Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Юсуф 12:23–29
12:23Страница 238
وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
Женщина, в доме которой он жил, стала соблазнять его, заперла двери и сказала: «Иди ко мне». Он сказал: «Упаси Аллах! Ведь он - мой господин, обеспечивший мне прекрасную жизнь. Воистину, беззаконники не преуспеют».
[فَصْلٌ: عِشْقُ الصُّوَرِ]
وَنَخْتِمُ الجَوابَ بِفَصْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِعِشْقِ الصُّوَرِ وما فِيهِ مِنَ المَفاسِدِ العاجِلَةِ والآجِلَةِ، وإنْ كانَتْ أضْعافَ ما ذَكَرَهُ ذاكِرٌ، فَإنَّهُ يُفْسِدُ القَلْبَ بِالذّاتِ، وإذا فَسَدَ القَلْبُ؛ فَسَدَتِ الإراداتُ والأقْوالُ والأعْمالُ، وفَسَدَ ثَغْرُ التَّوْحِيدِ كَما تَقَدَّمَ، وكَما سَنُقَرِّرُهُ أيْضًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما حَكى هَذا المَرَضَ عَنْ طائِفَتَيْنِ مِنَ النّاسِ، وهُمُ اللُّوطِيَّةُ والنِّساءُ، فَأخْبَرَ عَنْ عِشْقِ امْرَأةِ العَزِيزِ لِيُوسُفَ، وما راوَدَتْهُ وكادَتْهُ بِهِ، وأخْبَرَ عَنِ الحالِ الَّتِي صارَ إلَيْها يُوسُفُ بِصَبْرِهِ وعِفَّتِهِ وتَقْواهُ، مَعَ أنَّ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ أمْرٌ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلّا مَن صَبَّرَهُ اللَّهُ، فَإنَّ مُواقَعَةَ الفِعْلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الدّاعِي وزَوالِ المانِعِ، وكانَ الدّاعِي هاهُنا في غايَةِ القُوَّةِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: ما رَكَّبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في طَبْعِ الرَّجُلِ مِن مَيْلِهِ إلى المَرْأةِ، كَما يَمِيلُ العَطْشانُ إلى الماءِ، والجائِعُ إلى الطَّعامِ، حَتّى إنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا يَصْبِرُ عَنِ النِّساءِ، وهَذا لا يُذَمُّ إذا صادَفَ حَلالًا، بَلْ يُحْمَدُ كَما في كِتابِ الزُّهْدِ لِلْإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَطِيَّةَ الصِّفارِ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، أصْبِرُ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ ولا أصْبِرُ عَنْهُنَّ».
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ شابًّا، وشَهْوَةُ الشَّبابِ وحِدَّتُهُ أقْوى.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَزَبا، لَيْسَ لَهُ زَوْجَةٌ ولا سُرِّيَّةٌ تَكْسِرُ شِدَّةَ الشَّهْوَةِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ في بِلادِ غُرْبَةٍ، يَتَأتّى لِلْغَرِيبِ فِيها مِن قَضاءِ الوَطَرِ ما لا يَتَأتّى لَهُ في وطَنِهِ وبَيْنَ أهْلِهِ ومَعارِفِهِ.
الخامِسُ: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ ذاتَ مَنصِبٍ وجِمالٍ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يَدْعُو إلى مُواقَعَتِها.
السّادِسُ: أنَّها غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ ولا آبِيَةٍ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُزِيلُ رَغْبَتَهُ في المَرْأةِ إباؤُها وامْتِناعُها، لِما يَجِدُ في نَفْسِهِ مِن ذُلِّ الخُضُوعِ والسُّؤالِ لَها، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَزِيدُهُ الإباءُ والِامْتِناعُ إرادَةً وحُبًّا، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَزادَنِي كَلَفًا في الحُبِّ أنْ مَنَعَتْ ∗∗∗ أحَبُّ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ ما مَنَعا
فَطِباعُ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ عِنْدَ بَذْلِ المَرْأةِ ورَغْبَتِها، ويَضْمَحِلُّ عِنْدَ إبائِها وامْتِناعِها، وأخْبَرَنِي بَعْضُ القُضاةِ أنَّ إرادَتَهُ وشَهْوَتَهُ تَضْمَحِلُّ عِنْدَ امْتِناعِ امْرَأتِهِ أوْ سُرِّيَّتِهِ وإبائِها، بِحَيْثُ لا يُعاوِدُها، ومِنهم مَن يَتَضاعَفُ حُبُّهُ وإرادَتُهُ بِالمَنعِ فَيَشْتَدُّ شَوْقُهُ كُلَّما مُنِعَ، ويَحْصُلُ لَهُ مِنَ اللَّذَّةِ بِالظَّفَرِ بِالضِّدِّ بَعْدَ امْتِناعِهِ ونِفارِهِ، واللَّذَّةُ بِإدْراكِ المَسْألَةِ بَعْدَ اسْتِصْعابِها، وشِدَّةِ الحِرْصِ عَلى إدْراكِها.
السّابِعُ: أنَّها طَلَبَتْ وأرادَتْ وبَذَلَتِ الجُهْدَ، فَكَفَتْهُ مُؤْنَةَ الطَّلَبِ وذُلَّ الرَّغْبَةِ إلَيْها، بَلْ كانَتْ هي الرّاغِبَةَ الذَّلِيلَةَ، وهو العَزِيزُ المَرْغُوبُ إلَيْهِ.
الثّامِنُ: أنَّهُ في دارِها، وتَحْتَ سُلْطانِها وقَهْرِها، بِحَيْثُ يَخْشى إنْ لَمْ يُطاوِعْها مِن أذاها لَهُ، فاجْتَمَعَ داعِي الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ.
التّاسِعُ: أنَّهُ لا يَخْشى أنْ تَنِمَّ عَلَيْهِ هي ولا أحَدٌ مِن جِهَتِها، فَإنَّها هي الطّالِبَةُ الرّاغِبَةُ، وقَدْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ وغَيَّبَتِ الرُّقَباءَ.
العاشِرُ: أنَّهُ كانَ في الظّاهِرِ مَمْلُوكًا لَها في الدّارِ، بِحَيْثُ يَدْخُلُ ويَخْرُجُ ويَحْضُرُ مَعَها ولا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وكانَ الأُنْسُ سابِقًا عَلى الطَّلَبِ وهو مِن أقْوى الدَّواعِي، كَما قِيلَ لِامْرَأةٍ شَرِيفَةٍ مِن أشْرافِ العَرَبِ: ما حَمَلَكِ عَلى الزِّنا؟ قالَتْ: قُرْبُ الوِسادِ، وطُولُ السَّوادِ، تَعْنِي قُرْبَ وِسادِ الرَّجُلِ مِن وِسادَتِي، وطُولَ السَّوادِ بَيْنَنا.
الحادِيَ عَشَرَ: أنَّها اسْتَعانَتْ عَلَيْهِ بِأئِمَّةِ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، فَأرَتْهُ إيّاهُنَّ، وشَكَتْ حالَها إلَيْهِنَّ؛ لِتَسْتَعِينَ بِهِنَّ عَلَيْهِ، واسْتَعانَ هو بِاللَّهِ عَلَيْهِنَّ، فَقالَ: ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
الثّانِيَ عَشَرَ: أنَّها تَوَعَّدَتْهُ بِالسِّجْنِ والصَّغارِ، وهَذا نَوْعُ إكْراهٍ، إذْ هو تَهْدِيدُ مَن يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ وُقُوعُ ما هَدَّدَ بِهِ، فَيَجْتَمِعُ داعِي الشَّهْوَةِ، وداعِي السَّلامَةِ مِن ضِيقِ السِّجْنِ والصَّغارِ.
الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ الغَيْرَةُ والنَّخْوَةُ ما يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَهُما، ويُبْعِدُ كُلًّا مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ غايَةَ ما قابَلَها بِهِ أنْ قالَ لِيُوسُفَ: ﴿أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ ولِلْمَرْأةِ: ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ وشِدَّةُ الغَيْرَةِ لِلرَّجُلِ مِن أقْوى المَوانِعِ، وهُنا لَمْ يَظْهَرْ مِنهُ غَيْرَةٌ.
وَمَعَ هَذِهِ الدَّواعِي كُلِّها فَآثَرَ مَرْضاةَ اللَّهِ وخَوْفَهُ، وحَمَلَهُ حُبُّهُ لِلَّهِ عَلى أنِ اخْتارَ السَّجْنَ عَلى الزِّنا: ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].
وَعَلِمَ أنَّهُ لا يُطِيقُ صَرْفَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وأنَّ رَبَّهُ تَعالى إنْ لَمْ يَعْصِمْهُ ويَصْرِفْ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ؛ صَبا إلَيْهِنَّ بِطَبْعِهِ، وكانَ مِنَ الجاهِلِينَ، وهَذا مِن كَمالِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ وبِنَفْسِهِ.
وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ العِبَرِ والفَوائِدِ والحِكَمِ ما يَزِيدُ عَلى الألْفِ فائِدَةٍ، لَعَلَّنا إنْ وفَّقَ اللَّهُ أنْ نُفْرِدَها في مُصَنَّفٍ مُسْتَقِلٍّ.
[فصل: في أضْرارُ العِشْقِ]
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ في عِشْقِ الصُّوَرِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ ولا دُنْيَوِيَّةٌ، بَلْ مَفْسَدَتُهُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ أضْعافُ أضْعافِ ما يُقَدَّرُ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: الِاشْتِغالُ بِحُبِّ المَخْلُوقِ وذِكْرِهِ عَنْ حُبِّ الرَّبِّ تَعالى وذِكْرِهِ، فَلا يَجْتَمِعُ في القَلْبِ هَذا وهَذا إلّا ويَقْهَرُ أحَدُهُما الآخَرَ، ويَكُونُ السُّلْطانُ والغَلَبَةُ لَهُ.
الثّانِي: عَذابُ قَلْبِهِ بِهِ، فَإنَّ مَن أحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ ولا بُدَّ، كَما قِيلَ:
؎فَما في الأرْضِ أشْقى مِن مُحِبٍّ ∗∗∗ وإنْ وجَدَ الهَوى حُلْوَ المَذاقِ
؎تَراهُ باكِيًا في كُلٍّ حِينٍ ∗∗∗ مَخافَةَ فُرْقَةٍ أوْ لِاشْتِياقِ
؎فَيَبْكِي إنْ نَأوْا شَوْقًا إلَيْهِمْ ∗∗∗ ويَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوْفَ الفِراقِ
؎فَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ الفِراقِ ∗∗∗ وتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّلاقِي
والعِشْقُ وإنِ اسْتَلَذَّ بِهِ صاحِبُهُ، فَهو أعْظَمُ مِن عَذابِ القَلْبِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَلْبَهُ أسِيرُ قَبْضَةِ غَيْرِهِ يَسُومُهُ الهَوانَ، ولَكِنْ لِسَكْرَتِهِ لا يَشْعُرُ بِمُصابِهِ، فَقَلْبُهُ كَعُصْفُورَةٍ في كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُها حِياضَ الرَّدى، والطِّفْلُ يَلْهُو ويَلْعَبُ، كَما قالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ:
؎مَلَكْتَ فُؤادِي بِالقَطِيعَةِ والجَفا ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيُّ البالِ تَلْهُو وتَلْعَبُ
فَعَيْشُ العاشِقِ عَيْشُ الأسِيرِ المُوثَقِ، وعَيْشُ الخَلِيِّ عَيْشُ المُسَيَّبِ المُطْلَقِ.
؎طَلِيقٌ بِرَأْيِ العَيْنِ وهْوَ أسِيرُ ∗∗∗ عَلِيلٌ عَلى قُطْبِ الهَلاكِ يَدُورُ
؎وَمَيِّتٌ يُرى في صُورَةِ الحَيِّ غادِيا ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ حَتّى النُّشُورِ نُشُورُ
؎أخُو غَمَراتٍ ضاعَ فِيهِنَّ قَلْبُهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لَهُ حَتّى المَماتِ حُضُورُ
الرّابِعُ: أنَّهُ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ مَصالِحِ دِينِهِ ودُنْياهُ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أضَيْعُ لِمَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا مِن عِشْقِ الصُّوَرِ، أمّا مَصالِحُ الدِّينِ فَإنَّها مَنُوطَةٌ بِلَمِّ شَعَثِ القَلْبِ وإقْبالِهِ عَلى اللَّهِ، وعِشْقُ الصُّوَرِ أعْظَمُ شَيْءٍ تَشْعِيثًا وتَشْتِيتًا لَهُ.
وَأمّا مَصالِحُ الدُّنْيا فَهي تابِعَةٌ في الحَقِيقَةِ لِمَصالِحِ الدِّينِ، فَمَنِ انْفَرَطَتْ عَلَيْهِ مَصالِحُ دِينِهِ وضاعَتْ عَلَيْهِ، فَمَصالِحُ دُنْياهُ أضْيَعُ وأضْيَعُ.
الخامِسُ: أنَّ آفاتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ أسْرَعُ إلى عُشّاقِ الصُّوَرِ مِنَ النّارِ في يابِسِ الحَطَبِ، وسَبَبُ ذَلِكَ: أنَّ القَلْبَ كُلَّما قَرُبَ مِنَ العِشْقِ وقَوِيَ اتِّصالُهُ بِهِ بَعُدَ مِنَ اللَّهِ، فَأبْعَدُ القُلُوبِ مِنَ اللَّهِ قُلُوبُ عُشّاقِ الصُّوَرِ، وإذا بَعُدَ القَلْبُ مِنَ اللَّهِ طَرَقَتْهُ الآفاتُ، وتَوَلّاهُ الشَّيْطانُ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، واسْتَوْلى عَلَيْهِ لَمْ يَدَعْ أذًى يُمْكِنُهُ إيصالُهُ إلَيْهِ إلّا أوْصَلَهُ، فَما الظَّنُّ بِقَلْبٍ تَمَكَّنَ مِنهُ عَدُّوهُ وأحْرَصُ الخَلْقِ عَلى غَيِّهِ وفَسادِهِ، وبَعُدَ مِنهُ ولِيُّهُ، ومَن لا سَعادَةَ لَهُ ولا فَرَحَ ولا سُرُورَ إلّا بِقُرْبِهِ ووِلايَتِهِ؟
السّادِسُ: أنَّهُ إذا تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ واسْتَحْكَمَ وقَوِيَ سُلْطانُهُ، أفْسَدَ الذِّهْنَ، وأحْدَثَ الوَسْواسَ، ورُبَّما ألْحَقَ صاحِبَهُ بِالمَجانِينِ الَّذِينَ فَسَدَتْ عُقُولُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِها.
وَأخْبارُ العُشّاقِ في ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ في مَواضِعِها، بَلْ بَعْضُها مَشاهَدٌ بِالعِيانِ، وأشْرَفُ ما في الإنْسانِ عَقْلُهُ، وبِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ سائِرِ الحَيَواناتِ، فَإذا عُدِمَ عَقْلَهُ التَحَقَ بِالحَيَوانِ البَهِيمِ، بَلْ رُبَّما كانَ حالُ الحَيَوانِ أصْلَحَ مِن حالِهِ، وهَلْ أذْهَبَ عَقْلَ مَجْنُونِ لَيْلى وأضْرابِهِ إلّا ذَلِكَ؟ ورُبَّما زادَ جُنُونُهُ عَلى جُنُونِ غَيْرِهِ كَما قِيلَ:
؎قالُوا جُنِنْتَ بِمَن تَهْوى فَقُلْتُ لَهم ∗∗∗ العِشْقُ أعْظَمُ مِمّا بِالمَجانِينِ
؎العِشْقُ لا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صاحِبُهُ ∗∗∗ وإنَّما يُصْرَعُ المَجْنُونُ في الحِينِ
السّابِعُ: أنَّهُ رُبَّما أفْسَدَ الحَواسَّ أوْ بَعْضَها، إمّا إفْسادًا مَعْنَوِيًّا أوْ صُورِيًّا، أمّا الفَسادُ المَعْنَوِيُّ فَهو تابِعٌ لِفَسادِ القَلْبِ، فَإنَّ القَلْبَ إذا فَسَدَ فَسَدَتِ العَيْنُ والأُذُنُ واللِّسانُ، فَيَرى القَبِيحَ حَسَنًا مِنهُ ومِن مَعْشُوقِهِ كَما في المُسْنَدِ مَرْفُوعًا: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ» فَهو يُعْمِي عَيْنَ القَلْبِ عَنْ رُؤْيَةِ مَساوِئِ المَحْبُوبِ وعُيُوبِهِ، فَلا تَرى العَيْنُ ذَلِكَ، ويُصِمُّ أُذُنَهُ عَنِ الإصْغاءِ إلى العَدْلِ فِيهِ، فَلا تَسْمَعُ الأُذُنُ ذَلِكَ، والرَّغَباتُ تَسْتُرُ العُيُوبَ، فالرّاغِبُ في الشَّيْءِ لا يَرى عُيُوبَهُ، حَتّى إذْ زالَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ أبْصَرَ عُيُوبَهُ، فَشِدَّةُ الرَّغْبَةِ غِشاوَةٌ عَلى العَيْنِ، تَمْنَعُ مِن رُؤْيَةِ الشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ، كَما قِيلَ:
؎هَوَيْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي ألُومُها
والدّاخِلُ في الشَّيْءِ لا يَرى عُيُوبَهُ، والخارِجُ مِنهُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لا يَرى عُيُوبَهُ، ولا يَرى عُيُوبَهُ إلّا مَن دَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، ولِهَذا كانَ الصَّحابَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ الكُفْرِ خَيْرًا مِنَ الَّذِينَ وُلِدُوا في الإسْلامِ.
قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّما تَنْتَقِضُ عُرى الإسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إذا وُلِدَ في الإسْلامِ مَن لا يَعْرِفُ الجاهِلِيَّةَ.
وَأمّا فَسادُ الحَواسِّ ظاهِرًا، فَإنَّهُ يُمْرِضُ البَدَنَ ويُنْهِكُهُ، ورُبَّما أدّى إلى تَلَفِهِ، كَما هو المَعْرُوفُ في أخْبارِ مَن قَتَلَهُمُ العِشْقُ.
وَقَدْ رُفِعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وهو بِعَرَفَةَ شابٌّ قَدِ انْتَحَلَ حَتّى عادَ جِلْدًا عَلى عَظْمٍ، فَقالَ: ما شَأْنُ هَذا؟ قالُوا: بِهِ العِشْقُ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبّاسٍ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ العِشْقِ عامَّةَ يَوْمِهِ.
الثّامِنُ: أنَّ العِشْقَ كَما تَقَدَّمَ هو الإفْراطُ في المَحَبَّةِ، بِحَيْثُ يَسْتَوْلِي المَعْشُوقُ عَلى قَلْبِ العاشِقِ، حَتّى لا يَخْلُوَ مِن تَخَيُّلِهِ وذِكْرِهِ والفِكْرِ فِيهِ، بِحَيْثُ لا يَغِيبُ عَنْ خاطِرِهِ وذِهْنِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَشْتَغِلُ النَّفْسُ عَنِ اسْتِخْدامِ القُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ والنَّفْسانِيَّةِ فَتَتَعَطَّلُ تِلْكَ القُوَّةُ، فَيَحْدُثُ بِتَعْطِيلِها مِنَ الآفاتِ عَلى البَدَنِ والرُّوحِ ما يَعِزُّ دَواؤُهُ ويَتَعَذَّرُ، فَتَتَغَيَّرُ أفْعالُهُ وصِفاتُهُ ومَقاصِدُهُ، ويَخْتَلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَتَعْجِزُ البَشَرُ عَنْ صَلاحِهِ، كَما قِيلَ:
؎الحُبُّ أوَّلُ ما يَكُونُ لَجاجَةٌ ∗∗∗ يَأْتِي بِها وتَسُوقُهُ الأقْدارُ
؎حَتّى إذا خاضَ الفَتى لُجَجَ الهَوى ∗∗∗ جاءَتْ أُمُورٌ لا تُطاقُ كِبارُ
والعِشْقُ مَبادِيهِ سَهْلَةٌ حُلْوَةٌ، وأوْسَطُهُ هَمٌّ وشُغْلُ قَلْبٍ وسَقَمٌ، وآخِرُهُ عَطَبٌ وقَتْلٌ، إنْ لَمْ تَتَدارَكْهُ عِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، كَما قِيلَ:
؎وَعِشْ خالِيًا فالحُبُّ أوَّلُهُ عَنا ∗∗∗ وأوْسَطُهُ سَقَمٌ وآخِرُهُ قَتْلُ
وَقالَ آخَرُ:
؎تَوَلَّعَ بِالعِشْقِ حَتّى عَشِقْ ∗∗∗ فَلَمّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ
؎رَأى لُجَّةً ظَنَّها مَوْجَةً ∗∗∗ فَلَمّا تَمَكَّنَ مِنها غَرِقْ
والذَّنْبُ لَهُ، فَهو الجانِي عَلى نَفْسِهِ، وقَدْ قَعَدَ تَحْتَ المَثَلِ السّائِرِ: " يَداكَ أوْكَتا، وفُوكَ نَفَخَ ".
12:24Страница 238
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
Она возжелала его, и он возжелал бы ее, если бы не увидел знамение своего Господа. Так Мы отвратили от него зло и мерзость. Воистину, он был из числа Наших избранных (или искренних) рабов.
(فصل)
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن يوسف الصديق من العفاف أعظم ما يكون فإن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه كان شابا والشباب مركب الشهوة، وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه وكان غريبا عن أهله ووطنه والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم فإذا تغرب زال هذا المانع وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب وجمال والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره وكانت في محل سلطانها وبيتها بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن هجوم الداخل على بغتة وأتته بالرغبة والرهبة ومع هذا كله فعف لله ولم يطعها وقد حق الله وحق سيدها على ذلك كله وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله.
فإن قيل فقد هم بها؟
قيل عنه جوابان:
أحدهما أنه لم يهم بها بل لولا أن رأى برهان ربه لهم هذا قول بعضهم في تقدير الآية.
والثاني وهو الصواب أن همه كان هم خطرات فتركه لله فأثابه الله عليه وهمها كان هم إصرار بذلت معه جهدها فلم تصل إليه فلم يستو الهمّان.
قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الهم همان همُّ خطرات وهمُّ إصرار، فهم الخطرات لا يؤاخذ به وهم الإصرار يؤاخذ به.
[فَصْلٌ: دَواءُ العِشْقِ]
وَدَواءُ هَذا الدّاءُ القَتّالُ: أنْ يَعْرِفَ أنْ ما ابْتُلِيَ بِهِ مِن هَذا الدّاءِ المُضادِّ لِلتَّوْحِيدِ، إنَّما هو مِن جَهْلِهِ وغَفْلَةِ قَلْبِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلَيْهِ أنْ يَعْرِفَ تَوْحِيدَ رَبِّهِ وسُنَّتَهُ أوَّلًا، ثُمَّ يَأْتِي مِنَ العِباداتِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ بِما يَشْغَلُ قَلْبَهُ عَنْ دَوامِ الفِكْرَةِ فِيهِ، ويُكْثِرُ اللَّجَأ والتَّضَرُّعَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهُ، وأنْ يُراجِعَ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ دَواءٌ أنْفَعُ مِنَ الإخْلاصِ لِلَّهِ، وهو الدَّواءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ صَرَفَ عَنْهُ السُّوءَ مِنَ العِشْقِ والفَحْشاءَ مِنَ الفِعْلِ بِإخْلاصِهِ، فَإنَّ القَلْبَ إذا أخْلَصَ وأخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنهُ عِشْقُ الصُّوَرِ فَإنَّهُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مِن قَلْبٍ فارِغٍ، كَما قالَ:
؎أتانِي هَواها قَبْلَ أنْ أعْرِفَ الهَوى ∗∗∗ فَصادَفَ قَلْبًا خالِيًا فَتَمَكَّنا
وَلْيَعْلَمِ العاقِلُ أنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ يُوجِبانِ تَحْصِيلَ المَصالِحِ وتَكْمِيلَها، وإعْدامَ المَفاسِدِ وتَقْلِيلَها، فَإذا عَرَضَ لِلْعاقِلِ أمْرٌ يَرى فِيهِ مَصْلَحَةً ومَفْسَدَةً، وجَبَ عَلَيْهِ أمْرانِ: أمْرٌ عِلْمِيٌّ، وأمْرٌ عَمَلِيٌّ، فالعِلْمِيُّ: مَعْرِفَةُ الرّاجِحِ مِن طَرَفَيِ المَصْلَحَةِ والمَفْسَدَةِ، فَإذا تَبَيَّنَ لَهُ الرُّجْحانُ وجَبَ عَلَيْهِ إيثارُ الأصْلَحِ لَهُ.
12:25Страница 238
وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥
Они бросились к двери, пытаясь опередить друг друга, и она порвала его рубаху со спины. У двери они встретили ее господина. Она сказала: «Как иначе можно покарать того, кто хотел причинить зло твоей жене, если не заточить его в темницу или не подвергнуть мучительным страданиям?!».
К этому аяту нет толкования
12:26–27Страница 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
Он сказал: «Это она пыталась соблазнить меня». А свидетель из ее семьи сказал: «Если его рубаха разорвана спереди, то она говорит правду, а он - один из тех, кто лжет.
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
А если его рубаха разорвана со спины, то она лжет, а он - один из тех, кто говорит правду».
[الحُكْمِ بِالقَرائِنِ]
أمّا بَعْدُ: وسَألْت عَنْ الحاكِمِ، أوْ الوالِي يَحْكُمُ بِالفِراسَةِ والقَرائِنِ الَّتِي يَظْهَرُ لَهُ فِيها الحَقُّ، والِاسْتِدْلالِ بِالأماراتِ ولا يَقِفُ مَعَ مُجَرَّدِ ظَواهِرِ البَيِّناتِ والإقْرارِ، حَتّى إنّهُ رُبَّما يَتَهَدَّدُ أحَدَ الخَصْمَيْنِ، إذا ظَهَرَ مِنهُ أنَّهُ مُبْطِلٌ ورُبَّما ضَرَبَهُ، ورُبَّما سَألَهُ عَنْ أشْياءَ تَدُلُّهُ عَلى صُورَةِ الحالِ.
فَهَلْ ذَلِكَ صَوابٌ أمْ خَطَأٌ؟ فَهَذِهِ مَسْألَةٌ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ، جَلِيلَةُ القَدْرِ، إنْ أهْمَلَها الحاكِمُ أوْ الوالِي أضاعَ حَقًّا كَثِيرًا، وأقامَ باطِلًا كَثِيرًا، وإنْ تَوَسَّعَ فِيها وجَعَلَ مُعَوِّلَهُ عَلَيْها، دُونَ الأوْضاعِ الشَّرْعِيَّةِ، وقَعَ في أنْواعٍ مِن الظُّلْمِ والفَسادِ وقَدْ سُئِلَ أبُو الوَفاءِ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ حُكْمًا بِالفِراسَةِ، بَلْ هو حُكْمٌ بِالأماراتِ. وإذا تَأمَّلْتُمْ الشَّرْعَ وجَدْتُمُوهُ يُجَوِّزُ التَّعْوِيلَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ ذَهَبَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى التَّوَصُّلِ بِالإقْرارِ بِما يَراهُ الحاكِمُ وذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلى قَوْله تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ولِذا حَكَمْنا بِعَقْدِ الأزَجِ، وكَثْرَةِ الخُشُبِ في الحائِطِ، ومَعاقِدِ القُمُطِ في الخُصِّ، وما يَخُصُّ المَرْأةَ والرَّجُلَ في الدَّعاوى.
وَفِي مَسْألَةِ العَطّارِ والدَّبّاغِ إذا اخْتَصَما في الجِلْدِ، والنَّجّارِ والخَيّاطِ إذا تَنازَعا في المِنشارِ والقَدُومِ، والطَّبّاخِ والخَبّازِ إذا تَنازَعا في القِدْرِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَلْ ذَلِكَ إلّا الِاعْتِمادُ عَلى الأماراتِ؟ وكَذَلِكَ الحُكْمُ بِالقافَةِ والنَّظَرِ في أمْرِ الخُنْثى؛ والأماراتِ الدّالَّةِ عَلى أحَدِ حالَيْهِ. والنَّظَرِ في أماراتِ جِهَةِ القِبْلَةِ، واللَّوْثِ في القَسامَةِ. انْتَهى.
فالحاكِمُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقِيهَ النَّفْسِ في الأماراتِ، ودَلائِلِ الحالِ، ومَعْرِفَةِ شَواهِدِهِ، وفي القَرائِنِ الحالِيَّةِ والمَقالِيَّةِ، كَفِقْهِهِ في جُزْئِيّاتِ وكُلِّيّاتِ الأحْكامِ: أضاعَ حُقُوقًا كَثِيرَةً عَلى أصْحابِها. وحَكَمَ بِما يَعْلَمُ النّاسُ بُطْلانَهُ لا يَشُكُّونَ فِيهِ، اعْتِمادًا مِنهُ عَلى نَوْعٍ ظاهِرٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى باطِنِهِ وقَرائِنِ أحْوالِهِ. فَهاهُنا نَوْعانِ مِن الفِقْهِ، لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنهُما: فِقْهٌ في أحْكامِ الحَوادِثِ الكُلِّيَّةِ، وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ. ثُمَّ يُطابِقُ بَيْنَ هَذا وهَذا فَيُعْطِي الواقِعَ حُكْمَهُ مِن الواجِبِ، ولا يَجْعَلُ الواجِبَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ. ومَن لَهُ ذَوْقٌ في الشَّرِيعَةِ، واطِّلاعٌ عَلى كَمالاتِها وتَضَمُّنِها لِغايَةِ مَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، ومَجِيئِها بِغايَةِ العَدْلِ، الَّذِي يَسَعُ الخَلائِقَ، وأنَّهُ لا عَدْلَ فَوْقَ عَدْلِها، ولا مَصْلَحَةَ فَوْقَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن المَصالِحِ: تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ السِّياسَةَ العادِلَةَ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، وفَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأنَّ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقاصِدِها ووَضْعِها وحَسُنَ فَهْمُهُ فِيها: لَمْ يَحْتَجْ مَعَها إلى سِياسَةِ غَيْرِها ألْبَتَّةَ.
فَإنَّ السِّياسَةَ نَوْعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخْرِجُ الحَقَّ مِن الظّالِمِ الفاجِرِ، فَهي مِن الشَّرِيعَةِ، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها.
وَلا تَنْسَ في هَذا المَوْضِعِ قَوْلَ سُلَيْمانَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِلْمَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ ادَّعَتا الوَلَدَ. فَحَكَمَ بِهِ داوُد ﷺ لِلْكُبْرى فَقالَ سُلَيْمانُ " ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أشُقُّهُ بَيْنَكُما " فَسَمَحَتْ الكُبْرى بِذَلِكَ فَقالَتْ الصُّغْرى: " لا تَفْعَلْ يَرْحَمُك اللَّهُ، هو ابْنُها " فَقَضى بِهِ لِلصُّغْرى، فَأيُّ شَيْءٍ أحْسَنُ مِن اعْتِبارِ هَذِهِ القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ، فاسْتَدَلَّ بِرِضا الكُبْرى بِذَلِكَ، وأنَّها قَصَدَتْ الِاسْتِرْواحَ إلى التَّأسِّي بِمُساواةِ الصُّغْرى في فَقْدِ ولَدِها، وبِشَفَقَةِ الصُّغْرى عَلَيْهِ، وامْتِناعِها مِن الرِّضا بِذَلِكَ: عَلى أنَّها هي أُمُّهُ، وأنَّ الحامِلَ لَها عَلى الِامْتِناعِ هو ما قامَ بِقَلْبِها مِن الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ تَعالى في قَلْبِ الأُمِّ، وقَوِيَتْ هَذِهِ القَرِينَةُ عِنْدَهُ، حَتّى قَدَّمَها عَلى إقْرارِها، فَإنَّهُ حَكَمَ بِهِ لَها مَعَ قَوْلِها " هو ابْنُها ".
وَهَذا هو الحَقُّ، فَإنَّ الإقْرارَ إذا كانَ لِعِلَّةٍ اطَّلَعَ عَلَيْها الحاكِمُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ أبَدًا.
وَلِذَلِكَ ألْغَيْنا إقْرارَ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ بِمالٍ لِوارِثِهِ لِانْعِقادِ سَبَبِ التُّهْمَةِ واعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ الحالِ في قَصْدِهِ تَخْصِيصَهُ.
وَمِن تَراجِمِ قُضاةِ السُّنَّةِ والحَدِيثِ عَلى هَذا الحَدِيثِ تَرْجَمَةُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسائِيّ في سُنَنِهِ " قالَ: " التَّوْسِعَةُ لِلْحاكِمِ في أنْ يَقُولَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ أفْعَلُ كَذا؛ لِيَسْتَبِينَ بِهِ الحَقَّ ".
ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً أُخْرى أحْسَنَ مِن هَذِهِ، فَقالَ: " الحُكْمُ بِخِلافِ ما يَعْتَرِفُ بِهِ المَحْكُومُ عَلَيْهِ، إذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّ الحَقَّ غَيْرُ ما اعْتَرَفَ بِهِ " فَهَكَذا يَكُونُ الفَهْمُ عَنْ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
ثُمَّ تَرْجَمَ عَلَيْهِ تَرْجَمَةً أُخْرى فَقالَ: " نَقْضُ الحاكِمِ ما حَكَمَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ هو مِثْلُهُ، أوْ أجَلُّ مِنهُ " فَهَذِهِ ثَلاثُ قَواعِدَ ورابِعَةٌ: وهي ما نَحْنُ فِيهِ وهي الحُكْمُ بِالقَرائِنِ وشَواهِدِ الحالِ.
وَخامِسَةٌ: وهي أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الوَلَدَ لَهُما، كَما يَقُولُهُ أبُو حَنِيفَةَ، فَهَذِهِ خَمْسُ سُنَنٍ في هَذا الحَدِيثِ.
وَمِن ذَلِكَ: قَوْلُ الشّاهِدِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ شَهادَتَهُ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعِبْهُ بَلْ حَكاها مُقَرِّرًا لَها، فَقالَ تَعالى: ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] فَتَوَصَّلَ بِقَدِّ القَمِيصِ إلى مَعْرِفَةِ الصّادِقِ مِنهُما مِن الكاذِبِ.
وَهَذا لَوْثٌ في أحَدِ المُتَنازِعَيْنِ، يُبَيِّنُ بِهِ أوْلاهُما بِالحَقِّ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ اللَّوْثَ في دَعْوى المالِ في قِصَّةِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ، وأمَرَ بِالحُكْمِ بِمُوجِبِهِ.
«وَحَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِمُوجِبِ اللَّوْثِ في القَسامَةِ، وجَوَّزَ لِلْمُدَّعِينَ أنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّونَ دَمَ القَتِيلِ»، فَهَذا لَوَثٌ في الدِّماءِ، واَلَّذِي في سُورَةِ المائِدَةِ لَوْثٌ في الأمْوالِ، واَلَّذِي في سُورَةِ يُوسُفَ لَوْثٌ في الدَّعْوى في العِرْضِ ونَحْوِهِ.
وَهَذا حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والصَّحابَةِ مَعَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - بِرَجْمِ المَرْأةِ الَّتِي ظَهَرَ بِها الحَبَلُ، ولا زَوْجَ لَها ولا سَيِّدَ.
وَذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ وأحْمَدُ - في أصَحِّ رِوايَتَيْهِ - اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ.
وَحَكَمَ عُمَرُ وابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ولا يُعْرَفُ لَهُما مُخالِفٌ - بِوُجُوبِ الحَدِّ بِرائِحَةِ الخَمْرِ مِن في الرَّجُلِ، أوْ قَيْئِهِ خَمْرًا، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ.
وَلَمْ تَزَلْ الأئِمَّةُ والخُلَفاءُ يَحْكُمُونَ بِالقَطْعِ إذا وُجِدَ المالُ المَسْرُوقُ مَعَ المُتَّهَمِ، وهَذِهِ القَرِينَةُ أقْوى مِن البَيِّنَةِ والإقْرارِ، فَإنَّهُما خَبَرانِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِما الصِّدْقُ والكَذِبُ، ووُجُودُ المالِ مَعَهُ نَصٌّ صَرِيحٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شُبْهَةٌ، وهَلْ يَشُكُّ أحَدٌ رَأى قَتِيلًا يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، وآخَرَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ بِالسِّكِّينِ: أنَّهُ قَتَلَهُ؟ ولا سِيَّما إذا عُرِفَ بِعَداوَتِهِ، ولِهَذا جَوَّزَ جُمْهُورُ العُلَماءِ لِوَلِيِّ القَتِيلِ أنْ يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ قَتَلَهُ، ثُمَّ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ: يُقْتَلُ بِهِ.
وَقالَ الشّافِعِيُّ: يُقْضى عَلَيْهِ بِدِيَتِهِ وكَذَلِكَ إذا رَأيْنا رَجُلًا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ - ولَيْسَ ذَلِكَ عادَتَهُ - وآخَرَ هارِبًا قُدّامَهُ بِيَدِهِ عِمامَةٌ، وعَلى رَأْسِهِ عِمامَةٌ: حَكَمْنا لَهُ بِالعِمامَةِ الَّتِي بِيَدِ الهارِبِ قَطْعًا، ولا نَحْكُمُ بِها لِصاحِبِ اليَدِ الَّتِي قَدْ قَطَعْنا وجَزَمْنا بِأنَّها يَدٌ ظالِمَةٌ غاصِبَةٌ بِالقَرِينَةِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي أقْوى بِكَثِيرٍ مِن البَيِّنَةِ والِاعْتِرافِ.
وَهَلْ القَضاءُ بِالنُّكُولِ إلّا رُجُوعٌ إلى مُجَرَّدِ القَرِينَةِ الظّاهِرَةِ، الَّتِي عَلِمْنا بِها ظاهِرًا أنَّهُ لَوْلا صِدْقُ المُدَّعِي لَدَفَعَ المُدَّعى عَلَيْهِ دَعْواهُ بِاليَمِينِ؟ فَلَمّا نَكَلَ عَنْها كانَ نُكُولُهُ قَرِينَةً ظاهِرَةً، دالَّةً عَلى صِدْقِ المُدَّعِي، فَقُدِّمَتْ عَلى أصْلِ بَراءَةِ الذِّمَّةِ.
وَكَثِيرٌ مِن القَرائِنِ والأماراتِ أقْوى مِن النُّكُولِ، والحِسُّ شاهِدٌ بِذَلِكَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ تَعْطِيلُ شَهادَتِها؟ ومِن ذَلِكَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ الزُّبَيْرَ أنْ يُقَرِّرَ عَمَّ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ بِالعَذابِ عَلى إخْراجِ المالِ الَّذِي غَيَّبَهُ، وادَّعى نَفادَهُ فَقالَ لَهُ: العَهْدُ قَرِيبٌ، والمالُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ».
فَهاتانِ قَرِينَتانِ في غايَةِ القُوَّةِ: كَثْرَةُ المالِ، وقِصَرُ المُدَّةِ الَّتِي يُنْفَقُ كُلُّهُ فِيها.
وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾
فذكر الله تعالى ذلك مقررا له غير منكر على قائله بل رتب عليه العلم ببراءة يوسف عليه السلام وكذب المرأة عليه، وقد أمر النبي ﷺ الزبير أن يقرر ابني أبي الحقيق بالتعذيب على إخراج الكنز فعذبهما حتى أقرا به. ومن ذلك قول علي للظعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرته فقال لها: "لتخرجن الكتاب أو لنجردنك"
وهل تقتضي محاسن الشريعة الكاملة إلا هذا؟
وهل يشك أحد في أن كثيرا من القرائن تفيد علما أقوى من الظن المستفاد من الشاهدين بمراتب عديدة، فالعلم المستفاد من مشاهدة الرجل مكشوف الرأس وآخر هارب قدامه وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة، فالعلم بأن هذه عمامة المكشوف رأسه كالضروري فكيف تقدم عليه اليد التي إنما تفيد ظنا ما عند عدم المعارضة.
وأما مع هذه المعارضة فلا تفيد شيئا سوى العلم بأنها يد عادية فلا يجوز الحكم بها ألبتة، ولم تأت الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها ألبتة.
وقد أمر النبي ﷺ أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وقد نص أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأجر في الدفين في الدار.
وهذه من محاسن مذهبه، ونص على البلد يفتح فيوجد فيه أبواب مكتوب عليها بالكتابة القديمة أنها وقف أنه يحكم بذلك لقوة هذه القرينة.
12:28Страница 238
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
Увидев, что его рубаха разорвана со спины, он сказал: «Воистину, все это - ваши женские козни. Воистину, ваши козни велики!
К этому аяту нет толкования
12:29Страница 238
يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩
Йусуф (Иосиф), забудь об этом! А ты проси прощения за свое прегрешение, ибо ты совершила грех».
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии