Ибн аль-КаййимАль‑Хаджж · 22:17–24

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Хаджж 22:17–24, продолжение

فَقُلْتُ: لا، قالَ: فَإنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنا رَجُلٌ مِنَ الشّامِ مِن يَهُودَ، يُقالُ لَهُ: ابْنُ الهَيْبانِ فَأقامَ عِنْدَنا، واللَّهِ ما رَأيْنا رَجُلًا قَطُّ لا يُصَلِّي الخَمْسَ خَيْرًا مِنهُ، فَقَدِمَ عَلَيْنا قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، فَكُنّا إذا قَحَطْنا وقَلَّ عَنّا المَطَرُ نَقُولُ: يا ابْنَ الهَيْبانِ، اخْرُجْ فاسْتَقِ لَنا، فَيَقُولُ: لا واللَّهِ حَتّى تُقَدِّمُوا أمامَ مَخْرَجِكم صَدَقَةً، فَنَقُولُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ صاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ مُدَّيْنِ مِنَ الشَّعِيرِ، فَنُخْرِجُهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلى ظاهِرِ حَرَّتِنا ونَحْنُ مَعَهُ نَسْتَقِي، فَواللَّهِ ما يَقُومُ مِن مَجْلِسِهِ حَتّى نُمْطَرَ ونَمُرَّ بِالشِّعابِ، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً ولا مَرَّتَيْنِ ولا ثَلاثَةً، فَحَضَرَتْهُ الوَفاةُ واجْتَمَعْنا إلَيْهِ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ! أتَرَوْنَ ما أخْرَجَنِي مِن أرْضِ الخَمْرِ والخَمِيرِ إلى أرْضِ البُؤْسِ والجُوعِ؟ قالُوا: أنْتَ أعْلَمُ، قالَ: فَإنِّي إنَّما خَرَجْتُ أتَوَقَّعُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ، هَذِهِ البِلادُ مُهاجَرُهُ، فاتَّبِعُوهُ ولا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ إذا خَرَجَ، يا مَعْشَرَ يَهُودَ، فَإنَّهُ يُبْعَثُ بِسَفْكِ الدِّماءِ وسَبْيِ الذَّرارِيِّ والنِّساءِ مِمَّنْ يُخالِفُهُ، فَلا يَمْنَعْكم ذَلِكَ مِنهُ، ثُمَّ ماتَ، فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي فُتِحَتْ فِيها قُرَيْظَةُ، قالَ أُولَئِكَ الثَّلاثَةُ الفِتْيَةُ وكانُوا شُبّانًا أحْداثًا: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، إنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمُ ابْنُ الهَيْبانِ، فَقالُوا: ما هو بِهِ، قالُوا: بَلى واللَّهِ إنَّهُ لِصِفَتُهُ، ثُمَّ نَزَلُوا وأسْلَمُوا، وخَلَّوْا أمْوالَهم وأهْلِيهِمْ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَتْ أمْوالُهم في الحِصْنِ مَعَ المُشْرِكِينَ فَلَمّا فُتِحَ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ.

وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي صالِحُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قالَ: كانَ بَيْنَ أبْنائِنا يَهُودِيٌّ فَخَرَجَ عَلى نادِي قَوْمِهِ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ ذاتَ غَداةٍ فَذَكَرَ البَعْثَ والقِيامَةَ والجَنَّةَ والنّارَ والحِسابَ والمِيزانَ، فَقالَ ذَلِكَ لِأصْحابِ وثَنٍ لا يَرَوْنَ أنَّ بَعْثًا كائِنًا بَعْدَ المَوْتِ، وذَلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: ويْحَكَ يا فُلانُ! وهَذا كائِنٌ، أنَّ النّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى دارِكم فِيها جَنَّةٌ ونارٌ، ويُجْزَوْنَ مِن أعْمالِهِمْ؟! فَقالَ: نَعَمْ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوَدِدْتُ أنَّ حَظِّي مِن تِلْكَ النّارِ أنْ تُوقِدُوا أعْظَمَ تَنُّورٍ في دارِكم تُحْمُونَهُ ثُمَّ تَقْذِفُونِي فِيهِ، وتُطْبِقُونَهُ عَلَيَّ، وإنِّي أنْجُو مِنَ النّارِ غَدًا، فَقِيلَ: يا فُلانُ، ما عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِن ناحِيَةِ هَذِهِ البِلادِ وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ واليَمَنِ، قالُوا: فَمَتى نَراهُ؟ فَرَمى بِطَرْفِهِ فَرَآنِي، وأنا مُضْطَجِعٌ بِفِناءِ بابِ أهْلِي، وأنا أحْدَثُ القَوْمِ، فَقالَ: إنْ يَسْتَنْفِذْ هَذا الغُلامُ عُمُرَهُ يُدْرِكْهُ، فَما ذَهَبَ اللَّيْلُ والنَّهارُ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وأنَّهُ لَحَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِنا، فَآمَنّا بِهِ وصَدَّقْناهُ وكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا، فَقُلْنا: يا فُلانُ، ألَسْتَ قُلْتَ ما قُلْتَ، وأخْبَرْتَنا بِهِ؟! قالَ: لَيْسَ بِهِ ....

