونَ المُتَّبِعُونَ مِنهم إذا جاءَ الأمْرُ والنَّهْيُ بادَرُوا إلَيْهِ ولَوْ فَرَّقَهم وأذْهَبَ جَمْعِيَّتَهُمْ، والمُنْحَرِفُونَ مِنهم يَقُولُونَ: المَقْصُودُ مِنَ العِبادَةِ جَمْعِيَّةُ القَلْبِ عَلى اللَّهِ، فَإذا جاءَ ما يُفَرِّقُهُ عَنِ اللَّهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، ورُبَّما يَقُولُ قائِلُهُمْ:
؎يُطالَبُ بِالأوْرادِ مَن كانَ غافِلًا ∗∗∗ فَكَيْفَ بِقَلْبٍ كُلُّ أوْقاتِهِ وِرْدُ
. ثُمَّ هَؤُلاءِ أيْضًا قِسْمانِ، مِنهم مَن يَتْرُكُ الواجِباتِ والفَرائِضَ لِجَمْعِيَّتِهِ، ومِنهم مَن يَقُومُ بِها ويَتْرُكُ السُّنَنَ والنَّوافِلَ، وتَعَلُّمَ العِلْمِ النّافِعِ لِجَمْعِيَّتِهِ.
وَسَألَ بَعْضُ هَؤُلاءِ شَيْخًا عارِفًا، فَقالَ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأنا في جَمْعِيَّتِي عَلى اللَّهِ، فَإنْ قُمْتُ وخَرَجْتُ نَفَقْتُ، وإنْ بَقِيتُ عَلى حالِي بَقِيتُ عَلى جَمْعِيَّتِي، فَما الأفْضَلُ في حَقِّي؟
فَقالَ: إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأنْتَ تَحْتَ العَرْشِ فَقُمْ، وأجِبْ داعِيَ اللَّهِ، ثُمَّ عُدْ إلى مَوْضِعِكَ، وهَذا لِأنَّ الجَمْعِيَّةَ عَلى اللَّهِ حَظُّ الرُّوحِ والقَلْبِ، وإجابَةَ الدّاعِي حَقُّ الرَّبِّ، ومَن آثَرَ حَظَّ رُوحِهِ عَلى حَقِّ رَبِّهِ فَلَيْسَ مِن أهْلِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ".
الصِّنْفُ الثّالِثُ: رَأوْا أنَّ أنْفَعَ العِباداتِ وأفْضَلَها: ما كانَ فِيهِ نَفْعٌ مُتَعَدٍّ، فَرَأوْهُ أفْضَلَ مِن ذِي النَّفْعِ القاصِرِ، فَرَأوْا خِدْمَةَ الفُقَراءِ، والِاشْتِغالَ بِمَصالِحِ النّاسِ وقَضاءَ حَوائِجِهِمْ، ومُساعَدَتِهِمْ بِالمالِ والجاهِ والنَّفْعِ أفْضَلَ، فَتَصَدَّوْا لَهُ وعَمِلُوا عَلَيْهِ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «الخَلْقُ كُلُّهم عِيالُ اللَّهِ، وأحَبُّهم إلَيْهِ أنْفَعُهم لِعِيالِهِ» رَواهُ أبُو يَعْلى.
واحْتَجُّوا بِأنَّ عَمَلَ العابِدِ قاصِرٌ عَلى نَفْسِهِ، وعَمَلَ النَّفّاعِ مُتَعَدٍّ إلى الغَيْرِ، وأيْنَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ؟
قالُوا: ولِهَذا كانَ فَضْلُ العالِمِ عَلى العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ.
قالُوا: وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَأنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ» وهَذا التَّفْضِيلُ إنَّما هو لِلنَّفْعِ المُتَعَدِّي، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ «مَن دَعا إلى هُدًى كانَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ» واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى مُعَلِّمِي النّاسِ الخَيْرَ» وبِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ، حَتّى الحِيتانُ في البَحْرِ، والنَّمْلَةُ في جُحْرِها».
واحْتَجُّوا بِأنَّ صاحِبَ العِبادَةِ إذا ماتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وصاحِبَ النَّفْعِ لا يَنْقَطِعُ عَمَلُهُ، ما دامَ نَفْعُهُ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ.
واحْتَجُّوا بِأنَّ الأنْبِياءَ إنَّما بُعِثُوا بِالإحْسانِ إلى الخَلْقِ وهِدايَتِهِمْ، ونَفْعِهِمْ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، لَمْ يُبْعَثُوا بِالخُلْواتِ والِانْقِطاعِ عَنِ النّاسِ والتَّرَهُّبِ، ولِهَذا أنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ هَمُّوا بِالِانْقِطاعِ لِلتَّعَبُّدِ، وتَرْكِ مُخالَطَةِ النّاسِ، ورَأى هَؤُلاءِ التَّفَرُّقَ في أمْرِ اللَّهِ، ونَفْعَ عِبادِهِ، والإحْسانَ إلَيْهِمْ، أفْضَلَ مِنَ الجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ.
الصِّنْفُ الرّابِعُ، قالُوا: إنَّ أفْضَلَ العِبادَةِ العَمَلُ عَلى مَرْضاةِ الرَّبِّ في كُلِّ وقْتٍ بِما هو مُقْتَضى ذَلِكَ الوَقْتِ ووَظِيفَتُهُ، فَأفْضَلُ العِباداتِ في وقْتِ الجِهادِ: الجِهادُ، وإنْ آَلَ إلى تَرْكِ الأوْرادِ، مِن صَلاةِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، بَلْ ومِن تَرْكِ إتْمامِ صَلاةِ الفَرْضِ، كَما في حالَةِ الأمْنِ.
والأفْضَلُ في وقْتِ حُضُورِ الضَّيْفِ مَثَلًا القِيامُ بِحَقِّهِ، والِاشْتِغالُ بِهِ عَنِ الوِرْدِ المُسْتَحَبِّ، وكَذَلِكَ في أداءِ حَقِّ الزَّوْجَةِ والأهْلِ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ السَّحَرِ الِاشْتِغالُ بِالصَّلاةِ والقُرْآنِ، والدُّعاءِ والذِّكْرِ والِاسْتِغْفارِ.
والأفْضَلُ في وقْتِ اسْتِرْشادِ الطّالِبِ، وتَعْلِيمِ الجاهِلِ الإقْبالُ عَلى تَعْلِيمِهِ والِاشْتِغالِ بِهِ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ الأذانِ تَرْكُ ما هو فِيهِ مِن وِرْدِهِ، والِاشْتِغالُ بِإجابَةِ المُؤَذِّنِ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ الجِدُّ والنُّصْحُ في إيقاعِها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والمُبادَرَةُ إلَيْها في أوَّلِ الوَقْتِ، والخُرُوجُ إلى الجامِعِ، وإنْ بَعُدَ كانَ أفْضَلَ.
والأفْضَلُ في أوْقاتِ ضَرُورَةِ المُحْتاجِ إلى المُساعَدَةِ بِالجاهِ، أوِ البَدَنِ، أوِ المالِ الِاشْتِغالُ بِمُساعَدَتِهِ، وإغاثَةُ لَهْفَتِهِ، وإيثارُ ذَلِكَ عَلى أوْرادِكَ وخَلْوَتِكَ.
والأفْضَلُ في وقْتِ قِراءَةِ القُرْآنِ جَمْعِيَّةُ القَلْبِ والهِمَّةِ عَلى تَدَبُّرِهِ وتَفَهُّمِهِ، حَتّى كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُخاطِبُكَ بِهِ، فَتَجْمَعُ قَلْبَكَ عَلى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ، والعَزْمُ عَلى تَنْفِيذِ أوامِرِهِ أعْظَمُ مِن جَمْعِيَّةِ قَلْبِ مَن جاءَهُ كِتابٌ مِنَ السُّلْطانِ عَلى ذَلِكَ.
والأفْضَلُ في وقْتِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ الِاجْتِهادُ في التَّضَرُّعِ والدُعاءِ والذِكْرِ دُونَ الصَّوْمِ المُضْعِفِ عَنْ ذَلِكَ.
والأفْضَلُ في أيّامِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ الإكْثارُ مِنَ التَّعَبُّدِ، لاسِيَّما التَّكْبِيرُ والتَهْلِيلُ والتَحْمِيدُ، فَهو أفْضَلُ مِنَ الجِهادِ غَيْرِ المُتَعَيَّنِ.
والأفْضَلُ في العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ لُزُومُ المَسْجِدِ فِيهِ والخَلْوَةِ والِاعْتِكافِ دُونَ التَّصَدِّي لِمُخالَطَةِ النّاسِ والِاشْتِغالِ بِهِمْ، حَتّى إنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الإقْبالِ عَلى تَعْلِيمِهِمُ العِلْمَ، وإقْرائِهِمُ القُرْآنَ، عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ.
والأفْضَلُ في وقْتِ مَرَضِ أخِيكَ المُسْلِمِ أوْ مَوْتِهِ عِيادَتُهُ، وحُضُورُ جِنازَتِهِ وتَشْيِيعُهُ، وتَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلى خَلْوَتِكَ وجَمْعِيَّتِكَ.
والأفْضَلُ في وقْتِ نُزُولِ النَّوازِلِ وأذاةِ النّاسِ لَكَ أداءُ واجِبِ الصَّبْرِ مَعَ خُلْطَتِكَ بِهِمْ، دُونَ الهَرَبِ مِنهُمْ، فَإنَّ المُؤْمِنَ الَّذِي يُخالِطُ النّاسَ لِيَصْبِرَ عَلى أذاهم أفْضَلُ مِنَ الَّذِي لا يُخالِطُهم ولا يُؤْذُونَهُ.
والأفْضَلُ خُلْطَتُهم في الخَيْرِ، فَهي خَيْرٌ مِنَ اعْتِزالِهِمْ فِيهِ، واعْتِزالُهم في الشَّرِّ، فَهو أفْضَلُ مِن خُلْطَتِهِمْ فِيهِ، فَإنْ عَلِمَ أنَّهُ إذا خالَطَهم أزالَهُ أوْ قَلَّلَهُ فَخُلْطَتُهم حِينَئِذٍ أفْضَلُ مِنِ اعْتِزالِهِمْ.
فالأفْضَلُ في كُلِّ وقْتٍ وحالٍ إيثارُ مَرْضاةِ اللَّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ والحالِ، والِاشْتِغالُ بِواجِبِ ذَلِكَ الوَقْتِ ووَظِيفَتِهِ ومُقْتَضاهُ.
وَهَؤُلاءِ هم أهْلُ التَّعَبُّدِ المُطْلَقِ، والأصْنافُ قِبَلَهم أهْلُ التَّعَبُّدِ المُقَيَّدِ، فَمَتى خَرَجَ أحَدُهم عَنِ النَّوْعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ العِبادَةِ وفارَقَهُ يَرى نَفْسَهُ كَأنَّهُ قَدْ نَقَصَ وتَرَكَ عِبادَتَهُ، فَهو يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى وجْهٍ واحِدٍ، وصاحِبُ التَّعَبُّدِ المُطْلَقِ لَيْسَ لَهُ غَرَضٌ في تَعَبُّدٍ بِعَيْنِهِ يُؤْثِرُهُ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ غَرَضُهُ تَتَبُّعُ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى أيْنَ كانَتْ، فَمَدارُ تَعَبُّدِهِ عَلَيْها، فَهو لا يَزالُ مُتَنَقِّلًا في مَنازِلِ العُبُودِيَّةِ، كُلَّما رُفِعَتْ لَهُ مَنزِلَةٌ عَمِلَ عَلى سَيْرِهِ إلَيْها، واشْتَغَلَ بِها حَتّى تَلُوحَ لَهُ مَنزِلَةٌ أُخْرى، فَهَذا دَأْبَهُ في السَّيْرِ حَتّى يَنْتَهِيَ سَيْرُهُ، فَإنْ رَأيْتَ العُلَماءَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ العُبّادَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ المُجاهِدِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ الذّاكِرِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ المُتَصَدِّقِينَ المُحْسِنِينَ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، وإنْ رَأيْتَ أرْبابَ الجَمْعِيَّةِ وعُكُوفِ القَلْبِ عَلى اللَّهِ رَأيْتَهُ مَعَهُمْ، فَهَذا هو العَبْدُ المُطْلَقُ، الَّذِي لَمْ تَمْلِكْهُ الرُّسُومُ، ولَمْ تُقَيِّدْهُ القُيُودُ، ولَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ عَلى مُرادِ نَفْسِهِ وما فِيهِ لَذَّتُها وراحَتُها مِنَ العِباداتِ، بَلْ هو عَلى مُرادِ رَبِّهِ، ولَوْ كانَتْ راحَةُ نَفْسِهِ ولَذَّتُها في سِواهُ، فَهَذا هو المُتَحَقِّقُ بِ " ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " حَقًّا، القائِمُ بِهِما صِدْقًا، مَلْبَسُهُ ما تَهَيَّأ، ومَأْكَلُهُ ما تَيَسَّرَ، واشْتِغالُهُ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كُلِّ وقْتٍ بِوَقْتِهِ، ومَجْلِسُهُ حَيْثُ انْتَهى بِهِ المَكانُ ووَجَدَهُ خالِيًا، لا تَمْلِكُهُ إشارَةٌ، ولا يَتَعَبَّدُهُ قَيْدٌ، ولا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ رَسْمٌ، حُرٌّ مُجَرَّدٌ، دائِرٌ مَعَ الأمْرِ حَيْثُ دارَ، يَدِينُ بِدِينِ الآمِرِ أنّى تَوَجَّهَتْ رَكائِبُهُ، ويَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ مَضارِبُهُ، يَأْنَسُ بِهِ كُلُّ مُحِقٍّ، ويَسْتَوْحِشُ مِنهُ كُلُّ مُبْطِلٍ، كالغَيْثِ حَيْثُ وقَعَ نَفَعَ، وكالنَخْلَةِ لا يَسْقُطُ ورَقُها وكُلُّها مَنفَعَةٌ حَتّى شَوْكُها، وهو مَوْضِعُ الغِلْظَةِ مِنهُ عَلى المُخالِفِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، والغَضَبِ إذا انْتُهِكَتْ مَحارِمُ اللَّهِ، فَهو لِلَّهِ وبِاللَّهِ ومَعَ اللَّهِ، قَدْ صَحِبَ اللَّهَ بِلا خَلْقٍ، وصَحِبَ النّاسَ بِلا نَفْسٍ، بَلْ إذا كانَ مَعَ اللَّهِ عَزَلَ الخَلائِقَ عَنِ البَيْنِ، وتَخَلّى عَنْهُمْ، وإذا كانَ مَعَ خَلْقِهِ عَزَلَ نَفْسَهُ مِنَ الوَسَطِ وتَخَلّى عَنْها، فَواهًا لَهُ! ما أغْرَبَهُ بَيْنَ النّاسِ! وما أشَدَّ وحْشَتَهُ مِنهُمْ! وما أعْظَمَ أُنْسَهُ بِاللَّهِ وفَرَحَهُ بِهِ، وطُمَأْنِينَتَهُ وسُكُونَهُ إلَيْهِ! واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُكْلانُ.
[فَصْلٌ: مَنفَعَةُ العِبادَةِ وحِكْمَتُها ومَقْصُودُها وانْقِسامُ النّاسِ في ذَلِكَ لِأرْبَعَةِ أصْنافٍ]
[نُفاةُ التَّعْلِيلِ]
ثُمَّ لِلنّاسِ في مَنفَعَةِ العِبادَةِ وحِكْمَتِها ومَقْصُودِها طُرُقٌ أرْبَعَةٌ، وهم في ذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ.
الصِّنْفُ الأوَّلُ: نُفاةُ الحُكْمِ والتَّعْلِيلِ، الَّذِينَ يَرُدُّونَ الأمْرَ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، وصِرْفِ الإرادَةِ، فَهَؤُلاءِ عِنْدَهُمُ القِيامُ بِها لَيْسَ إلّا لِمُجَرَّدِ الأمْرِ، مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِسَعادَةٍ في مَعاشٍ ولا مَعادٍ، ولا سَبَبًا لِنَجاةٍ، وإنَّما القِيامُ بِها لِمُجَرَّدِ الأمْرِ ومَحْضِ المَشِيئَةِ، كَما قالُوا في الخَلْقِ: إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ ما خَلَقَهُ لِعِلَّةٍ، ولا لِغايَةٍ هي المَقْصُودَةُ بِهِ، ولا لِحِكْمَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ مِنهُ، ولَيْسَ في المَخْلُوقاتِ أسْبابٌ مُقْتَضِياتٌ لِمُسَبَّباتِها، ولا فِيها قُوًى ولا طَبائِعُ، فَلَيْسَتِ النّارُ سَبَبًا لِلْإحْراقِ، ولا الماءُ سَبَبًا لِلْإرْواءِ والَبْرِيدِ وإخْراجِ النَّباتِ، ولا فِيهِ قُوَّةٌ ولا طَبِيعَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وحُصُولُ الإحْراقِ والرِّيِّ لَيْسَ بِهِما، لَكِنْ بِإجْراءِ العادَةِ الاقْتِرانِيَّةِ عَلى حُصُولِ هَذا عِنْدَ هَذا لا بِسَبَبٍ ولا بِقُوَّةٍ قامَتْ بِهِ، وهَكَذا الأمْرُ عِنْدَهم في أمْرِهِ الشَّرْعِيِّ سَواءٌ، لا فَرْقَ في نَفْسِ الأمْرِ بَيْنَ المَأْمُورِ والمَحْظُورِ، ولَكِنَّ المَشِيئَةَ اقْتَضَتْ أمْرَهُ بِهَذا ونَهْيَهُ عَنْ هَذا، مِن غَيْرِ أنْ يَقُومَ بِالمَأْمُورِ بِهِ صِفَةٌ اقْتَضَتْ حُسْنَهُ، ولا المَنهِيِّ عَنْهُ صِفَةٌ اقْتَضَتْ قُبْحَهُ.
وَلِهَذا الأصْلِ لَوازِمُ وفُرُوعٌ كَثِيرَةٌ فاسِدَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها في كِتابِنا الكَبِيرِ المُسَمّى " مِفْتاحُ دارِ السَّعادَةِ ومَطْلَبُ أهْلِ العِلْمِ والإرادَةِ " وبَيَّنّا فَسادَ هَذا الأصْلِ مِن نَحْوِ سِتِّينَ وجْهًا، وهو كِتابٌ بَدِيعٌ في مَعْناهُ، وذَكَرْناهُ أيْضًا في كِتابِنا المُسَمّى " سَفَرُ الهِجْرَتَيْنِ وطَرِيقُ السَّعادَتَيْنِ ".
وَهَؤُلاءِ لا يَجِدُونَ حَلاوَةَ العِبادَةِ ولا لَذَّتَها، ولا يَتَنَعَّمُونَ بِها، ولَيْسَتِ الصَّلاةُ قُرَّةَ أعْيُنِهِمْ، ولَيْسَتِ الأوامِرُ سُرُورَ قُلُوبِهِمْ، وغِذاءَ أرْواحِهِمْ وحَياتِهِمْ، ولِهَذا يُسَمُّونَها تَكالِيفَ، أيْ قَدْ كُلِّفُوا بِها، ولَوْ سَمّى مُدَّعٍ لِمَحَبَّةِ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ أوْ غَيْرِهِ ما يَأْمُرُهُ بِهِ تَكْلِيفًا، وقالَ: إنِّي إنَّما أفْعَلُهُ بِكُلْفَةٍ، لَمْ يَعُدَّهُ أحَدٌ مُحِبًّا لَهُ، ولِهَذا أنْكَرَ هَؤُلاءِ أوْ كَثِيرٌ مِنهم مَحَبَّةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ، وقالُوا: إنَّما يُحِبُّ ثَوابَهُ وما يَخْلُقُهُ لَهُ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهِ، لا أنَّهُ يُحِبُّ ذاتَهُ، فَجَعَلُوا المَحَبَّةَ لِمَخْلُوقِهِ دُونَهُ، وحَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ هي كَمالُ المَحَبَّةِ، فَأنْكَرُوا حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ ولُبَّها، وحَقِيقَةُ الإلَهِيَّةِ كَوْنُهُ مَأْلُوهًا مَحْبُوبًا بِغايَةِ الحُبِّ، المَقْرُونِ بِغايَةِ الذُّلِّ والخُضُوعِ، والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، فَأنْكَرُوا كَوْنَهُ مَحْبُوبًا، وذَلِكَ إنْكارٌ لِإلَهِيَّتِهِ، وشَيْخُ هَؤُلاءِ هو الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ الَّذِي ضَحّى بِهِ خالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ في يَوْمٍ أضْحى، وقالَ: إنَّهُ زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسى تَكْلِيمًا، ولَمْ يَتَّخِذْ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وإنَّما كانَ إنْكارُهُ لِكَوْنِهِ تَعالى مَحْبُوبًا مُحِبًّا، لَمْ يُنْكِرْ حاجَةَ إبْراهِيمَ إلَيْهِ، الَّتِي هي الخُلَّةُ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ، الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيها جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَكُلُّهم أخِلّاءُ لِلَّهِ عِنْدَهم.
وَقَدْ بَيَّنّا فَسادَ قَوْلِهِمْ هَذا، وإنْكارِهِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ مِن أكْثَرَ مِن ثَمانِينَ وجْهًا في كِتابِنا المُسَمّى " قُرَّةُ عُيُونِ المُحِبِّينَ، ورَوْضَةُ قُلُوبِ العارِفِينَ " وذَكَرْنا فِيهِ وُجُوبُ تَعَلُّقِ المَحَبَّةِ بِالحَبِيبِ الأوَّلِ مِن جَمِيعِ طُرُقِ الأدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ والذَّوْقِيَّةِ والفِطْرِيَّةِ وأنَّهُ لا كَمالَ لِلْإنْسانِ بِدُونِ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، كَما أنَّهُ لا كَمالَ لِجِسْمِهِ إلّا بِالرُّوحِ والحَياةِ، ولا لِعَيْنِهِ إلّا بِالنُّورِ الباصِرِ، ولا لِأُذُنِهِ إلّا بِالسَّمْعِ، وأنَّ الأمْرَ فَوْقَ ذَلِكَ وأعْظَمُ.
[القَدَرِيَّةُ النُفاةُ]
الصِّنْفُ الثّانِي: القَدَرِيَّةُ النُفاةُ، الَّذِينَ يُثْبِتُونَ نَوْعًا مِنَ الحِكْمَةِ والتَّعْلِيلِ ولَكِنْ لا يَقُومُ بِالرَّبِّ، ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ، بَلْ يَرْجِعُ إلى مُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ المَخْلُوقِ ومَنفَعَتِهِ.
فَعِنْدَهُمْ: أنَّ العِباداتِ شُرِعَتْ أثْمانًا لِما يَنالُهُ العِبادُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، وأنَّها بِمَنزِلَةِ اسْتِيفاءِ أُجْرَةِ الأجِيرِ.
قالُوا: ولِهَذا يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى عِوَضًا كَقَوْلِهِ ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] وقَوْلِهِ ﷺ فِيما يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ «يا عِبادِي، إنَّما هي أعْمالُكم أُحْصِيها لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكم إيّاها» وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
قالُوا: وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَزاءً وأجْرًا وثَوابًا، لِأنَّهُ يَثُوبُ إلى العامِلِ مِن عَمَلِهِ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنهُ.
قالُوا: ولَوْلا ارْتِباطُهُ بِالعَمَلِ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ جَزاءً ولا أجْرًا ولا ثَوابًا مَعْنًى.
قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ الوَزْنُ، فَلَوْلا تَعَلُّقُ الثَّوابِ والعِقابِ بِالأعْمالِ واقْتِضاؤُها لَها، وكَوْنُها كالأثْمانِ لَها لَمْ يَكُنْ لِلْوَزْنِ مَعْنًى، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ - ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩].
وَهاتانِ الطّائِفَتانِ مُتَقابِلَتانِ أشَدَّ التَّقابُلِ، وبَيْنَهُما أعْظَمُ التَّبايُنِ.
فالجَبْرِيَّةُ لَمْ تَجْعَلْ لِلْأعْمالِ ارْتِباطًا بِالجَزاءِ ألْبَتَّةَ، وجَوَّزَتْ أنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ، ويُنَعِّمَ مَن أفْنى عُمْرَهُ في مَعْصِيَتِهِ، وكِلاهُما بِالنِسْبَةِ إلَيْهِ سَواءٌ، وجَوَّزَتْ أنْ يَرْفَعَ صاحِبَ العَمَلِ القَلِيلِ عَلى مَن هو أعْظَمُ مِنهُ عَمَلًا، وأكْثَرُ وأفْضَلُ دَرَجاتٍ، والكُلُّ عِنْدَهم راجِعٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ، مِن غَيْرِ تَعْلِيلٍ ولا سَبَبٍ، ولا حِكْمَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذا بِالثَوابِ، وهَذا بِالعِقابِ.
والقَدَرِيَّةُ أوْجَبَتْ عَلى اللَّهِ رِعايَةَ الأصْلَحِ، وجَعَلَتْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَحْضِ الأعْمالِ وثَمَنًا لَها، وأنَّ وُصُولَ الثَّوابِ إلى العَبْدِ بِدُونِ عَمَلِهِ فِيهِ تَنْغِيصٌ بِاحْتِمالِ مِنَّةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِلا ثَمَنٍ.
فَقاتَلَهُمُ اللَّهُ، ما أجْهَلَهم بِاللَّهِ وأغَرَّهم بِهِ! جَعَلُوا تَفَضُّلَهُ وإحْسانَهُ إلى عَبْدِهِ بِمَنزِلَةِ صَدَقَةِ العَبْدِ عَلى العَبْدِ، حَتّى قالُوا: إنَّ إعْطاءَهُ ما يُعْطِيهِ أُجْرَةً عَلى عَمَلِهِ أحَبُّ إلى العَبْدِ وأطْيَبُ لَهُ مِن أنْ يُعْطِيَهُ فَضْلًا مِنهُ بِلا عَمَلٍ.
فَقابَلَتْهُمُ الجَبْرِيَّةُ أشَدَّ المُقابَلَةِ، ولَمْ يَجْعَلُوا لِلْأعْمالِ تَأْثِيرًا في الجَزاءِ ألْبَتَّةَ.
والطائِفَتانِ جائِرَتانِ، مُنْحَرِفَتانِ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الَّذِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبادَهُ، وجاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ونَزَلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وهو أنَّ الأعْمالَ أسْبابٌ مُوَصِّلَةٌ إلى الثَّوابِ والعِقابِ، مُقْتَضِيَةٌ لَهُما كاقْتِضاءِ سائِرِ الأسْبابِ لِمُسَبَّباتِها، وأنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ وفَضْلِهِ ومَنِّهِ، وصَدَقَتِهِ عَلى عَبْدِهِ، إنْ أعانَهُ عَلَيْها ووَفَّقَهُ لَها، وخَلَقَ فِيهِ إرادَتَها والقُدْرَةَ عَلَيْها، وحَبَّبَها إلَيْهِ، وزَيَّنَها في قَلْبِهِ وكَرَّهَ إلَيْهِ أضْدادُها، ومَعَ هَذا فَلَيْسَتْ ثَمَنًا لِجَزائِهِ وثَوابِهِ، ولا هي عَلى قَدْرِهِ، بَلْ غايَتُها إذا بَذَلَ العَبْدُ فِيها نُصْحَهُ وجُهْدَهُ، وأوْقَعَها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ أنْ تَقَعَ شُكْرًا لَهُ عَلى بَعْضِ نِعَمِهِ عَلَيْهِ، فَلَوْ طالَبَهُ بِحَقِّهِ لَبَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ بَقِيَّةٌ لَمْ يَقُمْ بِشُكْرِها، فَلِذَلِكَ لَوْ عَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ لَعَذَّبَهم وهو غَيْرُ ظالِمٍ لَهُمْ، ولَوْ رَحِمَهم لَكانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهم مِن أعْمالِهِمْ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِهَذا نَفى النَّبِيُّ ﷺ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما قالَ «لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا مِنكُمُ الجَنَّةَ عَمَلُهُ» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ،» وفي لَفْظٍ: «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» وأثْبَتَ سُبْحانَهُ دُخُولَ الجَنَّةِ بِالعَمَلِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] ولا تَنافِي بَيْنَهُما، إذْ تَوارُدُ النَّفْيِ والإثْباتِ لَيْسَ عَلى مَعْنًى واحِدٍ، فالمَنفِيُّ اسْتِحْقاقُها بِمُجَرَّدِ الأعْمالِ، وكَوْنِ الأعْمالِ ثَمَنًا وعِوَضًا لَها، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ، الَّتِي زَعَمَتْ أنَّ التَفَضُّلَ بِالثَوابِ ابْتِداءً مُتَضَمِّنٌ لِتَكْرِيرِ المِنَّةِ.
وَهَذِهِ الطّائِفَةُ مِن أجْهَلِ الخَلْقِ بِاللَّهِ، وأغْلَظِهِمْ عَنْهُ حِجابًا، وحُقَّ لَهم أنْ يَكُونُوا مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَكْفِي في جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ أهْلَ سَماواتِهِ وأرْضِهِ في مِنَّتِهِ، وأنَّ مِن تَمامِ الفَرَحِ والسُرُورِ، والغِبْطَةِ واللَّذَّةِ اغْتِباطُهم بِمِنَّةِ سَيِّدِهِمْ ومَوْلاهُمُ الحَقِّ، وأنَّهم إنَّما طابَ لَهم عَيْشُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم مِنهُ مَنزِلَةً، وأقْرَبُهم إلَيْهِ أعْرَفُهم بِهَذِهِ المِنَّةِ، وأعْظَمُهم إقْرارًا بِها، وذِكْرًا لَها، وشُكْرًا عَلَيْها، ومَحَبَّةً لَهُ لِأجْلِها، فَهَلْ يَتَقَلَّبُ أحَدٌ قَطٌّ إلّا في مِنَّتِهِ؟ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
واحْتِمالُ مِنَّةِ المَخْلُوقِ إنَّما كانَتْ نَقْصًا لِأنَّهُ نَظِيرُهُ، فَإذا مَنَّ عَلَيْهِ اسْتَعْلى عَلَيْهِ، ورَأى المَمْنُونُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ دُونَهُ، هَذا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَلِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِنَّةُ عَلى أُمَّتِهِ، وكانَ أصْحابُهُ يَقُولُونَ: " اللَّهُ ورَسُولُهُ أمَنُّ " ولا نَقْصَ في مِنَّةِ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ولا عارَ عَلَيْهِ في احْتِمالِها، وكَذَلِكَ السَّيِّدُ عَلى عَبْدِهِ، فَكَيْفَ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي إنَّما يَتَقَلَّبُ الخَلائِقُ في بَحْرِ مِنَّتِهِ عَلَيْهِمْ، ومَحْضِ صَدَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، بِلا عِوَضٍ مِنهُمُ ألْبَتَّةَ؟ وإنْ كانَتْ أعْمالُهم أسْبابًا لِما يَنالُونَهُ مِن كَرَمِهِ وجُودِهِ، فَهو المَنّانُ عَلَيْهِمْ، بِأنْ وفَّقَهم لِتِلْكَ الأسْبابِ وهَداهم لَها، وأعانَهم عَلَيْها، وكَمَّلَها لَهُمْ، وقَبِلَها مِنهم عَلى ما فِيها؟ وهَذا هو المَعْنى الَّذِي أثْبَتَ بِهِ دُخُولَ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
فَهَذِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ، رَدًّا عَلى القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لا ارْتِباطَ بَيْنَ الأعْمالِ والجَزاءِ، ولا هي أسْبابٌ لَهُ، وإنَّما غايَتُها أنْ تَكُونَ أماراتٍ.
قالُوا: ولَيْسَتْ أيْضًا مُطَّرِدَةً، لِتَخَلُّفِ الجَزاءِ عَنْها في الخَيْرِ والشَّرِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا مَحْضُ الأمْرِ الكَوْنِيِّ والمَشِيئَةِ.
فالنُّصُوصُ مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ هَؤُلاءِ، كَما هي مُبْطِلَةٌ لِقَوْلِ أُولَئِكَ، وأدِلَّةُ المَعْقُولِ والفِطْرَةِ أيْضًا تُبْطِلُ قَوْلَ الفَرِيقَيْنِ، وتُبَيِّنُ لِمَن لَهُ قَلْبٌ ولُبٌّ مِقْدارَ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ، وهُمُ الفِرْقَةُ الوَسَطُ، المُثْبِتُونَ لِعُمُومِ مَشِيئَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وخَلْقِهِ العِبادَ وأعْمالَهُمْ، ولِحِكْمَتِهِ التّامَّةِ المُتَضَمِّنَةِ رَبْطَ الأسْبابِ بِمُسَبَّباتِها، وانْعِقادَها بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وتَرْتِيبَها عَلَيْها عاجِلًا وآجِلًا.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии