Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Исра 17:73–79
17:73–75Страница 289
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣
Они чуть было не отклонили тебя от того, что Мы дали тебе в откровении, дабы ты выдумал про Нас нечто другое. Вот тогда ты стал бы их возлюбленным.
وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤
Мы поддержали тебя, когда ты готов был уже немного склониться на их сторону.
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Тогда ты вкусил бы наказание вдвойне в этой жизни и вдвойне после смерти. И тогда никто не стал бы помогать тебе против Нас!
[فَصْلٌ قُوَّةُ الإيمانِ والعِلْمِ الَّتِي يُسامَحُ صاحِبُها بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ]
فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ المُحِبَّ يُسامَحُ بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ، ويُعْفى لِلْوَلِيِّ عَمّا لا يُعْفى لِسِواهُ، وكَذَلِكَ العالِمُ أيْضًا، يُغْفَرُ لَهُ ما لا يُغْفَرُ لِلْجاهِلِ، كَما رَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا جَمَعَ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، قالَ لِلْعُلَماءِ: إنِّي كُنْتُ أُعْبَدُ بِفَتْواكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْلِطُونَ كَما يَخْلِطُ النّاسُ، وإنِّي لَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم وأنا أُرِيدُ أنْ أُعَذِّبَكُمُ، اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، هَذا مَعْنى الحَدِيثِ، وقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا ومُرْسَلًا.
فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ، وهو مُقْتَضى الحِكْمَةِ والجُودِ والإحْسانِ، ولَكِنْ ماذا تَصْنَعُونَ بِالعُقُوبَةِ المُضاعَفَةِ الَّتِي ورَدَ التَّهْدِيدُ بِها في حَقِّ أُولَئِكَ إنْ وقَعَ مِنهم ما يُكْرَهُ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]
وَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤-٧٥]
أيْ لَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ بَعْضَ الشَّيْءِ، ولَوْ فَعَلْتَ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، أيْ ضاعَفْنا لَكَ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ - لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ.
وَما ذَكَرْتُمْ في قِصَّةِ يُونُسَ هو مِن هَذا البابِ، فَإنَّهُ لَمْ يُسامَحْ بِغَضْبَةٍ، وسُجِنَ لِأجْلِها في بَطْنِ الحُوتِ، ويَكْفِي حالُ أبِي البَشَرِ حَيْثُ لَمْ يُسامَحُ بِلُقْمَةٍ، وكانَتْ سَبَبَ إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ.
فالجَوابُ أنَّ هَذا أيْضًا حَقٌّ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإنَّ مَن كَمُلَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ، واخْتَصَّهُ مِنها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرَهُ في إعْطائِهِ مِنها ما حُرِمَهُ غَيْرُهُ، فَحُبِيَ بِالإنْعامِ، وخُصَّ بِالإكْرامِ، وخُصَّ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ، وجُعِلَ في مَنزِلَةِ الوَلِيِّ الحَبِيبِ، اقْتَضَتْ حالُهُ مِن حِفْظِ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ والقُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِأنْ يُراعِيَ مَرْتَبَتَهُ مِن أدْنى مُشَوِّشٍ وقاطِعٍ، فَلِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِهِ، ومَزِيدِ تَقْرِيبِهِ، واتِّخاذِهِ لِنَفْسِهِ، واصْطِفائِهِ عَلى غَيْرِهِ، تَكُونُ حُقُوقُ ولِيِّهِ وسَيِّدِهِ عَلَيْهِ أتَمَّ، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ أكْمَلَ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَوْقَ المَطْلُوبِ مِن غَيْرِهِ، فَهو إذا غَفَلَ وأخَلَّ بِمُقْتَضى مَرْتَبَتِهِ نُبِّهَ بِما لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ البَعِيدُ البَرّانِيُّ، مَعَ كَوْنِهِ يُسامَحُ بِما لَمْ يُسامَحْ بِهِ ذَلِكَ أيْضًا، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِ الأمْرانِ.
وَإذا أرَدْتَ مَعْرِفَةَ اجْتِماعِهِما، وعَدَمِ تَناقُضِهِما، فالواقِعُ شاهِدٌ بِهِ، فَإنَّ المَلِكَ يُسامِحُ خاصَّتَهُ وأوْلِياءَهُ بِما لَمْ يُسامِحْ بِهِ مَن لَيْسَ في مَنزِلَتِهِمْ، ويَأْخُذُهُمْ، ويُؤَدِّبُهم بِما لَمْ يَأْخُذْ بِهِ غَيْرَهُمْ، وقَدْ ذَكَرْنا شَواهِدَ هَذا وهَذا، ولا تَناقُضَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
وَأنْتَ إذا كانَ لَكَ عَبْدانِ، أوْ ولَدانِ، أوْ زَوْجَتانِ، أحَدُهُما أحَبُّ إلَيْكَ مِنَ الآخَرِ، وأقْرَبُ إلى قَلْبِكَ، وأعَزُّ عَلَيْكَ عامَلْتَهُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، واجْتَمَعَ في حَقِّهِ المُعامَلَتانِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنكَ، وحُبِّكَ لَهُ، وعِزَّتِهِ عَلَيْكَ، فَإذا نَظَرْتَ إلى كَمالِ إحْسانِكَ إلَيْهِ، وإتْمامِ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِ اقْتَضَتْ مُعامَلَتُهُ بِما لا تُعامِلُ بِهِ مَن دُونَهُ، مِنَ التَّنْبِيهِ وعَدَمِ الإهْمالِ، وإذا نَظَرْتَ إلى إحْسانِهِ ومَحَبَّتِهِ لَكَ، وطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ ونُصْحِهِ وهَبْتَ لَهُ وسامَحْتَهُ، وعَفَوْتَ عَنْهُ، بِما لا تَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ، فالمُعامَلَتانِ بِحَسَبِ ما مِنكَ وما مِنهُ.
وَقَدْ ظَهَرَ اعْتِبارُ هَذا المَعْنى في الشَّرْعِ، حَيْثُ جَعَلَ حَدَّ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّزَوُّجِ إذا تَعَدّاهُ إلى الزِّنا الرَّجْمَ، وحَدَّ مَن لَمْ يُعْطِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَلْدَ، وكَذَلِكَ ضاعَفَ الحَدَّ عَلى الحُرِّ الَّذِي قَدْ مَلَّكَهُ نَفْسَهُ، وأتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، وجَعَلَ حَدَّ العَبْدِ المَنقُوصِ بِالرِّقِّ، الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ نِصْفَ ذَلِكَ.
فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وجَزائِهِ عُقُولَ العالَمِينَ، وشَهِدَتْ بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
؎لِلَّهِ سِرٌّ تَحْتَ كُلِّ لَطِيفَةٍ ∗∗∗ فَأخُو البَصائِرِ غائِصٌ يَتَمَلَّقُ
(فصل)
للقرب من الإمام تأثير في سر الصلاة، ولهذا القرب تأْثير في صلاة الفجر خاصة يعرفه من عرف قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْر إنَّ قُرْآنَ الفَجْر كانَ مَشْهُودًا﴾.
قيل: يشهد الله عَزَّ وجَلَّ وملائكته.
وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون في صلاة الفجر، وذلك لأنها هي أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل والنهار.
واحتج لهذا القول بما في الصحيح من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
"فَضْلُ صَلاةِ الجَمِيعِ عَلى صَلاةِ الواحِدِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ دَرَجَةً"
ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر لقول أبي هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٨٧]
رواه البخاري في الصحيح.
قال أصحاب القول الأول: وهذا لا ينافي قولنا، وهو أن يكون الله سبحانه وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن الفجر، وليس المراد الشهادة العامة، فإن الله على كل شيء شهيد، بل المراد شهادة خاصة وهي شهادة حضور ودنوّ متصل بدنو الرب تعالى ونزوله إلى سماءِ الدنيا في الشطر الأخير من الليل.
وقد روى الليث بن سعد: حدثنى زيادة بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة ابن عبيد الأنصارى عن أبى الدرداء عن رسول الله ﷺ قال:
"إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يَنْزِلُ فِى ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَفْتَحُ الذِّكْرِ فِى السّاعَةِ الأُولى الَّذِى لَم يَرَهُ غَيْرَهُ فَيَمْحُو اللهُ ما يَشاء ويُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِى السّاعَةِ الثانية إلى جَنَّةِ عَدْنٍ وهِى دارُهُ الَّتِي لَمْ تَرَها عَيْنٌ ولَمْ تَخْطُرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ وهِى مَسْكَنُهُ لا يسكنها معه من بني آدم غير ثلاث وهم النبيون والصديقون والشهداءُ، ثم يقول: طوبى لمن دخلك، ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى سماءِ الدنيا بروحه وملائكته فتنفض فيقول: قومي بعزتي، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ ألا من سائل يسألني فأعطيه" ألا من داع يدعوني فأُجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر".
ولذلك يقول الله عَزَّ وجلَّ: ﴿وَقُرْآن الفَجْرِ إنَّ قُرْآن الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ يشهده الله عز وجل وملائكته ملائكة الليل والنهار".
ففي هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا فيكون شهود الله سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له، وهذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من الصلوات، وهذا لا ينافي دوام النزول في سائر الأحاديث إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق في بعضها على انفجار الصبح، وهو اتساع ضوئه.
وفى لفظ: "حَتّى يَضِيءَ الفَجْرُ"، في لفظ: "حَتّى يَسْطَعَ الفَجْر"
وذلك هو وقت قراءَة الفجر، وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين على تقديمها في أول وقتها، فكان النبي ﷺ يقرأُ فيها بالستين إلى المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها والنساءُ لا يعرفن من الغلس، وهذا لا يكون إلا مع شدة التقديم في أول الوقت لتقع القراءة في وقت النزول فيحصل الشهود المخصوص، مع أنه قد جاء في بعض الأحاديث مصرحًا به دوام ذلك إلى الانصراف من صلاة الصبح، رواه الدارقطني في كتاب "نزول الرب تعالى كل ليلة إلى سماءِ الدنيا" من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله عَزَّ وجَلَّ إلى سماءِ الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرنى فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر أو ينصرف القارئ من صلاة الصبح"
رواه عن محمد جماعة: منهم سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردى وحفص بن غياث ويزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل كلهم قال: "أو ينصرف القاريء من صلاة الفجر"، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ فهى صريحة في المعنى كاشفة للمراد، وإن لم تكن محفوظة وكانت من شك الراوى هل قال هذا أو هذا، فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين.
وأن حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر، وأن تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذي يكون فيه الصعود، كما رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن الأغر أبي مسلم قال: شهدت على النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله عزَّ وجَلَّ يُمْهِلُ حَتّى إذا كانَ ثُلُثُ اللَّيْل هَبَط إلى هَذِهِ السَّماءِ ثُمَّ أمَرَ بِأبْوابِ السَّماءِ فَفُتِحَتْ ثُمَّ قالَ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأعْطِيَهُ؟ هَلْ مِن داعٍ فَأُجِيبُهُ، هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لهُ هَلْ مِن مُسْتَغِيثٍ أغِيثُهُ؟ هَلْ مِن مُضْطَّرٍ أكشِفُ عَنْهُ؟ فَلا يَزالُ ذَلِكَ مَكانَهُ حَتّى يَطَلَعَ الٌفَجْرُ فِى كُلِّ لَيْلَة مِنَ الدُّنْيا، ثُمَّ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ؟ ".
قال الدارقطني: فزاد فيه يونس بن أبي إسحق زيادة حسنة. والمقصود ذكر القرب من الإمام في صلاة الفجر وتقديمها في أول وقتها. والله أعلم.
17:76Страница 290
وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦
Они чуть не изгнали тебя с земли, вытесняя тебя оттуда. Но ведь после твоего изгнания они сами оставались бы там лишь недолго.
К этому аяту нет толкования
17:77Страница 290
سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧
Так поступали с Нашими посланниками, отправленными до тебя. Ты не найдешь изменений в Наших установлениях.
К этому аяту нет толкования
17:78Страница 290
أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨
Совершай намаз с полудня до наступления ночного мрака и читай Коран на рассвете. Воистину, на рассвете Коран читают при свидетелях (ангелах).
К этому аяту нет толкования
17:79Страница 290
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩
Бодрствуй часть ночи, читая Коран во время дополнительных намазов. Быть может, Господь твой возведет тебя на Достохвальное место.
(فائدة)
قول النبي ﷺ: "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة "
لأن اللعن إساءة بل من أبلغ الإساءة والشفاعة إحسان فالمسيء في هذه الدار باللعن سلبه الله الإحسان في الأخرى بالشفاعة، فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان.
وأما منع اللعن من الشهادة فإن اللعن عداوة وهي منافية للشهادة، ولهذا كان النبي ﷺ سيد الشفعاء وشفيع الخلائق لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم.
[فصل: هَدْيِهِ ﷺ في قِيامِ اللَّيْلِ]
قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في أنَّهُ: هَلْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ أمْ لا؟ والطّائِفَتانِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾
قالُوا: فَهَذا صَرِيحٌ في عَدَمِ الوُجُوبِ، قالَ الآخَرُونَ: أمَرَهُ بِالتَّهَجُّدِ في هَذِهِ السُّورَةِ، كَما أمَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١،: ٢].
وَلَمْ يَجِئْ ما يَنْسَخُهُ عَنْهُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ فَلَوْ كانَ المُرادُ بِهِ التَّطَوُّعَ، لَمْ يَخُصُّهُ بِكَوْنِهِ نافِلَةً لَهُ، وإنَّما المُرادُ بِالنّافِلَةِ الزِّيادَةُ، ومُطْلَقُ الزِّيادَةِ لا يَدُلُّ عَلى التَّطَوُّعِ، قالَ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أيْ: زِيادَةً عَلى الوَلَدِ، وكَذَلِكَ النّافِلَةُ في تَهَجُّدِ النَّبِيِّ ﷺ زِيادَةٌ في دَرَجاتِهِ، وفي أجْرِهِ، ولِهَذا خَصَّهُ بِها، فَإنَّ قِيامَ اللَّيْلِ في حَقِّ غَيْرِهِ مُباحٌ، ومُكَفِّرٌ لِلسَّيِّئاتِ، وأمّا النَّبِيُّ ﷺ، فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَهو يَعْمَلُ في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ وعُلُوِّ المَراتِبِ، وغَيْرُهُ يَعْمَلُ في التَّكْفِيرِ.
قالَ مجاهد: إنَّما كانَ نافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَكانَتْ طاعَتُهُ نافِلَةً، أيْ: زِيادَةً في الثَّوابِ، ولِغَيْرِهِ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، قالَ ابن المنذر في تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنا يعلى بن أبي عبيد، حَدَّثَنا الحجاج، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مجاهد قالَ: ما سِوى المَكْتُوبَةِ، فَهو نافِلَةٌ مِن أجْلِ أنَّهُ لا يَعْمَلُ في كَفّارَةِ الذُّنُوبِ، ولَيْسَتْ لِلنّاسِ نَوافِلُ، إنَّما هي لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، والنّاسُ جَمِيعًا يَعْمَلُونَ ما سِوى المَكْتُوبَةِ لِذُنُوبِهِمْ في كَفّارَتِها.
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنا عبد الله، حَدَّثَنا عمرو، عَنْ سعيد وقبيصة، عَنْ سفيان، عَنْ أبي عثمان، عَنِ الحسن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾.
قالَ: (لا تَكُونُ نافِلَةُ اللَّيْلِ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ
وَذُكِرَ عَنِ الضحاك، قالَ: نافِلَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً.
وَذَكَرَ سليم بن حيان، حَدَّثَنا أبُو غالب، حَدَّثَنا أبو أمامة، قالَ: إذا وضَعْتَ الطَّهُورَ مَواضِعَهُ، قُمْتَ مَغْفُورًا لَكَ، فَإنْ قُمْتَ تُصَلِّي، كانَتْ لَكَ فَضِيلَةً وأجْرًا، فَقالَ رَجُلٌ: يا أبا أمامة، أرَأيْتَ إنْ قامَ يُصَلِّي تَكُونُ لَهُ نافِلَةً؟ قالَ: لا، إنَّما النّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ نافِلَةً، وهو يَسْعى في الذُّنُوبِ والخَطايا؟! تَكُونُ لَهُ
فَضِيلَةً وأجْرًا)
قُلْتُ: والمَقْصُودُ أنَّ النّافِلَةَ في الآيَةِ، لَمْ يُرَدْ بِها ما يَجُوزُ فِعْلُهُ وتَرْكُهُ، كالمُسْتَحَبِّ، والمَندُوبِ، وإنَّما المُرادُ بِها الزِّيادَةُ في الدَّرَجاتِ، وهَذا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الفَرْضِ والمُسْتَحَبِّ، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ: (نافِلَةً لَكَ) نافِيًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ مِنَ الوُجُوبِ، وسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيانٍ لِهَذِهِ المَسْألَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، عِنْدَ ذِكْرِ خَصائِصِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَلَمْ يَكُنْ ﷺ يَدَعُ قِيامَ اللَّيْلِ حَضَرًا ولا سَفَرًا، وكانَ إذا غَلَبَهُ نَوْمٌ أوْ وجَعٌ، صَلّى مِنَ النَّهارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ يَقُولُ: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الوِتْرَ لا يُقْضى لِفَواتِ مَحَلِّهِ، فَهو كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ، وصَلاةِ الكُسُوفِ والِاسْتِسْقاءِ ونَحْوِها، لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ أنْ يَكُونَ آخِرُ صَلاةِ اللَّيْلِ وِتْرًا، كَما أنَّ المَغْرِبَ آخِرُ صَلاةِ النَّهارِ، فَإذا انْقَضى اللَّيْلُ وصَلَّيْتَ الصُّبْحَ، لَمْ يَقَعِ الوِتْرُ مَوْقِعَهُ. هَذا مَعْنى كَلامِهِ.
وَقَدْ رَوى أبو داود، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن نامَ عَنِ الوِتْرِ أوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إذا أصْبَحَ أوْ ذَكَرَ» ولَكِنْ لِهَذا الحَدِيثِ عِدَّةُ عِلَلٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مِن رِوايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وهو ضَعِيفٌ.
الثّانِي: أنَّ الصَّحِيحَ فِيهِ أنَّهُ مُرْسَلٌ لَهُ عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ الترمذي: هَذا أصَحُّ، يَعْنِي المُرْسَلَ.
الثّالِثُ: أنَّ ابْنَ ماجَهْ حَكى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بَعْدَ أنْ رَوى حَدِيثَ أبي سعيد: الصَّحِيحُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أوْتِرُوا قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا». قالَ: فَهَذا الحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَدِيثَ عبد الرحمن واهٍ.
وَكانَ قِيامُهُ ﷺ بِاللَّيْلِ إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، أوْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعائشة، فَإنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُما هَذا وهَذا، فَفي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْها: «ما كانَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا غَيْرِهِ عَلى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً».
وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْها أيْضًا، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِن ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إلّا في آخِرِهِنَّ».
والصَّحِيحُ عَنْ عائشة الأوَّلُ: والرَّكْعَتانِ فَوْقَ الإحْدى عَشْرَةَ هُما رَكْعَتا الفَجْرِ جاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا عَنْها في هَذا الحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الفَجْرِ» ذَكَرَهُ مسلم في "صَحِيحِهِ". وقالَ البُخارِيُّ في هَذا الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إذا سَمِعَ النِّداءَ بِالفَجْرِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ». وفي "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: سَمِعْتُ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ: «كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعاتٍ، ويُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، ويَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، وذَلِكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً» فَهَذا مُفَسَّرٌ مُبَيَّنٌ.
(فائدة)
الذي وقع في صحيح البخاري وأكثر كتب الحديث "وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته"
ووقع في صحيح ابن خزيمة والنسائي بإسناد الصحيحين من رواية جابر "وابعثه المقام المحمود" ورواه ابن خزيمة عن موسى بن سهل الرملي وصدقه أبو حاتم الرازي وباقي الإسناد شرطهما ورواه النسائي عن عمر بن منصور عن علي بن عباس والصحيح ما في البخاري لوجوده:
أحدها اتفاق أكثر الرواة عليه.
الثاني: موافقته للفظ القرآن.
الثالث: إن لفظ التنكير فيه مقصود به التعظيم لقوله: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ﴾ وقوله: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ﴾
وقوله ﴿وهذا كتاب مصدق﴾ ونظائره.
الرابع: أن دخول اللام يعينه ويخصه بمقام معين وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا كما في قوله: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ومقاماته المحمودة في الموقف متعددة كما دلت عليه الأحاديث فكان في التنكير من الإطلاق والإشاعة ما ليس في التعريف.
الخامس: أن النبي ﷺ كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديما وتأخيرا وتعريفا وتنكيرا كما يحافظ على معانيه.
ومنه قوله وقد بدأ بالصفا "أبدأ بما بدأ الله به"
ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين باتباعا للفظ القرآن.
ومنه قوله في حديث البراء ابن عازب: "آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت " موافقة لقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾
وعلى هذا فالذي وعدته إما بدل وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول فعل محذوف وإما صفة لكون مقاما محمودا قريبا من المعرفة لفظا ومعنى فتأمله.
(فائدة)
قال أبو بكر عبد العزيز: غلام الخلال سمعت بعض شيوخنا يقول إنما امتنع سائر الأنبياء من الشفاعة لأنهم عوتبوا قبل الغفران، فأحجمهم عن الهجوم عليه، ونبينا عليه السلام غفر له قبل العتاب.
(لطيفة)
لما كمل الرَّسُول مقام الافتقار إلى الله سُبْحانَهُ أحْوج الخَلائق كلهم إلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَة.
أما حاجتهم إلَيْهِ في الدُّنْيا فأشد من حاجتهم إلى الطَّعام والشراب والنَّفس الَّذِي بِهِ حَياة أبدانهم.
وَأما حاجتهم إلَيْهِ في الآخِرَة فَإنَّهُم يستشفعون بالرسل إلى الله حَتّى يريحهم من ضيق مقامهم فكلهم يتَأخَّر عَن الشَّفاعَة فَيشفع لَهُم، وهو الَّذِي يستفتح لَهُم باب الجنَّة.
(فصل)
رسول الله ﷺ مَحْمُود عند الله ومحمود عند مَلائكَته ومحمود عند إخوانه من المُرْسلين ومحمود عند أهل الأرْض كلهم وإن كفر بِهِ بَعضهم فَإن ما فِيهِ من صِفات الكَمال محمودة عند كل عاقل وإن كابر عقله جحُودًا أو عنادًا أو جهلا باتصافه بها، ولَو علم اتصافه بها لحمده فَإنَّهُ يحمد من اتّصف بِصِفات الكَمال ويجهل وجودها فِيهِ فَهو في الحَقِيقَة حامِد لَهُ وهو ﷺ اخْتصَّ من مُسَمّى الحَمد بِما لم يجْتَمع لغيره فَإن اسْمه مُحَمَّد وأحمد، وأمته الحَمّادُونَ يحْمَدُونَ الله على السَّرّاء والضَّرّاء وصَلاة أمته مفتتحة بِالحَمْد وخطبته مفتتحة بِالحَمْد وكتابه مفتتح بِالحَمْد هَكَذا عند الله في اللَّوْح المَحْفُوظ أن خلفاءه وأصْحابه يَكْتُبُونَ المُصحف مفتتحًا بِالحَمْد وبِيَدِهِ ﷺ لِواء الحَمد يَوْم القِيامَة ولما يسْجد بَين يَدي ربه عز وجل للشفاعة ويُؤذن لَهُ فِيها يحمد ربه بِمَحامِد يفتحها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وهو صاحب المقام المَحْمُود الَّذِي يغبطه بِهِ الأولونَ والآخرُونَ قالَ تَعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾
على معنى المقام المَحْمُود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصَّحابَة والتّابِعِينَ فِيهِ في تَفْسِير هَذِه السُّورَة كتفسير ابْن أبي حاتِم وابْن جرير وعبد بن حميد وغَيرها من تفاسير السّلف.
وَإذا قامَ في المقام حَمده حِينَئِذٍ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أوَّلهمْ وآخرهمْ، وهو مَحْمُود ﷺ بِما مَلأ الأرْض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعَمَل الصّالح وفتح بِهِ القُلُوب وكشف بِهِ الظلمَة عَن أهل الأرْض واستنقذهم من أسر الشَّيْطان ومن الشّرك بِالله والكفْر بِهِ والجهل بِهِ حَتّى نالَ بِهِ أتْباعه شرف الدُّنْيا والآخِرَة فَإن رسالَته وافت أهل الأرْض أحْوج ما كانُوا إلَيْها فَإنَّهُم كانُوا بَين عباد أوثان وعباد صلبان وعباد نيران وعباد الكَواكِب ومغضوب عَلَيْهِم قد باؤوا بغضب من الله وحيران لا يعرف رَبًّا يعبده ولا بِماذا يعبده والنّاس يَأْكُل بَعضهم بَعْضًا من اسْتحْسنَ شَيْئا دَعا إلَيْهِ وقاتل من خالفه ولَيْسَ في الأرْض مَوضِع قدم مشرق بِنور الرسالَة وقد نظر الله سُبْحانَهُ حِينَئِذٍ إلى أهل الأرْض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا على آثار من دين صَحِيح، فأغاث الله بِهِ البِلاد والعباد وكشف بِهِ تِلْكَ الظُّلم وأحْيا بِهِ الخليقة بعد المَوْت فهدى بِهِ من الضَّلالَة وعلم بِهِ من الجَهالَة وكثر بعد القلَّة وأعز بِهِ بعد الذلة وأغنى بِهِ بعد العيلَة وفتح بِهِ أعينًا عميا وآذانًا صمًّا وقُلُوبًا غلفًا فَعرف النّاس رَبهم ومعبودهم غايَة ما يُمكن أن تناله قواهم من المعرفَة وأبدًا وأعاد واخْتصرَ وأطْنَبَ في ذكر أسْمائِهِ وصِفاته وأفعاله حَتّى تجلت مَعْرفَته سُبْحانَهُ في قُلُوب عباده المُؤمنِينَ وانجابت سحائب الشَّك والريب عَنْها كَما ينجاب السَّحاب عَن القَمَر لَيْلَة إبداره ولم يدع لأمته حاجَة في هَذا التَّعْرِيف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عَن كل من تكلم في هَذا الباب ﴿أولم يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии