Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Фатиха 1:7
1:7Страница 1
صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧
путем тех, кого Ты облагодетельствовал, не тех, на кого пал гнев, и не заблудших.
ثم بيَّن أن سبيل أهل هذه الهداية مغاير لسبيل أهل الغضب وأهل الضلال، فانقسم الخلق إذن ثلاثة أقسام بالنسبة إلى هذه الهداية:
مُنعَمٌ عليه بحصولها، واستمرار حظّه من النعم بحسب حظه من تفاصيلها وأقسامها.
وضالٌّ لم يُعطَ هذه الهداية ولم يُوفَّق لها.
ومغضوب عليه عرفَها ولم يُوفَّق للعمل بموجبها.
فالأول المنعم عليه قائم بالهدى ودين الحق علمًا وعملًا، والضالّ منسلخٌ عنه علمًا وعملًا، والمغضوب عليه عارفٌ به علمًا، منسلخ منه عملًا، والله الموفق للصواب.
(فائدة)
وَأما المُنعم عَلَيْهِم فهم الَّذين من الله عَلَيْهِم بِمَعْرِفَة الحق علما وبالانقياد إلَيْهِ وإيثاره على ما سواهُ عملا وهَؤُلاء هم الَّذين على سَبِيل النجاة ومن سواهُم على سَبِيل الهَلاك ولِهَذا أمرنا الله سُبْحانَهُ أن نقُول كل يَوْم ولَيْلَة عدَّة مَرّات ﴿اهدنا الصِّراط المُسْتَقيم صِراط الَّذين أنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم ولا الضّالّين﴾
فَإن العَبْد مُضْطَر كل الِاضْطِرار إلى أن يكون عارِفًا بِما يَنْفَعهُ في معاشه ومعاده وأن يكون مؤثرا مرِيدا لما يَنْفَعهُ مجتنبا لما يضرّهُ فبمجموع هذَيْن يكون قد هدي إلى الصِّراط المُسْتَقيم فَإن فاتَهُ معرفَة ذَلِك سلك سَبِيل الضّالّين وإن فاتَهُ قَصده واتباعه سلك سَبِيل المغضوب عَلَيْهِم وبِهَذا يعرف قدر هَذا الدُّعاء العَظِيم وشدَّة الحاجة إلَيْهِ وتوقف سَعادَة الدُّنْيا والآخِرَة عَلَيْهِ
والعَبْد مفتقر إلى الهِدايَة في كل لَحْظَة ونَفس في جَمِيع ما يَأْتِيهِ ويذره فَإنَّهُ بَين أُمُور لا يَنْفَكّ عَنْها
أحدها أُمُور قد أتاها على غير وجه الهِدايَة جهلا فَهو مُحْتاج إلى أن يطْلب الهِدايَة إلى الحق فِيها
أو يكون عارِفًا بالهداية فِيها فَأتاها على غير وجهها عمدا فَهو مُحْتاج إلى التَّوْبَة مِنها
أو أُمُور لم يعرف وجه الهِدايَة فِيها علما ولا عملا ففاتته الهِدايَة إلى علمها ومعرفتها وإلى قَصدها وإرادتها وعملها
أو أُمُور قد هدي إلَيْها من وجه دون وجه فَهو مُحْتاج إلى تَمام الهِدايَة فِيها
أو أُمُور قد هدي إلى أصْلها دون تفاصيلها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة التَّفْصِيل
أو طَرِيق قد هدي أليها وهو مُحْتاج إلى هِدايَة أُخْرى فِيها فالهداية إلى الطَّرِيق شَيْء والهِدايَة في نفس الطَّرِيق شَيْء آخر ألا ترى أن الرجل يعرف أن طَرِيق البَلَد الفُلانِيّ هو طَرِيق كَذا وكَذا ولَكِن لا يحسن أن يسلكه فَإن سلوكه يحْتاج إلى هِدايَة خاصَّة في نفس السلوك كالسير في وقت كَذا دون وقت كَذا وأخذ الماء في مفازة كَذا مِقْدار كَذا والنُّزُول في مَوضِع كَذا دون كَذا فَهَذِهِ هِدايَة في نفس السّير قد يهملها من هو عارِف بِأن الطَّرِيق هي هَذِه فَيهْلك ويَنْقَطِع عَن المَقْصُود.
وَكَذَلِكَ أيْضا ثمَّ أُمُور هو مُحْتاج إلى أن يحصل لَهُ فِيها من الهِدايَة في المُسْتَقْبل مثل ما حصل لَهُ في الماضِي
وَأُمُور هو خال عَن اعْتِقاد حق أو باطِل فِيها فَهو مُحْتاج إلى هِدايَة الصَّواب فِيها
وَأُمُور يعْتَقد أنه فِيها على هدى وهو على ضَلالَة ولا يشْعر فَهو مُحْتاج إلى انْتِقاله عَن ذَلِك الِاعْتِقاد بهداية من الله
وَأُمُور قد فعلها على وجه الهِدايَة وهو مُحْتاج إلى أن يهدي غَيره إلَيْها ويرشده وينصحه فإهماله
ذَلِك يفوت عَلَيْهِ من الهِدايَة بِحَسبِهِ كَما أن هدايته للْغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ باب الهِدايَة فَإن الجَزاء من جنس العَمَل فَكلما هدى غَيره وعلمه هداه الله وعلمه فَيصير هاديا مهديا كَما في دُعاء النَّبِي ﷺ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيّ وغَيره اللَّهُمَّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين غير ضالِّينَ ولا مضلين سلما لأوليائك حَربًا لأعدائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك
وَقد أثنى الله سُبْحانَهُ على عباده المُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أن يجعلهم أئِمَّة يهتدى بهم فَقالَ تَعالى في صِفات عباده ﴿والَّذين يَقُولُونَ رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إمامًا﴾
قالَ ابْن عَبّاس يهتدى بِنا في الخَيْر.
وَقالَ أبُو صالح يقْتَدى بهدانا.
وَقالَ مَكْحُول أئِمَّة في التَّقْوى يَقْتَدِي بِنا المتقون.
(فصل)
المَوْضِعُ السّابِعُ: مِن مَعْرِفَةِ نَفْسِ المَسْئُولِ، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ
وَلا تَكُونُ الطَّرِيقُ صِراطًا حَتّى تَتَضَمَّنَ خَمْسَةَ أُمُورٍ: الِاسْتِقامَةَ، والإيصالَ إلى المَقْصُودِ، والقُرْبَ، وسَعَتَهُ لِلْمارِّينَ عَلَيْهِ، وتَعَيُّنَهُ طَرِيقًا لِلْمَقْصُودِ، ولا يَخْفى تَضَمُّنُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِهَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ.
فَوَصْفُهُ بِالِاسْتِقامَةِ يَتَضَمَّنُ قُرْبَهُ، لِأنَّ الخَطَّ المُسْتَقِيمَ هو أقْرَبُ خَطٍّ فاصِلٍ بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ، وكُلَّما تَعَوَّجَ طالَ وبَعُدَ، واسْتِقامَتُهُ تَتَضَمَّنُ إيصالَهُ إلى المَقْصُودِ، ونَصْبُهُ لِجَمِيعِ مَن يَمُرُّ عَلَيْهِ يَسْتَلْزِمُ سَعَتَهُ، وإضافَتُهُ إلى المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ووَصْفُهُ بِمُخالَفَةِ صِراطِ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ يَسْتَلْزِمُ تَعَيُّنَهُ طَرِيقًا.
والصِّراطُ تارَةً يُضافُ إلى اللَّهِ، إذْ هو الَّذِي شَرَعَهُ ونَصَبَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقَولِهِ ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢] وتارَةً يُضافُ إلى العِبادِ كَما في الفاتِحَةِ، لِكَوْنِهِمْ أهْلَ سُلُوكِهِ، وهو المَنسُوبُ لَهُمْ، وهُمُ المارُّونَ عَلَيْهِ.
(المَوْضِعُ الثّامِنُ: مِن ذِكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وتَمْيِيزِهِمْ عَنْ طائِفَتَيِ الغَضَبِ والضَّلالِ)
فانْقَسَمَ النّاسُ بِحَسَبِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ والعَمَلِ بِهِ إلى هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ، لِأنَّ العَبْدَ إمّا أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالحَقِّ، وإمّا جاهِلًا بِهِ، والعالِمُ بِالحَقِّ إمّا أنْ يَكُونَ عامِلًا بِمُوجَبِهِ أوْ مُخالِفًا لَهُ، فَهَذِهِ أقْسامُ المُكَلَّفِينَ لا يَخْرُجُونَ عَنْها ألْبَتَّةَ، فالعالِمُ بِالحَقِّ العامِلُ بِهِ هو المُنْعَمُ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي زَكّى نَفْسَهُ بِالعِلْمِ النّافِعِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وهو المُفْلِحُ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] والعالِمُ بِهِ المُتَّبِعُ هَواهُ هو المَغْضُوبُ عَلَيْهِ، والجاهِلُ بِالحَقِّ هو الضّالُّ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِ ضالٌّ عَنْ هِدايَةِ العَمَلِ، والضّالُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ لِضَلالِهِ عَنِ العِلْمِ المُوجِبِ لِلْعَمَلِ، فَكُلٌّ مِنهُما ضالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ تارِكَ العَمَلِ بِالحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِهِ أوْلى بِوَصْفِ الغَضَبِ وأحَقُّ بِهِ، ومِن هُنا كانَ اليَهُودُ أحَقَّ بِهِ، وهو مُتَغَلِّظٌ في حَقِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى في حَقِّهِمْ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] وقالَ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] والجاهِلُ بِالحَقِّ أحَقُّ بِاسْمِ الضَّلالِ، ومِن هُنا وُصِفَتِ النَّصارى بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] فالأُولى في سِياقِ الخِطابِ مَعَ اليَهُودِ، والثّانِيَةُ في سِياقِهِ مَعَ النَّصارى، وفي التِّرْمِذِيِّ وصَحِيحِ ابْنِ حَبّانَ مِن حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اليَهُودُ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، والنَّصارى ضالُّونَ».
فَفِي ذِكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ وهم مَن عَرَفَ الحَقَّ واتَّبَعَهُ والمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهم مَن عَرَفَهُ واتَّبَعَ هَواهُ والضّالِّينَ وهم مَن جَهِلَهُ ما يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ، لِأنَّ انْقِسامَ النّاسِ إلى ذَلِكَ هو الواقِعُ المَشْهُودُ، وهَذِهِ القِسْمَةُ إنَّما أوْجَبَها ثُبُوتُ الرِّسالَةِ.
وَأضافَ النِّعْمَةَ إلَيْهِ، وحَذَفَ فاعِلَ الغَضَبِ لِوُجُوهٍ:
مِنها: أنَّ النِّعْمَةَ هي الخَيْرُ والفَضْلُ، والغَضَبَ مِن بابِ الِانْتِقامِ والعَدْلِ، والرَّحْمَةَ تَغْلِبُ الغَضَبَ، فَأضافَ إلى نَفْسِهِ أكْمَلَ الأمْرَيْنِ، وأسْبَقَهُما وأقْواهُما، وهَذِهِ طَرِيقَةُ القُرْآنِ في إسْنادِ الخَيْراتِ والنِّعَمِ إلَيْهِ، وحَذْفِ الفاعِلِ في مُقابَلَتِهِما، كَقَوْلِ مُؤْمِنِي الجِنِّ ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] ومِنهُ قَوْلُ الخَضِرِ في شَأْنِ الجِدارِ واليَتِيمَيْنِ ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ [الكهف: ٨٢] وقالَ في خَرْقِ السَّفِينَةِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقَوْلَهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْلَهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قالَ ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وَفِي تَخْصِيصِهِ لِأهْلِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ بِالنِّعْمَةِ ما دَلَّ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقَةَ هي المُوجِبَةُ لِلْفَلاحِ الدّائِمِ، وأمّا مُطْلَقُ النِّعْمَةِ فَعَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَكُلُّ الخَلْقِ في نِعْمَةٍ، وهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في مَسْألَةِ: هَلْ لِلَّهِ عَلى الكافِرِ مِن نِعْمَةٍ أمْ لا؟
فالنِّعْمَةُ المُطْلَقَةُ لِأهْلِ الإيمانِ، ومُطْلَقُ النِّعْمَةِ تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والنِّعْمَةُ مِن جِنْسِ الإحْسانِ، بَلْ هي الإحْسانُ، والرَّبُّ تَعالى إحْسانُهُ عَلى البَرِّ والفاجِرِ، والمُؤْمِنِ والكافِرِ.
وَأمّا الإحْسانُ المُطْلَقُ فَلِلَّذِينِ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُنْفَرِدُ بِالنِّعَمِ ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فَأُضِيفَ إلَيْهِ ما هو مُنْفَرِدٌ بِهِ، وإنْ أُضِيفَ إلى غَيْرِهِ فَلِكَوْنِهِ طَرِيقًا ومَجْرًى لِلنِّعْمَةِ، وأمّا الغَضَبُ عَلى أعْدائِهِ فَلا يَخْتَصُّ بِهِ تَعالى، بَلْ مَلائِكَتُهُ وأنْبِياؤُهُ ورُسُلُهُ وأوْلِياؤُهُ يَغْضَبُونَ لِغَضَبِهِ، فَكانَ في لَفْظَةِ " ﴿المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] " بِمُوافَقَةِ أوْلِيائِهِ لَهُ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإنْعامِ، وأنَّ النِّعْمَةَ المُطْلَقَةَ مِنهُ وحْدَهُ، هو المُنْفَرِدُ بِها ما لَيْسَ في لَفْظَةِ " المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ ".
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ في حَذْفِ فاعِلِ الغَضَبِ مِنَ الإشْعارِ بِإهانَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، وتَحْقِيرِهِ وتَصْغِيرِ شَأْنِهِ ما لَيْسَ في ذِكْرِ فاعِلِ النِّعْمَةِ مِن إكْرامِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ والإشادَةِ بِذِكْرِهِ، ورَفْعِ قَدْرِهِ ما لَيْسَ في حَذْفِهِ، فَإذا رَأيْتَ مَن قَدْ أكْرَمَهُ مَلِكٌ وشَرَّفَهُ ورَفَعَ قَدْرَهُ، فَقُلْتَ: هَذا الَّذِي أكْرَمَهُ السُّلْطانُ، وخَلَعَ عَلَيْهِ وأعْطاهُ ما تَمَنّاهُ، كانَ أبْلَغَ في الثَّناءِ والتَّعْظِيمِ مِن قَوْلِكَ: هَذا الَّذِي أُكْرِمَ وخُلِعَ عَلَيْهِ وشُرِّفَ وأُعْطِيَ.
وَتَأمَّلْ سِرًّا بَدِيعًا في ذِكْرِ السَّبَبِ والجَزاءِ لِلطَّوائِفِ الثَّلاثَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأخْصَرِهِ، فَإنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ إنْعامَهُ بِالهِدايَةِ الَّتِي هي العِلْمُ النّافِعُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهي الهُدى ودِينُ الحَقِّ، ويَتَضَمَّنُ كَمالَ الإنْعامِ بِحُسْنِ الثَّوابِ والجَزاءِ، فَهَذا تَمامُ النِّعْمَةِ، ولَفْظُ " ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] " يَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ.
وَذِكْرُ غَضَبِهِ عَلى المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يَتَضَمَّنُ أيْضًا أمْرَيْنِ: الجَزاءُ بِالغَضَبِ الَّذِي مُوجَبُهُ غايَةُ العَذابِ والهَوانِ، والسَّبَبُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ غَضَبَهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ أرْحَمُ وأرْأفُ مِن أنْ يَغْضَبَ بِلا جِنايَةٍ مِنهم ولا ضَلالٍ، فَكَأنَّ الغَضَبَ عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِضَلالِهِمْ، وذِكْرُ الضّالِّينَ مُسْتَلْزِمٌ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ وعِقابِهِ لَهُمْ، فَإنَّ مَن ضَلَّ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ الَّتِي هي مُوجَبُ ضَلالِهِ وغَضَبِ اللَّهُ عَلَيْهِ.
فاسْتَلْزَمَ وصْفَ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ لِلسَّبَبِ والجَزاءِ أبْيَنَ اسْتِلْزامٍ، واقْتَضاهُ أكْمَلَ اقْتِضاءٍ في غايَةِ الإيجازِ والبَيانِ والفَصاحَةِ، مَعَ ذِكْرِ الفاعِلِ في أهْلِ السَّعادَةِ، وحَذْفِهِ في أهْلِ الغَضَبِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى السَّبَبِ في أهْلِ الضَّلالِ.
وَتَأمَّلِ المُقابَلَةَ بَيْنَ الهِدايَةِ والنِّعْمَةِ، والغَضَبِ والضَّلالِ، فَذِكْرُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والضّالِّينَ في مُقابَلَةِ المُهْتَدِينَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، يَقْرِنُ بَيْنَ الضَّلالِ والشَّقاءِ، وبَيْنَ الهُدى والفَلاحِ، فالثّانِي كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] والأوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧] وقَوْلِهِ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] وقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ بَيْنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] فَهَذا الهُدى والسَّعادَةُ، ثُمَّ قالَ ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٤] فَذَكَرَ الضَّلالَ والشَّقاءَ.
فالهُدى والسَّعادَةُ مُتَلازِمانِ، والضَّلالُ والشَّقاءُ مُتَلازِمانِ.
[فَصْلٌ: ذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللّامِ، وتَعْرِيفًا بِالإضافَةِ]
وَذَكَرَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مُفْرَدًا مُعَرَّفًا تَعْرِيفَيْنِ: تَعْرِيفًا بِاللّامِ، وتَعْرِيفًا بِالإضافَةِ، وذَلِكَ يُفِيدُ تَعَيُّنَهُ واخْتِصاصَهُ، وأنَّهُ صِراطٌ واحِدٌ، وأمّا طُرُقُ أهْلِ الغَضَبِ والضَّلالِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَجْمَعُها ويُفْرِدُها، كَقَوْلِهِ ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فَوَحَّدَ لَفْظَ الصِّراطِ وسَبِيلِهِ، وجَمَعَ السُّبُلَ المُخالِفَةَ لَهُ،
«وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، وقالَ: هَذا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ يَسارِهِ، وقالَ: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلى كُلِّ سَبِيلٍ شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» وهَذا لِأنَّ الطَّرِيقَ المُوَّصِلَ إلى اللَّهِ واحِدٌ، وهو ما بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، لا يَصِلُ إلَيْهِ أحَدٌ إلّا مِن هَذِهِ الطَّرِيقِ، ولَوْ أتى النّاسُ مِن كُلِّ طَرِيقٍ، واسْتَفْتَحُوا مِن كُلِّ بابٍ، فالطُّرُقُ عَلَيْهِمْ مَسْدُودَةٌ، والأبْوابُ عَلَيْهِمْ مُغَلَّقَةٌ إلّا مِن هَذا الطَّرِيقِ الواحِدِ، فَإنَّهُ مُتَّصِلٌ بِاللَّهِ، مُوَصِّلٌ إلى اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ صِراطٌ إلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، وهَذا يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ أنَّهُ مِن بابِ إقامَةِ الأدَواتِ بَعْضِها مَقامَ بَعْضٍ، فَقامَتْ أداةُ " عَلى " مَقامَ " إلى "، والثّانِي: أنَّهُ أرادَ التَّفْسِيرَ عَلى المَعْنى، وهو الأشْبَهُ بِطَرِيقِ السَّلَفِ، أيْ صِراطٌ مُوَّصِلٌ إلَيَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحَقُّ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، وعَلَيْهِ طَرِيقُهُ، لا يُعَرَّجُ عَلى شَيْءٍ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الحَسَنِ وأبْيَنُ مِنهُ، وهو مِن أصَحِّ ما قِيلَ في الآيَةِ، وقِيلَ: عَلَيَّ فِيهِ لِلْوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُهُ وتَعْرِيفُهُ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، والقَوْلانِ نَظِيرُ القَوْلَيْنِ في آيَةِ النَّحْلِ، وهي ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] والصَّحِيحُ فِيها كالصَّحِيحِ في آيَةِ الحِجْرِ: أنَّ السَّبِيلَ القاصِدَ وهو المُسْتَقِيمُ المُعْتَدِلُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويُوَصِّلُ إلَيْهِ، قالَ طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ:
؎مَضَوْا سَلَفًا قَصْدُ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ وصَرْفُ المَنايا بِالرِّجالِ تُشَقْلَبُ
أيْ مَمَرُّنا عَلَيْهِمْ، وإلَيْهِمْ وُصُولُنا، وقالَ الآخَرُ:
؎فَهُنَّ المَنايا أيُّ وادٍ سَلَكْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْها طَرِيقِي أوْ عَلَيَّ طَرِيقُها
فَإنْ قِيلَ: لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَكانَ الألْيَقُ بِهِ أداةَ إلى الَّتِي هي لِلِانْتِهاءِ، لا أداةَ عَلى الَّتِي هي لِلْوُجُوبِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أرادَ الوُصُولَ قالَ ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهم ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] وقالَ ﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠] وقالَ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقالَ لَمّا أرادَ الوُجُوبَ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] وقالَ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقالَ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] ونَظائِرُ ذَلِكَ.
قِيلَ: في أداةِ عَلى سِرٌّ لَطِيفٌ، وهو الإشْعارُ بِكَوْنِ السّالِكِ عَلى هَذا الصِّراطِ عَلى هُدًى، وهو حَقٌّ، كَما قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ، وصِراطُهُ حقٌّ، ودِينُهُ حَقٌ، فَمَنِ اسْتَقامَ عَلى صِراطِهِ فَهو عَلى الحَقِّ والهُدى، فَكانَ في أداةِ " عَلى " عَلى هَذا المَعْنى ما لَيْسَ في أداةِ إلى فَتَأمَّلْهُ، فَإنَّهُ سِرٌّ بَدِيعٌ.
فَإنْ قُلْتَ: فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِ عَلى في ذَلِكَ أيْضًا؟ وكَيْفَ يَكُونُ المُؤْمِنُ مُسْتَعْلِيًا عَلى الحَقِّ، وعَلى الهُدى؟
قُلْتُ: لِما فِيهِ مِنِ اسْتِعْلائِهِ وعُلُوِّهِ بِالحَقِّ والهُدى، مَعَ ثَباتِهِ عَلَيْهِ، واسْتِقامَتِهِ إلَيْهِ، فَكانَ في الإتْيانِ بِأداةِ " عَلى " ما يَدُلُّ عَلى عُلُوِّهِ وثُبُوتِهِ واسْتِقامَتِهِ، وهَذا بِخِلافِ الضَّلالِ والرَّيْبِ، فَإنَّهُ يُؤْتى فِيهِ بِأداةِ " في " الدّالَّةِ عَلى انْغِماسِ صاحِبِهِ، وانْقِماعِهِ وتَدَسُّسِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] وقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ٣٩] وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وَإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠].
وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فَإنَّ طَرِيقَ الحَقِّ تَأْخُذُ عُلُوًّا صاعِدَةً بِصاحِبِها إلى العَلِيِّ الكَبِيرِ، وطَرِيقَ الضَّلالِ تَأْخُذُ سُفْلًا، هاوِيَةً بِسالِكِها في أسْفَلِ سافِلِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ إنَّهُ عَلى التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] كَما قالَ: تَقُولُ طَرِيقُكَ عَلَيَّ، ومَمَرُّكَ عَلَيَّ، لِمَن تُرِيدُ إعْلامَهُ بِأنَّهُ غَيْرُ فائِتٍ لَكَ، ولا مُعْجِزٍ، والسِّياقُ يَأْبى هَذا، ولا يُناسِبُهُ لِمَن تَأمَّلَهُ، فَإنَّهُ قالَهُ مُجِيبًا لِإبْلِيسَ الَّذِي قالَ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢] فَإنَّهُ لا سَبِيلَ لِي إلى إغْوائِهِمْ، ولا طَرِيقَ لِي عَلَيْهِمْ.
فَقَرَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ أتَمَّ التَّقْرِيرِ، وأخْبَرَ أنَّ الإخْلاصَ صِراطٌ عَلَيْهِ مُسْتَقِيمٌ، فَلا سُلْطانَ لَكَ عَلى عِبادِي الَّذِينَ هم عَلى هَذا الصِّراطِ، لِأنَّهُ صِراطٌ عَلَيَّ، ولا سَبِيلَ لِإبْلِيسَ إلى هَذا الصِّراطِ، ولا الحَوْمِ حَوْلَ ساحَتِهِ، فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ مَحْفُوظٌ بِاللَّهِ، فَلا يَصِلُ عَدُوُّ اللَّهِ إلى أهْلِهِ.
فَلْيَتَأمَّلِ العارِفُ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ، ولْيَنْظُرْ إلى هَذا المَعْنى، ويُوازِنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ، أيُّهُما ألْيَقُ بِالآيَتَيْنِ، وأقْرَبُ إلى مَقْصُودِ القُرْآنِ وأقْوالِ السَّلَفِ؟
وَأمّا تَشْبِيهُ الكِسائِيِّ لَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَلا يَخْفى الفَرْقُ بَيْنَهُما سِياقًا ودِلالَةً، فَتَأمَّلْهُ، ولا يُقالُ في التَّهْدِيدِ: هَذا طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ عَلَيَّ، لِمَن لا يَسْلُكُهُ، ولَيْسَتْ سَبِيلُ المُهَدَّدِ مُسْتَقِيمَةً، فَهو غَيْرُ مُهَدَّدٍ بِصِراطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، وسَبِيلُهُ الَّتِي هو عَلَيْها لَيْسَتْ مُسْتَقِيمَةً عَلى اللَّهِ، فَلا يَسْتَقِيمُ هَذا القَوْلُ ألْبَتَّةَ.
وَأمّا مَن فَسَّرَهُ بِالوُجُوبِ، أيْ عَلَيَّ بَيانُ اسْتِقامَتِهِ والدِّلالَةُ عَلَيْهِ، فالمَعْنى صَحِيحٌ، لَكِنْ في كَوْنِهِ هو المُرادَ بِالآيَةِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ حَذْفٌ في غَيْرِ مَوْضِعِ الدِّلالَةِ، ولَمْ يُؤَلَّفِ الحَذْفُ المَذْكُورُ لِيَكُونَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ إذا حُذِفَ، بِخِلافِ عامِلِ الظَّرْفِ إذا وقَعَ صِفَةً فَإنَّهُ حَذْفٌ مَأْلُوفٌ مَعْرُوفٌ، حَتّى إنَّهُ لا يُذْكَرُ ألْبَتَّةَ، فَإذا قُلْتَ: لَهُ دِرْهَمٌ عَلَيَّ، كانَ الحَذْفُ مَعْرُوفًا مَأْلُوفًا، فَلَوْ أرَدْتَ: عَلَيَّ نَقْدُهُ، أوْ عَلَيَّ وزْنُهُ وحِفْظُهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ وحَذَفْتَ لَمْ يَسُغْ، وهو نَظِيرُ: عَلَيَّ بَيانُهُ المُقَدَّرِ في الآيَةِ، مَعَ أنَّ الَّذِي قالَهُ السَّلَفُ ألْيَقُ بِالسِّياقِ، وأجَلُّ المَعْنَيَيْنِ وأكْبَرُهُما.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ تَقِيَّ الدِّينِ أحْمَدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: وهُما نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٢] قالَ: فَهَذِهِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ في القُرْآنِ في هَذا المَعْنى.
قُلْتُ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ " ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] " إلّا مَعْنى الوُجُوبِ، أيْ عَلَيْنا بَيانُ الهُدى مِنَ الضَّلالِ، ومِنهم مَن لَمْ يَذْكُرْ في سُورَةِ النَّحْلِ إلّا هَذا المَعْنى كالبَغَوِيِّ، وذَكَرَ في الحِجْرِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ، وذَكَرَ الواحِدِيُّ في بَسِيطِهِ المَعْنَيَيْنِ في سُورَةِ النَّحْلِ، واخْتارَ شَيْخُنا قَوْلَ مُجاهِدٍ والحَسَنِ في السُّوَرِ الثَّلاثِ.
[فَصْلٌ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو صِراطُ اللَّهِ]
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو صِراطُ اللَّهِ، وهو يُخْبِرُ أنَّ الصِّراطَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما ذَكَرْنا، ويُخْبِرُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وهَذا في مَوْضِعَيْنِ مِنَ القُرْآنِ: في هُودٍ، والنَّحْلِ، قالَ في هُودٍ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وقالَ في النَّحْلِ ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]
فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ، ولا تَنْطِقُ ولا تَعْقِلُ، وهي كَلٌّ عَلى عابِدِها، يَحْتاجُ الصَّنَمُ إلى أنْ يَحْمِلَهُ عابِدُهُ، ويَضَعَهُ ويُقِيمَهُ ويَخْدِمَهُ، فَكَيْفَ يُسَوُّونَهُ في العادَةِ بِاللَّهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والتَّوْحِيدِ؟ وهو قادِرٌ مُتَكَلِّمٌ، غَنِيٌّ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَقَوْلُهُ صِدْقٌ ورُشْدٌ ونُصْحٌ وهُدًى، وفِعْلُهُ حِكْمَةٌ وعَدْلٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ، هَذا أصَحُّ الأقْوالِ في الآيَةِ، وهو الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ غَيْرَهُ، ومَن ذَكَرَ غَيْرَهُ قَدَّمَهُ عَلى الأقْوالِ، ثُمَّ حَكاها بَعْدَهُ كَما فَعَلَ البَغْوِيُّ، فَإنَّهُ جَزَمَ بِهِ، وجَعَلَهُ تَفْسِيرَ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: وقالَ الكَلْبِيُّ: يَدُلُّكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قُلْتُ: ودِلالَتُهُ لَنا عَلى الصِّراطِ هي مِن مُوجَبِ كَوْنِهِ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، فَإنَّ دِلالَتَهُ بِفِعْلِهِ وقَوْلِهِ، وهو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في أفْعالِهِ وأقْوالِهِ، فَلا يُناقِضُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
قالَ: وقِيلَ: هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
قُلْتُ: وهَذا حَقٌّ لا يُناقِضُ القَوْلَ الأوَّلَ، فالَلَّهُ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، ورَسُولُهُ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَفْعَلُ إلّا مُقْتَضاهُ ومُوجَبَهُ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَثَلُ مَضْرُوبًا لِإمامِ الكُفّارِ وهادِيهِمْ، وهو الصَّنَمُ الَّذِي هو أبْكَمُ، لا يَقْدِرُ عَلى هُدًى ولا خَيْرٍ، ولِإمامِ الأبْرارِ، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَكُونُ مَضْرُوبًا لِمَعْبُودِ الكُفّارِ ومَعْبُودِ الأبْرارِ، والقَوْلانِ مُتَلازِمانِ، فَبَعْضُهم ذَكَرَ هَذا، وبَعْضُهم ذَكَرَ هَذا، وكِلاهُما مُرادٌ مِنَ الآيَةِ، قالَ، وقِيلَ: كِلاهُما لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، يَرْوِيهِ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ عَطاءٌ: الأبْكَمُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ: حَمْزَةُ وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ.