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ، ... عَنْ قَتادَةَ، قالَ: حَدَّثَنِي أشْياخٌ مِنّا قالُوا: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ أعْلَمَ بِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنّا، كانَ مَعَنا يَهُودُ وكانُوا أهْلَ كِتابٍ وكُنّا أصْحابَ وثَنٍ، وكُنّا بَلَغَنا مِنهم ما يَكْرَهُونَ، قالُوا إنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثًا الآنَ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ نَتْبَعُهُ فَنَقْتُلُكم قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ اتَّبَعْناهُ وكَفَرُوا بِهِ فَفِينا وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ.

؎وَذَكَرَ الحاكِمُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، ∗∗∗ عَنْ عَلِيٍّ الأزْدِيِّ، قالَ كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ:

اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنا هَذا النَّبِيَّ يَحْكُمُ بَيْنَنا وبَيْنَ النّاسِ ...

وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ تُقاتِلُ غَطَفانَ، فَلَمّا التَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ، فَعاذَتِ اليَهُودُ بِهَذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي وعَدْتَنا أنْ تُخْرِجَهُ لَنا في آخِرِ الزَّمانِ إلّا نَصَرْتَنا عَلَيْهِمْ، قالَ: فَكانُوا إذا التَقَوْا دَعَوْا بِهَذا الدُّعاءِ فَهَزَمُوا غَطَفانَ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَرُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي بِكَ يا مُحَمَّدُ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾.

يَسْتَفْتِحُونَ: أيْ يَسْتَنْصِرُونَ.

وَذَكَرَ الحاكِمُ وغَيْرُهُ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا أُجْلُوا مِنَ المَدِينَةِ أقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سُعْدى فَأطافَ بِمَنازِلِهِمْ فَرَأى خَرابَها، فَفَكَّرَ ثُمَّ رَجَعَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَوَجَدَهم في الكَنِيسَةِ، فَنَفَخَ في بُوقِهِمْ فاجْتَمَعُوا، فَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ باطا: يا أبا سَعِيدٍ، أيْنَ كُنْتَ مُنْذُ اليَوْمِ فَلَمْ نَرَكْ - وكانَ لا يُفارِقُ الكَنِيسَةَ وكانَ يَتَألَّهُ في اليَهُودِيَّةِ، قالَ: رَأيْتُ اليَوْمَ عِبَرًا اعْتَبَرْنا بِها، رَأيْتُ إخْوانَنا قَدْ جُلُوا بَعْدَ ذَلِكَ العِزِّ والخُلْدِ والشَّرَفِ الفاضِلِ والعَقْلِ البارِعِ، قَدْ تَرَكُوا أمْوالَهم ومَلَكَها غَيْرُهُمْ، وخَرَجُوا خُرُوجَ ذُلٍّ، فَلا والتَّوْراةِ ما سُلِّطَ هَذا عَلى قَوْمٍ

قَطُّ لِلَّهِ فِيهِمْ حاجَةٌ، وقَدْ أوْقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ بِابْنِ الأشْرَفِ في عِزَّةِ بُنْيانِهِ في بَيْتِهِ آمِنًا، وأوْقَعَ بِابْنِ شَيْبَةَ سَيِّدِهِمْ، وأوْقَعَ بِبَنِي قَيْنُقاعَ فَأجْلاهم وهم حُبْرُ يَهُودَ وكانُوا أهْلَ عُدَّةٍ وسِلاحٍ ونَجْدَةٍ - فَحَصَرَهم فَلَمْ يُخْرِجْ إنْسانٌ مِنهم رَأْسَهُ حَتّى سَباهُمْ، فَكُلِّمَ فِيهِمْ فَتَرَكَهم عَلى أنْ أجْلاهم مِن يَثْرِبَ. يا قَوْمِ، قَدْ رَأيْتُمْ ما رَأيْتُمْ فَأطِيعُونِي وتَعالَوْا نَتَّبِعْ مُحَمَّدًا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ وقَدْ بَشَّرَنا بِهِ وبِأمْرِهِ ابْنُ الهَيْبانِ أبُو عُمَيْرٍ، وابْنُ حَوّاسٍ، وهُما أعْلَمُ يَهُودَ جاءا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ يَتَوَكَّفانِ قُدُومَهُ، وأمَرانا بِاتِّباعِهِ وأمَرانا أنْ نُقْرِئَهُ مِنهُما السَّلامَ، ثُمَّ ماتا عَلى دِينِهِما، ودَفَنّاهُما بِحَرَّتِنا، فَأُسْكِتَ القَوْمُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنهم مُتَكَلِّمٌ، فَأعادَ هَذا الكَلامَ ونَحْوَهُ، وخَوَّفَهم بِالحَرْبِ والسِّباءِ والجَلاءِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ باطا: قَدْ - والتَّوْراةِ - قَرَأْتُ صِفَتَهُ في كِتابِ التَّوْراةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى، لَيْسَ في المَثانِي الَّتِي أحْدَثْنا، فَقالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ أُسَيْدٍ: ما يَمْنَعُكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنِ اتِّباعِهِ؟

قالَ: أنْتَ، قالَ: ولِمَ؟ فَوالتَّوْراةِ ما حُلْتُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَطُّ؟

قالَ الزُّبَيْرُ: أنْتَ صاحِبُ عَهْدِنا وعَقْدِنا، فَإنِ اتَّبَعْتَهُ اتَّبَعْناهُ، وإنْ أبَيْتَ أبَيْناهُ، فَأقْبَلَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ عَلَيَّ فَذَكَرَ ما تَقاوَلا بِهِ في ذَلِكَ إلى أنْ قالَ كَعْبٌ: ما عِنْدِي في ذَلِكَ إلّا ما قُلْتُ، ما تَطِيبُ نَفْسِي أنْ أصِيرَ تابِعًا.

وَهَذا المانِعُ هو الَّذِي مَنَعَ فِرْعَوْنَ مِنِ اتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى عَزَمَ اتِّباعَ مُوسى، فَقالَ لَهُ وزِيرُهُ هامانُ: بَيْنا أنْتَ إلَهٌ تُعْبَدُ تُصْبِحُ تَعْبُدُ رَبًّا، تَعْبُدُ غَيْرَكَ، قالَ: صَدَقْتَ.

وَذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، قالَ: حُدِّثْتُ ... عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، أنَّها قالَتْ: كُنْتُ أحَبَّ ولَدِ أبِي إلَيْهِ وإلى عَمِّي أبِي ياسِرٍ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ غَدَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءا مِنَ العَشِيِّ، فَسَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ لِأبِي: أهُوَ هُوَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتَعْرِفُهُ وتُثْبِتُهُ؟، قالَ نَعَمْ، قالَ: فَما في نَفْسِكَ مِنهُ، قالَ: عَدَواتُهُ واللَّهِ ما بَقِيتُ .... فَهَذِهِ الأُمَّةُ الغَضَبِيَّةُ مَعْرُوفَةٌ بِعَداوَةِ الأنْبِياءِ قَدِيمًا، وأسْلافُهم وأحْبارُهم قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أذاهم لِمُوسى، ونَهانا عَنِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ في ذَلِكَ، فَقالَ: ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا.

وَأمّا خَلَفُهم فَهم قَتَلَةُ الأنْبِياءِ اليَهُودُ: قَتَلُوا زَكَرِيّا وابْنَهُ يَحْيى، وخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الأنْبِياءِ، حَتّى قَتَلُوا في يَوْمٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وأقامُوا السُّوقَ في آخِرِ النَّهارِ كَأنَّهم لَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا. واجْتَمَعُوا عَلى قَتْلِ المَسِيحِ وصَلْبِهِ فَصانَهُ اللَّهُ تَعالى وأكْرَمَهُ أنْ يُهِينَهُ عَلى أيْدِيهِمْ، وألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ. ورامُوا قَتْلَ خاتَمِ النَّبِيِّينَ مِرارًا عَدِيدَةً، واللَّهُ يَعْصِمُهُ مِنهم.

وَمَن كانَ هَذا شَأْنَهم لا يَكْثُرُ عَلَيْهِمُ اخْتِيارُ الكُفْرِ عَلى الإيمانِ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ذَكَرْنا بَعْضَها، أوْ سَبَبَيْنِ أوْ أكْثَرَ.

وَقَدْ ذَكَرْنا اتِّفاقَ أُمَّةِ الضَّلالِ وعُبّادِ الصَّلِيبِ عَلى مَسَبَّةِ رَبِّ العالَمِينَ أقْبَحَ مَسَبَّةٍ، وعَلى ما يُعْلَمُ بُطْلانُهُ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، لَمْ يَكْثُرْ عَلى تِلْكَ العُقُولِ السَّخِيفَةِ أنْ تَسُبَّ بَشَرًا أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وتَجْحَدَ نُبُوَّتَهُ، وتُكابِرَ ما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ العَقْلِ مِن صِدْقِهِ وصِحَّةِ رِسالَتِهِ، فَلَوْ قالُوا فِيهِ ما قالُوا لَمْ يَبْلُغْ بَعْضَ قَوْلِهِمْ في رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ الَّذِي صارُوا فِيهِ ضِحْكَةً بَيْنَ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ.

فَأُمَّةٌ أطْبَقَتْ عَلى أنَّ الإلَهَ الحَقَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ - صُلِبَ وصُفِعَ وسُمِّرَ ووُضِعَ الشَّوْكُ عَلى رَأْسِهِ، ودُفِنَ في التُّرابِ، ثُمَّ قامَ في اليَوْمِ الثّالِثِ وصَعِدَ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّهِ يُدَبِّرُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ، لا يَكْثُرُ عَلَيْها أنْ تُطْبِقَ عَلى جَحْدِ نُبُوَّةِ مَن جاءَ بِسَبِّها ولَعْنِها ومُحارَبَتِها وإبْداءِ مَعايِبِها والنِّداءِ عَلى كُفْرِها بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، والشَّهادَةِ عَلى بَراءَةِ المَسِيحِ مِنها، ومُعاداتِهِ لَها، ثُمَّ قاتَلَها وأذَلَّها وأخْرَجَها مِن دِيارِها وضَرَبَ عَلَيْها الجِزْيَةَ، وأخْبَرَ أنَّها مِن أهْلِ الجَحِيمِ خالِدَةً مُخَلَّدَةً لا يَغْفِرُ اللَّهُ لَها، وأنَّها شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، بَلْ هي شَرُّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ.

وَكَيْفَ يُنْكَرُ عَلى أُمَّةٍ أطْبَقَتْ عَلى صَلْبِ مَعْبُودِها وإلَهِها، ثُمَّ عَمَدَتْ إلى الصَّلِيبِ فَعَبَدَتْهُ وعَظَّمَتْهُ، وكانَ يَنْبَغِي لَها أنْ تَحْرِقَ كُلَّ صَلِيبٍ تَقْدِرُ عَلى إحْراقِهِ، وأنْ تُهِينَهُ غايَةَ الإهانَةِ إذْ صَلَبَتْ عَلَيْهِ إلَهَها الَّذِي يَقُولُونَ تارَةً: إنَّهُ اللَّهُ، وتارَةً يَقُولُونَ إنَّهُ ابْنُهُ، وتارَةً يَقُولُونَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ؟ فَجَحَدَتْ حَقَّ خالِقِها وكَفَرَتْ بِهِ أعْظَمَ كُفْرٍ وسَبَّتْهُ أقْبَحَ مَسَبَّةٍ، أنْ تَجْحَدَ حَقَّ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ وتَكْفُرَ بِهِ.

وَكَيْفَ يَكْثُرُ عَلى أُمَّةٍ قالَتْ في رَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، إنَّهُ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ لِيُكَلِّمَ الخَلْقَ بِذاتِهِ لِئَلّا يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ عَلَيْهِ، فَأرادَ أنْ يَقْطَعَ حُجَّتَهم بِتَكَلُّمِهِ لَهم بِذاتِهِ؛ لِتَرْتَفِعَ المَعاذِيرُ عَمَّنْ ضَيَّعَ عَهْدَهُ بَعْدَ ما كَلَّمَهُ بِذاتِهِ؟ فَهَبَطَ بِذاتِهِ مِنَ السَّماءِ، والتَحَمَ في بَطْنِ مَرْيَمَ، فَأخَذَ مِنها حِجابًا، وهو مَخْلُوقٌ مِن طَرِيقِ الجِسْمِ، وخالِقٌ مِن طَرِيقِ النَّفْسِ، وهو الَّذِي خَلَقَ جِسْمَهُ وخَلَقَ أُمَّهُ، وأُمُّهُ كانَتْ قَبْلَهُ بِالنّاسُوتِ، وهو كانَ مِن قَبْلِها بِاللّاهُوتِ، وهو الإلَهُ التّامُّ، والإنْسانُ التّامُّ، ومِن تَمامِ رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلى عِبادِهِ أنَّهُ رَضِيَ بِإراقَةِ دَمِهِ عَنْهم عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، فَمَكَّنَ أعْداءَهُ اليَهُودَ مِن نَفْسِهِ؛ لِيَتِمَّ سُخْطُهُ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوهُ وصَلَبُوهُ وصَفَعُوهُ وبَصَقُوا في وجْهِهِ، وتَوَّجُوهُ بِتاجٍ مِنَ الشَّوْكِ عَلى رَأْسِهِ، وغارَ دَمُهُ في إصْبَعِهِ لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مِنهُ شَيْءٌ إلى الأرْضِ لَيَبِسَ كُلُّ ما في وجْهِها، فَثَبَتَ في مَوْضِعِ صَلْبِهِ النَّوّارُ.

وَلَمّا لَمْ يَكُنْ في الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ مِن عَبْدِهِ العاصِي الَّذِي ظَلَمَهُ، واسْتَهانَ بِقَدْرِهِ، لِاعْتِلاءِ مَنزِلَةِ الرَّبِّ، وسُقُوطِ مَنزِلَةِ العَبْدِ، أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يَنْتَصِفَ مِنَ الإنْسانِ الَّذِي هو إلَهٌ مِثْلُهُ، فانْتَصَفَ مِن خَطِيئَةِ آدَمَ بِصَلْبِ عِيسى المَسِيحِ، الَّذِي هو إلَهٌ مُساوٍ لَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَصُلِبَ ابْنُ اللَّهِ الَّذِي هو اللَّهُ في السّاعَةِ التّاسِعَةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ. هَذِهِ ألْفاظُهم في كُتُبِهِمْ.

فَأُمَّةٌ أطْبَقَتْ عَلى هَذا في مَعْبُودِها، كَيْفَ يَكْثُرُ عَلَيْها أنْ تَقُولَ في عَبْدِهِ ورَسُولِهِ أنَّهُ ساحِرٌ وكاذِبٌ ومَلِكٌ مُسَلَّطٌ ونَحْوُ هَذا؟

وَلِهَذا قالَ بَعْضُ مُلُوكِ الهِنْدِ: أمّا النَّصارى فَإنْ كانَ أعْداؤُهم مِن أهْلِ المِلَلِ يُجاهِدُونَهم بِالشَّرْعِ فَأنا أرى جِهادَهم بِالعَقْلِ، وإنْ كُنّا لا نَرى قِتالَ أحَدٍ، لَكِنِّي أسْتَثْنِي هَؤُلاءِ القَوْمَ مِن جَمِيعِ العالَمِ، لِأنَّهم قَصَدُوا مُضادَّةَ العَقْلِ وناصَبُوهُ العَداوَةَ وشَذُّوا عَنْ جَمِيعِ مَصالِحِ العالَمِ الشَّرْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ الواضِحَةِ، واعْتَقَدُوا كُلَّ مُسْتَحِيلٍ مُمْكِنًا، وبَنَوْا مِن ذَلِكَ شَرْعًا لا يُؤَدِّي إلى صَلاحِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ العالَمِ، ولَكِنَّهُ يُصَيِّرُ العاقِلَ إذا شَرَعَ بِهِ أخْرَقَ، والرَّشِيدَ سَفِيهًا، والحَسَنَ قَبِيحًا، والقَبِيحَ حَسَنًا، لِأنَّ مَن كانَ في أصْلِ عَقِيدَتِهِ الَّتِي جَرى نَشْؤُهُ عَلَيْها الإساءَةُ إلى الخَلّاقِ، والنَّيْلُ مِنهُ، وسَبُّهُ أقْبَحَ مَسَبَّةٍ، ووَصْفُهُ بِما يُغَيِّرُ صِفاتِهِ الحُسْنى، وأخْلَقُ بِهِ أنْ يَسْتَهِلَّ الإساءَةَ إلى مَخْلُوقٍ، وأنْ يَصِفَهُ بِما يُغَيِّرُ صِفاتِهِ الجَمِيلَةَ.

وَلَوْ لَمْ تَجِبْ مُجاهَدَةُ هَؤُلاءِ القَوْمِ إلّا لِعُمُومِ أضْرارِهِمُ الَّتِي لا تُحْصى وُجُوهُهُ، كَما يَجِبُ قَتْلُ الحَيَوانِ المُؤْذِي بِطَبْعِهِ، لَكانُوا أهْلًا لِذَلِكَ.

والمَقْصُودُ أنَّ الَّذِي اخْتارُوا هَذِهِ المَقالَةَ في رَبِّ العالَمِينَ، عَلى تَعْظِيمِهِ وتَنْزِيهِهِ وإجْلالِهِ ووَصْفِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ، الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ بِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ وجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، والَّذِينَ اخْتارُوا عِبادَةَ صُوَرٍ خَطُّوها بِأيْدِيهِمْ في الحِيطانِ، مُزَوَّقَةٍ بِالأحْمَرِ والأصْفَرِ والأزْرَقِ، لَوْ دَنَتْ مِنها الكِلابُ لَبالَتْ عَلَيْها، فَأعْطَوْها غايَةَ الخُضُوعِ والذُّلِّ والخُشُوعِ والبُكاءِ، وسَألُوها المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ والرِّزْقَ والنَّصْرَ، هُمُ الَّذِينَ اخْتارُوا التَّكْذِيبَ بِخاتَمِ الرُّسُلِ عَلى الإيمانِ بِهِ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ.

والَّذِينَ نَزَّهُوا مَطارِنَتَهم وبَتارِكَتَهم عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ، ونَحَوْهُما لِلْفَرْدِ الصَّمَدِ، هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ عَبْدِهِ وخاتَمِ رُسُلِهِ. والَّذِينَ اخْتارُوا صَلاةً يَقُومُ أعْبَدُهم وأزْهَدُهم إلَيْها، والبَوْلُ عَلى ساقِهِ وأفْخاذِهِ فَيَسْتَقْبِلُ الشَّرْقَ ثُمَّ يُصَلِّبُ عَلى وجْهِهِ، ويَعْبُدُ الإلَهَ المَصْلُوبَ، ويَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِقَوْلِهِ: يا أبانا أنْتَ الَّذِي في السَّماواتِ تَقَدَّسَ اسْمُكَ ولْيَأْتِ مُلْكُكَ ولْتَكُنْ إرادَتُكَ في السَّماءِ مِثْلَها في الأرْضِ أعْطِنا خُبْزَنا المُلائِمَ لَنا.

ثُمَّ يُحَدِّثُ إلى مَن هو إلى جانِبِهِ، ورُبَّما سَألَهُ عَنْ سِعْرِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، وعَمّا كَسَبَ في القِمارِ، وعَمّا طَبَخَ في بَيْتِهِ، ورُبَّما أحْدَثَ وهو في صَلاتِهِ، ولَوْ أرادَ لَبالَ في مَوْضِعِهِ إنْ أمْكَنَهُ، ثُمَّ يَدْعُو تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هي صَنْعَةُ يَدِ الإنْسانِ.

فالَّذِينَ اخْتارُوا هَذِهِ الصَّلاةَ عَلى صَلاةِ مَن إذا قامَ إلى صَلاتِهِ طَهَّرَ أطْرافَهُ وثِيابَهُ وبَدَنَهُ مِنَ النَّجاسَةِ، واسْتَقْبَلَ بَيْتَهُ الحَرامَ، وكَبَّرَ اللَّهَ وحَمِدَهُ وسَبَّحَهُ، وأثْنى عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ ناجاهُ بِكَلامِهِ المُتَضَمِّنِ لِأفْضَلِ الثَّناءِ عَلَيْهِ وتَحْمِيدِهِ وتَمْجِيدِهِ وتَوْحِيدِهِ، وإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، وسُؤالِهِ أجَلَّ مَسْئُولٍ، وهو الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ رِضاهُ، الَّتِي خَصَّ بِها مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ دُونَ طَرِيقِ الأُمَّتَيْنِ: المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وهُمُ اليَهُودُ، والضّالِّينَ وهُمُ النَّصارى، ثُمَّ أعْطى كُلَّ جارِحَةٍ مِنَ الجَوارِحِ حَظَّها مِنَ الخُشُوعِ والخُضُوعِ والعُبُودِيَّةِ مَعَ غايَةِ التَّحْمِيدِ والثَّناءِ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، لا يَلْتَفِتُ عَنْ مَعْبُودِهِ بِوَجْهِهِ، ولا قَلْبِهِ، ولا يُكَلِّمُ أحَدًا كَلِمَةً، بَلْ قَدْ فَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَعْبُودِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ ووَجْهِهِ، لا يُحْدِثُ في صَلاتِهِ، ولا يَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ صُورَةً مَصْنُوعَةً يَدْعُوها ويَتَضَرَّعُ إلَيْها. فالَّذِينَ اخْتارُوا تِلْكَ الصُّورَةَ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ اسْتِهْزاءٌ بِالمَعْبُودِ، لا يَرْضاها المَخْلُوقُ لِنَفْسِهِ، فَضْلًا أنْ يَرْضى بِها الخالِقُ عَلى هَذِهِ الصَّلاةِ، الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن عَقْلٍ لَظَهَرَ لَهُ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما. وهُمُ الَّذِينَ اخْتارُوا التَّكْذِيبَ بِخاتَمِ الرُّسُلِ مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ وعَبْدِهِ عَلى الإيمانِ بِهِ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ.

والعاقِلُ إذا وازَنَ بَيْنَ ما اخْتارُوا ورَغِبُوا فِيهِ، وبَيْنَ ما رَغِبُوا عَنْهُ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ القَوْمَ اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى والغَيَّ عَلى الرَّشادِ، والقَبِيحَ عَلى الحَسَنِ، والباطِلَ عَلى الحَقِّ، وأنَّهُمُ اخْتارُوا مِنَ العَقائِدِ أبْطَلَها، ومِنَ الأعْمالِ أقْبَحَها وأطْبَقَ عَلى ذَلِكَ أساقِفَتُهم وبَتارِكَتُهم ورُهْبانُهم فَضْلًا عَنْ عَوامِّهِمْ.

(فَصْلٌ)

وَلَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إنَّ مَن ذَكَرْتُمْ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ وذَكَرٍ وأُنْثى وحُرٍّ وعَبْدٍ وراهِبٍ وقِسِّيسٍ، كُلِّهِمْ تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى، بَلْ أكْثَرُهم جُهّالٌ بِمَنزِلَةِ الدَّوابِّ السّائِمَةِ، مُعْرِضُونَ عَنْ طَلَبِ الهُدى فَضْلًا عَنْ تَبْيِينِهِ لَهُمْ، وهم مُقَلِّدُونَ لِرُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ وعُلَمائِهِمْ - وهم أقَلُّ القَلِيلِ وهُمُ الَّذِينَ اخْتارُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الهُدى.

وَأيُّ إشْكالٍ يَقَعُ لِلْعَقْلِ في ذَلِكَ؟ فَلَمْ يَزَلْ في النّاسِ مَن يَخْتارُهُ حَسَدًا مَعَ عِلْمِهِ بِبُطْلانِهِ كِبْرًا، والباطِلُ مِنهم يَخْتارُهُ جَهْلًا وتَقْلِيدًا لِمَن يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ حَسَدًا وبَغْيًا، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ طَمَعًا ورَغْبَةً في مَأْكَلٍ أوْ جاهٍ ورِئاسَةٍ، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ مَحَبَّةً في صُورَةٍ وعِشْقًا، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ خَشْيَةً، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ عُلُوًّا، ومِنهم مَن يَخْتارُهُ راحَةً ودَعَةً، فَلَمْ تُحْصَرْ أسْبابُ اخْتِيارِ الكُفْرِ في حُبِّ الرِّئاسَةِ والمَأْكَلَةِ.

22:18Страница 334

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨

Неужели ты не видишь, что перед Аллахом падают ниц те, кто на небесах и на земле, солнце, луна, звезды, горы, деревья, животные и многие люди. А многие из них заслуживают мучений. Никто не окажет почтения тому, кого унизит Аллах. Воистину, Аллах поступает так, как пожелает.

فالذي حق عليه العذاب هو الذي لا يسجد له سبحانه وهو الذي أهانه بترك السجود له، وأخبر أنه لا مكرم له، وقد هان على ربه حيث لم يسجد له.

(لطيفة)

خَصَّ بِالسُّجُودِ هُنا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ، وعَمَّهم بِالسُّجُودِ في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٤٩] وهو سُجُودُ الذُّلِّ والقَهْرِ والخُضُوعِ، فَكُلُّ أحَدٍ خاضِعٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، ذَلِيلٌ لِعِزَّتِهِ، مَقْهُورٌ تَحْتَ سُلْطانِهِ تَعالى.

(فائدة)

المَعْصِيَةَ سَبَبٌ لِهَوانِ العَبْدِ عَلى رَبِّهِ وسُقُوطِهِ مِن عَيْنِهِ.

قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، ولَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ، وإذا هانَ العَبْدُ عَلى اللَّهِ لَمْ يُكْرِمْهُ أحَدٌ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾

وَإنْ عَظَّمَهُمُ النّاسُ في الظّاهِرِ لِحاجَتِهِمْ إلَيْهِمْ أوْ خَوْفًا مِن شَرِّهِمْ، فَهم في قُلُوبِهِمْ أحْقَرُ شَيْءٍ وأهْوَنُهُ.

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُضْعِفُ في القَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ]

وَمِن عُقُوباتِ الذُّنُوبِ: أنَّها تُضْعِفُ في القَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وتُضْعِفُ وقارَهُ في قَلْبِ العَبْدِ ولا بُدَّ، شاءَ أمْ أبى، ولَوْ تَمَكَّنَ وقارُ اللَّهِ وعَظَمَتُهُ في قَلْبِ العَبْدِ لَما تَجَرَّأ عَلى مَعاصِيهِ، ورُبَّما اغْتَرَّ المُغْتَرُّ، وقالَ: إنَّما يَحْمِلُنِي عَلى المَعاصِي حُسْنُ الرَّجاءِ، وطَمَعِي في عَفْوِهِ، لا ضَعْفُ عَظْمَتِهِ في قَلْبِي، وهَذا مِن مُغالَطَةِ النَّفْسِ؛ فَإنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وجَلالَهُ في قَلْبِ العَبْدِ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ حُرُماتِهِ، وتَعْظِيمُ حُرُماتِهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الذُّنُوبِ، والمُتَجَرِّئُونَ عَلى مَعاصِيهِ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وكَيْفَ يَقْدِرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ، أوْ يُعَظِّمُهُ ويُكَبِّرُهُ، ويَرْجُو وقارَهُ ويُجِلُّهُ، مَن يَهُونُ عَلَيْهِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ؟ هَذا مِن أمْحَلِ المُحالِ، وأبَيْنِ الباطِلِ، وكَفى بِالعاصِي عُقُوبَةً أنْ يَضْمَحِلَّ مِن قَلْبِهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ، وتَعْظِيمُ حُرُماتِهِ، ويَهُونُ عَلَيْهِ حَقُّهُ.

وَمِن بَعْضِ عُقُوبَةِ هَذا: أنْ يَرْفَعَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَهابَتَهُ مِن قُلُوبِ الخَلْقِ، ويَهُونُ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَخِفُّونَ بِهِ، كَما هانَ عَلَيْهِ أمْرُهُ واسْتَخَفَّ بِهِ، فَعَلى قَدْرِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ يُحِبُّهُ النّاسُ، وعَلى قَدْرِ خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ يَخافُهُ الخَلْقُ، وعَلى قَدْرِ تَعْظِيمِهِ لِلَّهِ وحُرُماتِهِ يُعَظِّمُهُ النّاسُ، وكَيْفَ يَنْتَهِكُ عَبْدٌ حُرُماتِ اللَّهِ، ويَطْمَعُ أنْ لا يَنْتَهِكَ النّاسُ حُرُماتِهِ أمْ كَيْفَ يَهُونُ عَلَيْهِ حَقُّ اللَّهِ ولا يُهَوِّنُهُ اللَّهُ عَلى النّاسِ؟ أمْ كَيْفَ يَسْتَخِفُّ بِمَعاصِي اللَّهِ ولا يَسْتَخِفُّ بِهِ الخَلْقُ؟ وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذا في كِتابِهِ عِنْدَ ذِكْرِ عُقُوباتِ الذُّنُوبِ، وأنَّهُ أرْكَسَ أرْبابَها بِما كَسَبُوا، وغَطّى عَلى قُلُوبِهِمْ، وطَبَعَ عَلَيْها بِذُنُوبِهِمْ، وأنَّهُ نَسِيَهم كَما نَسُوهُ، وأهانَهم كَما أهانُوا دِينَهُ، وضَيَّعَهم كَما ضَيَّعُوا أمْرَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى في آيَةِ سُجُودِ المَخْلُوقاتِ لَهُ: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾

فَإنَّهم لَمّا هانَ عَلَيْهِمُ السُّجُودُ لَهُ واسْتَخَفُّوا بِهِ ولَمْ يَفْعَلُوهُ أهانَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن مُكْرِمٍ بَعْدَ أنْ أهانَهُمُ اللَّهُ، ومَن ذا يُكْرِمْ مَن أهانَهُ اللَّهُ؟ أوْ يُهِنْ مَن أكْرَمَهُ اللَّهُ؟

[فَصْلٌ: المَعاصِي تُسْقِطُ الكَرامَةَ]

وَمِن عُقُوباتِها: سُقُوطُ الجاهِ والمَنزِلَةِ والكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ خَلْقِهِ، فَإنَّ أكْرَمَ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهُمْ، وأقْرَبَهم مِنهُ مَنزِلَةً أطْوَعُهم لَهُ، وعَلى قَدْرِ طاعَةِ العَبْدِ تَكُونُ لَهُ مَنزِلَتُهُ عِنْدَهُ، فَإذا عَصاهُ وخالَفَ أمْرَهُ سَقَطَ مِن عَيْنِهِ، فَأسْقَطَهُ مِن قُلُوبِ عِبادِهِ، وإذا لَمْ يَبْقَ لَهُ جاهٌ عِنْدَ الخَلْقِ وهانَ عَلَيْهِمْ عامَلُوهُ عَلى حَسْبِ ذَلِكَ، فَعاشَ بَيْنَهم أسْوَأ عَيْشٍ خامِلَ الذِّكْرِ، ساقِطَ القَدْرِ، زَرِيَّ الحالِ، لا حُرْمَةَ لَهُ ولا فَرَحَ لَهُ ولا سُرُورَ، فَإنَّ خُمُولَ الذِّكْرِ وسُقُوطَ القَدْرِ والجاهِ مَعَهُ كُلُّ غَمٍّ وهَمٍّ وحَزَنٍ، ولا سُرُورَ مَعَهُ ولا فَرَحَ، وأيْنَ هَذا الألَمُ مِن لَذَّةِ المَعْصِيَةِ لَوْلا سُكْرُ الشَّهْوَةِ؟

وَمِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى العَبْدِ: أنْ يَرْفَعَ لَهُ بَيْنَ العالَمِينَ ذِكْرَهُ، ويُعْلِي قَدْرَهُ، ولِهَذا خَصَّ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ مِن ذَلِكَ بِما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ - إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾ [ص: ٤٥:-٤٦].

أيْ: خَصَصْناهم بِخِصِّيصَةٍ، وهو الذِّكْرُ الجَمِيلُ الَّذِي يُذْكَرُونَ بِهِ في هَذِهِ الدّارِ، وهو لِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي سَألَهُ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].

وَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ وعَنْ بَنِيهِ: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠].

وَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤].

فَأتْباعُ الرُّسُلِ لَهم نَصِيبٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مِيراثِهِمْ مِن طاعَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ، وكُلُّ مَن خالَفَهم فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ مُخالَفَتِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ.

22:19Страница 334

۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩

Вот две тяжущиеся группы, которые препирались по поводу своего Господа. Для тех, которые не уверовали, выкроят одеяния из Огня, а на головы им будут лить кипяток.

К этому аяту нет толкования

22:20Страница 334

يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠

От него будут плавиться их внутренности и кожа.

К этому аяту нет толкования

22:21Страница 334

وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١

Для них уготованы железные палицы.

К этому аяту нет толкования

22:22Страница 334

كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢

Каждый раз, когда они захотят выбраться оттуда и избавиться от печали, их вернут обратно. Вкусите мучения от обжигающего Огня!

К этому аяту нет толкования

22:23Страница 334

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ ٢٣

А тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, Аллах введет в Райские сады, в которых текут реки. Там они будут украшены золотыми браслетами и жемчугом, а их одеяния будут из шелка.

قوله تعالى: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾

وهاهنا مسألة وهذا موضع ذكرها وهي أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن لباس أهل الجنة حرير وصح عن النبي ﷺ أنه قال:

"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة "

متفق على صحته من حديث عمر بن الخطاب وأنس بن مالك.

وقد اختلف في المراد بهذا الحديث فقالت طائفة من السلف والخلف: إنه لا يلبس الحرير في الجنة ويلبس غيره من الملابس.

قالوا وأما قوله تعالى: ﴿وَلِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ فمن العام المخصوص.

وقال الجمهور وهذا من الوعيد الذي له حكم أمثاله من نصوص الوعيد التي تدل على أن الفعل مقتض لهذا الحكم، وقد يتخلف عنه لمانع.

وقد دل النص والإجماع على أن التوبة مانعة من لحوق الوعيد ويمنع من لحوقه أيضا الحسنات الماحية والمصائب المكفرة ودعاء المسلمين وشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة فيه وشفاعة أرحم الراحمين إلى نفسه فهذا الحديث نظير الحديث الآخر من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة وقال تعالى: ﴿وَجَزاهم بِما صبروا جنة وحريرا﴾ وقال: ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَق﴾.

(فائدة)

واختلفوا في جر ﴿لؤلؤ﴾ ونصبه فمن نصبه ففيه وجهان:

أحدهما: أنه عطف على موضع قوله: ﴿مِن أساوِرَ﴾

والثاني: أنه منصوب بفعل محذوف دل عليه الأول أي: ويحلون لؤلؤا ومن جره فهو عطف على الذهب ثم يحتمل أمرين:

أحدهما: أن يكون لهم أساور من ذهب وأساور من لؤلؤ ويحتمل أن تكون الأساور مركبة من الأمرين معا الذهب المرصع باللؤلؤ والله أعلم بما أراد.

قال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن رزق حدثنا زيد بن الحباب قال حدثني عتبة بن سعد قاضي الري عن جعفر بن أبي المغيرة عن شمر بن عطية عن كعب قال:

"إن لله عز وجل ملكا منذ يوم خلق يصوغ حلي أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة لو أن قلبا من حلي أهل الجنة أخرج لذهب بضوء شعاع الشمس فلا تسألوا بعد هذا عن حلي أهل الجنة"

حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبري حدثنا أبي عن أشعث عن الحسن قال:

"الحلي في الجنة على الرجال أحسن منه على النساء"

22:24Страница 335

وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ ٢٤

Их научили благим словам и наставили на путь Достохвального.

К этому аяту нет толкования

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English