Ибн аль-КаййимАль‑Муминун · 23:1–2

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Муминун 23:1–2, продолжение

ثمّ شرع له أن يكبّر ويَخِرَّ ساجدًا، ويُعطي في سجوده كل عضو من أعضائه حظه من العبودية، فيضع ناصيته بالأرض بين يدي ربه مسندةً، راغمًا له أنفه خاضعًا له قلبه، ويضع أشرفَ ما فيه وهو وجهه بالأرض ولاسيما على التراب، مُعفِّرًا له بين يدي سيده، راغمًا له أنفه، خاضغا له قلبه وجوارحه، متذللًا لعظمته، خاضعًا لعزته، مستكينًا بين يديه، أذلَّ شيء وأكسرَه لربه تعالى، مسبِّحًا له بعلوِّه في أعظم سفوله، قد صارت أعاليه ملويَّة لأسافله ذلًّا وخضوعًا وانكسارًا، وقد طابق قلبه حال جسمه، فسجد القلب كما سجد الوجه، وقد سجد معه أنفه ويداه وركبتاه ورجلاه، وشرع له أن يُقِلَّ فخذيه عن ساقيه، وبطنَه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، ليأخذ كل جزء منه حظَّه من الخضوع، ولا يحمل بعضه بعضًا، فأحْرِ به في هذه الحال أن يكون أقربَ إلى ربه منه في غيرها من الأحوال، كما قال النبي ﷺ: "أقربُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد". ولما كان سجود القلب خضوعه التام لربه أمكنه استدامة هذا السجود إلى يوم لقائه. كما قيل لبعض السلف: هل يسجد القلب؟ قال: إي والله! سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله.

ولما بنيت الصلاة على خمس: القراءة والقيام والركوع والسجود والذكر، سُمِّيت باسم كل واحد من هذه الخمس، فسميت قيامًا كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، وقوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقراءة كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وركوعًا كقوله تعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وسجودًا كقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]، وقوله: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وذكرًا كقوله: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩]. وأشرف أفعالها السجود، وأشرف أذكارها القراءة، وأول سورة أنزلت على النبي ﷺ افتتحت بالقراءة وختمت بالسجود، ووضعت الركعة على ذلك، أولها قراءة وآخرها سجود.

ثمّ شرع له أن يرفع رأسه ويعتدل جالسًا، ولما كان هذا الاعتدال محفوفًا بسجودين: سجود قبله وسجود بعده، فينتقل من السجود إليه ثمّ منه إلى السجود، كان له شأن.

فكان رسول الله ﷺ يُطيله بقدر السجود، ويتضرع فيه إلى ربه ويستغفره، ويسأله رحمته وهدايته ورزقه وعافيته، وله ذوق خاص وحال للقلب غير ذوق السجود وحاله، فالعبد في هذا القعود قد تمثَّل جاثيًا بين يدي ربه، مُلقيًا نفسه بين يديه، معتذرًا إليه مما جناه، راغبًا إليه أن يغفر له ويرحمه مستعديًا على نفسه الأمّارة بالسوء. وكان النبي ﷺ يكرر الاستغفار، في هذه القعدة، ويكثر رغبته إلى الله فيها.

فمثِّلْ نفسَك بمنزلة غريمِ عليه حق الله وأنت كفيل به، والغريم مماطلٌ مخادع، وأنت مطلوب بالكفالة، والغريم مطلوب بالحق، فأنت تستعدي عليه حتى تستخرج ما عليه من الحق لتتخلص من المطالبة. والقلب شريك النفس في الخير والشر والثواب والعقاب والحمد والذم، والنفس من شأنها الإباق والخروج من رِقّ العبودية، وتضييع حقوق الله التي قبلها، والقلب شريكها إن قوي سلطانها وأسيرها، وهي شريكه وأسيره إن قوي سلطانه.

فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله مستعديًا على نفسه، معتذرًا إلى ربه مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه ويغفر له ويهديه ويرزقه ويعافيه. وهذه الخمس هي جماع خير الدنيا والآخرة، فإنّ العبد محتاج بل مضطرٌّ إلى تحصيل مصالحه في الدنيا وفي الآخرة، ودفع المضارِّ عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمنها هذا الدعاء، فإنّ الرزق يَجلِبُ له مصالحَ دنياه، والعافية تدفع مضارَّها، والهداية تَجلِب له مصالحَ أخراه، والمغفرة تدفع عنه مضارَّها، والرحمة تجمع ذلك كله.

وشرع له أن يعود ساجدًا كما كان، ولا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد، لفضل السجود وشرفه وموقعه من الله، حتى إنّه أقرب ما يكون إلى عبده وهو ساجد، وهو أدخل في العبودية وأعرقُ فيها من غيره، ولهذا جُعِل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلُّه من الصلاة محل طواف الزيارة، وما قبله من التعريف وتوابعه مقدمات بين يديه، وكما أنّه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف. ولهذا قال بعض الصحابة لمن كلمه في طوافه بأمر من الدنيا: "أتقول هذا ونحن نتراءى لله في طوافنا؟ ". ولهذا والله أعلم جعل الركوع قبل السجود تدريجًا وانتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه.

وشرع له تكرير هذه الأفعال والأقوال، إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قِوامَ لهما إلّا بها، فكان تكريرها بمنزلة تكرير الأكل حتى يُشبع، والشرب حتى يُروِي، فلو تناول الجائع لقمة واحدة وأقلع عن الطعام، ماذا كانت تُغني عنه؟

ولهذا قال بعض السلف: "مثل الذي يصلي ولا يطمئن في صلاته كمثل الجائع، إذا قُدِّم إليه طعام فتناول منه لقمة أو لقمتين، ماذا تُغنِي عنه؟ ".

هذا، وفي إعادة كل قول أو فعل من العبودية والقرب، وتنزيل الثانية منزلة الشكر على الأولى، وحصول مزيدٍ منها ومعرفةٍ وإقبالٍ وقوة قلب وانشراح صدر وزوال دَرَنٍ ووسخٍ عن القلب، بمنزلة غسل الثوب مرة بعد مرة، فهذه حكمة الله التي بهرت العقول في خلقه وأمره، ودلَّت على كمال رحمته ولطفه.

فلما قضى صلاته وأكملها ولم يبقَ إلا الانصراف منها، شرع له الجلوس بين يدي ربه، مُثنيًا عليه بأفضل التحيات التي لا تصلح إلا له، ولا تليق بغيره.

ولما كان عادة الملوك أن يُحيَّوا بأنواع التحيات من الأفعال والأقوال المتضمنة للخضوع والثناء وطلب البقاء ودوام الملك، فمنهم من يُحيّى بالسجود، ومنهم من يُحيّى بالثناء عليه، ومنهم من يُحيّى بطلب البقاء والدوام له، ومنهم من يُجمع له ذلك كله، فكان الملك الحق سبحانه أولى بالتحيات كلها من جميع خلقه، وهي له بالحقيقة، ولهذا فُسِّرت التحيات بالملك، وفسرت بالبقاء والدوام، وحقيقتها ما ذكرته، وهي تحيات الملك، فالملك الحق المبين أولى بها.

فكل تحية يُحيّى بها ملِكٌ من سجود أو ثناء أو بقاء ودوام فهي لله - عز وجل -، ولهذا أتى بها مجموعةً معرَّفةً باللام أداة العموم، وهي جمع تحية، وهي تفعلة من الحياة، وأصلها تَحيِيَة بوزن تكرِمة، ثمّ أُدغِم أحد المثلين في الآخر فصارت تحيَّة، وإذا كان أصلها من الحياة فالمطلوب بها لمن يُحيّا بها دوام الحياة.

وكانوا يقولون لملوكهم: لك الحياة الباقية، ولك الحياة الدائمة، وبعضهم يقول: عشرة آلاف سنة، واشتقَّ منها: أدام الله أيامك، وأطال الله بقاءك، ونحو ذلك مما يراد به دوام الحياة والملك، وذلك لا ينبغي إلا للحي الذي لا يموت، وللملك الذي كل مُلكٍ زائل غير ملكه.

ثمّ عطف عليها "الصلوات" بلفظ الجمع والتعريف، ليشمَل كلَّ ما أطلق عليه لفظ الصلاة خصوصًا وعمومًا، فكلها لله، لا تنبغي إلا له، فالتحيات له ملكًا، والصلوات له عبوديةً واستحقاقًا، فالتحيات لا تكون إلا له، والصلوات لا تنبغي إلا له.

ثمّ عطف عليها "الطيبات" كذلك، وهذا يتناول أمرين: الوصف والملك.

فأما الوصف فإنّه سبحانه طيب، وكلامه طيب، وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب، فالطيبات له وصفًا وفعلًا وقولًا ونسبةً، وكل طيب مضاف إليه، وكل مضاف إليه طيب، فله الكلمات الطيبات والأفعال الطيبات، وكل مضاف إليه كبيته وعبده وروحه وناقته وجنته فهي طيبات.

وأيضًا فمعاني الكلمات الطيّبات لله وحده، فإن الكلمات الطيبات تتضمن تسبيحه وتحميده وتكبيره وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه، فهذه الكلمات الطيبات التي يُثنى عليه بها ومعانيها له وحده لا يَشرَكُه فيها غيره، كسبحانك اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ونحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ونحو سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

فكل طيب فله وعنده ومنه وإليه، وهو طيب لا يقبل إلا طيبًا، وهو إله الطيبين، وجيرانُه في دار كرامته هم الطيبون.

فتأملْ أطيبَ الكلمات بعد القرآن كيف لا تنبغي إلا لله، وهي: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فإن "سبحان الله" تتضمن تنزيهه عن كل نقص وعيب وسوء، وعن خصائص المخلوقين وشبههم. و"الحمد لله" تتضمن إثبات كل كمال له قولًا وفعلًا ووصفًا، على أتمِّ الوجوه وأكملها أزلًا وأبدًا. و"لا إله إلا الله" تتضمن انفراده بالإلهية، وأن كل معبود سواه فباطل، وأنه وحده الإله الحق، وأنه من تألَّه غيرَه فهو بمنزلة من اتخذ بيتًا من بيوت العنكبوت يأوي إليه ويسكنه. و"الله أكبر" تتضمن أنه أكبر من كل شيء وأجلُّ وأعظم وأعز وأقوى وأقدر وأعلم وأحكم. فهذه الكلمات الطيبات لا تصلح هي ومعانيها إلا لله وحده.

ثم شرع له أن يُسلِّم على عباد الله الذين اصطفى بعد تقدّم الحمد والثناء عليه بما هو أهله، فطابق ذلك قوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩]، وكأنه امتثال له. وأيضًا فإن هذا تحية المخلوق، فشُرعت بعد تحية الخالق، وقدّم في هذه التحية أولى الخلق بها، وهو النبي ﷺ الذي نالت أمته على يده كلَّ خير، وعلى نفسه بعده، وعلى سائر عباد الله الصالحين، وأخصهم بهذه التحية الأنبياء، ثم أصحاب رسول الله ﷺ، مع عمومها لكل عبدٍ لله صالحٍ في الأرض والسماء.

ثم شرع له بعد ذكر هذه التحية والتسليم على مَن يستحق التسليم خصوصًا وعمومًا أن يشهد شهادة الحق التي بُنِيت عليها الصلاة، وهي حق من حقوقها، ولا تنفعه إلا بقرينتها وهي شهادة لرسول الله بالرسالة، وختمت بها الصلاة، كما قال عبد الله بن مسعود: "فإذا قلتَ ذلك فقضيتَ صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد".

وهذا إمّا أن يُحمل على قضاء الصلاة حقيقةً كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته كما يقوله أهل الحجاز وغيرهم، وعلى التقديرين فجُعلت شهادةُ الحق خاتمةَ الصلاة كما شرع أن تكون خاتمة الحياة، فمَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة، وكذلك شرع للمتوضئ أن يختم وضوءه بالشهادتين.

ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته، وشرع له أن يتوسل قبلها بالصلاة على النبي ﷺ، فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء، كما في السنن عن فضالة بن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصلِّ على رسوله، ثم ليسلْ حاجته".

فجاءت التحيات على ذلك، أولها حمدُ الله والثناء عليه، ثمّ الصلاة على رسوله، ثم الدعاء آخر الصلاة، وأذن النبي ﷺ للمصلي بعد الصلاة عليه أن يتخير من الدعاء أعجبَه إليه، ونظير هذا ما شرع لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، وأن يقول: "رضيتُ بالله ربّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ ﷺ رسولًا، وأن يسألَ الله لرسوله الوسيلةَ والفضيلةَ، وأن يبعثَه المقامَ المحمود، ثم يصليّ عليه، ثم يسألَ حاجته. فهذه خمسُ سننٍ في إجابة المؤذن، لا ينبغي الغفلةُ عنها.

(فصل)

وسرُّ الصلاة وروحُها ولبُّها هو إقبالُ العبد على الله بكلّيته، فكما أنه لا ينبغي له أن يَصرِفَ وجهه عن قبلة الله يمينًا وشمالًا، فكذلك لا ينبغي له أن يَصرِفَ قلبه عن ربه إلى غيره؛ فالكعبة التي هي بيت الله قبلةُ

وجهه وبدنه، ورب البيت تبارك وتعالى هو قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرض أعرض الله عنه.

وللإقبالِ في الصلاة ثلاثُ منازلَ: إقبالٌ على قلبه، فيحفظه من الوساوس والخطراتِ المبطلةِ لثواب صلاته أو المُنقِصَة له، وإقبالٌ على الله بمراقبتِه حتى كأنه يراه، وإقبالٌ على معاني كلامه وتفاصيل عبوديةِ الصلاة ليُعطِيها حقَّها، فباستكمالِ هذه المراتب الثلاث تكون إقامةُ الصلاة حقًّا، ويكون إقبالُ الله على عبده بحسب ذلك.

فإذا انتصب العبد قائمًا بين يديه فإقباله على قيوميته وعظمته، وإذا كبَّر فإقباله على كبريائه، فإذا سبَّحه وأثنى عليه فإقباله على سُبُحاتِ وجهه، وتنزيهِه عما لا يليق به، والثناءِ عليه بأوصاف جماله، فإذا استعاذ به فإقباله على ركنِه الشديد وانتصارِه لعبده ومَنعِه له وحفظِه من عدوه، فإذا تلا كلامه فإقباله على معرفته من كلامه، حتى كأنه يراه ويشاهده في كلامه، فهو كما قال بعض السلف: "لقد تجلّى الله لعباده في كلامه". فهو في هذه الحال مُقبِلٌ على ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه.

فإذا ركع فإقباله على عظمته وجلاله وعزِّه، ولهذا شرع له أن يقول: سبحان ربي العظيم. فإذا رفع رأسه من الركوع فإقباله على حمده والثناءِ عليه وتمجيدِه وعبوديته له وتفردِه بالعطاء والمنع. فإذا سجدَ فإقبالُه على قربه والدنوِّ منه والخضوع له والتذلُّلِ بين يديه والانكسار والتملُّق. فإذا رفع رأسه وجَثا على ركبتيه فإقباله على غناه وجوده وكرمِه، وشدّة حاجته إليه، وتضرعه بين يديه والانكسار، أن يغفر له ويرحمه ويعافيه ويهديه ويرزقه.

فإذا جلس في التشهد فله حال آخر وإقبال آخر، شِبْه حالِ الحاجِّ في طواف الوداع، وقد استشعر قلبُه الانصرافَ من بين يدي ربه، وموافاةَ العلائقِ والشواغلِ التي قطعَها الوقوفُ بين يديه، وقد ذاق تألم قلبه وعذابه بها، وباشرَ رَوْحَ القربِ ونعيمَ الإقبالِ على الله وعاقبَته، وانقطاعَها عنه مدةَ الصلاة، ثم استشعر قلبُه عودَها إليه بخروجه من حِمى الصلاة، فهو يحملُ همَّ انقضاءِ الصلاة وفراغها، ويقول ليتَها اتصلتْ بيوم اللقاء، ويعلم أنه ينصرف من مناجاةِ مَن كلُّ السعادةِ في مناجاته، إلى مناجاةِ مَن الأذى والهمُّ والغمُّ والنَّكدُ في مناجاته، ولا يشعر بهذا وهذا إلا قلبٌ حيٌّ معمور بذكر الله ومحبته والأنسِ به.

ولما كان العبد بين أمرين من ربه - عزّ وجل -:

أحدهما: حكمٌ عليه في أحواله كلِّها ظاهرًا وباطنًا، واقتضاؤه منه القيامَ بعبوديةِ حكمِه، فإن لكل حكمٍ عبوديةً تخصُّه، أعني الحكم الكوني القدري.

والثاني: فعلٌ يفعله العبد عبوديةً لربه، وهو مُوجَبُ حكمِه الديني الأمري.

وكلا الأمرين يُوجِبان تسليمَ النفس إليه تعالى، ولهذا اشتُقَّ له اسمُ الإسلام من التسليم، فإنه لما أسلم نفسَه لحكم ربه الديني الأمري، ولحكمه الكوني القدري، بقيامه بعبوديته فيه لا باسترساله معه، استحقَّ اسمَ الإسلام، فقيل له مسلم. ولما اطمأنّ قلبه بذكره وكلامه ومحبته وعبوديته، سكن إليه وقَرّتْ عينُه به، فنال الأمانَ بإيمانه.

= كان قيامُه بهذين الأمرين أمرًا ضروريًا له، لا حياةَ له ولا فلاحَ ولا سعادةَ إلا بهما.

ولمّا كان ما بُلِيَ به من النفسِ الأمّارة والهوى المقتضِي والطباع المطالِبة والشيطان المُغوِي، يقتضي منه إضاعةَ حظِّه من ذلك أو نقصانَه، اقتضتْ رحمةُ العزيز الرحيم أن شرَعَ له الصلاة مُخلِفَة عليه ما ضاعَ منه، رادّةً عليه ما ذهب، مجدِّدة له ما أخلقَ من إيمانه، وجُعِلتْ صورتهُا على صورة أفعاله خشوعًا وخضوعًا وانقيادًا وتسليمًا، وأعطى كلَّ جارحة من الجوارح حظَّها من العبودية، وجعلَ ثمرتها وروحَها إقبالَه على ربه فيها بكليته، وجعل ثوابها وجزاءها القربَ منه ونيلَ كرامته في الدنيا والآخرة، وجعلَ منزلتَها ومحلَّها الدخولَ على الله تبارك وتعالى والتزينَ للعرض عليه، تذكيرًا بالعرضِ الأكبر عليه يومَ اللقاء.

وكما أن الصوم ثمرته تطهيرُ النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال، وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النفس التي اشتراها سبحانه من العباد وجعلَ الجنة ثمنَها، فالصلاة ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، وفي الإقبال جميع ما ذُكِرَ من ثمراتِ الأعمال. ولذلك لم يقل النبي ﷺ: جُعِلت قرةُ عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة، وإنما قال: "وجُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة".

وتأمَّلْ قولَه: "جُعِلتْ قرةُ عيني في الصلاة"، ولم يقل "بالصلاة" إعلامًا بأن عينَه إنما تَقَرُّ بدخوله فيها، كما تَقَرُّ عينُ المحب بملابسته لمحبوبه، وتَقَرُّ عينُ الخائفِ بدخوله في محل أمنِه، فقرةُ العين بالدخول في الشيء أكملُ وأتمُّ من قرة العين به قبل الدخول. ولما جاء إلى راحة القلب من تعبِه ونَصَبِه قال: "يا بلالُ أرِحْنا بالصلاة" أي أقِمْها لنستريحَ بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزلِه وقرّ فيه وسكن.

وتأمَّلْ كيف قال: أرِحْنا بها، ولم يقل: أرِحْنا منها، كما يقوله المتكلف بها الذي يفعلها تكلفًا وغُرمًا، فهو لما امتلأ قلبه بغيرها وجاءت قاطعةً عن أشغاله ومحبوباته، وعلم أنه لابدّ له منها، فهو قائل بلسان حاله وقالِه: نصليِّ ونستريح من الصلاة، لا بها، فهذا لونٌ وذاك لون آخر، فالفرق بين مَن كانت الصلاة لحوائجه قيدًا ولقلبه سجنًا ولنفسه عائقًا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه نعيمًا، ولعينه قرة، ولحوائجه راحة، ولنفسه بستانًا ولذة.

فالأول الصلاة سجنٌ لنفسه وتقييدٌ لها عن التورط في مساقط الهلكات، وقد ينالون بها التكفير والثواب، وينالهم من الرحمة بحسب عبوديتهم لله فيها، والقسم الآخر الصلاةُ بستان قلوبهم، وقرة عيونهم، ولذة نفوسهم، ورياض جوارحهم، فهم فيها يتقلَّبون في النعيم. فصلاةُ هؤلاء تُوجِب لهم القربَ والمنزلةَ من الله، ويُشاركون الأولين في ثوابهم، ويختصُّون بأعلاه ومزيد المنزلة والقربة، وهي قدر زائد على مجرد الثواب، ولهذا يَعِدُ الملوك من أرضاهم بالأجر والتقريب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١-٤٢].

فالأول عبدٌ قد دخل الدارَ والسترُ حاجبٌ بينه وبين رب الدار، فهو من وراء الستر، فلذلك لم تَقَرَّ عينُه، لأنه في حُجُب الشهوات، وغُيوم الهوى، ودخان النفس، وبخار الأماني، فالقلب عليل، والنفس مُكِبَّة على ما تهواه، طالبةٌ لحظِّها العاجل، والآخر قد دخل دارَ الملك، ورُفِع الستر بينه وبينه، فقرَّتْ عينُه واطمأنّتْ نفسه، وخَشَع قلبُه وجوارحه، وعَبَدَ الله كأنه يراه، وتجلّى له في كلامه.

فهذه إشارةٌ ما ونبذة يسيرة جدًّا في ذوق الصلاة.

(فصل)

وما أحسن ما قال أبو الفرج بن الجوزي في بعض وعظه: حضور القلب أول منزل من منازل الصلاة

فإذا نزلته انتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى الضيف اليقظة وكشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية وقد تبعث قلبك في كل واد فربما تفجأك الصلاة وليس قلبك عندك فتبعث الرسول وراءه فلا يصادفه فتدخل في الصلاة بغير قلب والمقصود أنه قبيح بالعبد أن يقول بلسانه الله أكبر وقد امتلأ قلبه بغير الله فهو قبلة قلبه في الصلاة ولعله لا يحضر بين يدي ربه في شيء منها فلو قضى حق الله أكبر وأتى البيت من بابه لدخل وانصرف بأنواع التحف والخيرات فهذا الباب الذي يدخل منه المصلى وهو التحريم وأما الباب الذي يخرج منه فهو باب السلام المتضمن أحد الأسماءا الحسنى فيكون مفتتحا لصلاته باسمه تبارك وتعالى ومختتما لها باسمه فيكون ذاكرا لاسم ربه أول الصلاة وآخرها فأولها باسمه وآخرها باسمه فدخل فيها باسمه وخرج منها باسمه مع ما في اسم السلام من الخاصية والحكمة المناسبة لانصراف المصلي من بين يدي الله تعالى فإن المصلي ما دام في صلاته بين يدي ربه فهو في حماه الذي لا يستطيع أحد أن يخفره بل هو في حمى من جميع الآفات والشرور فإذا انصرف من بين يديه تبارك وتعالى ابتدرته الآفات والبلايا والمحن وتعرضت له من كل جانب وجاءه الشيطان بمصائده وجنده فهو متعرض لأنواع البلايا والمحن فإذا انصرف من بين يدي الله مصحوبا بالسلام لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى وكان من تمام النعمة عليه أن يكون انصرافه من بين يدي ربه بسلام يستصحبه ويدوم له ويبقى معه.

فتدبر هذا السر الذي لو لم يكن في هذا التعليق غيره لكان كافيا، فكيف وفيه من الأسرار والفوائد ما لا يوجد عند أبناء الزمان والحمد في ذلك لله وحده.

(فصل: الالتفات في الصلاة)

وقوله في الحديث «وأمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت» الالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان.

(أحدهما) التفات القلب عن الله عز وجل إلى غير الله تعالى (الثاني) التفات البصر وكلاهما منهي عنه.

ولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه.

وقد سئل رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال

«اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»

وفي أثر يقول الله تعالى: (إلى خير مني، إلى خير مني؟)

ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه أو مثل رجل قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينًا وشمالًا وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به، لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظن هذا الرجل أن يفعل به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مبعدًا قد سقط من عينيه؟

فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحى من ربه تعالى أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه.

وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل على الله عز وجل والآخر ساهٍ غافل.

فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا، فما الظن بالخالق عز وجل؟

وإذا أقبل على الخالق عز وجل وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها.

فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي شيء والحاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله عز وجل، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجل الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله.

فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه.

فوجد نشاطًا وراحة وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينيه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها.

فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ

"يا بلال أرحنا بالصلاة"

ولم يقل أرحنا منها.

وقال ﷺ «جعلت قرة عيني في الصلاة»

فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان، حتى يستقبل بها الرحمن عز وجل فتقولحفظك الله تعالى كما حفظتني، وأما صلاة المفرط المضيع لحقوقها وحدودها وخشوعها، فإنها تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني.

وقد روي في حديث مرفوع رواه بكر بن بشر عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يرفعه أنه قال:

«ما من مؤمن يتم الوضوء إلى أمكانه ثم يقوم إلى الصلاة في وقتها فيؤديها لله عز وجل لم ينقص من وقتها وركوعها وسجودها ومعالمها شيئًا إلا رفعت له إلى الله عز وجل بيضاء مسفرة يستضيء بنورها ما بين الخافقين حتى ينتهي بها إلى الرحمن عز وجل، ومن قام إلى الصلاة فلم يكمل وضوءها واخرها عن وقتها واسترق ركوعها وسجودها ومعالمها رفعت عنه سوداء مظلمة ثم لا تجاوز شعر رأسه تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، ضيعك كما ضيعتني».

فالصلاة المقبولة والعمل المقبول أن يصلي العبد صلاة تليق بربه عز وجل.

فإذا كانت صلاة تصلح لربه تبارك وتعالى وتليق به كانت مقبولة.

(فصل)

اعلمْ أن اللذة التّامَّة والفرح والسُّرُور وطيب العَيْش والنَّعِيم إنَّما هو في معرفَة الله وتوحيده والأنس بِهِ والشوق إلى لِقائِه واجتماع القلب والهم عَلَيْهِ فَإن أنكد العَيْش عَيْش من قلبه مشتت وهمه مفرق فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مُسْتَقر يسْتَقرّ عِنْده ولا حبيب يأوي إلَيْهِ ويسكن إلَيْهِ كَما أفْصح القائِل عَن ذَلِك بقوله

؎(وَما ذاق طعم العَيْش من لم يكن لَهُ ∗∗∗ حبيب إلَيْهِ يطمئن ويسكن)

فالعيش الطّيب والحياة النافعة وقرة العين في السّكُون والطمأنينة إلى الحبيب الأول ولَو تنقل القلب في المحبوبات كلها لم يسكن ولم يطمئن إلى شَيْء مِنها ولم تقر بِهِ عينه حَتّى يطمئن إلى إلهه وربه ووليه الَّذِي لَيْسَ لَهُ من دونه ولي ولا شَفِيع ولا غنى لَهُ عَنهُ طرفَة عين كَما قالَ القائِل

؎(نقل فُؤادك حَيْثُ. . شِئْت من الهوى ∗∗∗ ما الحبّ إلّا للحبيب الأول)

؎(كم منزل في الأرْض يألفه الفَتى ∗∗∗ وحنينه أبدا لأوّل منزل)

فاحرص أن يكون همك واحِدًا وأن يكون هو الله وحده فَهَذا غايَة سَعادَة العَبْد وصاحب هَذِه الحال في جنَّة مُعجلَة قبل جنَّة الآخِرَة وفي نعيم عاجل كَما قالَ بعض الواجدين: إنَّه ليمر بِالقَلْبِ أوْقات أقُول إن كانَ أهل الجنَّة في مثل هَذا إنَّهُم لفي عَيْش طيب.

وَقالَ آخر: إنَّه ليمر بِالقَلْبِ أوْقات يرقص فِيها طَربا وقالَ آخر مَساكِين أهل الدُّنْيا خَرجُوا مِنها وما ذاقوا أطيب ... ما فِيها قيل لَهُ وما أطيب ما فِيها قالَ معرفَة الله ومحبته والأنس بِقُرْبِهِ والشوق إلى لِقائِه، ولَيْسَ في الدُّنْيا نعيم يشبه نعيم أهل الجنَّة إلّا هَذا ولِهَذا قالَ النَّبِي ﷺ حبب إلَيّ من دنياكم النِّساء والطّيب وجعلت قُرَّة عَيْني في الصَّلاة فَأخْبر أنه حبب إلَيْهِ من الدُّنْيا شَيْئانِ النِّساء والطّيب ثمَّ قالَ وجعلت قُرَّة عَيْني في الصَّلاة

وقرة العين فَوق المحبَّة فَإنَّهُ لَيْسَ كل مَحْبُوب تقر بِهِ العين وإنَّما تقر العين بِأعْلى المحبوبات الَّذِي يحب لذاته ولَيْسَ ذَلِك إلّا الله الَّذِي لا إلَه إلّا هو وكل ما سواهُ فَإنَّما يحب تبعا لمحبته فيحب لأجله ولا يحب مَعَه فَإن الحبّ مَعَه شرك والحب لأجله تَوْحِيد فالمشرك يتَّخذ ... من دون الله أندادا يُحِبهم كحب الله والموحد إنَّما يحب من يُحِبهُ لله ويبغض من يبغضه في الله ويفْعل ما يَفْعَله لله ويتْرك ما يتْركهُ لله ومدار الدّين على هَذِه القَواعِد الأرْبَعَة وهِي الحبّ والبغض ويَتَرَتَّب عَلَيْهِما الفِعْل والتّرْك والعطاء والمَنع فَمن اسْتكْمل أن يكون هَذا كُله لله اسْتكْمل الإيمان وما نقص مِنها أن يكون لله عاد ينقص إيمان العَبْد.

والمَقْصُود أن ما تقر بِهِ العين أعلى من مُجَرّد ما يُحِبهُ فالصَّلاة قُرَّة عُيُون المحبين في هَذِه الدُّنْيا لما فِيها من مُناجاة من لا تقر العُيُون ولا تطمئِن القُلُوب ولا تسكن النُّفُوس إلّا إلَيْهِ والتنعم بِذكرِهِ والتذلل والخضوع لَهُ والقرب مِنهُ ولا سِيما في حال السُّجُود وتلك الحال أقرب ما يكون العَبْد من ربه فِيها ومن هَذا قَول النَّبِي ﷺ يا بِلال أرحْنا بِالصَّلاةِ فَأعْلم بذلك أن راحَته ﷺ في الصَّلاة كَما أخبر أن قُرَّة عينه فِيها فَأيْنَ هَذا من قَول القائِل نصلي ونستريح من الصَّلاة

فالمحب راحَته وقرة عينه في الصَّلاة والغافل المعرض لَيْسَ لَهُ نصيب من ذَلِك بل الصَّلاة كَبِيرَة شاقة عَلَيْهِ إذا قامَ فِيها كَأنَّهُ على الجَمْر حَتّى يتَخَلَّص مِنها وأحب الصَّلاة إلَيْهِ أعجلها وأسرعها فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُرَّة عين فِيها ولا لِقَلْبِهِ راحَة بها والعَبْد إذا قرت عينه بِشَيْء واستراح قلبه بِهِ فأشق ما عَلَيْهِ مُفارقَته والمتكلف الفارغ القلب من الله والدّار الآخِرَة المُبْتَلى بمحبة الدُّنْيا أشق ما عَلَيْهِ الصَّلاة وأكره ما إلَيْهِ طولها مَعَ تفرغه وصِحَّته وعدم اشْتِغاله

وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعلم أن الصَّلاة الَّتِي تقر بها العين ويستريح بها القلب هي الَّتِي تجمع سِتَّة مشاهد

المشهد الأول الإخْلاص وهو أن يكون الحامِل عَلَيْها والداعي إلَيْها رَغْبَة العَبْد في الله ومحبته لَهُ وطلب مرضاته والقرب مِنهُ والتودد إلَيْهِ وامتثال أمره بِحَيْثُ لا يكون الباعِث لَهُ عَلَيْها حظا من حظوظ الدُّنْيا ألْبَتَّة بل يَأْتِي بها ابْتِغاء وجه ربه الأعْلى محبَّة لَهُ وخوفا من عَذابه ورجاء لمغفرته وثوابه.

المشهد الثّانِي مشْهد الصدْق والنصح وهو أن يفرغ قلبه لله فِيها ويستفرغ جهده في إقباله فِيها على الله وجمع قلبه عَلَيْها وإيقاعها على أحسن الوُجُوه وأكملها ظاهرا وباطنا فَإن الصَّلاة لَها ظاهر وباطن.

فظاهرها الأفْعال المُشاهدَة والأقوال المسموعة وباطنها الخُشُوع والمراقبة وتفريغ القلب لله والإقبال بكليته على الله فِيها بِحَيْثُ لا يلْتَفت قلبه عَنهُ إلى غَيره فَهَذا بِمَنزِلَة الرّوح لَها والأفْعال بِمَنزِلَة البدن فَإذا خلت من الرّوح كانَت كبدن لا روح فِيهِ أفلا يستحي العَبْد أن يواجه سَيّده بِمثل ذَلِك ولِهَذا تلف كَما يلف الثَّوْب الخلق ويضْرب بها وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كَما ضيعتني.

والصَّلاة الَّتِي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشَّمْس حَتّى تعرض على الله فيرضاها ويقبلها وتقول حفظك الله كَما حفظتني.

(فصل)

المشهد الثّالِث مشْهد المُتابَعَة والاقتداء وهو أن يحرص كل الحِرْص على الِاقْتِداء في صلاته بِالنَّبِيِّ ﷺ ويُصلي كَما كانَ يُصَلِّي ويعرض عَمّا أحدث النّاس في الصَّلاة من الزِّيادَة والنُّقْصان والأوضاع الَّتِي لم ينْقل عَن رَسُول الله ﷺ شَيْء مِنها ولا عَن أحد من أصحابة ولا يقف عند أقْوال المرخصين الَّذين يقفون مَعَ أقل ما يَعْتَقِدُونَ وُجُوبه ويكون غَيرهم قد نازعهم في ذَلِك وأوجب ما أسقطوه ولَعَلَّ الأحادِيث الثّابِتَة والسّنة النَّبَوِيَّة من جانِبه ولا يلتفتون إلى ذَلِك ويَقُولُونَ نَحن مقلدون لمَذْهَب فلان وهَذا لا يخلص عند الله ولا يكون عذرا لمن تخلف عَمّا علمه من السّنة عِنْده فَإن الله سُبْحانَهُ إنَّما أمر بِطاعَة رَسُوله واتباعه وحده ولم يَأْمر بِاتِّباع غَيره وإنَّما يطاع غَيره إذا أمر بِما أمر بِهِ الرَّسُول وكل أحد سوى الرَّسُول ﷺ فمأخوذ من قَوْله ومتروك

وَقد أقسم الله سُبْحانَهُ بِنَفسِهِ الكَرِيمَة أنا لا نؤمن حَتّى نحكم الرَّسُول فِيما شجر بَيْننا وننقاد لحكمه ونسلم تَسْلِيمًا فَلا ينفعنا تحكيم غَيره والانقياد لَهُ ولا ينجينا من عَذاب الله ولا يقبل منا هَذا الجَواب إذا سمعنا نداءه سُبْحانَهُ يَوْم القِيامَة ﴿ماذا أجبتم المُرْسلين﴾ فَإنَّهُ لا بُد أن يسألنا عَن ذَلِك ويطالبنا بِالجَوابِ قالَ تَعالى ﴿فلنسألن الَّذين أرسل إلَيْهِم ولنسألن المُرْسلين﴾

وَقالَ النَّبِي ﷺ أُوحِي إلَيّ أنكم بِي تفتنون وعني تسْألُون يَعْنِي المَسْألَة في القَبْر فَمن انْتَهَت إلَيْهِ سنة رَسُول الله ﷺ وتركها لقَوْل أحد من النّاس فسيرد يَوْم القِيامَة ويعلم.

(فصل)

المشهد الرّابِع مشْهد الإحْسان وهو مشْهد المراقبة وهو أن يعبد الله كَأنَّهُ يراهُ وهَذا المشهد إنَّما ينشأ من كَمال الإيمان بِالله وأسمائه وصِفاته حَتّى كَأنَّهُ يرى الله سُبْحانَهُ فَوق سمواته مستويا على عَرْشه يتَكَلَّم بأمْره ونَهْيه ويُدبر أمر الخليقة فَينزل الأمر من عِنْده ويصعد إلَيْهِ وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عَلَيْهِ فَيشْهد ذَلِك كُله بِقَلْبِه ويشْهد أسماءه وصِفاته ويشْهد قيوما حَيا سميعا بَصيرًا عَزِيزًا حكيما آمرا ناهيا يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويفْعل ما يَشاء ويحكم ما يُرِيد وهو فَوق عَرْشه لا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أعمال العباد ولا أقْوالهم ولا بواطنهم بل يعلم خائِنَة الأعْين وما تخفي الصُّدُور

ومشهد الإحْسان أصل أعمال القُلُوب كلها فَإنَّهُ يُوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سُبْحانَهُ والذل لَهُ

؎وَيقطع الوسواس وحَدِيث ∗∗∗ النَّفس ويجمع القلب والهم على الله

فحظ العَبْد من القرب من الله على قدر حَظه من مقام الإحْسان وبحسبه تَتَفاوَت الصَّلاة حَتّى يكون بَين صَلاة الرجلَيْن من الفضل كَما بَين السَّماء والأرْض وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحِد.

(فصل)

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English