Ибн аль-КаййимЛукман · 31:31–34

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Лукман 31:31–34

31:31Страница 414

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١

Разве ты не видишь, что по милости Аллаха корабль плывет по морю, чтобы Он показал вам некоторые из Своих знамений? Воистину, в этом - знамения для каждого, кто терпелив и благодарен.

(فصل: في أن الصبر نصف الإيمان، والإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر)

قال غير واحد من السلف الصبر نصف الإيمان وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر" ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله ﴿ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ في سورة إبراهيم وفي سورة حم عسق وفي سورة سبأ وفي سورة لقمان وقد ذكر لهذا التنصيف اعتبارات.

أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية وهي ترجع إلى شطرين فعل وترك فالفعل هو العمل بطاعة الله وهو حقيقة الشكر والترك هو الصبر عن المعصية والدين كله في هذين الشيئين فعل المأمور وترك المحظور.

(الاعتبار الثاني)

أن الإيمان مبني على ركنين يقين وصبر وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾

فباليقين يعلم حقيقة الأمر والنهي والثواب والعقاب وبالصبر ينفذ ما أمر به ويكف نفسه عما نهى عنه ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي إنه من عند الله وبالثواب والعقاب إلا باليقين ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر بفعل ما أمر به وبترك ما نهي عنه.

(الاعتبار الثالث)

أن الإيمان قول وعمل والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنا كما قال عن قوم فرعون ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾

وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح ﴿وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين﴾

وقال موسى لفرعون ﴿لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر﴾ فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنا بل كان من المنافقين وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنا حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادي أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرا وباطنا وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به.

فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه وهي ترجع إلى علم وعمل ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي وكلاهما لا يحصل إلا بالصبر، فصار الإيمان نصفين:

أحدهما الصبر والثاني متولد عنه من العلم والعمل.

(الاعتبار الرابع)

أن النفس لها قوتان قوة الإقدام وقوة الاحجام وهي دائما تتردد بين أحكام هاتين القوتين فتقدم على ما تحبه وتحجم عما تكرهه والدين كله اقدام واحجام اقدام على طاعة واحجام عن معاصي الله وكل منهما لا يمكن حصوله إلا بالصبر

الاعتبار الخامس أن الدين كله رغبة ورهبة فالمؤمن هو الراغب الراهب قال تعالى ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا﴾ وفي الدعاء عند النوم الذي رواه البخاري في صحيحه

"اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهى إليك وفوضت امري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك "

فلا تجد المؤمن أبدا إلا راغبا وراهبا والرغبة والرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر فرهبته تحمله على الصبر ورغبته تقوده إلى الشكر.

(الاعتبار السادس)

أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره في الدنيا والآخرة أو ينفعه في أحد الدارين ويضره في الأخرى وأشرف الاقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها وهو حقيقة الإيمان ففعل ما ينفعه هو الشكر وترك ما يضره هو الصبر.

(الاعتبار السابع)

أن العبد لا ينفك عن أمر يفعله ونهى يتركه وقدر يجري عليه وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر.

ففعل المأمور هو الشكر، وترك المحظور، والصبر على المقدور هو الصبر.

(الاعتبار الثامن)

إن العبد فيه داعيان داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها وداع يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم فعصيان داعي الشهوة والهوى هو الصبر وإجابة داعي الله والدار الآخرة هو الشكر

(الاعتبار التاسع)

أن الدين مداره على أصلين العزم والثبات وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن النبي: "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد" وأصل الشكر صحة العزيمة وأصل الصبر قوة الثبات فمتى أيد العبد بعزيمة وثبات فقد أيد بالمعونة والتوفيق

الاعتبار العاشر أن الدين مبني على أصلين الحق والصبر وهما المذكوران في قوله تعالى ﴿وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾

ولما كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس وكان هذا هو حقيقة الشكر لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه فكان الصبر نصف الإيمان والله سبحانه وتعالى أعلم.

31:32Страница 414

وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢

Когда волна накрывает их, словно тень, они взывают к Аллаху, очищая перед Ним свою веру. Когда же Он спасает их и выводит на сушу, то среди них находится тот, кто проявляет умеренность (проявляет покорность или уклоняется от должной благодарности). Но отвергают Наши знамения только неблагодарные изменники.

К этому аяту нет толкования

31:33Страница 414

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣

О люди! Бойтесь вашего Господа и страшитесь того дня, когда родитель никак не защитит своего ребенка, а ребенок - своего родителя. Обещание Аллаха истинно, и пусть не обольщает вас мирская жизнь, и пусть соблазнитель (дьявол) не обольщает вас относительно Аллаха.

[فَصْلٌ: مُغالَطَةُ النَّفْسِ حَوْلَ الأسْبابِ]

الأمْرُ الثّانِي أنْ يَحْذَرَ مُغالَطَةَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأسْبابِ وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ فَإنَّ العَبْدَ يَعْرِفُ أنَّ المَعْصِيَةَ والغَفْلَةَ مِنَ الأسْبابِ المُضِرَّةِ لَهُ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ ولا بُدَّ، ولَكِنْ تُغالِطُهُ نَفْسُهُ بِالِاتِّكالِ عَلى عَفْوِ اللَّهِ ومَغْفِرَتِهِ تارَةً، وبِالتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ بِاللِّسانِ تارَةً، وبِفِعْلِ المَندُوباتِ تارَةً، وبِالعِلْمِ تارَةً، وبِالِاحْتِجاجِ بِالقَدَرِ تارَةً، وبِالِاحْتِجاجِ بِالأشْباهِ والنُّظَراءِ تارَةً، وبِالِاقْتِداءِ بِالأكابِرِ تارَةً أُخْرى.

وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَظُنُّ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ما فَعَلَ ثُمَّ قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، زالَ أثَرُ الذَّنْبِ وراحَ هَذا بِهَذا، وقالَ لِي رَجُلٌ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الفِقْهِ: أنا أفْعَلُ ما أفْعَلُ ثُمَّ أقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ وقَدْ غُفِرَ ذَلِكَ أجْمَعُهُ كَما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن قالَ في يَوْمٍ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطاياهُ، ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»، وقالَ لِي آخَرُ مِن أهْلِ مَكَّةَ: نَحْنُ إذا فَعَلَ أحَدُنا ما فَعَلَ، اغْتَسَلَ وطافَ بِالبَيْتِ أُسْبُوعًا وقَدْ مُحِيَ عَنْهُ ذَلِكَ، وقالَ لِي آخَرُ: قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ:

«أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقالَ: أيْ رَبِّ أصَبْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْ لِي، فَغَفَرَ اللَّهُ ذَنْبَهُ، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقالَ: أيْ رَبِّ أصَبْتُ ذَنْبًا، فاغْفِرْ لِي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَصْنَعْ ما شاءَ».

وَقالَ: أنا لا أشُكُّ أنَّ لِي رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ، وهَذا الضَّرْبُ مِنَ النّاسِ قَدْ تَعَلَّقَ بِنُصُوصٍ مِنَ الرَّجاءِ، واتَّكَلَ عَلَيْها وتَعَلَّقَ بِها بِكِلْتا يَدَيْهِ وإذا عُوتِبَ عَلى الخَطايا والِانْهِماكِ فِيها، سَرَدَ لَكَ ما يَحْفَظُهُ مِن سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ ومَغْفِرَتِهِ ونُصُوصِ الرَّجاءِ، ولِلْجُهّالِ مِن هَذا الضَّرْبِ مِنَ النّاسِ في هَذا البابِ غَرائِبُ وعَجائِبُ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ:

؎وَكَثِّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا ∗∗∗ إذا كانَ القُدُومُ عَلى كَرِيمٍ

وَقَوْلِ الآخَرِ: التَّنَزُّهُ مِنَ الذُّنُوبِ جَهْلٌ بِسَعَةِ عَفْوِ اللَّهِ.

وَقالَ الآخَرُ: تَرْكُ الذُّنُوبِ جَراءَةٌ عَلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ واسْتِصْغارٌ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَزْمٍ: رَأيْتُ بَعْضَ هَؤُلاءِ يَقُولُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ العِصْمَةِ.

التَّعَلُّقُ بِالجَبْرِ

وَمِن هَؤُلاءِ المَغْرُورِينَ مَن يَتَعَلَّقُ بِمَسْألَةِ الجَبْرِ، وأنَّ العَبْدَ لا فِعْلَ لَهُ ألْبَتَّةَ ولا اخْتِيارَ، وإنَّما هو مَجْبُورٌ عَلى فِعْلِ المَعاصِي.

التَّعَلُّقُ بِالإرْجاءِ

وَمِن هَؤُلاءِ مَن يَغْتَرُّ بِمَسْألَةِ الإرْجاءِ، وأنَّ الإيمانَ هو مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، والأعْمالَ لَيْسَتْ مِنَ الإيمانِ، وأنَّ إيمانَ أفْسَقِ النّاسِ كَإيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.

وَمِن هَؤُلاءِ مَن يَغْتَرُّ بِمَحَبَّةِ الفُقَراءِ والمَشايِخِ والصّالِحِينَ، وكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ إلى قُبُورِهِمْ، والتَّضَرُّعِ إلَيْهِمْ، والِاسْتِشْفاعِ بِهِمْ، والتَّوَسُّلِ إلى اللَّهِ بِهِمْ، وسُؤالِهِ بِحَقِّهِمْ عَلَيْهِ، وحُرْمَتِهِمْ عِنْدَهُ.

وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِآبائِهِ وأسْلافِهِ، وأنَّ لَهم عِنْدَ اللَّهِ مَكانَةً وصَلاحًا، فَلا يَدَعُوهُ أنْ يُخَلِّصُوهُ كَما يُشاهِدُ في حَضْرَةِ المُلُوكِ، فَإنَّ المُلُوكَ تَهَبُ لِخَواصِّهِمْ ذُنُوبَ أبْنائِهِمْ وأقارِبِهِمْ، وإذا وقَعَ أحَدٌ مِنهم في أمْرٍ مُفْظِعٍ خَلَّصَهُ أبُوهُ وجَدُّهُ بِجاهِهِ ومَنزِلَتِهِ.

الِاغْتِرارُ بِاللَّهِ

وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ عَذابِهِ، وعَذابُهُ لا يَزِيدُ في مُلْكِهِ شَيْئًا، ورَحْمَتُهُ لَهُ لا تَنْقُصُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا، فَيَقُولُ: أنا مُضْطَرٌّ إلى رَحْمَتِهِ، وهو أغْنى الأغْنِياءِ، ولَوْ أنَّ فَقِيرًا مِسْكِينًا مُضْطَرًّا إلى شَرْبَةِ ماءٍ عِنْدَ مَن في دارِهِ شَطٌّ يَجْرِي لَما مَنَعَهُ مِنها فاللَّهُ أكْرَمُ وأوْسَعُ فالمَغْفِرَةُ لا تَنْقُصُهُ شَيْئًا والعُقُوبَةُ لا تَزِيدُ في مُلْكِهِ شَيْئًا.

الِاغْتِرارُ بِالفَهْمِ الفاسِدِ والقُرْآنِ والسُّنَّةِ

وَمِنهم مَن يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فاسِدٍ فَهِمَهُ هو وأضْرابُهُ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، فاتَّكَلُوا عَلَيْهِ كاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥٥].

قالَ وهو لا يَرْضى أنْ يَكُونَ في النّارِ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، وأبْيَنِ الكَذِبِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وجَلَّ، واللَّهُ تَعالى يُرْضِيهِ تَعْذِيبُ الظَّلَمَةِ والفَسَقَةِ والخَوَنَةِ والمُصِرِّينَ عَلى الكَبائِرِ، فَحاشا رَسُولَهُ أنْ يَرْضى بِما لا يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]

وَهَذا أيْضًا مِن أقْبَحِ الجَهْلِ، فَإنَّ الشِّرْكَ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ رَأْسُ الذُّنُوبِ وأساسُها، ولا خِلافَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ التّائِبِينَ، فَإنَّهُ يَغْفِرُ ذَنْبَ كُلِّ تائِبٍ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ، ولَوْ كانَتِ الآيَةُ في حَقِّ غَيْرِ التّائِبِينَ لَبَطَلَتْ نُصُوصُ الوَعِيدِ كُلُّها.

وَأحادِيثُ إخْراجِ قَوْمٍ مِنَ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ.

وَهَذا إنَّما أتى صاحِبَهُ مِن قِلَّةِ عِلْمِهِ وفَهْمِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا عَمَّمَ وأطْلَقَ، فَعُلِمَ أنَّهُ أرادَ التّائِبِينَ، وفي سُورَةِ النِّساءِ خَصَّصَ وقَيَّدَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَأخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَهُ، ولَوْ كانَ هَذا في حَقِّ التّائِبِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ، وكاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦٦] فَيَقُولُ: كَرَمُهُ، وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ، وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغَرُورُ، وهو الشَّيْطانُ، ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ، وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ الكَرِيمِ وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ، الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ، ولا إهْمالُ حَقِّهِ، فَوَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ الغَرُورَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ.

وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى في النّارِ: ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى - الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٥-١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].

وَلَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ هي نارٌ مَخْصُوصَةٌ مِن جُمْلَةِ دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، ولَوْ كانَتْ جَمِيعَ جَهَنَّمَ فَهو سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لا يَدْخُلُها بَلْ قالَ ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ صَلْيِها، عَدَمُ دُخُولِها، فَإنَّ الصَّلْيَ أخَصُّ مِنَ الدُّخُولِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.

ثُمَّ هَذا المُغْتَرُّ لَوْ تَأمَّلَ الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها؛ لَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ داخِلٍ فِيها، فَلا يَكُونُ مَضْمُونًا لَهُ أنْ يُجَنَّبَها.

وَأمّا قَوْلُهُ في النّارِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾، فَقَدْ قالَ في الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ولا يُنافِي إعْدادُ النّارِ لِلْكافِرِينَ أنْ يَدْخُلَها الفُسّاقُ والظَّلَمَةُ، ولا يُنافِي إعْدادُ الجَنَّةِ لِلْمُتَّقِينَ أنْ يَدْخُلَها مَن في قَلْبِهِ أدْنى مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ، ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ.

وَكاغْتِرارِ بَعْضِهِمْ عَلى صَوْمِ يَوْمِ عاشُوراءَ، أوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ عاشُوراءَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ العامِ كُلَّها، ويَبْقى صَوْمُ عَرَفَةَ زِيادَةً في الأجْرِ، ولَمْ يَدْرِ هَذا المُغْتَرُّ، أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ، والصَّلَواتِ الخَمْسِ، أعْظَمُ وأجَلُّ مِن صِيامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ويَوْمِ عاشُوراءَ، وهي إنَّما تُكَفِّرُ ما بَيْنَهُما إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ.

فَرَمَضانُ إلى رَمَضانَ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، لا يَقْوَيا عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ، إلّا مَعَ انْضِمامِ تَرْكِ الكَبائِرِ إلَيْها، فَيَقْوى مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ.

فَكَيْفَ يُكَفِّرُ صَوْمُ يَوْمِ تَطَوُّعٍ كُلَّ كَبِيرَةٍ عَمِلَها العَبْدُ وهو مُصِرٌّ عَلَيْها، غَيْرُ تائِبٍ مِنها؟ هَذا مُحالٌ عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ ويَوْمِ عاشُوراءَ مُكَفِّرًا لِجَمِيعِ ذُنُوبِ العامِ عَلى عُمُومِهِ، ويَكُونُ مِن نُصُوصِ الوَعْدِ الَّتِي لَها شُرُوطٌ ومَوانِعُ، ويَكُونُ إصْرارُهُ عَلى الكَبائِرِ مانِعًا مِنَ التَّكْفِيرِ، فَإذا لَمْ يُصِرَّ عَلى الكَبائِرِ لِتَساعُدِ الصَّوْمِ وعَدَمِ الإصْرارِ، وتَعاوُنِهِما عَلى عُمُومِ التَّكْفِيرِ، كَما كانَ رَمَضانُ والصَّلَواتُ الخَمْسُ مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ مُتَساعِدَيْنِ مُتَعاوِنَيْنِ عَلى تَكْفِيرِ الصَّغائِرِ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]

فَعُلِمَ أنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِلتَّكْفِيرِ لا يَمْنَعُ أنْ يَتَساعَدَ هو وسَبَبٌ آخَرُ عَلى التَّكْفِيرِ، ويَكُونُ التَّكْفِيرُ مَعَ اجْتِماعِ السَّبَبَيْنِ أقْوى وأتَمَّ مِنهُ مَعَ انْفِرادِ أحَدِهِما، وكُلَّما قَوِيَتْ أسْبابُ التَّكْفِيرِ كانَ أقْوى وأتَمَّ وأشْمَلَ.

حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ

وَكاتِّكالِ بَعْضِهِمْ عَلى قَوْلِهِ ﷺ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ " «أنا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ» يَعْنِي ما كانَ في ظَنِّهِ فَإنِّي فاعِلُهُ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإحْسانِ، فَإنَّ المُحْسِنَ حَسَنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى إحْسانِهِ ولا يُخْلِفَ وعْدَهُ، ويَقْبَلَ تَوْبَتَهُ.

وَأمّا المُسِيءُ المُصِرُّ عَلى الكَبائِرِ والظُّلْمِ والمُخالَفاتِ فَإنَّ وحْشَةَ المَعاصِي والظُّلْمِ والحَرامِ تَمْنَعُهُ مِن حُسْنِ الظَّنِّ بِرَبِّهِ، وهَذا مَوْجُودٌ في الشّاهِدِ، فَإنَّ العَبْدَ الآبِقَ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ سَيِّدِهِ لا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، ولا يُجامِعُ وحْشَةَ الإساءَةِ إحْسانُ الظَّنِّ أبَدًا، فَإنَّ المُسِيءَ مُسْتَوْحِشٌ بِقَدْرِ إساءَتِهِ، وأحْسَنُ النّاسِ ظَنًّا بِرَبِّهِ أطْوَعُهم لَهُ.

كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأحْسَنَ العَمَلَ وإنَّ الفاجِرَ أساءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأساءَ العَمَلَ.

وَكَيْفَ يَكُونُ مُحْسِنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ مَن هو شارِدٌ عَنْهُ، حالٌّ مُرْتَحِلٌ في مَساخِطِهِ وما يُغْضِبُهُ، مُتَعَرِّضٌ لِلَعْنَتِهِ قَدْ هانَ حَقُّهُ وأمْرُهُ عَلَيْهِ فَأضاعَهُ، وهانَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ فارْتَكَبَهُ وأصَرَّ عَلَيْهِ؟

وَكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ، وعادى أوْلِياءَهُ، ووالى أعْداءَهُ، وجَحَدَ صِفاتَ كَمالِهِ، وأساءَ الظَّنَّ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ ظاهِرَ ذَلِكَ ضَلالٌ وكُفْرٌ؟ وكَيْفَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَأْمُرُ ولا يَنْهى ولا يَرْضى ولا يَغْضَبُ؟

وَقَدْ قالَ اللَّهُ في حَقِّ مَن شَكَّ في تَعَلُّقِ سَمْعِهِ بِبَعْضِ الجُزْئِيّاتِ، وهو السِّرُّ مِنَ القَوْلِ: ﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣].

فَهَؤُلاءِ لَمّا ظَنُّوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا يَعْمَلُونَ، كانَ هَذا إساءَةً لِظَنِّهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَأرْداهم ذَلِكَ الظَّنُّ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مَن جَحَدَ صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، ووَصَفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، فَإذا ظَنَّ هَذا أنَّهُ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ كانَ هَذا غُرُورًا وخِداعًا مِن نَفْسِهِ، وتَسْوِيلًا مِنَ الشَّيْطانِ، لا إحْسانَ ظَنٍّ بِرَبِّهِ.

فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ، وتَأمَّلْ شِدَّةَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وكَيْفَ يَجْتَمِعُ في قَلْبِ العَبْدِ تَيَقُّنُهُ بِأنَّهُ مُلاقٍ اللَّهَ، وأنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ويَرى مَكانَهُ، ويَعْلَمُ سِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، ومَسْئُولٌ عَنْ كُلِّ ما عَمِلَ، وهو مُقِيمٌ عَلى مَساخِطِهِ مُضَيِّعٌ لِأوامِرِهِ، مُعَطِّلٌ لِحُقُوقِهِ، وهو مَعَ هَذا يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ، وهَلْ هَذا إلّا مِن خِدَعِ النُّفُوسِ، وغُرُورِ الأمانِيِّ؟

وَقَدْ قالَ أبُو أُمامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: دَخَلْتُ أنا وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلى عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فَقالَتْ «لَوْ رَأيْتُما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَرَضٍ لَهُ، وكانَتْ عِنْدِي سِتَّةُ دَنانِيرَ، أوْ سَبْعَةٌ، فَأمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أُفَرِّقَها، قالَتْ: فَشَغَلَنِي وجَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى عافاهُ اللَّهُ، ثُمَّ سَألَنِي عَنْها فَقالَ: ما فَعَلْتِ؟ أكُنْتِ فَرَّقَتِ السِّتَّةَ الدَّنانِيرَ؟ فَقُلْتُ: لا واللَّهِ لَقَدْ شَغَلَنِي وجَعُكَ، قالَتْ فَدَعا بِها، فَوَضَعَها في كَفِّهِ، فَقالَ: ما ظَنُّ نَبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ؟ وفي لَفْظٍ: ما ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِرَبِّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ وهَذِهِ عِنْدَهُ».

فَيا لَلَّهِ ما ظَنُّ أصْحابِ الكَبائِرِ والظَّلَمَةِ بِاللَّهِ إذا لَقَوْهُ ومَظالِمُ العِبادِ عِنْدَهُمْ؟ فَإنْ كانَ يَنْفَعُهم قَوْلُهُمْ: حَسَّنّا ظُنُونَنا بِكَ، إنَّكَ لَنْ تُعَذِّبَ ظالِمًا ولا فاسِقًا، فَلْيَصْنَعِ العَبْدُ ما شاءَ، ولِيَرْتَكِبْ كُلَّ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النّارَ لا تَمَسُّهُ، فَسُبْحانَ اللَّهِ! ما يَبْلُغُ الغُرُورُ بِالعَبْدِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ - فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦-٨٧].

أيْ ما ظَنُّكم أنْ يَفْعَلَ بِكم إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ.

وَمَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ عَلِمَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ هو حُسْنُ العَمَلِ نَفْسُهُ، فَإنَّ العَبْدَ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى حُسْنِ العَمَلِ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى أعْمالِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْها ويَتَقَبَّلَها مِنهُ، فالَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَمَلِ حُسْنُ الظَّنِّ، فَكُلَّما حَسُنَ ظَنُّهُ حَسُنَ عَمَلُهُ، وإلّا فَحُسْنُ الظَّنِّ مَعَ اتِّباعِ الهَوى عَجْزٌ، كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والمُسْنَدِ مِن حَدِيثِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ».

وَبِالجُمْلَةِ فَحُسْنُ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ النَّجاةِ، وأمّا مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ الهَلاكِ فَلا يَتَأتّى إحْسانُ الظَّنِّ.

الفَرْقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ والغُرُورِ

فَإنْ قِيلَ: بَلْ يَتَأتّى ذَلِكَ، ويَكُونُ مُسْتَنَدُ حُسْنِ الظَّنِّ سَعَةَ مَغْفِرَةِ اللَّهِ، ورَحْمَتِهِ وعَفْوِهِ وجُودِهِ، وأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّهُ لا تَنْفَعُهُ العُقُوبَةُ، ولا يَضُرُّهُ العَفْوُ.

قِيلَ: الأمْرُ هَكَذا، واللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ وأجَلُّ وأكْرَمُ وأجْوَدُ وأرْحَمُ، ولَكِنْ إنَّما يَضَعُ ذَلِكَ في مَحِلِّهِ اللّائِقِ بِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْصُوفٌ بِالحِكْمَةِ، والعِزَّةِ والِانْتِقامِ، وشِدَّةِ البَطْشِ، وعُقُوبَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ، فَلَوْ كانَ مُعَوَّلُ حُسْنِ الظَّنِّ عَلى مُجَرَّدِ صِفاتِهِ وأسْمائِهِ لاشْتَرَكَ في ذَلِكَ البَرُّ والفاجِرُ، والمُؤْمِنُ والكافِرُ، ووَلِيُّهُ وعَدُّوهُ، فَما يَنْفَعُ المُجْرِمَ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ وقَدْ باءَ بِسُخْطِهِ وغَضَبِهِ، وتَعَرَّضَ لِلَعْنَتِهِ، ووَقَعَ في مَحارِمِهِ، وانْتَهَكَ حُرُماتِهِ، بَلْ حُسْنُ الظَّنِّ يَنْفَعُ مَن تابَ ونَدِمَ وأقْلَعَ، وبَدَّلَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ، واسْتَقْبَلَ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ بِالخَيْرِ والطّاعَةِ، ثُمَّ أحْسَنَ الظَّنَّ، فَهَذا هو حُسْنُ ظَنٍّ، والأوَّلُ غُرُورٌ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

وَلا تَسْتَطِلْ هَذا الفَصْلَ، فَإنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ شَدِيدَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وبَيْنَ الغُرُورِ بِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فَجَعَلَ هَؤُلاءِ أهْلَ الرَّجاءِ، لا البَطّالِينَ والفاسِقِينَ.

قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن فَعَلَها، فالعالِمُ يَضَعُ الرَّجاءَ مَواضِعَهُ والجاهِلُ المُغْتَرُّ يَضَعُهُ في غَيْرِ مَواضِعِهِ.

31:34Страница 414

إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤

Воистину, только Аллах обладает знанием о Часе, ниспосылает дождь и знает о том, что в утробах. Ни один человек не знает, что он приобретет завтра, и ни один человек не знает, в какой земле он умрет. Воистину, Аллах - Знающий, Ведающий.

К этому аяту нет толкования

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English