قُلْتُ: والآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، ولا يُناقِضُ القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، فَإنَّ اللَّهَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ورَسُولَهُ وأتِّباعَ رَسُولِهِ، وضِدُّ ذَلِكَ: مَعْبُودُ الكُفّارِ وهادِيهِمْ، والكافِرُ التّابِعُ والمَتْبُوعُ والمَعْبُودُ، فَيَكُونُ بَعْضُ السَّلَفِ ذَكَرَ أعْلى الأنْواعِ، وبَعْضُهم ذَكَرَ الهادِيَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ المُسْتَجِيبَ القابِلَ، وتَكُونُ الآيَةُ مُتَناوِلَةً لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولِذَلِكَ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
وَأمّا آيَةُ هُودٍ: فَصَرِيحَةٌ لا تَحْتَمِلُ إلّا مَعْنًى واحِدًا، وهو أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهو سُبْحانُهُ أحَقُّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فَإنَّ أقْوالَهُ كُلَّها صِدْقٌ ورُشْدٌ وهُدًى وعَدْلٌ وحِكْمَةٌ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] وأفْعالُهُ كُلُّها مَصالِحُ وحِكَمٌ، ورَحْمَةٌ وعَدْلٌ وخَيْرٌ، فالشَّرُّ لا يَدْخُلُ في أفْعالِ مَن هو عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أوْ أقْوالِهِ، وإنَّما يَدْخُلُ في أفْعالِ مَن خَرَجَ عَنْهُ وفي أقْوالِهِ.
وَفِي دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ» ولا يُلْتَفَتُ إلى تَفْسِيرِ مَن فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: والشَّرُّ لا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْكَ، أوْ لا يَصْعَدُ إلَيْكَ، فَإنَّ المَعْنى أجَلُّ مِن ذَلِكَ، وأكْبَرُ وأعْظَمُ قَدْرًا، فَإنَّ مَن أسْماؤُهُ كُلُّها حُسْنى، وأوْصافُهُ كُلُّها كَمالٌ، وأفْعالُهُ كُلُّها كَمالٌ، وأقْوالُهُ كُلُّها صِدْقٌ وعَدْلٌ يَسْتَحِيلُ دُخُولُ الشَّرِّ في أسْمائِهِ أوْ أوْصافِهِ، أوْ أفْعالِهِ أوْ أقْوالِهِ، فَطابِقْ بَيْنَ هَذا المَعْنى وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وتَأمَّلْ كَيْفَ ذَكَرَ هَذا عَقِيبَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦] أيْ هو رَبِّي، فَلا يُسَّلِمُنِي ولا يُضَيِّعُنِي، وهو رَبُّكم فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيَّ ولا يُمَكِّنُكم مِنِّي، فَإنَّ نَواصِيَكم بِيَدِهِ، لا تَفْعَلُونَ شَيْئًا بِدُونِ مَشِيئَتِهِ، فَإنَّ ناصِيَةَ كُلِّ دابَّةٍ بِيَدِهِ، لا يُمْكِنُها أنْ تَتَحَرَّكَ إلّا بِإذْنِهِ، فَهو المُتَصَرِّفُ فِيها، ومَعَ هَذا فَهو في تَصَرُّفِهِ فِيها وتَحْرِيكِهِ لَها، ونُفُوذِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ فِيها عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لا يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِن ذَلِكَ إلّا بِحِكْمَةٍ وعَدْلٍ ومَصْلَحَةٍ، ولَوْ سَلَّطَكم عَلَيَّ فَلَهُ مِنَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ ما لَهُ الحَمْدُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ تَسْلِيطُ مَن هو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لا يَظْلِمُ ولا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا بِغَيْرِ حِكْمَةٍ.
فَهَكَذا تَكُونُ المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، لا مَعْرِفَةَ القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ، والقَدَرِيَّةِ الجَبْرِيَّةِ، نُفاةِ الحُكْمِ والمَصالِحِ والتَّعْلِيلِ، واللَّهُ المُوَفِّقُ سُبْحانَهُ.
[فَصْلٌ: رَفِيقُ طالِبِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ هُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ]
وَلَمّا كانَ طالِبُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ طالِبَ أمْرٍ أكْثَرُ النّاسِ ناكِبُونَ عَنْهُ، مُرِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقٍ مُرافِقُهُ فِيها في غايَةِ القِلَّةِ والعِزَّةِ، والنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلى وحْشَةِ التَّفَرُّدِ، وعَلى الأُنْسِ بِالرَّفِيقِ، نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى الرَّفِيقِ في هَذِهِ الطَّرِيقِ، وأنَّهم هُمُ الَّذِينَ ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فَأضافَ الصِّراطَ إلى الرَّفِيقِ السّالِكِينَ لَهُ، وهُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِيَزُولَ عَنِ الطّالِبِ لِلْهِدايَةِ وسُلُوكِ الصِّراطِ وحْشَةُ تَفَرُّدِهِ عَنْ أهْلِ زَمانِهِ وبَنِي جِنْسِهِ، ولِيَعْلَمَ أنَّ رَفِيقَهُ في هَذا الصِّراطِ هُمُ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَلا يَكْتَرِثُ بِمُخالَفَةِ النّاكِبِينَ عَنْهُ لَهُ، فَإنَّهم هُمُ الَأقَلُّونَ قَدْرًا،
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии