Ибн аль-КаййимАль‑Касас · 28:68–77

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Касас 28:68–77, продолжение

وَلَمْ نَقْصِدِ اسْتِيفاءَ الرَّدِّ عَلى هَذا المَذْهَبِ المَرْدُودِ المَرْذُولِ، وإنَّما قَصَدْنا تَصْوِيرَهُ، وإلى اللَّبِيبِ العادِلِ العاقِلِ التَّحاكُمُ ولا يَعْبَأُ اللَّهُ وعِبادُهُ بِغَيْرِهِ شَيْئًا، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَصِّصُ شَيْئًا، ولا يُفَضِّلُهُ ويُرَجِّحُهُ إلّا لِمَعْنًى يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وتَفْضِيلَهُ، نَعَمْ هو مُعْطِي ذَلِكَ المُرَجِّحَ وواهِبُهُ، فَهو الَّذِي خَلَقَهُ، ثُمَّ اخْتارَهُ بَعْدَ خَلْقِهِ، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾.

[فَصْلٌ: فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها]

والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتارَ مِن كُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِ المَخْلُوقاتِ أطْيَبَهُ، واخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ وارْتَضاهُ دُونَ غَيْرِهِ، فَإنَّهُ تَعالى طَيِّبٌ لا يُحِبُّ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ والكَلامِ والصَّدَقَةِ إلّا الطَّيِّبَ، فالطَّيِّبُ مِن كُلِّ شَيْءٍ هو مُخْتارُهُ تَعالى.

وَأمّا خَلْقُهُ تَعالى فَعامٌّ لِلنَّوْعَيْنِ، وبِهَذا يُعْلَمُ عُنْوانُ سَعادَةِ العَبْدِ وشَقاوَتِهِ، فَإنَّ الطَّيِّبَ لا يُناسِبُهُ إلّا الطَّيِّبُ ولا يَرْضى إلّا بِهِ، ولا يَسْكُنُ إلّا إلَيْهِ، ولا يَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ إلّا بِهِ، فَلَهُ مِنَ الكَلامِ الكَلِمُ الطَّيِّبُ الَّذِي لا يَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا هُوَ، وهو أشَدُّ شَيْءٍ نُفْرَةً عَنِ الفُحْشِ في المَقالِ، والتَّفَحُّشِ في اللِّسانِ والبَذاءِ والكَذِبِ والغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ والبُهْتِ وقَوْلِ الزُّورِ وكُلِّ كَلامٍ خَبِيثٍ.

وَكَذَلِكَ لا يَأْلَفُ مِنَ الأعْمالِ إلّا أطْيَبَها، وهي الأعْمالُ الَّتِي اجْتَمَعَتْ عَلى حُسْنِها الفِطَرُ السَّلِيمَةُ مَعَ الشَّرائِعِ النَّبَوِيَّةِ، وزَكَّتْها العُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فاتَّفَقَ عَلى حُسْنِها الشَّرْعُ والعَقْلُ والفِطْرَةُ، مِثْلَ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، ويُؤْثِرَ مَرْضاتَهُ عَلى هَواهُ، ويَتَحَبَّبَ إلَيْهِ جَهْدَهُ وطاقَتَهُ، ويُحْسِنَ إلى خَلْقِهِ ما اسْتَطاعَ، فَيَفْعَلَ بِهِمْ ما يُحِبُّ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ، ويُعامِلُوهُ بِهِ، ويَدَعَهم مِمّا يُحِبُّ أنْ يَدَعُوهُ مِنهُ، ويَنْصَحَهم بِما يَنْصَحُ بِهِ نَفْسَهُ، ويَحْكُمَ لَهم بِما يُحِبُّ أنْ يُحْكَمَ لَهُ بِهِ، ويَحْمِلَ أذاهم ولا يُحَمِّلَهم أذاهُ، ويَكُفَّ عَنْ أعْراضِهِمْ ولا يُقابِلَهم بِما نالُوا مِن عِرْضِهِ، وإذا رَأى لَهم حَسَنًا أذاعَهُ، وإذا رَأى لَهم سَيِّئًا كَتَمَهُ، ويُقِيمَ أعْذارَهم ما اسْتَطاعَ فِيما لا يُبْطِلُ شَرِيعَةً، ولا يُناقِضُ لِلَّهِ أمْرًا ولا نَهْيًا.

وَلَهُ أيْضًا مِنَ الأخْلاقِ أطْيَبُها وأزْكاها، كالحِلْمِ والوَقارِ والسَّكِينَةِ والرَّحْمَةِ والصَّبْرِ والوَفاءِ، وسُهُولَةِ الجانِبِ ولِينِ العَرِيكَةِ والصِّدْقِ، وسَلامَةِ الصَّدْرِ مِنَ الغِلِّ والغِشِّ والحِقْدِ والحَسَدِ، والتَّواضُعِ وخَفْضِ الجَناحِ لِأهْلِ الإيمانِ، والعِزَّةِ والغِلْظَةِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ، وصِيانَةِ الوَجْهِ عَنْ بَذْلِهِ وتَذَلُّلِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والعِفَّةِ والشَّجاعَةِ والسَّخاءِ والمُرُوءَةِ، وكُلِّ خُلُقٍ اتَّفَقَتْ عَلى حُسْنِهِ الشَّرائِعُ والفِطَرُ والعُقُولُ.

وَكَذَلِكَ لا يَخْتارُ مِنَ المَطاعِمِ إلّا أطْيَبَها، وهو الحَلالُ الهَنِيءُ المَرِيءُ الَّذِي يُغَذِّي البَدَنَ والرُّوحَ أحْسَنَ تَغْذِيَةٍ، مَعَ سَلامَةِ العَبْدِ مِن تَبِعَتِهِ.

وَكَذَلِكَ لا يَخْتارُ مِنَ المَناكِحِ إلّا أطْيَبَها وأزْكاها، ومِنَ الرّائِحَةِ إلّا أطْيَبَها وأزْكاها، ومِنَ الأصْحابِ والعُشَراءِ إلّا الطَّيِّبِينَ مِنهُمْ، فَرُوحُهُ طَيِّبٌ، وبَدَنُهُ طَيِّبٌ، وخُلُقُهُ طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ، وكَلامُهُ طَيِّبٌ، ومَطْعَمُهُ طَيِّبٌ، ومَشْرَبُهُ طَيِّبٌ، ومَلْبَسُهُ طَيِّبٌ، ومَنكَحُهُ طَيِّبٌ، ومَدْخَلُهُ طَيِّبٌ، ومَخْرَجُهُ طَيِّبٌ، ومُنْقَلَبُهُ طَيِّبٌ، ومَثْواهُ كُلُّهُ طَيِّبٌ. فَهَذا مِمَّنْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]

وَمِنَ الَّذِينَ يَقُولُ لَهم خَزَنَةُ الجَنَّةِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٢] وهَذِهِ الفاءُ تَقْتَضِي السَّبَبِيَّةَ، أيْ: بِسَبَبِ طِيبِكُمُ ادْخُلُوها. وقالَ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ [النور: ٢٦]

وَقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ بِأنَّ الكَلِماتِ الخَبِيثاتِ لِلْخَبِيثِينَ والكَلِماتِ الطَّيِّباتِ لَلطَّيِّبِينَ، وفُسِّرَتْ بِأنَّ النِّساءَ الطَّيِّباتِ لِلرِّجالِ الطَّيِّبِينَ، والنِّساءَ الخَبِيثاتِ لِلرِّجالِ الخَبِيثِينَ، وهي تَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ، فالكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الطَّيِّباتُ لِمُناسِبِها مِنَ الطَّيِّبِينَ، والكَلِماتُ والأعْمالُ والنِّساءُ الخَبِيثَةُ لِمُناسِبِها مِنَ الخَبِيثِينَ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الطَّيِّبَ بِحَذافِيرِهِ في الجَنَّةِ، وجَعَلَ الخَبِيثَ بِحَذافِيرِهِ في النّارِ، فَجَعَلَ الدُّورَ ثَلاثَةً: دارًا أُخْلِصَتْ لَلطَّيِّبِينَ، وهي حَرامٌ عَلى غَيْرِ الطَّيِّبِينَ، وقَدْ جَمَعَتْ كُلَّ طَيِّبٍ وهي الجَنَّةُ.

وَدارًا أُخْلِصَتْ لِلْخَبِيثِ والخَبائِثِ ولا يَدْخُلُها إلّا الخَبِيثُونَ وهي النّارُ.

وَدارًا امْتَزَجَ فِيها الطَّيِّبُ والخَبِيثُ وخُلِطَ بَيْنَهُما وهي هَذِهِ الدّارُ؛ ولِهَذا وقَعَ الِابْتِلاءُ والمِحْنَةُ بِسَبَبِ هَذا الِامْتِزاجِ والِاخْتِلاطِ، وذَلِكَ بِمُوجَبِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ، فَإذا كانَ يَوْمُ مَعادِ الخَلِيقَةِ مَيَّزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَجَعَلَ الطَّيِّبَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، وجَعَلَ الخَبِيثَ وأهْلَهُ في دارٍ عَلى حِدَةٍ لا يُخالِطُهم غَيْرُهُمْ، فَعادَ الأمْرُ إلى دارَيْنِ فَقَطْ: الجَنَّةِ وهي دارُ الطَّيِّبِينَ، والنّارِ وهي دارُ الخَبِيثِينَ، وأنْشَأ اللَّهُ تَعالى مِن أعْمالِ الفَرِيقَيْنِ ثَوابَهم وعِقابَهُمْ، فَجَعَلَ طَيِّباتِ أقْوالِ هَؤُلاءِ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ نَعِيمِهِمْ ولَذّاتِهِمْ، أنْشَأ لَهم مِنها أكْمَلَ أسْبابِ النَّعِيمِ والسُّرُورِ، وجَعَلَ خَبِيثاتِ أقْوالِ الآخَرِينَ وأعْمالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ هي عَيْنَ عَذابِهِمْ وآلامِهِمْ، فَأنْشَأ لَهم مِنها أعْظَمَ أسْبابِ العِقابِ والآلامِ حِكْمَةً بالِغَةً وعِزَّةً باهِرَةً قاهِرَةً لِيُرِيَ عِبادَهُ كَمالَ رُبُوبِيَّتِهِ وكَمالَ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ وعَدْلِهِ ورَحْمَتِهِ، ولِيَعْلَمَ أعْداؤُهُ أنَّهم كانُوا هُمُ المُفْتَرِينَ الكَذّابِينَ لا رُسُلُهُ البَرَرَةُ الصّادِقُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ - لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٨-٣٩].

والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَعَلَ لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عُنْوانًا يُعْرَفانِ بِهِ، فالسَّعِيدُ الطَّيِّبُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا طَيِّبٌ، ولا يَأْتِي إلّا طَيِّبًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا طَيِّبٌ، ولا يُلابِسُ إلّا طَيِّبًا، والشَّقِيُّ الخَبِيثُ لا يَلِيقُ بِهِ إلّا الخَبِيثُ، ولا يَأْتِي إلّا خَبِيثًا، ولا يَصْدُرُ مِنهُ إلّا الخَبِيثُ، فالخَبِيثُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الخُبْثُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ، والطَّيِّبُ يَتَفَجَّرُ مِن قَلْبِهِ الطِّيبُ عَلى لِسانِهِ وجَوارِحِهِ. وقَدْ يَكُونُ في الشَّخْصِ مادَّتانِ فَأيُّهُما غَلَبَ عَلَيْهِ كانَ مِن أهْلِها، فَإنْ أرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا طَهَّرَهُ مِنَ المادَّةِ الخَبِيثَةِ قَبْلَ المُوافاةِ، فَيُوافِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ مُطَهَّرًا فَلا يَحْتاجُ إلى تَطْهِيرِهِ بِالنّارِ فَيُطَهِّرُهُ مِنها بِما يُوَفِّقُهُ لَهُ مِنَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والحَسَناتِ الماحِيَةِ، والمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ، حَتّى يَلْقى اللَّهَ وما عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، ويُمْسِكُ عَنِ الآخَرِ مَوادَّ التَّطْهِيرِ، فَيَلْقاهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمادَّةٍ خَبِيثَةٍ ومادَّةٍ طَيِّبَةٍ، وحِكْمَتُهُ تَعالى تَأْبى أنْ يُجاوِرَهُ أحَدٌ في دارِهِ بِخَبائِثِهِ فَيُدْخِلَهُ النّارَ طُهْرَةً لَهُ وتَصْفِيَةً وسَبْكًا، فَإذا خَلُصَتْ سَبِيكَةُ إيمانِهِ مِنَ الخَبَثِ صَلُحَ حِينَئِذٍ لِجِوارِهِ ومُساكَنَةِ الطَّيِّبِينَ مِن عِبادِهِ. وإقامَةُ هَذا النَّوْعِ مِنَ النّاسِ في النّارِ عَلى حَسَبِ سُرْعَةِ زَوالِ تِلْكَ الخَبائِثِ مِنهم وبُطْئِها، فَأسْرَعُهم زَوالًا وتَطْهِيرًا أسْرَعُهم خُرُوجًا، وأبْطَؤُهم أبْطَؤُهم خُرُوجًا، ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].

وَلَمّا كانَ المُشْرِكُ خَبِيثَ العُنْصُرِ خَبِيثَ الذّاتِ لَمْ تُطَهِّرِ النّارُ خُبْثَهُ، بَلْ لَوْ خَرَجَ مِنها لَعادَ خَبِيثًا كَما كانَ، كالكَلْبِ إذا دَخَلَ البَحْرَ ثُمَّ خَرَجَ مِنهُ، فَلِذَلِكَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلى المُشْرِكِ الجَنَّةَ.

وَلَمّا كانَ المُؤْمِنُ الطَّيِّبُ المُطَيِّبُ مُبَرَّءًا مِنَ الخَبائِثِ كانَتِ النّارُ حَرامًا عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي تَطْهِيرَهُ بِها، فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ العُقُولَ والألْبابَ، وشَهِدَتْ فِطَرُ عِبادِهِ وعُقُولُهم بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ورَبُّ العالَمِينَ لا إلَهَ إلّا هو.

(فصل)

من ترك الِاخْتِيار والتَّدْبِير في رَجاء زِيادَة، أو خوف نُقْصان أو طلب صِحَة أو فرار من سقم.

واعلم أن الله على كل شَيْء قدير وأنه المتفرد بِالِاخْتِيارِ والتَّدْبِير وأن تَدْبيره لعَبْدِهِ خير من تَدْبِير العَبْد لنَفسِهِ، وأنه أعلم بمصلحته من العَبْد وأقدر على جلبها وتحصيلها مِنهُ وأنصح للْعَبد مِنهُ لنَفسِهِ وأرحم مِنهُ بِنَفسِهِ وأبر بِهِ مِنهُ بِنَفسِهِ وعلم مَعَ ذَلِك أنه لا يَسْتَطِيع أن يتَقَدَّم بَين يَدي تَدْبيره خطْوَة واحِدَة ولا يتَأخَّر عَن تَدْبيره لَهُ خطْوَة واحِدَة فَلا مُتَقَدم لَهُ بَين يَدي قَضائِهِ وقدره ولا يتَأخَّر فَألْقى نَفسه بَين يَدَيْهِ وسلم الأمر كُله إلَيْهِ وانطرح بَين يَدَيْهِ انطراح عبد مَمْلُوك ضعف بَين يَدي ملك عَزِيز قاهر لَهُ التَّصَرُّف في عَبده بِكُل ما يَشاء ولَيْسَ للْعَبد التَّصَرُّف فِيهِ بِوَجْه من الوُجُوه فاستراح حِينَئِذٍ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات وحمل كُله حَوائِجه ومصالحه من لا يُبالِي بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها فتولاها دونه وأراهُ لطفه وبره ورَحمته وإحسانه فِيها من غير تَعب من العَبْد ولا نصب ولا اهتمام مِنهُ لِأنَّهُ قد صرف اهتمامه كُله إلَيْهِ وجعله وحده همه فصرف عَنهُ اهتمامه بحوائجه ومصالح دُنْياهُ وفرغ قلبه مِنها فَما أطيب عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه وإن أبى إلّا تَدْبيره لنَفسِهِ واختياره لَها واهتمامه بحظه دون حق ربه خلاه وما اخْتارَهُ وولاه ما تولى فحضره الهم والغَم والحزن والنكد الخَوْف والتعب وكسف البال وسُوء الحال فَلا قلب يصفو ولا عمل يزكو ولا أمل يحصل ولا راحَة يفوز بها ولا لَذَّة بَينها بها بل بل قد حيل بَينه وبَين مسرته وفرحه وقرة عينه فَهو يكدح في الدُّنْيا كدح الوَحْش ولا يظفر مِنهُ بأمل ولا يتزود مِنها لِمَعاد والله سُبْحانَهُ أمر العَبْد بِأمْر وضمن لَهُ ضمانا فَإن قامَ بأمْره بالنصح والصدق والإخْلاص والِاجْتِهاد قامَ الله سُبْحانَهُ لَهُ بِما ضمنه لَهُ من الرزق والكفاية والنصر وقَضاء الحَوائِج، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ضمن الرزق لمن عَبده، والنصر لمن توكل عَلَيْهِ واستنصر بِهِ والكفاية لمن كانَ هو همه ومراده والمَغْفِرَة لمن استغفره وقَضاء الحَوائِج لمن صَدَقَه في طلبَها ووثق بِهِ وقَوي رجاؤه وطمعه في فَضله وجوده فالفطن الكيّس إنَّما يهتم بأمْره وإقامته وتوفيته لا بضمانه فَإنَّهُ الوفي الصّادِق ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَمن عَلامات السَّعادَة صرف اهتمامه إلى أمر الله دون ضَمانه ومن عَلامات الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمْره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه والله المُسْتَعان.

قالَ بشر بن الحارِث أهل الآخِرَة ثَلاثَة عابِد وزاهد وصِدِّيق.

فالعابد يعبد الله مَعَ العلائق، والزاهد يعبده على ترك العلائق، والصديق يعبده على الرِّضا والموافقة.

إن أراهُ أخذ الدُّنْيا أخذها، وإن أراهُ تَركها تَركها،

إذا كانَ الله ورَسُوله في جانب فاحذر أن تكون في الجانِب الآخر، فَإن ذَلِك يُفْضِي إلى المشاقة والمحادّة، وهَذا أصْلها ومِنه اشتقاقها فَإن المشاقة أن يكون في شقّ ومن يُخالِفهُ في شقّ، والمحادة أن يكون حد وهو في حد، ولا تستسهل هَذا فَإن مبادئه تجر إلى غايَته، وقليله يَدْعُو إلى كَثِيره وكن في الجانِب الَّذِي يكون فِيهِ الله ورَسُوله، وإن كانَ النّاس كلهم في الجانِب الآخر، فَإن لذَلِك عواقب هي أحْمد العواقب وأفضلها، ولَيْسَ للْعَبد أنْفَع من ذَلِك في دُنْياهُ قبل آخرته، وأكْثر الخلق إنَّما يكونُونَ من الجانِب الآخر ولاسيما إذا قويت الرَّغْبَة والرهبة فهناك لا تكاد تَجِد أحدا في الجانِب الَّذِي فِيهِ الله ورَسُوله، بل يعدّه النّاس ناقص العقل سيء الِاخْتِيار لنَفسِهِ، ورُبما نسبوه إلى الجُنُون، وذَلِكَ من مَوارِيث أعداء الرُّسُل فَإنَّهُم نسبوهم غلى الجُنُون لما كانُوا في شقّ وجانب، والنّاس في شقّ وجانب آخر، ولَكِن من وطّن نَفسه على ذَلِك فَإنَّهُ يحْتاج إلى علم راسخ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُول يكون يَقِينا لَهُ لا ريب عِنْده فِيهِ وإلى صَبر تامّ على معاداة من عاداهُ ولومة من لامه، ولا يتم لَهُ ذَلِك إلّا برغبة قَوِيَّة في الله والدّار والآخِرَة بِحَيْثُ تكون الآخِرَة أحب إلَيْهِ من الدُّنْيا وآثر عِنْده مِنها، ويكون الله ورَسُوله أحب إلَيْهِ مِمّا سواهُما، ولَيْسَ شَيْء أصعب على الإنْسان من ذَلِك في مبادئ الأمر، فَإن نَفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشيره من ذَلِك الجانِب يدعنه إلى العاجل فَإذا خالفوهم تصدوا الحربة، فَإن صَبر وثَبت جاءَهُ العون من الله، وصارَ ذَلِك الصعب سهلا، وذَلِكَ الألَم لَذَّة، فَإن الرب شكور فَلا بُد أن يذيقه لَذَّة تحيزه إلى الله وإلى رَسُوله، ويريه كَرامَة ذَلِك فيشتد بِهِ سروره وغبطته، ويبتهج بِهِ قلبه، ويظفر بقوته وفرحه وسروره، ويبقى من كانَ مُحاربًا لَهُ على ذَلِك بَين هائب لَهُ مسالم لَهُ ومساعد وتارك، ويقوى جنده، ويضعف جند العَدو ولا تستصعب مُخالفَة النّاس والتحيز إلى الله ورَسُوله ولَو كنت وحدك، فَإن الله مَعَك وأنت بِعَيْنِه وكلاءته وحفظه لَك، وإنَّما امتحن يقينك وصبرك أعظم الأعوان لَك على بعد عون الله هَذا بعون الله التجرد من الطمع والفزع فَمَتى تجردت مِنهُما هان عَلَيْك التحيز إلى الله ورَسُوله، وكنت دائِما في الجانِب الَّذِي فِيهِ الله ورَسُوله، ومَتى قامَ بك الطمع فَلا تطمع في هَذا الأمر ولا تحدث نَفسك بِهِ.

فَإن قلت فَبِأي شَيْء أستعين على التجرد من الطمع ومن الفَزع؟

قلت بِالتَّوْحِيدِ والتوكل والثقة بِالله وعلمك بِأنَّهُ لا يَأْتِي بِالحَسَناتِ إلا هو، ولا يذهب بالسيآت إلّا هو وأن الأمر كُله لله لَيْسَ لأحد مَعَ الله شَيْء.

28:69Страница 393

وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩

Твой Господь знает то, что кроется в их груди, и то, что они обнаруживают.

К этому аяту нет толкования

28:70Страница 393

وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠

Он - Аллах, кроме Которого нет иного божества. Ему надлежит хвала в первой жизни и в Последней жизни. Он принимает решения, и к Нему вы будете возвращены.

К этому аяту нет толкования

28:71–72Страница 394

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١

Скажи: «Как вы думаете, какой бог, кроме Аллаха, сможет принести вам свет, если Аллах продлит вам ночь до Дня воскресения? Неужели вы не слышите?».

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢

Скажи: «Как вы думаете, какой бог, кроме Аллаха, сможет принести вам ночь, чтобы вы могли отдохнуть во время нее, если Аллах продлит вам день до Дня воскресения? Неужели вы не видите?».

خص سبحانه النهار بذكر البصر، لأنه محله. وفيه سلطان البصر وتصرفه.

وخص الليل بذكر السمع. لأن سلطان السمع يكون بالليل، وتسمع فيه الحيوانات ما لا تسمع في النهار. لأنه وقت هدوء الأصوات، وخمود الحركات، وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر. والنهار بالعكس، فيه قوة سلطان البصر، وضعف سلطان السمع.

فقوله: «أفَلا تَسْمَعُونَ» راجع إلى قوله «قل أرأيتم» أي إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم به؟

وقوله: «أفلا تبصرون» راجع إلى قوله «قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ».

28:73Страница 394

وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣

По милости Своей Он сотворил для вас ночь и день, чтобы вы отдыхали во время нее и искали Его милость, - быть может, вы будете благодарны.

К этому аяту нет толкования

28:74Страница 394

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤

В тот день Он воззовет к ним и скажет: «Где же Мои сотоварищи, о существовании которых вы предполагали?».

К этому аяту нет толкования

28:75Страница 394

وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥

Из каждой общины Мы выберем свидетеля и скажем: «Приведите ваше доказательство!». Тогда они узнают, что истина - с Аллахом. И покинет их (или исчезнет) то, что они измышляли.

К этому аяту нет толкования

28:76Страница 394

۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦

Воистину, Карун (Корей) был соплеменником Мусы, но притеснял их. Мы даровали ему столько сокровищ, что ключи от них были обременительны даже для нескольких силачей. Соплеменники сказали ему: «Не ликуй, ведь Аллах не любит тех, кто ликует.

فالفَرَحُ مَتى كانَ بِاللَّهِ، وبِما مَنَّ اللَّهُ بِهِ، مُقارِنًا لِلْخَوْفِ والحَذَرِ: لَمْ يَضُرَّ صاحِبَهُ، ومَتى خَلا عَنْ ذَلِكَ: ضَرَّهُ ولا بُدَّ.

وَقالَ قَوْمُ قارُونَ لَهُ ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾.

(فصل)

اعْلَمْ أنّ ما يَجْمَعُ أهْلُ الدُّنْيا مِنها. فَإنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلْفَرَحِ. لِأنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْآفاتِ. ووَشِيكُ الزَّوالِ، ووَخِيمُ العاقِبَةِ، وهو طَيْفُ خَيالٍ زارَ الصَّبَّ في المَنامِ. ثُمَّ انْقَضى المَنامُ. ووَلّى الطَّيْفُ. وأعْقَبَ مَزارَهُ الهِجْرانَ.

وَقَدْ جاءَ الفَرَحُ في القُرْآنِ عَلى نَوْعَيْنِ. مُطْلَقٌ ومُقَيَّدٌ.

فالمُطْلَقُ: جاءَ في الذَّمِّ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].

والمُقَيَّدُ: نَوْعانِ أيْضًا. مُقَيَّدٌ بِالدُّنْيا. يُنْسِي صاحِبَهُ فَضْلَ اللَّهِ ومِنَّتَهُ. فَهو مَذْمُومٌ. كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].

والثّانِي: مُقَيَّدٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ. وهو نَوْعانِ أيْضًا.

فَضْلٌ ورَحْمَةٌ بِالسَّبَبِ. وفَضْلٌ بِالمُسَبَّبِ، فالأوَّلُ: كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]

والثّانِي: كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].

28:77Страница 394

وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧

А посредством того, что Аллах даровал тебе, стремись к Последней обители, но не забывай о своей доле в этом мире! Твори добро, подобно тому, как Аллах сотворил добро для тебя, и не стремись распространять нечестие на земле, ведь Аллах не любит распространяющих нечестие».

(لطيفة)

قوله تَعالى ﴿وَأحْسِنْ كَما أحسن الله إلَيْك﴾

لا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بِقدر ما أحسن الله إلَيْهِ، وإنَّما أُرِيد بِهِ أصل الإحْسان لا قَدْره.

(فائدة)

العارِف لا يَأْمر النّاس بترك الدُّنْيا فَإنَّهُم لا يقدرُونَ على تَركها ولَكِن يَأْمُرهُم بترك الذُّنُوب مَعَ إقامتهم على دنياهم فَترك الدُّنْيا فَضِيلَة وترك الذُّنُوب فَرِيضَة فَكيف يُؤمر بالفضيلة من لم يقم الفَرِيضَة فَإن صَعب عَلَيْهِم ترك الذُّنُوب فاجتهد أن تحبب الله إلَيْهِم بِذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وصفات كَماله ونعوت جَلاله فَإن القُلُوب مفطورة على محبته فَإذا تعلّقت بحبه هان عَلَيْها ترك الذُّنُوب والاستقلال مِنها والإصرار عَلَيْها.

وَقد قالَ يحيى بن معاذ طلب العاقِل للدنيا خير من ترك الجاهِل لَها العارِف يَدْعُو النّاس إلى الله من دنياهم فتسهل عَلَيْهِم الإجابَة والزاهد يَدعُوهُم إلى الله بترك الدُّنْيا فتشق عَلَيْهِم الإجابَة فَإن الفِطام عَن الثدي الَّذِي ما عقل الإنْسان نَفسه إلّا وهو يرتضع مِنهُ شَدِيد ولَكِن بِخَير من المرضعات أزكاهن وأفضلهن فَإن للبن تَأْثِيرا في طبيعة المرتضع ورضاع المَرْأة الحمقى يعود بحمق الوَلَد وأنفع الرضاعَة ما كانَ من المجاعة فَإن قويت على مرارَة الفِطام وإلّا فارتضع بِقدر فَإن من البشم ما يقتل.

(فصل)

المطلب الأعْلى مَوْقُوف حُصُوله على همة عالية ونِيَّة صَحِيحَة فَمن فقدهما

تعذّر عَلَيْهِ الوُصُول إلَيْهِ فَإن الهمة إذا كانَت عالية تعلّقت بِهِ وحده دون غَيره، وإذا كانَت النِّيَّة صَحِيحَة سلك العَبْد الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ فالنية تفرد لَهُ الطَّرِيق والهمة تفرد لَهُ المَطْلُوب فَإذا توَحد مَطْلُوبه والطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ كانَ الوُصُول غايَته.

وَإذا كانَت همته سافلة تعلّقت بالسفليات ولم تتعلّق بالمطلب الأعْلى، وإذا كانَت النِّيَّة غير صَحِيحَة كانَت طَرِيقه غير موصلة إلَيْهِ فمدار الشَّأْن على همة العَبْد ونِيَّته وهما مَطْلُوبه.

وَلا يتم لَهُ إلّا بترك ثَلاثَة أشْياء العوائد والرسوم والأوضاع الَّتِي أحدثها النّاس.

الثّانِي هجر العَوائِق الَّتِي تعوقه عَن إفْراد مَطْلُوبه وطَرِيقه وقطعها.

الثّالِث قطع علائق القلب الَّتِي تحول بَينه وبَين تَجْرِيد التَّعَلُّق بالمطلوب.

والفرق بينها أن العَوائِق هي الحَوادِث الخارجية، والعلائق هي التعلقات القلبية بالمباحات ونَحْوها.

وأصل ذَلِك ترك الفضول الَّتِي تشغل عَن المَقْصُود من الطَّعام والشراب والمنام والخلطة، فَيَأْخُذ من ذَلِك ما يُعينهُ على طلبه ويرفض مِنهُ ما يقطعهُ عَنهُ أو يضعف طلبه والله المُسْتَعان.

(موعظة)

وخطب النبي ﷺ أصحابه يومًا، فلما كانت الشمس على روؤس الجبال وذلك عند الغروب قال:

«إنه لم يبقى من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه»

فليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي في الدنيا بأسرها، ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئًا، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ موفورًا وأكمل منه.

كما في بعض الآثار: ابن آدم بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعًا، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعًا.

وقال بعض السلف: "ابن آدم انت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، إن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا"

وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يقول في خطبته: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولم تتركوا سدى.

وإن لكم معادًا يجمعكم الله عز وجل فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله عز وجل من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض.

وإنما يكون الأمان غدًا لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباق، وشقاوة بسعادة.

ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين، وسيخلفه بعدكم الباقون؟

ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديًا رائحًا إلى الله قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟

والمقصود أن الله عز وجل قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود والعدد والأمداد، وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه، وبماذا يفتك نفسه إذا أسر.

(نصيحة)

هَلُمَّ إلى الدُّخُول على الله ومجاورته في دار السَّلام بِلا نصب ولا تَعب ولا عناء، بل من أقرب الطّرق وأسهلها وذَلِكَ أنَّك في وقت بَين وقْتَيْنِ، وهو في الحَقِيقَة عمرك وهو وقتك الحاضِر بَين ما مضى وما يسْتَقْبل، فالَّذِي مضى تصلحه بِالتَّوْبَةِ والندم والِاسْتِغْفار وذَلِكَ شَيْء لا تَعب عَلَيْك فِيهِ ولا نصب ولا معاناة، عمل شاق إنَّما هو عمل قلب وتمتنع فِيما يسْتَقْبل من الذُّنُوب وامتناعك ترك وراحة لَيْسَ هو عملا بالجوارح يشق عَلَيْك معاناته وإنَّما هو عزم ونِيَّة جازمة تريح بدنك وقلبك وسرك فَما مضى تصلحه بِالتَّوْبَةِ، وما يسْتَقْبل تصلحه بالامتناع والعزم والنِّيَّة، ولَيْسَ للجوارح في هذَيْن نصب ولا تَعب ولَكِن الشَّأْن في عمرك وهو وقتك الَّذِي بَين الوَقْتَيْنِ فَإن أضعته أضعت سعادتك ونجاتك وإن حفظته مَعَ إصْلاح الوَقْتَيْنِ اللَّذين قبله وبعده بِما ذكرت نجوت وفزت بالراحة واللذة والنَّعِيم، وحفظه أشق من إصْلاح ما قبله وما بعده، فَإن حفظه أن تلْزم نَفسك بِما هو أولى بها وأنفع لَها وأعظم تحصيلا لسعادتها، وفي هَذا تفاوت النّاس أعظم تفاوت فَهي والله أيامك الخالية الَّتِي تجمع فِيها الزّاد لمعادك، إمّا إلى الجنَّة إمّا إلى النّار، فَإن اتَّخذت إلَيْها سَبِيلا إلى رَبك بلغت السَّعادَة العُظْمى والفوز الأكْبَر في هَذِه المدَّة اليَسِيرَة الَّتِي لا نِسْبَة لَها إلى الأبَد، وإن آثرت الشَّهَوات والراحات واللَّهْو واللعب انْقَضتْ عَنْك بِسُرْعَة وأعقبتك الألَم العَظِيم الدّائِم الَّذِي مقاساته ومعاناته أشق وأصعب وأدوم من معاناة الصَّبْر عَن محارم الله والصَّبْر على طاعَته ومُخالفَة الهوى لأجله.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English