Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Хаджж 22:32–39
22:32–33Страница 336
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
Вот так! И если кто почитает обрядовые знамения Аллаха, то это исходит от богобоязненности в сердцах.
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
Они (жертвенные животные) приносят вам пользу до определенного времени, а место их заклания - у древнего Дома (Каабы).
(فصل)
قالَ أبُو الدَّرْداء رَضِي الله عَنهُ يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كَيفَ يغبنون بِهِ قيام الحمقى وصومهم والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمْثال الجبال عبادَة من المغترّين وهَذا من جَواهِر الكَلام وأدله على كَمال فقه الصَّحابَة وتقدمهم على من بعدهمْ في كل خير رَضِي الله عَنْهُم
فاعْلَم أن العَبْد إنَّما يقطع منازِل السّير إلى الله بِقَلْبِه وهمته ولا بِبدنِهِ والتَّقوى في الحَقِيقَة تقوى القُلُوب لا تقوى الجَوارِح قالَ تَعالى ذَلِكَ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوب﴾
وَقالَ ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُم﴾
وَقالَ النَّبِي ﷺ "التَّقْوى هاهُنا وأشارَ إلى صَدره"
فالكيّس يقطع من المسافَة بِصِحَّة العَزِيمَة وعلو الهمة وتَجْرِيد القَصْد وصِحَّة النِّيَّة مَعَ العَمَل القَلِيل أضْعاف أضْعاف ما يقطعهُ الفارغ من ذَلِك مَعَ التَّعَب الكثير والسّفر الشاق فَإن العَزِيمَة والمحبة تذْهب المَشَقَّة وتطيب السّير والتقدم والسبق إلى الله سُبْحانَهُ إنَّما هو بالهمم وصدق الرَّغْبَة والعزيمة فيتقدم صاحب الهمة مَعَ سكونه صاحب العَمَل الكثير بمراحل فَإن ساواه في همته تقدم عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ وهَذا مَوضِع يحْتاج إلى تَفْصِيل يُوافق فِيهِ الإسْلام والإحْسان
فأكمل الهَدْي هدي رَسُول الله وكانَ موفيا كل واحِد مِنهُما حَقه فَكانَ مَعَ كَماله وإرادته وأحواله مَعَ الله يقوم حَتّى تَرِم قدماه ويصوم حَتّى يُقال لا يفْطر ويجاهد في سَبِيل الله ويخالط أصْحاب ولا يحتجب عَنْهُم ولا يتْرك شَيْئا من النَّوافِل والأوراد لتلك الواردات الَّتِي تعجز عَن حملها قوى البشر والله تَعالى أمر عباده أن يقومُوا بشرائع الإسْلام على ظواهرهم وحقائق الإيمان على بواطنهم ولا يقبل واحِدًا مِنهُما إلّا بِصاحِبِهِ وقرينه.
وَفِي المسند مَرْفُوعا الإسْلام عَلانيَة والإيمان في القلب فَكل إسْلام ظاهر لا ينفذ صاحبه مِنهُ إلى حَقِيقَة الإيمان الباطِنَة فَلَيْسَ بِنافِع حَتّى يكون مَعَه شَيْء من الإيمان الباطِن وكل حَقِيقَة باطنة لا يقوم صاحبها بشرائع الإسْلام الظّاهِرَة لا تَنْفَع ولَو كانَت ما كانَت فَلَو تمزق القلب بالمحبة والخَوْف ولم يتعبد بِالأمر وظاهر الشَّرْع لم ينجّه ذَلِك من النّار كَما أنه لَو قامَ بظواهر الإسْلام ولَيْسَ في باطِنه حَقِيقَة الإيمان لم ينجّه من النّار.
وَإذا عرف هَذا فالصادقون السائرون إلى الله والدّار الآخِرَة قِسْمانِ قسم صرفُوا ما فضل من أوقاتهم بعد الفَرائِض إلى النَّوافِل البَدَنِيَّة وجعلوها دأبهم من غير حرص مِنهُم على تَحْقِيق أعمال القُلُوب ومنازلها وأحكامها وإن لم يَكُونُوا خالين من أصْلها ولَكِن هممهم مصروفة إلى الاستكثار من الأعْمال وقسم صرفُوا ما فضل من الفَرائِض والسّنَن إلى الاهتمام بصلاح قُلُوبهم وعكوفها على الله وحده والجمعية عَلَيْهِ وحفظ الخواطر والإرادات مَعَه وجعلوه قُوَّة تعبده بأعمال القُلُوب من تَصْحِيح المحبَّة والخَوْف والخَوْف والرجاء والتوكل والإنابة ورَأوا أن أيسر نصيب من الواردات الَّتِي ترد على قُلُوبهم من الله أحب إلَيْهِم من كثير من التطوعات البَدَنِيَّة فَإذا حصل لأحَدهم جمعية ووارد أنس أو حب أو اشتياق أو انكسار وذل لم يسْتَبْدل بِهِ شَيْئا سواهُ ألْبَتَّةَ إلّا أن يَجِيء الأمر فيبادر إلَيْهِ بذلك الوارِد إن أمكنه وإلّا بادر إلى الأمر ولَو ذهب الوارِد فَإذا جاءَت النَّوافِل فهاهنا معترك التَّرَدُّد فَإن أمكن القيام إلَيْها بِهِ فَذاك فَذَلِك بِهِ وإلّا نظر في الأرْجَح والأحب إلى الله هَل هو القيام إلى تِلْكَ النّافِلَة ولَو ذهب وارده كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إيمان ونَحْو ذَلِك فهاهنا يَنْبَغِي تَقْدِيم النّافِلَة الراجحة ومَتى قدمهما لله رَغْبَة فِيهِ وتقرّبا إلَيْهِ فَإنَّهُ يرد عَلَيْهِ ما فاتَ من وارده أقوى مِمّا كانَ في وقت آخر وإن كانَ الوارِد أرجح من النّافِلَة فالحزم لَهُ الِاسْتِمْرار في وارده حَتّى يتَوارى عَنهُ فَإنَّهُ يفوت والنافلة لا تفوت وهَذا مَوضِع يحْتاج إلى فضل فقه في الطَّرِيق ومراتب الأعْمال وتَقْدِيم الأهم مِنها فالأهم. والله المُوفق لذَلِك لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ.
22:34–35Страница 336
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
Для каждой общины Мы установили места жертвоприношений (или религиозные обряды), чтобы они поминали имя Аллаха над скотиной, которой Он наделил их. Ваш Бог - Бог Единственный. Будьте же покорны Ему. А ты сообщи благую весть смиренным,
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
сердца которых при упоминании имени Аллаха переполняются страхом, которые терпеливы к тому, что их постигает, совершают намаз и расходуют из того, чем Мы их наделили.
القلب المخبت هو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به.
قال الكلبي: "فتخبت له قلوبهم فترق للقرآن قلوبهم"
وقد بين سبحانه حقيقة الإخبات ووصف المخبتين في قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
فذكر للمخبتين أربع علامات وجل قلوبهم عند ذكره والوجل خوف مقرون بهيبة ومحبة وصبرهم على أقداره وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرا وباطنا وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم وهذا إنما يتأتى للقلب المخبت قال ابن عباس: "المخبتين المتواضعين"
وقال مجاهد: "المطمئنين إلى الله"
وقال الأخفش: "الخاشعين"
وقال ابن جرير: "الخاضعين" قال الزجاج: "اشتقاقه من الخبت وهو المنخفض من الأرض وكل مخبت متواضع فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله".
فإن قيل كان معناه التواضع والخشوع فكيف عدي بـ إلى في قوله: ﴿وَأخْبَتُوا إلى رَبِّهِم﴾؟
قيل ضمن معنى أنابوا واطمأنوا وتابوا وهذه عبارات السلف في هذا الموضع والمقصود أن القلب المخبت ضد القاسي والمريض وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه وبعضها قاسيا وجعل للقسوة آثارا وللإخبات آثارا فمن آثاره القسوة تحريف الكلم عن مواضعه وذلك من سوء الفهم وسوء القصد وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب ومنها نسيان ما ذكر به وهو ترك ما أمر به علما وعملا ومن آثار الإخبات وجل القلوب لذكره سبحانه والصبر على أقداره والإخلاص في عبوديته والإحسان إلى خلقه.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الإخْباتِ]
وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الإخْباتِ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤] ثُمَّ كَشَفَ عَنْ مَعْناهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصّابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَّلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: ٣٥] وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣].
و" الخَبْتُ " في أصْلِ اللُّغَةِ: المَكانُ المُنْخَفِضُ مِنَ الأرْضِ.
وَبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وقَتادَةُ لَفَظَ المُخْبِتَيْنِ وقالا: هُمُ المُتَواضِعُونَ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: المُخْبِتُ: المُطْمَئِنُّ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قالَ: والخَبْتُ: المَكانُ المُطَمْئِنُّ مِنَ الأرْضِ.
وَقالَ الأخْفَشُ: الخاشِعُونَ.
وَقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: المُصَلُّونَ المُخْلِصُونَ. وقالَ الكَلْبِيُّ: هُمُ الرَّقِيقَةُ قُلُوبُهم. وقالَ عَمْرُو بْنُ أوْسٍ: هُمُ الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ، وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.
وَهَذِهِ الأقْوالُ تَدُورُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: التَّواضُعِ، والسُّكُونِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ عُدِّي بِ " إلى " تَضْمِينًا لِمَعْنى الطُّمَأْنِينَةِ، والإنابَةِ والسُّكُونِ إلى اللَّهِ.
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
" هو مِن أوَّلِ مَقاماتِ الطُّمَأْنِينَةِ ".
كالسَّكِينَةِ، واليَقِينِ، والثِّقَةِ بِاللَّهِ ونَحْوِها. فالإخْباتُ مُقَدِّمَتُها ومَبْدَؤُها.
قالَ: وهو وُرُودُ المَأْمَنِ مِنَ الرُّجُوعِ والتَّرَدُّدِ.
لَمّا كانَ الإخْباتُ أوَّلَ مَقامٍ يَتَخَلَّصُ فِيهِ السّالِكُ مِنَ التَّرَدُّدِ - الَّذِي هو نَوْعُ غَفْلَةٍ وإعْراضٍ - والسّالِكُ مُسافِرٌ إلى رَبِّهِ، سائِرٌ إلَيْهِ عَلى مَدى أنْفاسِهِ. لا يَنْتَهِي مَسِيرُهُ إلَيْهِ ما دامَ نَفَسُهُ يَصْحَبُهُ - شَبَّهَ حُصُولَ الإخْباتِ لَهُ بِالماءِ العَذْبِ الَّذِي يَرُدُّهُ المُسافِرُ عَلى ظَمَأٍ وحاجَةٍ في أوَّلِ مَناهِلِهِ. فَيَرْوِيهِ مَوْرِدَهُ، ويُزِيلُ عَنْهُ خَواطِرَ تَرَدُّدَهُ في إتْمامِ سَفَرِهِ، أوْ رُجُوعِهِ إلى وطَنِهِ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ. فَإذا ورَدَ ذَلِكَ الماءَ زالَ عَنْهُ التَّرَدُّدُ وخاطِرُ الرُّجُوعِ.
كَذَلِكَ السّالِكُ إذا ورَدَ مَوْرِدَ الإخْباتِ تَخَلَّصَ مِنَ التَّرَدُّدِ والرُّجُوعِ، ونَزَلَ أوَّلَ مَنازِلِ الطُّمَأْنِينَةِ بِسِفْرِهِ، وجَدَّ في السَّيْرِ.
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ تَسْتَغْرِقَ العِصْمَةُ الشَّهْوَةَ وتَسْتَدْرِكَ الإرادَةُ الغَفْلَةَ. ويَسْتَهْوِي الطَّلَبُ السَّلْوَةَ.
المُرِيدُ السّالِكُ: تَعْرِضُ لَهُ غَفْلَةٌ عَنْ مُرادِهِ، تُضْعِفُ إرادَتَهُ. وشَهْوَةٌ تَعارُضُ إرادَتَهُ فَتَصُدُّهُ عَنْ مُرادِهِ. ورُجُوعٌ عَنْ مُرادِهِ، وسَلْوَةٌ عَنْهُ.
فَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مِنَ الإخْباتِ تَحْمِيهِ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. فَتَسْتَغْرِقُ عِصْمَتُهُ شَهْوَتَهُ.
والعِصْمَةُ هي الحِمايَةُ والحِفْظُ. والشَّهْوَةُ المَيْلُ إلى مَطالِبِ النَّفْسِ. والِاسْتِغْراقُ لِلشَّيْءِ الِاحْتِواءُ عَلَيْهِ والإحاطَةُ بِهِ.
يَقُولُ: تَغْلِبُ عِصْمَتُهُ شَهْوَتَهُ وتَقْهَرُها، وتَسْتَوْفِي جَمِيعَ أجْزائِها. فَإذا اسْتَوْفَتِ العِصْمَةُ جَمِيعَ أجْزاءِ الشَّهْوَةِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى إخْباتِهِ ودُخُولِهِ في مَقامِ الطُّمَأْنِينَةِ، ونُزُولِهِ أوَّلَ مَنازِلِها، وخَلاصِهِ في هَذا المَنزِلِ مِن تَرَدُّدِ الخَواطِرِ بَيْنَ الإقْبالِ والإدْبارِ، والرُّجُوعِ والعَزْمِ، إلى الِاسْتِقامَةِ والعَزْمِ الجازِمِ، والجِدِّ في السَّيْرِ. وذَلِكَ عَلامَةُ السَّكِينَةِ.
وَتَسْتَدْرِكُ إرادَتُهُ غَفْلَتَهُ. والإرادَةُ عِنْدَ القَوْمِ هي اسْمٌ لِأوَّلِ مَنازِلِ القاصِدِينَ إلى اللَّهِ. والمُرِيدُ هو الَّذِي خَرَجَ مِن وطَنِ طَبْعِهِ ونَفْسِهِ. وأخَذَ في السَّفَرِ إلى اللَّهِ، والدّارِ الآخِرَةِ، فَإذا نَزَلَ في مَنزِلِ الإخْباتِ أحاطَتْ إرادَتُهُ بِغَفْلَتِهِ. فاسْتَدْرَكَها، واسْتَدْرَكَ بِها فارِطَها.
وَأمّا اسْتِهْواءُ طَلَبِهِ لِسَلْوَتِهِ فَهو قَهْرُ مَحَبَّتِهِ لِسَلْوَتِهِ، وغَلَبَتُها لَهُ. بِحَيْثُ تَهْوِي السَّلْوَةُ وتَسْقُطُ، كالَّذِي يَهْوِي في بِئْرٍ. وهَذا عَلامَةُ المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ أنْ تَقْهَرَ فِيهِ وارِدَ السَّلْوَةِ، وتَدْفِنَها في هُوَّةٍ لا تَحْيا بَعْدَها أبَدًا.
فالحاصِلُ: أنَّ عِصْمَتَهُ وحِمايَتَهُ تَقْهَرُ شَهْوَتَهُ. وإرادَتُهُ تَقْهَرُ غَفْلَتَهُ. ومَحَبَّتُهُ تَقْهَرُ سَلْوَتَهُ.
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: أنْ لا يَنْقَضُّ إرادَتَهُ سَبَبٌ. ولا يُوحِشُ قَلْبَهُ عارِضٌ. ولا يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فِتْنَةٌ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورٍ أُخْرى. تَعْرِضُ لِصادِقِ الإرادَةِ: سَبَبٌ يَعْرِضُ لَهُ يَنْقُضُ عَزْمَهُ وإرادَتَهُ. ووَحْشَةٌ تَعْرِضُ لَهُ في طَرِيقِ طَلَبِهِ، ولا سِيَّما عِنْدَ تَفَرُّدِهِ. وفِتْنَةٌ تَخْرُجُ عَلَيْهِ، تَقْصِدُ قَطْعَ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ.
فَإذا تَمَكَّنَ مِن مَنزِلِ الإخْباتِ انْدَفَعَتْ عَنْهُ هَذِهِ الآفاتُ؛ لِأنَّ إرادَتَهُ إذا قَوِيَتْ، وجَدَّ بِهِ المَسِيرُ لَمْ يَنْقُضْها سَبَبٌ مِن أسْبابِ التَّخَلُّفِ.
والنَّقْضُ هو الرُّجُوعُ عَنْ إرادَتِهِ، والعُدُولُ عَنْ جِهَةِ سَفَرِهِ.
وَلا يُوحِشُ أُنْسَهُ بِاللَّهِ في طَرِيقِهِ عارِضٌ مِنَ العَوارِضِ الشَّواغِلِ لِلْقَلْبِ، والجَواذِبِ لَهُ عَمَّنْ هو مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ.
والعارِضُ هو المُخالِفُ. كالشَّيْءِ الَّذِي يَعْتَرِضُكَ في طَرِيقِكَ. فَيَجِيءُ في عَرْضِها. ومِن أقْوى هَذِهِ العَوارِضِ عارِضُ وحْشَةِ التَّفَرُّدِ. فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، كَما قالَ بَعْضُ الصّادِقِينَ: انْفِرادُكَ في طَرِيقِ طَلَبِكَ دَلِيلٌ عَلى صِدْقِ الطَّلَبِ. وقالَ آخَرُ: لا تَسْتَوْحِشْ في طَرِيقِكَ مِن قِلَّةِ السّالِكِينَ. ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الهالِكِينَ.
وَأمّا الفِتْنَةُ الَّتِي تَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ فَهي الوارِداتُ الَّتِي تَرِدُ عَلى القُلُوبِ، تَمْنَعُها مِن مُطالَعَةِ الحَقِّ وقَصْدِهِ. فَإذا تَمَكَّنَ مِن مَنزِلِ الإخْباتِ وصِحَّةِ الإرادَةِ والطَّلَبِ لَمْ يَطْمَعْ فِيهِ عارِضُ الفِتْنَةِ.
وَهَذِهِ العَزائِمُ لا تَصِحُّ إلّا لِمَن أشْرَقَ عَلى قَلْبِهِ أنْوارُ آثارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وتَجَلَّتْ عَلَيْهِ مَعانِيها. وكافَحَ قَلْبَهُ حَقِيقَةُ اليَقِينِ بِها.
وَقَدْ قِيلَ: مَن أخَذَ العِلْمَ مِن عَيْنِ العِلْمِ ثَبَتَ. ومَن أخَذَهُ مِن جَرَيانِهِ أخَذَتْهُ أمْواجُ الشُّبَهِ. ومالَتْ بِهِ العِباراتُ، واخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ الأقْوالُ.
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ المَدْحُ والذَّمُّ، وتَدُومَ لائِمَتُهُ لِنَفْسِهِ. ويَعْمى عَنْ نُقْصانِ الخَلْقِ عَنْ دَرَجَتِهِ.
اعْلَمْ أنَّهُ مَتى اسْتَقَرَّتْ قَدَمُ العَبْدِ في مَنزِلَةِ الإخْباتِ وتَمَكَّنَ فِيها ارْتَفَعَتْ هِمَّتُهُ، وعَلَتْ نَفْسُهُ عَنْ خَطْفاتِ المَدْحِ والذَّمِّ. فَلا يَفْرَحُ بِمَدْحِ النّاسِ. ولا يَحْزَنُ لِذَمِّهِمْ. هَذا وصْفُ مَن خَرَجَ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ، وتَأهَّلَ لِلْفَناءِ في عُبُودِيَّةِ رَبِّهِ. وصارَ قَلْبُهُ مُطَّرِحًا لِأشِعَّةِ أنْوارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ. وباشَرَ حَلاوَةَ الإيمانِ واليَقِينِ قَلْبُهُ.
والوُقُوفُ عِنْدَ مَدْحِ النّاسِ وذَمِّهِمْ عَلامَةُ انْقِطاعِ القَلْبِ، وخُلُوِّهِ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لَمْ تُباشِرْهُ رُوحُ مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، ولَمْ يَذُقْ حَلاوَةَ التَّعَلُّقِ بِهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: وأنْ تَدُومَ لائِمَتُهُ لِنَفْسِهِ فَهو أنَّ صاحِبُ هَذا المَنزِلِ لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ، وهو مُبْغِضٌ لَها مُتَمَنٍّ لِمُفارَقَتِها.
والمُرادُ بِالنَّفْسِ، عِنْدَ القَوْمِ: ما كانَ مَعْلُومًا مِن أوْصافِ العَبْدِ، مَذْمُومًا مِن أخْلاقِهِ وأفْعالِهِ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ كَسْبِيًّا، أوْ خَلْقِيًّا. فَهو شَدِيدُ اللّائِمَةِ لَها. وهَذا أحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ: تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ. ولا تَصْبِرُ عَلى السَّرّاءِ. ولا عَلى الضَّرّاءِ.
وَقالَ قَتادَةُ: اللَّوّامَةُ هي الفاجِرَةُ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: تَنْدَمُ عَلى ما فاتَ، وتَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ؟ ولَوْ لَمْ أفْعَلْ؟
وَقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا وهي تَلُومُ نَفْسَها إنْ كانَتْ عَمِلَتْ خَيْرًا قالَتْ: هَلّا زِدْتُ؟ وإنْ عَمِلَتْ شَرًّا قالَتْ: لَيْتَنِي لَمْ أفْعَلْ.
وَقالَ الحَسَنُ: هي النَّفْسُ المُؤْمِنَةُ. إنَّ المُؤْمِنَ - واللَّهِ - ما تَراهُ إلّا يَلُومُ نَفْسَهُ: ما أرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِأكْلَةِ كَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ ما أرَدْتِ بِكَذا؟ وإنَّ الفاجِرَ يَمْضِي قُدُمًا قُدُمًا، ولا يُحاسِبُ نَفْسَهُ ولا يُعاتِبُها.
وَقالَ مُقاتِلٌ: هي النَّفْسُ الكافِرَةُ، تَلُومُ نَفْسَها في الآخِرَةِ عَلى ما فَرَّطَتْ في أمْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا.
والقَصْدُ: أنَّ مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِصِدْقٍ كَرِهَ بَقاءَهُ مَعَها؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتَقَبَّلَها مَن بُذِلَتْ لَهُ. ولِأنَّهُ قَدْ قَرَّبَها لَهُ قُرْبانًا. ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنهُ لَيْسَ كَمَن رُدَّ عَلَيْهِ قُرْبانُهُ. فَبَقاءُ نَفْسِهِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ.
وَأيْضًا فَإنَّهُ مِن قَواعِدِ القَوْمِ المُجْمَعِ عَلَيْها بَيْنَهُمْ، الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ومُحِقِّهِمْ ومُبْطِلِهِمْ عَلَيْها أنَّ النَّفْسَ حِجابٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ حَتّى يَقْطَعَ هَذا الحِجابَ. كَما قالَ أبُو يَزِيدٍ: رَأيْتُ رَبَّ العِزَّةِ في المَنامِ. فَقُلْتُ: يا رَبِّ، كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَيْكَ؟ فَقالَ: خَلِّ نَفْسَكَ وتَعالَ.
فالنَّفْسُ جَبَلٌ عَظِيمٌ شاقٌّ في طَرِيقِ السَّيْرِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وكُلُّ سائِرٍ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا عَلى ذَلِكَ الجَبَلِ. فَلابُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ، ولَكِنَّ مِنهم مَن هو شاقٌّ عَلَيْهِ ومِنهم مَن هو سَهْلٌ عَلَيْهِ. وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَفِي ذَلِكَ الجَبَلِ أوْدِيَةٌ وشُعُوبٌ، وعَقَباتٌ ووُهُودٌ، وشَوْكٌ وعَوْسَجٌ، وعَلِيقٌ وشَبْرَقٌ، ولُصُوصٌ يَقْتَطِعُونَ الطَّرِيقَ عَلى السّائِرِينَ. ولا سِيَّما أهْلَ اللَّيْلِ المُدْلِجِينَ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهم عُدَدُ الإيمانِ، ومَصابِيحُ اليَقِينِ تَتَّقِدُ بِزَيْتِ الإخْباتِ، وإلّا تَعَلَّقَتْ بِهِمْ تِلْكَ المَوانِعُ. وتَشَبَّثَتْ بِهِمْ تِلْكَ القَواطِعُ وحالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّيْرِ.
فَإنَّ أكْثَرَ السّائِرِينَ فِيهِ رَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ لَمّا عَجَزُوا عَنْ قَطْعِهِ واقْتِحامِ عَقَباتِهِ. والشَّيْطانُ عَلى قُلَّةِ ذَلِكَ الجَبَلِ يُحَذِّرُ النّاسَ مِن صُعُودِهِ وارْتِفاعِهِ، ويُخَوِّفُهم مِنهُ. فَيَتَّفِقُ مَشَقَّةُ الصُّعُودِ وقُعُودُ ذَلِكَ المُخَوِّفِ عَلى قُلَّتِهِ، وضَعْفُ عَزِيمَةِ السّائِرِ ونِيَّتِهِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ الِانْقِطاعُ والرُّجُوعُ. والمَعْصُومُ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ.
وَكُلَّما رَقى السّائِرُ في ذَلِكَ الجَبَلِ اشْتَدَّ بِهِ صِياحُ القاطِعِ، وتَحْذِيرُهُ وتَخْوِيفُهُ، فَإذا قَطَعَهُ وبَلَغَ قُلَّتَهُ: انْقَلَبَتْ تِلْكَ المَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أمانًا. وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ السَّيْرُ، وتَزُولُ عَنْهُ عَوارِضُ الطَّرِيقِ، ومَشَقَّةُ عَقَباتِها، ويَرى طَرِيقًا واسِعًا آمِنًا. يُفْضِي بِهِ إلى المَنازِلِ والمَناهِلِ. وعَلَيْهِ الأعْلامُ. وفِيهِ الإقاماتُ، قَدْ أُعِدَّتْ لِرَكْبِ الرَّحْمَنِ.
فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ السَّعادَةِ والفَلاحِ قُوَّةُ عَزِيمَةٍ، وصَبْرُ ساعَةٍ، وشَجاعَةُ نَفْسٍ، وثَباتُ قَلْبٍ.
والفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ: ويَعْمى عَنْ نُقْصانِ الخَلْقِ عَنْ دَرَجَتِهِ.
يَعْنِي أنَّهُ - وإنْ كانَ أعْلى مِمَّنْ هو دُونَهُ مِنَ النّاقِصِينَ عَنْ دَرَجَتِهِ - إلّا أنَّهُ لِاشْتِغالِهِ بِاللَّهِ وامْتِلاءِ قَلْبِهِ مِن مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ، والإقْبالِ عَلَيْهِ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ مُلاحَظَةِ حالِ غَيْرِهِ، وعَنْ شُهُودِ النِّسْبَةِ بَيْنَ حالِهِ وأحْوالِ النّاسِ.
وَيَرى اشْتِغالَهُ بِذَلِكَ والتِفاتَهُ إلَيْهِ نُزُولًا عَنْ مَقامِهِ، وانْحِطاطًا عَنْ دَرَجَتِهِ، ورُجُوعًا عَلى عَقِبَيْهِ.
فَإنْ هَجَمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ - بِغَيْرِ اسْتِدْعاءٍ واخْتِيارٍ - فَلْيُداوِهِ بِشُهُودِ المِنَّةِ، وخَوْفِ المَكْرِ، وعَدَمِ عِلْمِهِ بِالعاقِبَةِ الَّتِي يُوافى عَلَيْها.
واللَّهُ المُسْتَعانُ.
22:36Страница 336
وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦
Жертвенных верблюдов Мы сделали для вас обрядовыми знамениями Аллаха. Они приносят вам пользу. Произносите же над ними имя Аллаха, когда они стоят рядами. Когда же они падут на свои бока, то ешьте от них и кормите тех, кто довольствуется малым, и тех, кто просит от нищеты. Так Мы подчинили их (верблюдов) вам, - быть может, вы будете благодарны.
К этому аяту нет толкования
22:37Страница 336
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧
Ни мясо, ни кровь их не доходят до Аллаха. До Него доходит лишь ваша богобоязненность. Так Он подчинил их вам, чтобы вы возвеличивали Аллаха за то, что Он наставил вас на прямой путь. Обрадуй же благой вестью творящих добро.
К этому аяту нет толкования
22:38Страница 336
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨
Воистину, Аллах оберегает тех, кто уверовал. Воистину, Аллах не любит всяких неблагодарных изменников.
قال سبحانه وتعالى ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾ وفي القراءة الأخرى ﴿إن الله يدفع﴾
فدفعه ودفاعه عنهم بحسب قوة إيمانهم وكماله.
ومادة الإيمان وقوته بذكر الله تعالى، فمن كان أكمل إيمانًا وأكثر ذكرًا كان دفع الله تعالى عنه ودفاعه أعظم، ومن نقص نقص، ذكرًا بذكر ونسيانًا بنسيان.
وقال في (طريق الهجرتين):
فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان وضعفه، فإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغني على الأمر الموهوب، وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة، ومدار ذلك كله على الاستقامة باطنا وظاهرا، ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢]، وقال سبحانه: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [الأحقاف: ١٣].
22:39Страница 337
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩
Дозволено тем, против кого сражаются, сражаться, потому что с ними поступили несправедливо. Воистину, Аллах способен помочь им.
[فَصْلٌ: في الإذْنُ بِالقِتالِ]
فَلَمّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وأيَّدَهُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الأنْصارِ، وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ العَداوَةِ والإحَنِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَتْهُ أنْصارُ اللَّهِ وكَتِيبَةُ الإسْلامِ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، وبَذَلُوا نُفُوسَهم دُونَهُ، وقَدَّمُوا مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّةِ الآباءِ والأبْناءِ والأزْواجِ، وكانَ أوْلى بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، رَمَتْهُمُ العَرَبُ واليَهُودُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وشَمَّرُوا لَهم عَنْ ساقِ العَداوَةِ والمُحارَبَةِ، وصاحُوا بِهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ يَأْمُرُهم بِالصَّبْرِ والعَفْوِ والصَّفْحِ حَتّى قَوِيَتِ الشَّوْكَةُ، واشْتَدَّ الجَناحُ، فَأُذِنَ لَهم حِينَئِذٍ في القِتالِ، ولَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩].
وَقَدْ قالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذا الإذْنَ كانَ بِمَكَّةَ، والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، وهَذا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْذَنْ بِمَكَّةَ لَهم في القِتالِ، ولا كانَ لَهم شَوْكَةٌ يَتَمَكَّنُونَ بِها مِنَ القِتالِ بِمَكَّةَ.
الثّانِي: أنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإذْنَ بَعْدَ الهِجْرَةِ وإخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ فَإنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] وهَؤُلاءِ هُمُ المُهاجِرُونَ.
الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] نَزَلَتْ في الَّذِينَ تَبارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ قَدْ خاطَبَهم في آخِرِها بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٧٧]
والخِطابُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَدَنِيٌّ، فَأمّا الخِطابُ ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فَمُشْتَرَكٌ.
الخامِسُ: أنَّهُ أمَرَ فِيها بِالجِهادِ الَّذِي يَعُمُّ الجِهادَ بِاليَدِ وغَيْرِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ الأمْرَ بِالجِهادِ المُطْلَقِ إنَّما كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، فَأمّا جِهادُ الحُجَّةِ فَأمَرَ بِهِ في مَكَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ﴾ [الفرقان: ٥٢] أيْ: بِالقُرْآنِ ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾
فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، والجِهادُ فِيها هو التَّبْلِيغُ، وجِهادُ الحُجَّةِ، وأمّا الجِهادُ المَأْمُورُ بِهِ في سُورَةِ الحَجِّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجِهادُ بِالسَّيْفِ.
السّادِسُ: أنَّ الحاكم رَوى في " مُسْتَدْرَكِهِ " مِن حَدِيثِ الأعْمَشِ عَنْ مسلم البطين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ قالَ أبو بكر: أخْرَجُوا نَبِيَّهُمْ، إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، لَيَهْلِكُنَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]
وَهِيَ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ.
وَإسْنادُهُ عَلى شَرْطِ " الصَّحِيحَيْنِ " وسِياقُ السُّورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِيها المَكِّيَّ والمَدَنِيَّ، فَإنَّ قِصَّةَ إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيِّةِ الرَّسُولِ مَكِّيَّةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل: في أقسام الجِهاد)
فَإذا كانَت المُسابقَة شرعت ليتعلم المُؤمن القِتال ويتعوده ويتمرن عَلَيْهِ فَمن المَعْلُوم أن المُجاهِد قد يقْصد دفع العَدو إذا كانَ المُجاهِد مَطْلُوبا والعدو طالبا وقد يقْصد الظفر بالعدو ابْتِداء إذا كانَ طالبا والعدو مَطْلُوبا وقد يقْصد كلا الأمريْنِ والأقسام ثَلاثَة يُؤمر المُؤمن فِيها بِالجِهادِ.
وَجِهاد الدّفع أصعب من جِهاد الطّلب فَإن جِهاد الدّفع يشبه باب دفع الصّائِل ولِهَذا أُبِيح للمظلوم أن يدْفع عَن نَفسه
كَما قالَ الله تَعالى ﴿أذن للَّذين يُقاتلُون بِأنَّهُم ظلمُوا﴾.
وَقالَ النَّبِي ﷺ من قتل دون ماله فَهو شَهِيد ومن قتل دون دَمه فَهو شَهِيد لِأن دفع الصّائِل على الدّين جِهاد وقربة ودفع الصّائِل على المال والنَّفس مُباح ورخصة فَإن قتل فِيهِ فَهو شَهِيد.
فقتال الدّفع أوسع من قتال الطّلب وأعم وجوبا ولِهَذا يتَعَيَّن على كل أحد يقم ويجاهد فِيهِ العَبْد بِإذن سَيّده وبِدُون إذْنه والولد بِدُونِ إذن أبَوَيْهِ والغريم بِغَيْر إذن غَرِيمه وهَذا كجهاد المُسلمين يَوْم أحد والخَنْدَق.
وَلا يشْتَرط في هَذا النَّوْع من الجِهاد أن يكون العَدو ضعْفي المُسلمين فَما دون فَإنَّهُم كانُوا يَوْم أحد والخَنْدَق أضْعاف المُسلمين فَكانَ الجِهاد واجِبا عَلَيْهِم لِأنَّهُ حِينَئِذٍ جِهاد ضَرُورَة ودفع لا جِهاد اخْتِيار ولِهَذا تُباح فِيهِ صَلاة الخَوْف بِحَسب الحال في هَذا النَّوْع.
وَهل تُباح في جِهاد الطّلب إذا خافَ فَوت العَدو ولم يخف كرته؟
فِيهِ قَولانِ للْعُلَماء هما رِوايَتانِ عَن الإمام أحْمد.
وَمَعْلُوم أن الجِهاد الَّذِي يكون فِيهِ الإنْسان طالبا مَطْلُوبا أوجب من هَذا الجِهاد الَّذِي هو فِيهِ طالب لا مَطْلُوب والنفوس فِيهِ أرغب من الوَجْهَيْنِ.
وَأما جِهاد الطّلب الخالِص فَلا يرغب فِيهِ إلّا أحد رجلَيْنِ إمّا عَظِيم الإيمان يُقاتل لتَكون كلمة الله هي العليا ويكون الدّين كُله لله وإمّا راغِب في المغنم والسبي.
فجهاد الدّفع يَقْصِدهُ كل أحد ولا يرغب عَنهُ إلّا الجبان المذموم شرعا وعقلا وجِهاد الطّلب الخالِص لله يَقْصِدهُ سادات المُؤمنِينَ وأما الجِهاد الَّذِي يكون فِيهِ طالبا مَطْلُوبا فَهَذا يَقْصِدهُ خِيار النّاس لإعلاء كلمة الله ودينه ويقصده أوساطهم للدَّفْع ولمحبة الظفر.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии