Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:103–120
3:103Страница 63
وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣
Крепко держитесь за вервь Аллаха все вместе и не разделяйтесь. Помните о милости, которую Аллах оказал вам, когда вы были врагами, а Он сплотил ваши сердца, и по Его милости вы стали братьями. Вы были на краю Огненной пропасти, и Он спас вас от нее. Так Аллах разъясняет вам Свои знамения, - быть может, вы последуете прямым путем.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الِاعْتِصامِ]
ثُمَّ يَنْزِلُ القَلْبُ مَنزِلَ الِاعْتِصامِ.
وَهُوَ نَوْعانِ: اعْتِصامٌ بِاللَّهِ، واعْتِصامٌ بِحَبْلِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وقالَ ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
والِاعْتِصامُ افْتِعالٌ مِنَ العِصْمَةِ، وهو التَّمَسُّكُ بِما يَعْصِمُكَ، ويَمْنَعُكَ مِن المَحْذُورِ والمَخُوفِ، فالعِصْمَةُ: الحِمْيَةُ، والِاعْتِصامُ: الِاحْتِماءُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القِلاعُ: العَواصِمَ، لِمَنعِها وحِمايَتِها.
وَمَدارُ السَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلى الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ، والِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ، ولا نَجاةَ إلّا لِمَن تَمَسَّكَ بِهاتَيْنِ العِصْمَتَيْنِ.
فَأمّا الِاعْتِصامُ بِحَبْلِهِ فَإنَّهُ يَعْصِمُ مِنَ الضَّلالَةِ، والِاعْتِصامُ بِهِ يَعْصِمُ مِنَ الهَلَكَةِ، فَإنَّ السّائِرَ إلى اللَّهِ كالسّائِرِ عَلى طَرِيقٍ نَحْوَ مَقْصِدِهِ، فَهو مُحْتاجٌ إلى هِدايَةِ الطَّرِيقِ، والسَّلامَةِ فِيها، فَلا يَصِلُ إلى مَقْصِدِهِ إلّا بَعْدَ حُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لَهُ، فالدَّلِيلُ كَفِيلٌ بِعِصْمَتِهِ مِنَ الضَّلالَةِ، وأنْ يَهْدِيَهُ إلى الطَّرِيقِ، والعُدَّةِ والقُوَّةِ والسِّلاحِ الَّتِي بِها تَحْصُلُ لَهُ السَّلامَةُ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ وآفاتِها.
فالِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ يُوجِبُ لَهُ الهِدايَةَ واتِّباعَ الدَّلِيلِ، والِاعْتِصامُ بِاللَّهِ، يُوجِبُ لَهُ القُوَّةَ والعُدَّةَ والسِّلاحَ، والمادَّةَ الَّتِي يَسْتَلْئِمُ بِها في طَرِيقِهِ، ولِهَذا اخْتَلَفَتْ عِباراتُ السَّلَفِ في الِاعْتِصامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، بَعْدَ إشارَتِهِمْ كُلِّهِمْ إلى هَذا المَعْنى.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الجَماعَةُ، وقالَ: عَلَيْكم بِالجَماعَةِ، فَإنَّها حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ، وإنَّ ما تَكْرَهُونَ في الجَماعَةِ خَيْرٌ مِمّا تُحِبُّونَ في الفُرْقَةِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ وعَطاءٌ: بِعَهْدِ اللَّهِ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وكَثِيرٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ: هو القُرْآنُ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ هَذا القُرْآنَ هو حَبْلُ اللَّهِ، وهو النُّورُ المُبِينُ، والشِّفاءُ النّافِعُ، وعِصْمَةُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ، ونَجاةُ مَن تَبِعَهُ» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في القُرْآنِ «هُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، ولا تَخْتَلِفُ بِهِ الألْسُنُ، ولا يَخْلَقُ عَلى كَثْرَةِ الرَّدِّ، ولا يَشْبَعُ مِنهُ العُلَماءُ».
وَقالَ مُقاتِلٌ: بِأمْرِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، ولا تَفَرَّقُوا كَما تَفَرَّقَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
وَفِي المُوَطَّأِ مِن حَدِيثِ مالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إنَّ اللَّهَ يَرْضى لَكم ثَلاثًا، ويَسْخَطُ لَكم ثَلاثًا، يَرْضى لَكم أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وأنْ تُناصِحُوا مَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَكُمْ، ويَسْخَطُ لَكم قِيلَ وقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» رَواهُ مُسْلِمٌ في الصَّحِيحِ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ هو المُحافَظَةُ عَلى طاعَتِهِ، مُراقِبًا لِأمْرِهِ.
وَيُرِيدُ بِمُراقَبَةِ الأمْرِ القِيامَ بِالطّاعَةِ لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِها وأحَبَّها، لا لِمُجَرَّدِ العادَةِ، أوْ لِعِلَّةٍ باعِثَةٍ سِوى امْتِثالِ الأمْرِ، كَما قالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ في التَّقْوى: هي العَمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ، وتَرْكُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، تَخافُ عِقابَ اللَّهِ.
وَهَذا هو الإيمانُ والِاحْتِسابُ المُشارُ إلَيْهِ في كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: " «مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا» " و" «مَن قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ» " فالصِّيامُ والقِيامُ: هو الطّاعَةُ والإيمانُ: مُراقَبَةُ الأمْرِ. وإخْلاصُ الباعِثِ: هو أنْ يَكُونَ الإيمانُ الآمِرَ لا شَيْءَ سِواهُ. والِاحْتِسابُ: رَجاءُ ثَوابِ اللَّهِ.
فالِاعْتِصامُ بِحَبْلِ اللَّهِ يَحْمِي مِنَ البِدْعَةِ وآفاتِ العَمَلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَأمّا الِاعْتِصامُ بِهِ فَهو التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، والِامْتِناعُ بِهِ، والِاحْتِماءُ بِهِ، وسُؤالُهُ أنْ
يَحْمِيَ العَبْدَ ويَمْنَعَهُ، ويَعْصِمَهُ ويَدْفَعَ عَنْهُ، فَإنَّ ثَمَرَةَ الِاعْتِصامِ بِهِ هو الدَّفْعُ عَنِ العَبْدِ، واللَّهُ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، فَيَدْفَعُ عَنْ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ إذا اعْتَصَمَ بِهِ كُلَّ سَبَبٍ يُفْضِي بِهِ إلى العَطَبِ، ويَحْمِيهِ مِنهُ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وكَيْدَ عَدُوِّهِ الظّاهِرَ والباطِنَ، وشَرَّ نَفْسِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ مُوجِبَ أسْبابِ الشَّرِّ بَعْدَ انْعِقادِها، بِحَسَبِ قُوَّةِ الِاعْتِصامِ بِهِ وتَمَكُّنِهِ، فَتُفْقَدُ في حَقِّهِ أسْبابُ العَطَبِ، فَيَدْفَعُ عَنْهُ مُوجِباتِها ومُسَبِّباتِها، ويَدْفَعُ عَنْهُ قَدَرَهَ بِقَدَرِهِ، وإرادَتَهُ بِإرادَتِهِ، ويُعِيذُهُ بِهِ مِنهُ.
فَصْلٌ.
وَأمّا صاحِبُ المَنازِلِ فَقالَ: الِاعْتِصامُ بِاللَّهِ التَّرَقِّي عَنْ كُلِّ مَوْهُومٍ.
المَوْهُومُ عِنْدَهُ ما سِوى اللَّهِ تَعالى، والتَّرَقِّي عَنْهُ الصُّعُودُ مِن شُهُودِ نَفْعِهِ وضُرِّهِ وعَطائِهِ ومَنعِهِ وتَأْثِيرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى الفَناءِ. ومُرادُهُ: الصُّعُودُ عَنْ شُهُودِ ما سِوى اللَّهِ إلى اللَّهِ. والكَمالُ في ذَلِكَ: الصُّعُودُ عَنْ إرادَةِ ما سِوى اللَّهِ إلى إرادَتِهِ.
والِاتِّحادِيُّ يُفَسِّرُهُ بِالصُّعُودِ عَنْ وُجُودِ ما سِواهُ إلى وُجُودِهِ، بِحَيْثُ لا يَرى لِغَيْرِهِ وُجُودًا البَتَّةَ، ويَرى وُجُودَ كُلِّ مَوْجُودٍ هو وُجُودُهُ، فَلا وُجُودَ لِغَيْرِهِ إلّا في الوَهْمِ الكاذِبِ عِنْدَهُ.
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: اعْتِصامِ العامَّةِ بِالخَبَرِ، اسْتِسْلامًا وإذْعانًا، بِتَصْدِيقِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَعْظِيمِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وتَأْسِيسِ المُعامَلَةِ عَلى اليَقِينِ والإنْصافِ.
يَعْنِي أنَّ العامَّةَ اعْتَصَمُوا بِالخَبَرِ الوارِدِ عَنِ اللَّهِ، اسْتِسْلامًا مِن غَيْرِ مُنازَعَةٍ، بَلْ إيمانًا واسْتِسْلامًا، وانْقادُوا إلى تَعْظِيمِ الأمْرِ والنَّهْيِ والإذْعانِ لَهُما، والتَّصْدِيقِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، وأسَّسُوا مُعامَلَتَهم عَلى اليَقِينِ، لا عَلى الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ، وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الِاحْتِياطِ، كَما قالَ القائِلُ:
؎زَعَمَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُما ∗∗∗ لا تُبْعَثُ الأجْسادُ قُلْتُ إلَيْكُما
؎إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي فالخَسارُ عَلَيْكُما
هَذا طَرِيقُ أهْلِ الرَّيْبِ والشَّكِّ يَقُومُونَ بِالأمْرِ والنَّهْيِ احْتِياطًا، وهَذِهِ الطَّرِيقُ لا تُنْجِي مِن عَذابِ اللَّهِ ولا تُحَصِّلُ لِصاحِبِها السَّعادَةَ، ولا تُوصِلُهُ إلى المَأْمَنِ.
وَأمّا الإنْصافُ الَّذِي أسَّسُوا مُعامَلَتَهم عَلَيْهِ فَهو الإنْصافُ في مُعامَلَتِهِمْ لِلَّهِ ولِخَلْقِهِ.
فَأمّا الإنْصافُ في مُعامَلَةِ اللَّهِ فَأنْ يُعْطِيَ العُبُودِيَّةَ حَقَّها، وأنْ لا يُنازِعَ رَبَّهُ صِفاتِ إلَهِيَّتِهِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِالعَبْدِ ولا تَنْبَغِي لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، والكِبْرِياءِ، والجَبَرُوتِ.
وَمِن إنْصافِهِ لِرَبِّهِ أنْ لا يَشْكُرَ سِواهُ عَلى نِعَمِهِ ويَنْساهُ، ولا يَسْتَعِينَ بِها عَلى مَعاصِيهِ، ولا يَحْمَدَ عَلى رِزْقِهِ غَيْرَهُ، ولا يَعْبُدَ سِواهُ، كَما في الأثَرِ الإلَهِيِّ: «إنِّي والجِنُّ والإنْسُ في نَبَإٍ عَظِيمٍ أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ سِوايَ،» وفي أثَرٍ آخَرَ: «ابْنَ آدَمَ ما أنْصَفْتَنِي، خَيْرِي إلَيْكَ نازِلٌ، وشَرُّكَ إلَيَّ صاعِدٌ، أتَحَبَّبُ إلَيْكَ بِالنِّعَمِ، وأنا عَنْكَ غَنِيٌّ، وتَتَبَغَّضُ إلَيَّ بِالمَعاصِي وأنْتَ فَقِيرٌ إلَيَّ، ولا يَزالُ المَلَكُ الكَرِيمُ يَعْرُجُ إلَيَّ مِنكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ»
وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «يا ابْنَ آدَمَ، ما مِن يَوْمٍ جَدِيدٍ، إلّا يَأْتِيكَ مِن عِنْدِي رِزْقٌ جَدِيدٌ، وتَأْتِي عَنْكَ المَلائِكَةُ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ، تَأْكُلُ رِزْقِي وتَعْصِينِي، وتَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَكَ، وتَسْألُنِي فَأُعْطِيكَ، وأنا أدْعُوكَ إلى جَنَّتِي فَتَأْبى ذَلِكَ،» وما هَذا مِنَ الإنْصافِ.
وَأمّا الإنْصافُ في حَقِّ العَبِيدِ فَأنْ يُعامِلَهم بِمِثْلِ ما يُحِبُّ أنْ يُعامِلُوهُ بِهِ.
وَلَعَمْرُ اللَّهِ هَذا الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ اعْتِصامُ العامَّةِ. هو اعْتِصامُ خاصَّةِ الخاصَّةِ في الحَقِيقَةِ، ولَكِنَّ الشَّيْخَ مِمَّنْ رُفِعَ لَهُ عَلَمُ الفَناءِ فَشَمَّرَ إلَيْهِ، فَلا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، ولا يَرى مَقامًا أجَلَّ مِنهُ.
فَصْلٌ.
قالَ: واعْتِصامُ الخاصَّةِ بِالِانْقِطاعِ، وهو صَوْنُ الإرادَةِ قَبْضًا، وإسْبالُ الخُلُقِ عَلى الخَلْقِ بَسْطًا، ورَفْضُ العَلائِقِ عَزْمًا، وهو التَّمَسُّكُ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى.
يُرِيدُ انْقِطاعَ النَّفْسِ عَنْ أغْراضِها مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَيَصُونُ إرادَتَهُ، ويَقْبِضُها عَمّا سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهَذا شَبِيهٌ بِحالِ أبِي يَزِيدَ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ لَمّا قِيلَ لَهُ: ما تُرِيدُ؟ فَقالَ: أُرِيدُ أنْ لا أُرِيدَ.
الثّانِي: إسْبالُ الخُلُقِ عَلى الخَلْقِ بَسْطًا، وهَذا حَقِيقَةُ التَّصَوُّفِ، فَإنَّهُ كَما قالَ أبُو بَكْرٍ الكَتّانِيُّ: التَّصَوُّفُ خُلُقٌ، فَمَن زادَ عَلَيْكَ في الخُلُقِ زادَ عَلَيْكَ في التَّصَوُّفِ.
فَإنَّ حُسْنَ الخُلُقِ وتَزْكِيَةَ النَّفْسِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ يَدُلُّ عَلى سَعَةِ قَلْبِ صاحِبِهِ، وكَرَمِ نَفْسِهِ وسَجِيَّتِهِ. وفي هَذا الوَصْفِ يَكُفُّ الأذى، ويَحْمِلُ الأذى ويُوجِدُ الرّاحَةَ، ويُدِيرُ خَدَّهُ الأيْسَرَ لِمَن لَطَمَ الأيْمَنَ، ويُعْطِي رِداءَهُ لِمَن سَلَبَهُ قَمِيصَهُ، ويَمْشِي مِيلَيْنِ مَعَ مَن سَخَّرَهُ مِيلًا، وهَذا عَلامَةُ انْقِطاعِهِ عَنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ وأغْراضِها.
وَأمّا رَفْضُ العَلائِقِ عَزْمًا فَهو العَزْمُ التّامُّ عَلى رَفْضِ العَلائِقِ، وتَرْكِها في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ.
والأصْلُ هو قَطْعُ عَلائِقِ الباطِنِ، فَمَتى قَطَعَها لَمْ تَضُرَّهُ عَلائِقُ الظّاهِرِ، فَمَتى كانَ المالُ في يَدِكَ ولَيْسَ في قَلْبِكَ لَمْ يَضُرَّكَ ولَوْ كَثُرَ، ومَتى كانَ في قَلْبِكَ ضَرَّكَ ولَوْ لَمْ يَكُنْ في يَدِكَ مِنهُ شَيْءٌ.
قِيلَ لِلْإمامِ أحْمَدَ: أيَكُونُ الرَّجُلُ زاهِدًا، ومَعَهُ ألْفُ دِينارٍ؟ قالَ: نَعَمْ عَلى شَرِيطَةِ ألّا يَفْرَحَ إذا زادَتْ ولا يَحْزَنَ إذا نَقَصَتْ، ولِهَذا كانَ الصَّحابَةُ أزْهَدَ الأُمَّةِ مَعَ ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأمْوالِ.
وَقِيلَ لِسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: أيَكُونُ ذُو المالِ زاهِدًا؟ قالَ: نَعَمْ إنْ كانَ إذا زِيدَ في مالِهِ شَكَرَ، وإنْ نَقَصَ شَكَرَ وصَبَرَ.
وَإنَّما يُحْمَدُ قَطْعُ العَلائِقِ الظّاهِرَةِ في مَوْضِعَيْنِ: حَيْثُ يَخافُ مِنها ضَرَرًا في دِينِهِ أوْ حَيْثُ لا يَكُونُ فِيها مَصْلَحَةً راجِحَةً، والكَمالُ مِن ذَلِكَ قِطَعُ العَلائِقِ الَّتِي تَصِيرُ كَلالِيبَ عَلى الصِّراطِ تَمْنَعُهُ مِنَ العُبُورِ، وهي كَلالِيبُ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، ولا يَضُرُّهُ ما تَعَلَّقَ بِهِ بَعْدَها.
فَصْلٌ.
قالَ: واعْتِصامُ خاصَّةِ الخاصَّةِ: بِالِاتِّصالِ، وهو شُهُودُ الحَقِّ تَفْرِيدًا، بَعْدَ الِاسْتِحْذاءِ لَهُ تَعْظِيمًا، والِاشْتِغالِ بِهِ قُرْبًا.
لَمّا كانَ ذَلِكَ الِانْقِطاعُ مُوَصِّلًا إلى هَذا الِاتِّصالِ كانَ ذَلِكَ لِلْمُتَوَسِّطِينَ، وهَذا عِنْدَهُ لِأهْلِ الوُصُولِ.
وَيَعْنِي بِشُهُودِ الحَقِّ تَفْرِيدًا أنْ يَشْهَدَ الحَقَّ سُبْحانَهُ وحْدَهُ مُنْفَرِدًا، ولا شَيْءَ مَعَهُ، وذَلِكَ لِفَناءِ الشّاهِدِ في الشُّهُودِ، والحَوالَةِ في ذَلِكَ عِنْدَ القَوْمِ: عَلى الكَشْفِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذا لَيْسَ بِكَمالٍ، وأنَّ الكَمالَ أنْ يَفْنى بِمُرادِهِ عَنْ مُرادِ نَفْسِهِ، وأمّا فَناؤُهُ بِشُهُودِهِ عَنْ شُهُودِ ما سِواهُ فَدُونَ هَذا الفَناءِ في الرُّتْبَةِ كَما تَقَدَّمَ
وَأمّا قَوْلُهُ: بَعْدَ الِاسْتِحْذاءِ لَهُ تَعْظِيمًا، فالشَّيْخُ لِكَثْرَةِ لَهْجِهِ بِالِاسْتِعاراتِ عَبَّرَ عَنْ مَعْنًى لَطِيفٍ عَظِيمٍ بِلَفْظَةِ الِاسْتِحْذاءِ الَّتِي هي اسْتِفْعالٌ مِنَ المُحاذاةِ، وهي المُقابَلَةُ الَّتِي لا يَبْقى فِيها جُزْءٌ مِنَ المُحاذِي خارِجًا عَمّا حاذاهُ، بَلْ قَدْ واجَهَهُ وقابَلَهُ بِكُلِّيَّتِهِ وجَمِيعِ أجْزائِهِ. ومُرادُهُ بِذَلِكَ: القُرْبُ، وارْتِفاعُ الوَسائِطِ المانِعَةِ مِنهُ، ولا رَيْبَ أنَّ العَبْدَ يَقْرُبُ مِن رَبِّهِ، والرَّبَّ يَقْرُبُ مِن عَبْدِهِ، فَأمّا قُرْبُ العَبْدِ فَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وقَوْلِهِ في الأثَرِ الإلَهِيِّ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا» وكَقَوْلِهِ: «وَما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي»، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أقْرَبُ ما يَكُونُ الرَّبُّ مِن عَبْدِهِ في جَوْفِ اللَّيْلِ الأخِيرِ» وفي الحَدِيثِ أيْضًا «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لَمّا ارْتَفَعَتْ أصْواتُهم بِالتَّكْبِيرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في السَّفَرِ فَقالَ «يا أيُّها النّاسُ، ارْبَعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ».
فَعَبَّرَ الشَّيْخُ عَنْ طَلَبِ القُرْبِ مِنهُ، ورَفْضِ الوَسائِطِ الحائِلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ القُرْبِ المَطْلُوبِ الَّذِي لا تَقَرُّ عُيُونُ عابِدِيهِ وأوْلِيائِهِ إلّا بِهِ بِالِاسْتِحْذاءِ. وحَقِيقَتُهُ مُوافاةُ العَبْدِ إلى حَضْرَتِهِ وقُدّامِهِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ، عَكْسُ حالِ مَن نَبَذَهُ وراءَهُ ظِهْرِيًّا، وأعْرَضَ عَنْهُ ونَأى بِجانِبِهِ، بِمَنزِلَةِ مَن ولّى المُطاعَ ظَهْرَهُ، ومالَ بِشِقِّهِ عَنْهُ.
وَهَذا الأمْرُ لا يُدْرَكُ مَعْناهُ إلّا بِوُجُودِهِ وذَوْقِهِ، وأحْسَنُ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعِبارَةِ النَّبَوِيَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وأقْرَبُ عِباراتِ القَوْمِ أنَّهُ التَّقْرِيبُ بِرَفْعِ الوَسائِطِ الَّتِي بِارْتِفاعِها يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ حَقِيقَةُ التَّعْظِيمِ، فَلِذَلِكَ قالَ " الِاسْتِحْذاءُ لَهُ تَعْظِيمًا ".
وَمَن أرادَ فَهْمَ هَذا كَما يَنْبَغِي فَعَلَيْهِ بِفَهْمِ اسْمِهِ تَعالى الباطِنِ وفَهْمِ اسْمِهِ القَرِيبِ مَعَ امْتِلاءِ القَلْبِ بِحُبِّهِ، ولَهْجِ اللِّسانِ بِذِكْرِهِ، ومِن هاهُنا يُؤْخَذُ العَبْدُ إلى الفَناءِ الَّذِي كانَ مُشَمِّرًا إلَيْهِ، عامِلًا عَلَيْهِ.
3:104Страница 63
وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤
Пусть среди вас будет группа людей, которые будут призывать к добру, повелевать одобряемое и запрещать предосудительное. Именно они окажутся преуспевшими.
فَخَصَّ هَؤُلاءِ بِالفَلاحِ دُونَ مَن عَداهُمْ، والدّاعُونَ إلى الخَيْرِ هم الدّاعُونَ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا الدّاعُونَ إلى رَأْيِ فُلانٍ وفُلانٍ.
[فصل: الفرق بين النصيحة والتأنيب]
والفرق بين النصيحة والتأنيب أن النصيحة إحسان إلى من تنصحه بصورة الرحمة له والشفقة عليه والغيرة له وعليه فهو إحسان محض يصدر عن رحمة ورقّة ومراد الناصح بها وجه اللّه ورضاه والإحسان إلى خلقه فيتلطف في بذلها غاية التلطف ويحتمل أذى المنصوح ولائمته ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق للمريض المشبع مرضا وهو يحتمل سوء خلقه وشراسته ونفرته ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن فهذا شأن الناصح.
وأما المؤنب فهو رجل قصده التعيير والإهانة وذم من أنّبه وشتمه في صورة النصح فهو يقول له يا فاعل كذا وكذا يا مستحقا للذم والإهانة في صورة ناصح مشفق، وعلامة هذا أنه لو رأى من يحبه ويحسن إليه على مثل عملي هذا أو شر منه لمن يعرض له ولم يقل له شيئا ويطلب له وجوه المعاذير فإن غلب قال وإني ضمنت له العصمة، والإنسان عرضة للخطأ ومحاسنه أكثر من مساويه واللّه غفور رحيم ونحو ذلك فيا عجبا كيف كان هذا لمن يحبه دون أن يبغضه وكيف كان حظ ذلك منك التأنيب في صورة النصح وحظ هذا منك رجاء العفو والمغفرة وطلب وجوه المعاذير.
ومن الفروق بين الناصح والمؤنب أن الناصح لا يعاديك إذا لم تقبل نصيحته، وقال قد وقع أجري على اللّه قبلت أو لم تقبل ويدعو لك بظهر الغيب ولا يذكر عيوبك ولا يبينها في الناس، والمؤنب بضد ذلك.
3:105Страница 63
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥
Не походите на тех, которые разделились и впали в разногласия после того, как к ним явились ясные знамения. Именно им уготованы великие мучения
К этому аяту нет толкования
3:106–107Страница 63
يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦
в тот день, когда одни лица побелеют, а другие - почернеют. Тем, чьи лица почернеют, будет сказано: «Неужели вы стали неверующими после того, как уверовали? Вкусите же мучения за то, что вы не верили!».
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧
Те же, чьи лица побелеют, окажутся в милости Аллаха. Они пребудут там вечно.
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللَّهِ هم فِيها خالِدُونَ (١٠٧)}
قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنّة والجماعة، وتسودُّ وجوه أهل الفرقة والبدعة.
3:108Страница 63
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨
Таковы аяты Аллаха, которые Мы читаем тебе истинно. Аллах не желает поступать с мирами несправедливо.
К этому аяту нет толкования
3:109Страница 64
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩
Аллаху принадлежит то, что на небесах и на земле, и к Аллаху возвращаются дела.
К этому аяту нет толкования
3:110Страница 64
كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠
Вы являетесь лучшей из общин, появившейся на благо человечества, повелевая совершать одобряемое, удерживая от предосудительного и веруя в Аллаха. Если бы люди Писания уверовали, то это было бы лучше для них. Среди них есть верующие, но большинство из них - нечестивцы.
[إنْكارُ المُنْكَرِ وشُرُوطُهُ]
المِثالُ الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرَعَ لِأُمَّتِهِ إيجابَ إنْكارِ المُنْكَرِ لِيَحْصُلَ بِإنْكارِهِ مِن المَعْرُوفِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَإذا كانَ إنْكارُ المُنْكَرِ يَسْتَلْزِمُ ما هو أنْكَرُ مِنهُ وأبْغَضُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنَّهُ لا يَسُوغُ إنْكارُهُ، وإنْ كانَ اللَّهُ يُبْغِضُهُ ويَمْقُتُ أهْلَهُ، وهَذا كالإنْكارِ عَلى المُلُوكِ والوُلاةِ بِالخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّهُ أساسُ كُلِّ شَرٍّ وفِتْنَةٍ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، «وَقَدْ اسْتَأْذَنَ الصَّحابَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في قِتالِ الأُمَراءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وقْتِها، وقالُوا: أفَلا نُقاتِلُهُمْ؟ فَقالَ: لا، ما أقامُوا الصَّلاةَ» وقالَ: «مَن رَأى مِن أمِيرِهِ ما يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ ولا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِن طاعَتِهِ» ومَن تَأمَّلَ ما جَرى عَلى الإسْلامِ في الفِتَنِ الكِبارِ والصِّغارِ رَآها مِن إضاعَةِ هَذا الأصْلِ وعَدَمِ الصَّبْرِ عَلى مُنْكَرٍ؛ فَطَلَبَ إزالَتَهُ فَتَوَلَّدَ مِنهُ ما هو أكْبَرُ مِنهُ؛ فَقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرى بِمَكَّةَ أكْبَرَ المُنْكَراتِ ولا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَها، بَلْ لَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ وصارَتْ دارَ إسْلامٍ عَزَمَ عَلى تَغْيِيرِ البَيْتِ ورَدِّهِ عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ، ومَنَعَهُ مِن ذَلِكَ - مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ - خَشْيَةُ وُقُوعِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن عَدَمِ احْتِمالِ قُرَيْشٍ لِذَلِكَ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالإسْلامِ وكَوْنِهِمْ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِهَذا لَمْ يَأْذَنْ في الإنْكارِ عَلى الأُمَراءِ بِاليَدِ؛ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن وُقُوعِ ما هو أعْظَمُ مِنهُ كَما وُجِدَ سَواءٌ.
[إنْكارُ المُنْكَرِ أرْبَعُ دَرَجاتٍ]
فَإنْكارُ المُنْكَرِ أرْبَعُ دَرَجاتٍ؛ الأُولى: أنْ يَزُولَ ويَخْلُفَهُ ضِدُّهُ، الثّانِيَةُ: أنْ يَقِلَّ وإنْ لَمْ يَزُلْ بِجُمْلَتِهِ، الثّالِثَةُ: أنْ يَخْلُفَهُ ما هو مِثْلُهُ، الرّابِعَةُ: أنْ يَخْلُفَهُ ما هو شَرٌّ مِنهُ؛ فالدَّرَجَتانِ الأُولَيانِ مَشْرُوعَتانِ، والثّالِثَةُ مَوْضِعُ اجْتِهادٍ، والرّابِعَةُ مُحَرَّمَةٌ؛ فَإذا رَأيْت أهْلَ الفُجُورِ والفُسُوقِ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ كانَ إنْكارُك عَلَيْهِمْ مِن عَدَمِ الفِقْهِ والبَصِيرَةِ إلّا إذا نَقَلْتَهم مِنهُ إلى ما هو أحَبُّ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ كَرَمْيِ النُّشّاب وسِباقِ الخَيْلِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإذا رَأيْت الفُسّاقَ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلى لَهْوٍ ولَعِبٍ أوْ سَماعِ مُكاء وتَصْدِيَةٍ فَإنْ نَقَلْتَهم عَنْهُ إلى طاعَةِ اللَّهِ فَهو المُرادُ، وإلّا كانَ تَرْكُهم عَلى ذَلِكَ خَيْرًا مِن أنْ تُفْرِغَهم لِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ فَكانَ ما هم فِيهِ شاغِلًا لَهم عَنْ ذَلِكَ، وكَما إذا كانَ الرَّجُلُ مُشْتَغِلًا بِكُتُبِ المُجُونِ ونَحْوِها وخِفْت مِن نَقْلِهِ عَنْها انْتِقالَهُ إلى كُتُبِ البِدَعِ والضَّلالِ والسِّحْرِ فَدَعْهُ وكُتُبَهُ الأُولى، وهَذا بابٌ واسِعٌ؛ وسَمِعْت شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ ونَوَّرَ ضَرِيحَهُ يَقُولُ: مَرَرْت أنا وبَعْضُ أصْحابِي في زَمَنِ التَّتارِ بِقَوْمٍ مِنهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَن كانَ مَعِي، فَأنْكَرْت عَلَيْهِ، وقُلْت لَهُ: إنّما حَرَّمَ اللَّهُ الخَمْرَ لِأنَّها تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنْ الصَّلاةِ، وهَؤُلاءِ يَصُدُّهم الخَمْرُ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وأخْذِ الأمْوالِ فَدَعْهم.
(فائدة)
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: إنّ اللَّهَ اطَّلَعَ في قُلُوبِ العِبادِ فَرَأى قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ فاخْتارَهُ لِرِسالَتِهِ.
ثُمَّ اطَّلَعَ في قُلُوبِ العِبادِ بَعْدَهُ فَرَأى قُلُوبَ أصْحابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ فاخْتارَهم لِصُحْبَتِهِ، فَما رَآهُ المُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهو عِنْدَ الله حَسَنٌ، وما رَآهُ المُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهو عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ.
3:111Страница 64
لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١
Они не причинят вам никакого вреда, кроме досаждения. Если же они станут сражаться с вами, то повернутся к вам спиной, после чего им не будет оказана помощь.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلاّ أذًى﴾ وتقدير الدخول في هذا أظهر إذ المعنى لن ينالوا منكم إلا أذى وأما الضرر فإنهم لن ينالوه منكم ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ فنفى لحوق ضرر كيدهم بهم مع أنهم لا يسلمون من أذى يلحقهم بكيدهم ولو أنه بالإرهاب والكلام وإلجائهم إلى محاربتهم وما ينالهم بها من الأذى والتعب ولكن ليس ذلك بضارهم ففرق بين الأذى والضرر.
3:112Страница 64
ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢
Где бы их ни застали, их постигает унижение, если только они не окажутся под покровительством Аллаха и покровительством людей. Они попали под гнев Аллаха, и их постигла бедность. Это - за то, что они не веровали в знамения Аллаха и несправедливо убивали пророков. Это - за то, что они ослушались и преступали границы дозволенного.
К этому аяту нет толкования
3:113Страница 64
۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣
Не все они одинаковы. Среди людей Писания есть праведные люди, которые читают аяты Аллаха по ночам, падая ниц.
К этому аяту нет толкования
3:114Страница 64
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤
Они веруют в Аллаха и в Последний день, велят творить одобряемое, запрещают предосудительное и торопятся совершать добрые дела. Они являются одними из праведников.
К этому аяту нет толкования
3:115Страница 64
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
Какой бы добрый поступок они ни совершили, ничто не будет отвергнуто от них. Ведь Аллах знает богобоязненных.
К этому аяту нет толкования
3:116–117Страница 65
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦
Ни имущество, ни дети ничем не помогут перед Аллахом тем, которые не уверовали. Они будут обитателями Огня и пребудут там вечно.
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧
То, что они расходуют в этой мирской жизни, подобно морозному (или завывающему; или огненному) ветру, который поразил ниву людей, поступивших несправедливо по отношению к себе, а затем погубил ее. Аллах не был несправедлив к ним - они сами поступали несправедливо по отношению к себе.
هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِمَن أنْفَقَ مالَهُ في غَيْرِ طاعَتِهِ ومَرْضاتِهِ، فَشَبَّهَ سُبْحانَهُ ما يُنْفِقُهُ هَؤُلاءِ مِن أمْوالِهِمْ في المَكارِمِ والمَفاخِرِ وكَسْبِ الثَّناءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ لا يَبْتَغُونَ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، وما يُنْفِقُونَهُ لِيَصُدُّوا بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واتِّباعِ رُسُلِهِ، بِالزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ صاحِبُهُ يَرْجُو نَفْعَهُ وخَيْرَهُ فَأصابَتْهُ رِيحٌ شَدِيدَةُ البَرْدِ جِدًّا، يُحْرِقُ بَرْدُها ما يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن الزَّرْعِ والثِّمارِ، فَأهْلَكَتْ ذَلِكَ الزَّرْعَ وأيْبَسَتْهُ.
واخْتُلِفَ في الصِّرِّ؛ فَقِيلَ: البَرْدُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: النّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما وُصِفَتْ النّارُ بِأنَّها صِرٌّ لِتَصْرِيَتِها عِنْدَ الِالتِهابِ، وقِيلَ: الصِّرُّ الصَّوْتُ الَّذِي يَصْحَبُ الرِّيحَ مِن شِدَّةِ هُبُوبِها، والأقْوالُ الثَّلاثَةُ مُتَلازِمَةٌ؛ فَهو بَرْدٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ بِيَبْسِهِ لِلْحَرْثِ كَما تُحْرِقُهُ النّارُ، وفِيهِ صَوْتٌ شَدِيدٌ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَبَبَ إصابَتِها لِحَرْثِهِمْ هو ظُلْمُهُمْ؛ فَهو الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ الرِّيحَ المَذْكُورَةَ حَتّى أهْلَكَتْ زَرْعَهم وأيْبَسَتْهُ، فَظُلْمُهم هو الرِّيحُ الَّتِي أهْلَكَتْ أعْمالَهم ونَفَقاتِهِمْ وأتْلَفَتْها.
3:118Страница 65
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨
О те, которые уверовали! Не берите своими помощниками тех, кто не из вас. Они не упускают случая навредить вам и радуются вашим трудностям. Ненависть уже проявилась у них на устах, но в их сердцах кроется еще большая ненависть. Мы уже разъяснили вам знамения, если вы только разумеете!
К этому аяту нет толкования
3:119Страница 65
هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩
Вот вы любите их, а они вас не любят. И вы верите во все Писания. Когда они встречаются с вами, то говорят: «Мы уверовали». Когда же остаются одни, то кусают кончики пальцев от злобы к вам. Скажи: «Умрите от своей злобы! Аллаху известно о том, что в груди».
К этому аяту нет толкования
3:120Страница 65
إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠
Если с вами случается доброе, это огорчает их; если же вас постигает беда, они радуются. Но если вы будете терпеливы и богобоязненны, то их козни не причинят вам никакого вреда. Воистину, Аллах объемлет все, что они совершают.
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии