Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль Имран 3:18–25, продолжение
وَمِن شَهادَتِهِ أيْضًا: ما أوْدَعَهُ في قُلُوبِ عِبادِهِ: مِنَ التَّصْدِيقِ الجازِمِ، واليَقِينِ الثّابِتِ، والطُّمَأْنِينَةِ بِكَلامِهِ ووَحْيِهِ، فَإنَّ العادَةَ تُحِيلُ حُصُولَ ذَلِكَ بِما هو مِن أعْظَمِ الكَذِبِ، والِافْتِراءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ، والإخْبارِ عَنْهُ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، بَلْ ذَلِكَ يُوقِعُ أعْظَمَ الرَّيْبِ والشَّكِّ، وتَدْفَعُهُ الفِطَرُ والعُقُولُ السَّلِيمَةُ، كَما تَدْفَعُ الفِطَرُ - الَّتِي فُطِرَ عَلَيْها الحَيَوانُ - الأغْذِيَةَ الخَبِيثَةَ الضّارَّةَ الَّتِي لا تُغَذِّي، كالأبْوالِ والأنْتانِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَطَرَ القُلُوبَ عَلى قَبُولِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لَهُ، والطُّمَأْنِينَةِ بِهِ، والسُّكُونِ إلَيْهِ ومَحَبَّتِهِ، وفَطَرَها عَلى بُغْضِ الكَذِبِ والباطِلِ، والنُّفُورِ عَنْهُ، والرِّيبَةِ بِهِ، وعَدَمِ السُّكُونِ إلَيْهِ، ولَوْ بَقِيَتِ الفِطَرُ عَلى حالِها لَما آثَرَتْ عَلى الحَقِّ سِواهُ، ولَما سَكَنَتْ إلّا إلَيْهِ، ولا اطْمَأنَّتْ إلّا بِهِ، ولا أحَبَّتْ غَيْرَهُ، ولِهَذا نَدَبَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِبادَهُ إلى تَدَبُّرِ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ مَن تَدَبَّرَهُ أوْجَبَ لَهُ تَدَبُّرُهُ عِلْمًا ضَرُورِيًا ويَقِينًا جازِمًا: أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ، بَلْ أحَقُّ كُلَّ الحَقِّ، وأصْدَقُ كُلَّ صِدْقٍ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ أصْدَقُ خَلْقِ اللَّهِ، وأبَرُّهُمْ، وأكْمَلُهم عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] فَلَوْ رُفِعَتِ الأقْفالُ عَنِ القُلُوبِ لَباشَرَتْها حَقائِقُ القُرْآنِ، واسْتَنارَتْ فِيها مَصابِيحُ الإيمانِ، وعَلِمْتَ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يَكُونُ عِنْدَها كَسائِرِ الأُمُورِ الوِجْدانِيَّةِ - مِنَ الفَرَحِ، والألَمِ، والحُبِّ، والخَوْفِ - أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، تَكَلَّمَ بِهِ حَقًّا، وبَلَّغَهُ رَسُولُهُ جِبْرِيلُ عَنْهُ إلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، فَهَذا الشّاهِدُ في القَلْبِ مِن أعْظَمِ الشَّواهِدِ، وبِهِ احْتَجَّ هِرَقْلُ عَلى أبِي سُفْيانَ حَيْثُ قالَ لَهُ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أحَدٌ مِنهم سَخْطَةً لِدِينِهِ، بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَقالَ: لا، فَقالَ لَهُ: وكَذَلِكَ الإيمانُ إذا خالَطَتْ حَلاوَتُهُ بِشاشَةَ القُلُوبِ لا يَسْخَطُهُ أحَدٌ، وقَدْ أشارَ اللَّهُ تَعالى إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ [الحج: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾ [الرعد: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] يَعْنِي: أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها لا تُوجِبُ هِدايَةً، بَلِ اللَّهُ هو الَّذِي يَهْدِي ويُضِلُّ، ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى أعْظَمِ آيَةٍ وأجَلِّها، وهِيَ: طُمَأْنِينَةُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِهِ الَّذِي أنْزَلَهُ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٨] أيْ بِكِتابِهِ وكَلامِهِ: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فَطُمَأْنِينَةُ القُلُوبِ الصَّحِيحَةِ، والفِطَرِ السَّلِيمَةِ بِهِ، وسُكُونُها إلَيْهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ؛ إذْ يَسْتَحِيلُ في العادَةِ أنْ تَطْمَئِنَّ القُلُوبُ وتَسْكُنَ إلى الكَذِبِ والِافْتِراءِ والباطِلِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ شَهادَةَ رُسُلِهِ مَعَ المَلائِكَةِ، فَيَقُولُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ والرُّسُلُ، وهم أعْظَمُ شَهادَةً مِن أُولِي العِلْمِ؟
قِيلَ: في ذَلِكَ عِدَّةُ فَوائِدَ.
إحْداها: أنَّ أُولِي العِلْمِ أعَمُّ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ فَيَدْخُلُونَ هم وأتْباعُهم.
وَثانِيها: أنَّ في ذِكْرِ أُولِي العِلْمِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ، وتَعْلِيقِها بِهِمْ: ما يَدُلُّ عَلى أنَّها مِن مُوجِباتِ العِلْمِ ومُقْتَضَياتِهِ، وأنَّ مَن كانَ مِن أُولِي العِلْمِ فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ، كَما يُقالُ: إذا طَلَعَ الهِلالُ واتَّضَحَ، فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن أهْلِ النَّظَرِ يَراهُ، وإذا فاحَتْ رائِحَةٌ ظاهِرَةٌ، فَكُلُّ مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّمِّ يَشَمُّ هَذِهِ الرّائِحَةَ، قالَ تَعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] أيْ كُلُّ مَن لَهُ رُؤْيَةٌ يَراها حِينَئِذٍ عِيانًا، فَفي هَذا بَيانٌ أنَّ مَن لَمْ يَشْهَدْ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ فَهو مِن أعْظَمِ الجُهّالِ، وإنْ عَلِمَ مِن أُمُورِ الدُّنْيا ما لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ، فَهو مِن أُولِي الجَهْلِ، لا مِن أُولِي العِلْمِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ، ويُؤَدِّيها عَلى وجْهِها إلّا اتْباعُ الرُّسُلِ أهْلُ الإثْباتِ، فَهم أُولُو العِلْمِ، وسائِرُ مَن عَداهم أُولُو الجَهْلِ، وإنْ وسَّعُوا القَوْلَ وأكْثَرُوا الجِدالَ.
وَمِنها: الشَّهادَةُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأهْلِ هَذِهِ الشَّهادَةِ أنَّهم أُولُو العِلْمِ، فَشَهادَتُهُ لَهم أعْدَلُ وأصْدَقُ مِن شَهادَةِ الجَهْمِيَّةِ والمُعَطِّلَةِ والفِرْعَوْنِيَّةِ لَهم بِأنَّهم جُهّالٌ، وأنَّهم حَشَوِيَّةٌ، وأنَّهم مُشَبِّهَةٌ، وأنَّهم مُجَسِّمَةٌ ونَوابِتُ ونَواصِبُ، فَكَفاهم أصْدَقُ الصّادِقِينَ لَهم بِأنَّهم مِن أُولِي العِلْمِ إذْ شَهِدُوا لَهُ بِحَقِيقَةِ ما شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ، مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، وأثْبَتُوا لَهُ حَقِيقَةَ هَذِهِ الشَّهادَةِ ومَضْمُونَها، وخُصُومُهم نَفَوْا عَنْهُ حَقائِقَها، وأثْبَتُوا لَهُ ألْفاظَها ومَجازاتِها.
[فَصْلٌ: ضِمْنُ الشَّهادَةِ الإلَهِيَّةِ الثَّناءُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الشّاهِدِينَ بِها وتَعْدِيلِهِمْ]
وَفِي ضِمْنِ هَذِهِ الشَّهادَةِ الإلَهِيَّةِ الثَّناءُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الشّاهِدِينَ بِها وتَعْدِيلِهِمْ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَنَ شَهادَتَهم بِشَهادَتِهِ وشَهادَةِ مَلائِكَتِهِ، واسْتَشْهَدَ بِهِمْ - جَلَّ وعَلا - عَلى أجَلٍ مَشْهُودٍ بِهِ، وجَعَلَهم حُجَّةً عَلى مَن أنْكَرَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، كَما يَحْتَجُّ بِالبَيِّنَةِ عَلى مَن أنْكَرَ الحَقَّ، فالحُجَّةُ قامَتْ بِالرُّسُلِ عَلى الخَلْقِ، وهَؤُلاءِ نُوّابُ الرُّسُلِ وخُلَفاؤُهم في إقامَةِ حُجَجِ اللَّهِ عَلى العِبادِ.
[فَصْلٌ: تَفْسِيرُ شَهادَةِ أُولِي العِلْمِ]
وَقَدْ فُسِّرَتْ شَهادَةُ أُولِي العِلْمِ بِالإقْرارِ، وفُسِّرَتْ بِالتَّبْيِينِ والإظْهارِ.
والصَّحِيحُ: أنَّها تَتَضَمَّنُ الأمْرَيْنِ، فَشَهادَتُهم إقْرارٌ، وإظْهارٌ، وإعْلامٌ، وهم شُهَداءُ اللَّهِ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
وَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]
فَأخْبَرَ: أنَّهُ جَعَلَهم عُدُولًا خِيارًا، ونَوَّهَ بِذِكْرِهِمْ قَبْلَ أنْ يُوجِدَهُمْ، لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِنَ اتِّخاذِهِ لَهم شُهَداءً يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَمَن لَمْ يَقُمْ بِهَذِهِ الشَّهادَةِ - عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً وإقْرارًا، ودَعْوَةً وتَعْلِيمًا، وإرْشادًا - فَلَيْسَ مِن شُهَداءِ اللَّهِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
3:19Страница 52
إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩
Воистину, религией у Аллаха является ислам. Те, кому было даровано Писание, впали в разногласия только после того, как к ним явилось знание, по причине зависти и несправедливого отношения друг к другу. Если кто не уверовал в знамения Аллаха, то ведь Аллах скор на расчет.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: هَلْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ داخِلٌ في مَضْمُونِ هَذِهِ الشَّهادَةِ؟ فَهو بَعْضُ المَشْهُودِ بِهِ.
وَهَذا الِاخْتِلافُ مَبْنِيٌّ عَلى القِراءَتَيْنِ في كَسْرِ " إنَّ " وفَتْحِها، فالأكْثَرُونَ عَلى كَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ، وفَتَحَها الكِسائِيُّ وحْدَهُ، والوَجْهُ: هو الكَسْرُ؛ لِأنَّ الكَلامَ الَّذِي قَبْلَهُ قَدْ تَمَّ، فالجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وهَذا أبْلَغُ في التَّقْرِيرِ، وأذْهَبُ في المَدْحِ والثَّناءِ، ولِهَذا كانَ كَسْرُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] أحْسَنَ مِنَ الفَتْحِ، وكانَ الكَسْرُ في قَوْلِ المُلَبِّي " لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ " أحْسَنَ مِنَ الفَتْحِ.
وَقَدْ ذَكَرَ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الكِسائِيِّ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ واقِعَةً عَلى الجُمْلَتَيْنِ، فَهي واقِعَةٌ عَلى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وهو المَشْهُودُ بِهِ، ويَكُونُ فَتْحُ " أنَّهُ " مِن قَوْلِهِ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وهَذا تَوْجِيهُ الفَرّاءِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإنَّ المَعْنى عَلى خِلافِهِ، وأنَّ المَشْهُودَ بِهِ هو نَفْسُ قَوْلِهِ " أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو " فالمَشْهُودُ بِهِ " أنَّ " وما في حَيِّزِها، والعِنايَةُ إلى هَذا صُرِفَتْ، وبِهِ حَصَلَتْ، ولَكِنْ لِهَذا القَوْلِ - مَعَ ضَعْفِهِ - وجْهٌ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: شَهِدَ اللَّهُ بِتَوْحِيدِهِ، أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، والإسْلامُ: هو تَوْحِيدُهُ سُبْحانَهُ، فَتَضَمَّنَتِ الشَّهادَةُ تَوْحِيدَهُ، وتَحْقِيقَ دِينِهِ: أنَّهُ الإسْلامُ لا غَيْرُهُ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ واقِعَةً عَلى الجُمْلَتَيْنِ مَعًا، كِلاهُما مَشْهُودٌ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الواوِ وإرادَتِها، والتَّقْدِيرُ: وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، فَتَكُونُ جُمْلَةً اسْتَغْنى فِيها عَنْ حَرْفِ العَطْفِ بِما تَضَمَّنَتْ مِن ذِكْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، كَما وقَعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْها في قَوْلِهِ ﴿ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فَيَحْسُنُ ذِكْرُ الواوِ وحَذْفُها، كَما حُذِفَتْ هُنا، وذُكِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
الوَجْهُ الثّالِثُ - وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ -: أنْ يَجْعَلَ " أنَّ " الثّانِيَةَ بَدَلًا مِن
الأُولى، والتَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، وقَوْلُهُ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] تَوْطِئَةٌ لِلثّانِيَةِ وتَمْهِيدٌ، ويَكُونُ هَذا مِنَ البَدَلِ الَّذِي الثّانِي فِيهِ نَفْسُ الأوَّلِ، فَإنَّ الدِّينَ الَّذِي هو نَفْسُ الإسْلامِ عِنْدَ اللَّهِ هو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والقِيامُ بِحَقِّها، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن بابِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ؛ لِأنَّ الإسْلامَ يَشْتَمِلُ عَلى التَّوْحِيدِ.
فَإنْ قِيلَ: فَكانَ يَنْبَغِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ؛ لِأنَّ المَعْنى: شَهِدَ اللَّهُ أنَّ الدِّينَ عِنْدَهُ الإسْلامُ، فَلِمَ عَدَلَ إلى لَفْظِ الظّاهِرِ؟
قِيلَ: هَذا يُرَجِّحُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ، وأنَّها أفْصَحُ وأحْسَنُ، ولَكِنْ يَجُوزُ إقامَةُ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
وَقالَ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٩]
وَقالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: افْتَخَرَ المُشْرِكُونَ بِآبائِهِمْ، فَقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: لا دِينَ إلّا دِينُ آبائِنا، وما كانُوا عَلَيْهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] يَعْنِي الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وهو دِينُ الأنْبِياءِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، لَيْسَ لِلَّهِ دِينٌ سِواهُ ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ عَلى أنَّهُ دِينُ جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ وأتْباعِهِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ قَطُّ ولا يَكُونُ لَهُ دِينٌ سِواهُ، قالَ أوَّلُ الرُّسُلِ نُوحٌ ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] وقالَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ - ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يابَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٢٨-١٣٢]
وَقالَ يَعْقُوبُ لِبَنِيهِ عِنْدَ المَوْتِ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ﴾ [البقرة: ١٣٣]- إلى قَوْلِهِ - ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]
وَقالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]
وَقالَ تَعالى ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢]
وَقالَتْ مَلِكَةُ سَبَأٍ ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
فالإسْلامُ دِينُ أهْلِ السَّماواتِ، ودِينُ أهْلِ التَّوْحِيدِ مِن أهْلِ الأرْضِ، لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِن أحَدٍ دِينًا سِواهُ، فَأدْيانُ أهْلِ الأرْضِ سِتَّةٌ: واحِدٌ لِلرَّحْمَنِ، وخَمْسَةٌ لِلشَّيْطانِ، فَدِيْنُ الرَّحْمَنِ: هو الإسْلامُ، والَّتِي لِلشَّيْطانِ: اليَهُودِيَّةُ، والنَّصْرانِيَّةُ، والمَجُوسِيَّةُ، والصّابِئَةُ، ودِينُ المُشْرِكِينَ.
فَهَذا بَعْضُ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ مِن أسْرارِ التَّوْحِيدِ والمَعارِفِ، ولا تَسْتَطِلِ الكَلامَ فِيها، فَإنَّهُ أهَمُّ مِنَ الكَلامِ عَلى كَلامِ صاحِبِ المَنازِلِ.
((الجزء الرابع))
3:20Страница 52
فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠
Если они станут препираться с тобой, то скажи: «Я подчинил свой лик Аллаху вместе с теми, кто последовал за мной». Скажи тем, кому даровано Писание, а также необразованным людям: «Обратились ли вы в ислам?». Если они обратятся в ислам, то последуют прямым путем. Если же они отвернутся, то ведь на тебя возложена только передача откровения. Аллах видит рабов.
К этому аяту нет толкования
3:21Страница 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Тех, которые не веруют в знамения Аллаха, и убивают пророков, не имея на это никакого права, и убивают тех из людей, которые повелевают поступать справедливо, обрадуй мучительными страданиями.
К этому аяту нет толкования
3:22Страница 52
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢
Их деяния окажутся тщетными в этом мире и в Последней жизни, и не будет у них помощников.
К этому аяту нет толкования
3:23Страница 53
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Разве ты не видел, что тех, кому была дарована часть Писания, призывают к Писанию Аллаха, дабы оно рассудило между ними, но часть из них отворачивается с отвращением?
К этому аяту нет толкования
3:24Страница 53
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
Это потому, что они говорят: «Огонь коснется нас лишь на считанные дни!». Их обольстило в их религии то, что они измышляли.
К этому аяту нет толкования
3:25Страница 53
فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥
А что произойдет, когда Мы соберем их в тот день, в котором нет сомнения, когда каждая душа сполна получит то, что она приобрела, и когда с ними не поступят несправедливо?
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии