Ибн аль-КаййимАль‑Ахзаб · 33:56

Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском

Аль-Ахзаб 33:56

33:56Страница 426

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦

Воистину, Аллах и Его ангелы благословляют Пророка. О те, которые уверовали! Благословляйте его и приветствуйте миром.

حَدثنا مَحْمُود بن خِداش أخبرنا جرير عَن مُغيرَة عَن أبي معشر عَن إبْراهِيم قالَ قالُوا يا رَسُول الله قد علمنا السَّلام عَلَيْك فَكيف الصَّلاة عَلَيْك قالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك ورَسُولك وأهل بَيته كَما صليت على آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد

حَدثنا سُلَيْمان بن حَرْب حَدثنا السّري بن يحيى قالَ سَمِعت الحسن قالَ:

"لما نزلت ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

قالُوا يا رَسُول الله هَذا السَّلام قد علمنا كَيفَ هو فَكيف تَأْمُرنا أن نصلي عَلَيْك قالَ:

"تَقولُونَ اللَّهُمَّ اجْعَل صلواتك وبركاتك على آل مُحَمَّد كَما جَعلتها على آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد"

حَدثنا سُلَيْمان بن حَرْب حَدثنا عَمْرو بن مُسافر حَدثنِي شيخ من أهلِي قالَ سَمِعت سعيد بن المسيب يَقُول:

"ما من دَعْوَة لا يُصَلِّي عَليّ النَّبِي ﷺ قبلها إلّا كانَت معلقَة بَين السَّماء والأرْض".

وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث النَّضر بن شُمَيْل عَن أبي قُرَّة الأسدي عَن سعيد بن المسيب عَن عمر رَضِي الله عَنهُ قالَ:

"إن الدُّعاء مَوْقُوف بَين السَّماء والأرْض لا يصعد مِنهُ شَيْء حَتّى تصلي على نبيك ﷺ"

وَقد رُوِيَ مَرْفُوعا والمَوْقُوف أصح.

(فصل)

قال ابن القيم في بدائع الفوائد:

وأما السؤال الرابع والعشرون: وهو ما الحكمة في تأكيد الأمر بالسلام على النبي ﷺ بالمصدر دون الصلاة عليه في قوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

فجوابه: أن التأكيد واقع على الصلاة والسلام وإن اختلفت جهة التأكيد فإنه سبحانه أخبر في أول الآية بصلاته عليه وصلاة ملائكته عليه مؤكدا لهذا الإخبار بحرف إن مخبرا عن الملائكة بصيغة الجمع المضاف إليه وهذا يفيد العموم والاستغراق فإذا استشعرت النفوس أن شأنه ﷺ عند الله وعند ملائكته هذا الشأن بادرت إلى الصلاة عليه وإن لم تؤمر بها بل يكفي تنبيهها والإشارة إليها بأدنى إشارة فإذا أمرت بها لم تحتج إلى تأكيد الأمر بل إذا جاء مطلق الأمر بادرت وسارعت إلى موافقة الله وملائكته في الصلاة عله صلوات الله وسلامه عليه فلم يحتج إلى تأكيد الفعل بالمصدر ولما خلا السلام عن هذا المعنى وجاء في حيز الأمر المجرد دون الخبر حسن تأكيده بالمصدر ليدل على تحقيق المعنى وتثبيته ويقوم تأكيد الفعل مقام تكريره كما حصل التكرير في الصلاة خبرا وطلبا فكذلك حصل التكريم في السلام فعلا ومصدرا فتأمله.

فإنه بديع جدا والله أعلم وقد ذكرنا بعض ما في هذه الآية من الأسرار والحكم العجيبة في كتاب تعظيم شأن الصلاة والسلام على خير الأنام وأتينا فيه من الفوائد بما يساوي أدناها رحلة مما لا يوجد في غيره ولله الحمد فنقتصر على هذه النكتة الواحدة.

(فصل)

وأما السؤال الخامس والعشرين: وهو ما الحكمة في تقديم السلام على النبي ﷺ في الصلاة قبل عليه وهلا وقعت البداءة بما بدأ الله به في الآية؟

فهذا سؤال أيضا له شأن لا ينبغي الإضراب عنه صفحا وتمشية والنبي ﷺ كان شديد التحري لتقديم ما قدمه الله والبداءة بما بدأ به فلهذا بدأ بالصفا في السعي وقال: "نبدأ بما بدأ الله به " صحيح وبدأ بالوجه ثم اليدين ثم الرأس في الوضوء ولم يخل بذلك مرة واحدة بل كان هذا وضوءه إلى أن فارق الدنيا ثم يقدم منه مؤخرا ولم يؤخر منه مقدما قط ولا يقدر أحد أن ينقل عنه خلاف ذلك لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ومع هذا فوقع في الصلاة والسلام عليه تقديم السلام وتأخير الصلاة وذلك لسر من أسرار الصلاة نشير إليه بحسب الحال إشارة وهو أن الصلاة قد اشتملت على عبودية جميع الجوارح والأعضاء مع عبودية القلب فلكل عضو منها نصيب من العبودية فجميع أعضاء المصلي وجوارحه متحركة في الصلاة عبودية لله وذلا وخضوعا فلما أكمل المصلي هذه العبودية وانتهت حركاته ختمت بالجلوس بين يدي الرب تعالى جلوس تذلل وانكسار وخضوع لعظمته عز وجل كما يجلس العبد الذليل بين يدي سيده وكان جلوس الصلاة أخشع ما يكون من الجلوس وأعظمه خضوعا وتذللا فأذن للعبد في هذه الحال بالثناء على الله تبارك وتعالى بأبلغ أنواع الثناء وهو التحيات لله والصلوات والطيبات وعادتهم إذا دخلوا على ملوكهم أن يحيوهم بما يليق بهم وتلك التحية تعظيم لهم وثناء عليهم والله أحق بالتعظيم والثناء من كل أحد من خلقه فجمع العبد في قوله التحيات والصلوات والطيبات أنواع الثناء على الله وأخبر أن ذلك له وصفا وملكا وكذلك الصلوات كلها لله فهو الذي يصلي له وحده لا لغيره وكذلك الطيبات كلها من الكلمات والأفعال كلها له فكلماته طيبات وأفعاله كذلك وهو طيب لا يصعد إليه إلا طيب والكلم الطيب إليه يصعد فكانت الطيبات كلها له ومنه وإليه له ملكا ووصفا ومنه مجيئها وابتداؤها وإليه مصعدها ومنتهاها والصلاة مشتملة على عمل صالح وكلم طيب والكلم الطيب إليه يصعد والعمل الصالح يرفعه فناسب ذكر هذا عند انتهاء الصلاة وقت رفعها إلى الله تعالى سر السلام على النبي ﷺ لما أتى بهذا الثناء على الرب التفت إلى شأن الرسول الذي حصل هذا الخير على يديه فسلم عليه أتم سلام معرف باللام التي للاستغراق مقرونا بالرحمة والبركة هذا هو أصح شيء في السلام عليه فلا تبخل عليه بالألف واللام في هذا المقام ثم انتقل إلى السلام على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين وبدأ بنفسه لأنها أهم والإنسان يبدأ بنفسه ثم بمن يعول ثم ختم هذا المقام بعقد الإسلام وهو التشهد بشهادة الحق التي هي أول الأمر وآخره وعندها كل الثناء والتشهد ثم انتقل إلى نوع آخر وهو الدعاء والطلب فالتشهد يجمع نوعي الدعاء دعاء الثناء والخير ودعاء الطلب والمسألة والأول أشرف النوعين لأنه حق الرب ووصفه والثاني حظ العبد ومصلحته وفي الأثر من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين ضعيف

لكن لما كانت الصلاة أتم العبادات عبودية وأكملها شرع فيه النوعين وقدم الأول منهما لفضله ثم انتقل إلى النوع الثاني وهو دعاء الطلب والمسألة فبدأ بأهمه وأجله وأنفعه له وهو طلب الصلاة من الله تعالى على رسوله ﷺ وهو من أجل أدعية العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته كما ذكرناه في كتاب تعظيم شأن الصلاة على النبي وفيه أيضا أن الداعي جعله مقدمة بين يدي حاجته وطلبه لنفسه وقد أشار إلى النبي ﷺ إلى هذا المعنى في قوله ثم لينتخب من الدعاء أعجبه إليه وكذلك في حديث فضالة بن عبيد إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع فتأمل كيف جاء التشهد من أوله إلى آخره مطابقا لهذا منتظما له أحسن انتظام فحديث فضالة هذا هو الذي كشف لنا المعنى وأوضحه وبينه فصلوات الله وسلامه على من أكمل به لنا دينه وأتم برسالته علينا نعمته وجعله رحمة للعالمين وحسرة على الكافرين.

(فصل)

وأما السؤال السادس والعشرون: وهو ما الحكمة في كون السلام وقع بصيغة الخطاب والصلاة بصيغة الغيبة؟

فجوابه: يظهر مما تقدم فإن الصلاة عليه طلب وسؤال من الله أن يصلي عليه فلا يمكن فيها إلا لفظ الغيبة إذ لا يقال اللهم صل عليك وأما السلام عليه فأتى بلفظ الحاضر المخاطب تنزيلا له منزلة المواجه لحكمة بديعة جدا وهي أنه ﷺ لما كان أحب إلى المؤمن من نفسه التي بين جنبيه وأولى به منها وأقرب وكانت حقيقته الذهنية ومثاله العلمي موجودا في قلبه بحيث لا يغيب عنه إلا شخصه كما قال القائل:

؎مثالك في عيني وذكرك في فمي ∗∗∗ ومثواك في قلبي فأين تغيب

ومن كان بهذه الحال فهو الحاضر حقا وغيره وإن كان حاضرا للعيان فهو غائب عن الجنان فكان خطابه خطاب المواجهة والحضور بالسلام عليه أولى من سلام الغيبة تنزيلا له منزلة المواجه المعاين لقربه من القلب وحلوله في جميع أجزائه بحيث لا يبقى في القلب جزء إلا ومحبته وذكره فيه كما قيل:

لو شق عن قلبي يرى وسطه ذكرك

والتوحيد في سطر لا إله إلا الله محمد رسول الله ولا تستنكر استيلاء المحبوب على قلب المحب وغلبته عليه حتى كأنه يراه ولهذا تجدهم في خطابهم لمحبوبهم إنما يعتمدون خطاب الحضور والمشاهدة مع غاية البعد العياني لكمال القرب الروحي فلم يمنعهم بعد الأشباح عن محادثة الأرواح ومخاطبتها ومن كثفت طباعه فهو عن هذا كله بمعزل وإنه ليبلغ الحب ببعض أهله أن يرى محبوبه في القرب إليه بمنزلة روحه التي لا شيء أدنى إليه منها كما قيل:

؎يا مقيما مدى الزمان بقلبي ∗∗∗ وبعيدا عن ناظري وعياني

؎أنت روحي إن كنت لست راها ∗∗∗ فهي أدنى إلي من كل داني

وقال آخر:

؎يا ثاويا بين الجوانح والحشا ∗∗∗ مني وإن بعدت علي دياره

وإنه ليلطف شأن المحبة حتى يرى أنه أدنى إليه وأقرب من روحه وهذه أبيات تلم بذلك:

؎وأدنى إلى الصب من نفسه ∗∗∗ وإن كان عن عينه نائيا

؎ومن كان مع حبه هكذا ∗∗∗ فأنى يكون له ساليا

ثم يلطف شأنها ويقهر سلطانها حتى يغيب المحب بمحبوبه عن نفسه فلا يشعر إلا بمحبوبه ولا يشعر بنفسه ومن هنا نشأت الشطحات الصوفية التي مصدرها عن قوة الوارد وضعف التمييز فحكم صاحبها فيها الحال على العلم وجعل الحكم له وعزل علمه من البين وحكم المحفوظون فيها حاكم العلم على سلطان الحال وعلموا أن كل حال لا يكون العلم حاكما عليه فإنه لا ينبغي أن يغتر به ولا يسكن إليه إلا كما يساكن المغلوب المقهور لما يرد عليه مما يعجز عن دفعه وهذه حال الكمل من القوم الذين جمعوا بين نور العلم وأحوال من المعاملة فلم تطفئ عواصف أحوالهم نور علمهم ولم يقصر بهم علمهم عن الترقي إلى ما وراءه من مقامات الإيمان والإحسان فهؤلاء حكام على الطائفتين ومن عداهم فمحجوب بعلم لا نفوذ له فيه أو مغرور بحال لا علم له بصحيحه من فاسده والله تعالى المسؤول من فضله إنه قريب مجيب فالكامل من يحكم العلم على الحال فيتصرف في حاله بعلمه ويجعل العلم بمنزلة النور الذي يميز به الصحيح من الفاسد لا من يقدح في العلم بالحال ويجعل الحال معيارا عليه وميزانا فما وافق حاله من العلم قبله وما خالفه رده ونفاه فهذا أصل الضلال في هذا الباب بل الواجب تحكيم العلم والرجوع إلى حكمه وبهذا أوصى العارفون من شيوخ الطريق كلهم وحرضوا على العلم أعظم تحريض لعلمهم بما في الحال المجرد عنه من الغوائل والمهالك: ﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

(فصل: في بَيان معنى الصَّلاة على النَّبِي ﷺ

وأصل هَذِه اللَّفْظَة في اللُّغَة يرجع إلى مَعْنيين:

أحدهما الدُّعاء والتبريك.

والثّانِي العِبادَة فَمن الأول قَوْله تَعالى ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُم﴾ [التوبة: ١٠٣]

وَقَوله تَعالى في حق المُنافِقين ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبره﴾ [التوبة: ٨٤]

وَقَول النَّبِي ﷺ إذا دعِي أحدكُم إلى الطَّعام فليجب فَإن كانَ صائِما فَليصل فسر بهما قيل فَليدع لَهُم بِالبركَةِ وقيل يُصَلِّي عِنْدهم بدل أكله وقيل إن الصَّلاة في اللُّغَة مَعْناها الدُّعاء

والدُّعاء نَوْعانِ دُعاء عبادَة ودُعاء مَسْألَة والعابِد داع كَما أن السّائِل داع وبِهِما فسر قَوْله تَعالى ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]

قيل أطِيعُونِي أثبكم وقيل سلوني أعطكم وفسّر بهما قَوْله تَعالى ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]

والصَّواب أن الدُّعاء يعم النَّوْعَيْنِ وهَذا لفظ متواطئ لا اشْتِراك فِيهِ فَمن اسْتِعْماله في دُعاء العِبادَة قَوْله تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا الّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] وقَوله تَعالى ﴿والَّذين يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]

وَقَوله تَعالى ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دعاؤكم﴾ [الفرقان: ٧٧]

والصَّحِيح من القَوْلَيْنِ لَوْلا أنكم تَدعُونَهُ وتعبدونه أي أي شَيْء يعبأ بكم لَوْلا عبادتكم إيّاه فَيكون المصدر مُضافا إلى الفاعِل وقالَ تَعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يحب المُعْتَدِينَ ولا تفسدوا في الأرْض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطَمَعًا﴾ [الأعْراف ٥٥ ٥٦ وقالَ تَعالى إخْبارًا عَن أنبيائه ورُسُله ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رغبا ورهبا﴾ [الأنبياء: ٩٠]

وَهَذِه الطَّرِيقَة أحسن من الطَّرِيقَة الأولى ودَعوى الِاخْتِلاف في مُسَمّى الدُّعاء وبِهَذا تَزُول الإشكالات الوارِدَة على اسْم الصَّلاة الشَّرْعِيَّة هَل هو مَنقُول عَن مَوْضِعه في اللُّغَة فَيكون حَقِيقَة شَرْعِيَّة أو مجازًا شَرْعِيًّا.

فعلى هَذا تكون الصَّلاة باقِيَة على مسماها في اللُّغَة وهو الدُّعاء والدُّعاء دُعاء عبادَة ودُعاء مَسْألَة والمُصَلي من حِين تكبيره إلى سَلامه بَين دُعاء العِبادَة ودُعاء المَسْألَة فَهو في صَلاة حَقِيقِيَّة لا مجازًا ولا منقولة لَكِن خص اسْم الصَّلاة بِهَذِهِ العِبادَة المَخْصُوصَة كَسائِر الألْفاظ الَّتِي يَخُصها أهل اللُّغَة والعرْف بِبَعْض مسماها كالدابة والرَّأْس ونَحْوهما فَهَذا غايَته تَخْصِيص اللَّفْظ وقصره على بعض مَوْضُوعه ولِهَذا لا يُوجب نقلا ولا خُرُوجًا عَن مَوْضُوعه الأصْلِيّ والله أعلم

(فصل)

هَذِه صَلاة الآدَمِيّ وأما صَلاة الله سُبْحانَهُ على عَبده فنوعان عامَّة وخاصة

أما العامَّة فَهي صلاته على عباده المُؤمنِينَ قالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]

وَمِنه دُعاء النَّبِي ﷺ بِالصَّلاةِ على آحاد المُؤمنِينَ كَقَوْلِه اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى وفي حَدِيث آخر أن امْرَأة قالَت لَهُ صل عَليّ وعَلى زَوجي قالَ صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك وسَيَأْتِي ذكر هَذا الحَدِيث وما شابهه إن شاءَ الله تَعالى

النَّوْع الثّانِي صلاته الخاصَّة على أنبيائه ورُسُله خُصُوصا على خاتمهم وخَيرهمْ مُحَمَّد ﷺ

فاخْتلف النّاس في معنى الصَّلاة مِنهُ سُبْحانَهُ على أقْوال:

أحدها أنَّها رَحمته قالَ إسْماعِيل حَدثنا نصر بن عَليّ حَدثنا مُحَمَّد بن سَواء عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحّاك قالَ صَلاة الله رَحمته وصَلاة المَلائِكَة الدُّعاء [[سَنَده ضَعِيف]]

وَقالَ المبرد أصل الصَّلاة الرَّحِم فَهي من الله رَحْمَة ومن المَلائِكَة رقة واستدعاء للرحمة من الله وهَذا القَوْل هو المَعْرُوف عند كثير من المُتَأخِّرين

والقَوْل الثّانِي أن صَلاة الله مغفرته قالَ إسْماعِيل ثَنا مُحَمَّد بن أبي بكر ثَنا مُحَمَّد بن سَواء عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحّاك هو الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم قالَ صَلاة الله مغفرته وصَلاة المَلائِكَة الدُّعاء [[ضَعِيف جدا]]

وَهَذا القَوْل من جنس الَّذِي قبله وهما ضعيفان لوجوه

أحدها أن الله سُبْحانَهُ فرق بَين صلاته على عباده ورَحمته فَقالَ تَعالى ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]

فعطف الرَّحْمَة على الصَّلاة فاقْتضى ذَلِك تغايرهما هَذا أصل العَطف.

وَأما قَوْلهم

(وألفى قَوْلها كذبا ومينا ... )

فَهُوَ شاذ نادِر لا يحمل عَلَيْهِ أفْصح الكَلام مَعَ أن المين أخص من الكَذِب.

الوَجْه الثّانِي أن صَلاة الله سُبْحانَهُ خاصَّة بأنبيائه ورُسُله وعباده المُؤمنِينَ وأما رَحمته فوسعت كل شَيْء فَلَيْسَتْ الصَّلاة مرادفة للرحمة لَكِن الرَّحْمَة من لَوازِم الصَّلاة وموجباتها وثمراتها فَمن فَسرها بِالرَّحْمَةِ فقد فَسرها بِبَعْض ثَمَرَتها ومقصودها وهَذا كثيرا ما يَأْتِي في تَفْسِير ألْفاظ القُرْآن والرَّسُول ﷺ يُفَسر اللَّفْظَة بلازمها وجزء مَعْناها كتفسير الريب بِالشَّكِّ والشَّكّ جُزْء مُسَمّى الريب وتَفْسِير المَغْفِرَة بالستر وهو جُزْء مُسَمّى المَغْفِرَة وتَفْسِير الرَّحْمَة بِإرادَة الإحْسان وهو لازم الرَّحْمَة ونظائر ذَلِك كَثِيرَة قد ذَكرناها في أصُول التَّفْسِير

الوَجْه الثّالِث أنه لا خلاف في جَواز الترحم على المُؤمنِينَ واخْتلف السّلف والخلف في جَواز الصَّلاة على الأنْبِياء على ثَلاثَة أقْوال سنذكرها فِيما بعد إن شاءَ الله تَعالى فَعلم أنَّهُما ليسا بمترادفين

الوَجْه الرّابِع أنه لَو كانَت الصَّلاة بِمَعْنى الرَّحْمَة لقامت مقامها في امْتِثال الأمر وأسقطت الوُجُوب عند من أوجبها إذا قالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ مُحَمَّدًا وآل مُحَمَّد ولَيْسَ الأمر كَذَلِك

الوَجْه الخامِس أنه لا يُقال لمن رحم غَيره ورق عَلَيْهِ فأطعمه أو سقاهُ أو كَساه أنه صلى عَلَيْهِ ويُقال إنَّه قد رَحمَه

الوَجْه السّادِس أن الإنْسان قد يرحم من يبغضه ويعاديه فيجد في قلبه لَهُ رَحْمَة ولا يُصَلِّي عَلَيْهِ.

الوَجْه السّابِع أن الصَّلاة لا بُد فِيها من كَلام فَهي ثَناء من المُصَلِّي على من يُصَلِّي عَلَيْهِ وتنويه بِهِ وإشارَة لمحاسنه ومناقبه وذكره.

ذكر البُخارِيّ في صَحِيحه عَن أبي العالِيَة قالَ صَلاة الله على رَسُوله ثَناؤُهُ عَلَيْهِ عند المَلائِكَة [[سَنَده قابل للتحسن]]

وَقالَ إسْماعِيل في كِتابه حَدثنا نصر بن عَليّ حَدثنا خالِد بن يزِيد عَن أبي جَعْفَر عَن الرّبيع بن أنس عَن أبي العالِيَة ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ [الأحْزاب ٥٦ قالَ صَلاة الله عز وجل ثَناؤُهُ عَلَيْهِ وصَلاة المَلائِكَة عَلَيْهِ الدُّعاء

الوَجْه الثّامِن أن الله سُبْحانَهُ فرق بَين صلاته وصَلاة مَلائكَته وجمعهما في فعل واحِد فَقالَ ﴿إن الله ومَلائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾ [وَهَذِه الصَّلاة لا يجوز أن تكون هي الرَّحْمَة وإنَّما هي ثَناؤُهُ سُبْحانَهُ وثناء مَلائكَته عَلَيْهِ ولا يُقال الصَّلاة لفظ مُشْتَرك ويجوز أن يسْتَعْمل في معنييه مَعًا لِأن في ذَلِك محاذير مُتعَدِّدَة

أحدها أن الِاشْتِراك خلاف الأصْل بل لا يعلم أنه وقع في اللُّغَة من واضع واحِد كَما نَص على ذَلِك أئِمَّة اللُّغَة مِنهُم المبرد وغَيره وإنَّما يَقع وقوعا عارضا اتفاقيا بِسَبَب تعدد الواضعين ثمَّ تختلط اللُّغَة فَيَقَع الِاشْتِراك

الثّانِي أن الأكْثَرين لا يجووزون اسْتِعْمال اللَّفْظ المُشْتَرك في معنييه لا بطرِيق الحَقِيقَة ولا بطرِيق المجاز وما حُكيَ عَن الشّافِعِي رَحمَه الله من تجويزه ذَلِك فَلَيْسَ بِصَحِيح عَنهُ وإنَّما أخذ من قَوْله إذا أوصى لمواليه وله موالٍ من فَوق ومن أسْفَل تناول جَمِيعهم فَظن من ظن أن لفظ المولى مُشْتَرك بَينهما وأنه عند التجرد يحمل عَلَيْهِما وهَذا لَيْسَ بِصَحِيح فَإن لفظ المولى من الألْفاظ المتواطئة فالشافعي في ظاهر مذْهبه وأحمد يَقُولانِ بِدُخُول نَوْعي الموالِي في هَذا اللَّفْظ وهو عِنْده عام متواطئ لا مُشْتَرك

وأما ما حُكيَ عَن الشّافِعِي رَحمَه الله أنه قالَ في مُفاوَضَة جرت لَهُ في قَوْله ﴿أوْ لامستم النِّساء﴾

وَقد قيل لَهُ قد يُراد بالملامسة المجامعة قالَ هي مَحْمُولَة على الجس بِاليَدِ حَقِيقَة وعَلى الوقاع مجازًا فَهَذا لا يَصح عَن الشّافِعِي ولا هو من جنس المألوف من كَلامه وإنَّما هَذا من كَلام بعض الفُقَهاء المُتَأخِّرين وقد ذكرنا على إبِْطال اسْتِعْمال اللَّفْظ المُشْتَرك في معنييه مَعًا بضعَة عشر دَلِيلا في مَسْألَة القُرْء في = كتاب التَّعْلِيق على الأحْكام =

فَإذا كانَ معنى الصَّلاة هو الثَّناء على الرَّسُول والعناية بِهِ وإظْهار شرفه وفضله وحرمته كَما هو المَعْرُوف من هَذِه اللَّفْظَة لم يكن لفظ الصَّلاة في الآيَة مُشْتَركا مَحْمُولا على معنييه بل قد يكون مُسْتَعْملا في معنى واحِد وهَذا هو الأصْل وسنعود إلى هَذِه المَسْألَة إن شاءَ الله تَعالى في الكَلام على تَفْسِير قَوْله تَعالى ﴿إنَّ الله ومَلائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾

الوَجْه التّاسِع أن الله سُبْحانَهُ أمر بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ عقب إخْباره بِأنَّهُ ومَلائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ والمعْنى أنه إذا كانَ الله ومَلائِكَته يصلونَ على رَسُوله فصلوا أنْتُم عَلَيْهِ فَأنْتم أحَق بِأن تصلوا عَلَيْهِ وتسلموا تَسْلِيمًا لما نالكم ببركة رسالَته ويمن سفارته من شرف الدُّنْيا والآخِرَة ومن المَعْلُوم أنه لَو عبر عَن هَذا المَعْنى بِالرَّحْمَةِ لم يحسن موقعه ولم يحسن النّظم فينقض اللَّفْظ والمعْنى فَإن التَّقْدِير يصير إلى أن الله ومَلائِكَته ترحم ويَسْتَغْفِرُونَ لنَبيه فادعوا أنْتُم لَهُ وسلموا وهَذا لَيْسَ مُراد الآيَة قطعا بل الصَّلاة المَأْمُور بها فِيها هي الطّلب من الله ما أخبر بِهِ عَن صلاته وصَلاة مَلائكَته وهِي ثَناء عَلَيْهِ وإظْهار لفضله وشرفه وإرادَة تكريمه وتقريبه فَهي تَتَضَمَّن الخَبَر والطلب وسمي هَذا السُّؤال والدُّعاء منا نَحن صَلاة عَلَيْهِ لوَجْهَيْنِ

أحدهما أنه يتَضَمَّن ثَناء المُصَلِّي عَلَيْهِ والإشادة بِذكر شرفه وفضله والإرادة والمحبة لذَلِك من الله تَعالى فقد تَضَمَّنت الخَبَر والطلب.

والوَجْه الثّانِي أن ذَلِك سمي منا صَلاة لسؤالنا من الله أن يُصَلِّي عَلَيْهِ فَصَلاة الله عَلَيْهِ ثَناؤُهُ وإرادته لرفع ذكره وتقريبه وصلاتنا نَحن عَلَيْهِ سؤالنا الله تَعالى أن يفعل ذَلِك بِهِ وضد هَذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاءَ بِهِ فَإنَّها تُضاف إلى الله وتضاف إلى العَبْد كَما قالَ تَعالى ﴿إن الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] فلعنه الله تَعالى لَهُم تَتَضَمَّن ذمه وإبعاده وبغضه لَهُم ولعنة العَبْد تَتَضَمَّن سُؤال الله تَعالى أن يفعل ذَلِك بِمن هو أهل للعنته

وَإذا ثَبت هَذا فَمن المَعْلُوم أنه لَو كانَت الصَّلاة هي الرَّحْمَة لم يَصح أن يُقال لطالبها من الله مُصَليا وإنَّما يُقال لَهُ مسترحما لَهُ كَما يُقال لطالب المَغْفِرَة مُسْتَغْفِرًا لَهُ ولطالب العَطف مستعطفا ونظائره.

وَلِهَذا لا يُقال لمن سَألَ الله المَغْفِرَة لغيره قد غفر لَهُ فَهو غافِر ولا لمن سَألَهُ العَفو عَنهُ قد عَفا عَنهُ وهنا قد سمي العَبْد مُصَليا فَلَو كانَت الصَّلاة هي الرَّحْمَة لَكانَ العَبْد راحما لمن صلى عَلَيْهِ وكانَ قد رَحمَه برحمة ومن رحم النَّبِي ﷺ مرّة رَحمَه الله بها عشرا وهَذا مَعْلُوم البطلان

فَإن قيل لَيْسَ معنى صَلاة العَبْد عَلَيْهِ ﷺ رَحمته وإنَّما مَعْناها طلب الرَّحْمَة لَهُ من الله قيل هَذا باطِل من وُجُوه

أحدها أن طلب الرَّحْمَة مَطْلُوب لكل مُسلم وطلب الصَّلاة من الله يخْتَص رسله صلوات الله وسَلامه عَلَيْهِم عند كثير من النّاس كَما سَنذكرُهُ إن شاءَ الله تَعالى

الثّانِي أنه لَو سمي طالب الرَّحْمَة مُصَليا لسمي طالب المَغْفِرَة غافرا وطالب العَفو عافيا وطالب الصفح صافحا ونَحْوه

فَإن قيل فَأنْتم قد سميتم طالب الصَّلاة من الله مُصَليا

قيل إنَّما سمي مُصَليا لوُجُود حَقِيقَة الصَّلاة مِنهُ فَإن حَقِيقَتها الثَّناء وإرادَة الإكْرام والتقريب وإعلاء المنزلَة وهَذا حاصِل من صَلاة العَبْد لَكِن العَبْد يُرِيد ذَلِك من الله عز وجل والله سُبْحانَهُ وتَعالى يُرِيد ذَلِك من نَفسه أن يَفْعَله بِرَسُولِهِ ﷺ

وَأما على الوَجْه الثّانِي وأنه سمي مُصَليا لطلبه ذَلِك من الله فَلِأن الصَّلاة نوع من الكَلام الطلبي والخبري والإرادة، وقد وجد ذَلِك من المُصَلِّي بِخِلاف الرَّحْمَة والمَغْفِرَة فَإنَّها أفعال لا تحصل من الطّالِب وإنَّما تحصل من المَطْلُوب مِنهُ والله أعلم.

الوَجْه العاشِر أنه قد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ في الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي رَواهُ مُسلم أنه من صلى عَلَيْهِ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بها عشرا وأنه سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ لَهُ إنَّه من صلى عَلَيْك من أمتك مرّة صليت عَلَيْهِ بها عشرا وهَذا مُوافق للقاعدة المستقرة في الشَّرِيعَة أن الجَزاء من جنس العَمَل فَصَلاة الله على المُصَلِّي على رَسُوله جَزاء لصلاته هو عَلَيْهِ ومَعْلُوم أن صَلاة العَبْد على رَسُول الله ﷺ لَيست هي رَحْمَة من العَبْد لتَكون صَلاة الله عَلَيْهِ من جِنْسها وإنَّما هي ثَناء على الرَّسُول ﷺ وإرادَة من الله تَعالى أن يعلي ذكره ويزيده تَعْظِيمًا وتشريفا والجَزاء من جنس العَمَل فَمن أثنى على رَسُول ﷺ جزاه الله من جنس عمله بِأن يثني عَلَيْهِ ويزِيد تشريفه وتكريمه فصح ارتباط الجَزاء بِالعَمَلِ ومشاكلته لَهُ ومناسبته لَهُ كَقَوْلِه من يسر على مُعسر يسر الله عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَة ومن ستر مُسلما ستره الله في الدُّنْيا والآخِرَة ومن نفس عَن مُؤمن كربَة من كرب الدُّنْيا نفس الله عَنهُ كربَة من كرب يَوْم القِيامَة والله في عون العَبْد ما كانَ العَبْد في عون أخِيه ومن سلك طَرِيقا يلْتَمس فِيهِ علما سهل الله لَهُ طَرِيقا إلى الجنَّة

وَمن سُئِلَ عَن علم يُعلمهُ فكتمه ألْجم يَوْم القِيامَة بلجام من نار [[حَدِيث صَحِيح]]

وَمن صلى عَليّ النَّبِي ﷺ مرّة صلى الله عَلَيْهِ بها عشرا ونظائره كَثِيرَة الوَجْه الحادِي عشر أن أحدا لَو قالَ عَن رَسُول الله ﷺ رَحمَه الله أو قالَ رَسُول الله رَحمَه الله بدل ﷺ لَبادَرت الأمة إلى الإنْكار عَلَيْهِ وسموه مبتدعا غير موقر للنَّبِي ﷺ ولا مصل عَلَيْهِ ولا مثن عَلَيْهِ بِما يسْتَحقّهُ ولا يسْتَحق أن يُصَلِّي الله عَلَيْهِ بذلك عشر صلوات ولَو كانَت الصَّلاة من الله الرَّحْمَة لم يمْتَنع شَيْء من ذَلِك

الوَجْه الثّانِي عشر أن الله سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ ﴿لا تجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]

فَأمر سُبْحانَهُ ألا يدعى رَسُوله بِما يَدْعُو النّاس بَعضهم بَعْضًا بل يُقال يا رَسُول الله ولا يُقال يا مُحَمَّد وإنَّما كانَ يُسَمِّيه باسمه وقت الخطاب الكفّار وأما المُسلمُونَ فَكانُوا يخاطبونه يا رَسُول الله وإذا كانَ هَذا في خطابه فَهَكَذا في مغيبه لا يَنْبَغِي أن يَجْعَل ما يدعى بِهِ لَهُ من جنس ما يَدْعُو بِهِ بَعْضنا لبَعض بل يدعى لَهُ بأشرف الدُّعاء وهو الصَّلاة عَلَيْهِ ومَعْلُوم أن الرَّحْمَة يدعى بها لكل مُسلم بل ولغير الآدَمِيّ من الحَيَوانات كَما في دُعاء الاسْتِسْقاء اللَّهُمَّ ارْحَمْ عِبادك وبلادك وبهائمك

الوَجْه الثّالِث عشر أن هَذِه اللَّفْظَة لا تعرف في اللُّغَة الأصْلِيَّة بِمَعْنى الرَّحْمَة أصلا والمَعْرُوف عند العَرَب من مَعْناها

إنَّما هو الدُّعاء والتبريك والثناء قالَ

(وَإن ذكرت صلى عَلَيْها وزمزما ... )

أي برك عَلَيْها ومدحها ولا تعرف العَرَب قطّ صلى عَلَيْهِ بِمَعْنى الرَّحْمَة فالواجِب حمل اللَّفْظَة على مَعْناها المُتَعارف في اللُّغَة

الوَجْه الرّابِع عشر أنه يسوغ بل يسْتَحبّ لكل أحد أن يسْأل الله تَعالى أن يرحمه فَيَقُول اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي

كَما علم النَّبِي ﷺ الدّاعِي أن يَقُول "اللَّهُمَّ أغفر لي وارحمني وعافنِي وارزقني فَلَمّا حفظها قالَ أما هَذا فقد مَلأ يَدَيْهِ من الخَيْر" ومَعْلُوم أنه لا يسوغ لأحد أن يَقُول اللَّهُمَّ صل عَليّ بل الدّاعِي بِهَذا مُعْتَد في دُعائِهِ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

بِخِلاف سُؤال الرَّحْمَة فَإن الله تَعالى يحب أن يسْأله عَبده مغفرته ورَحمته فَعلم أنه لَيْسَ مَعْناهُما واحِدًا.

الوَجْه الخامِس عشر أن أكثر المَواضِع الَّتِي تسْتَعْمل فِيها الرَّحْمَة لا يحسن أن تقع فِيها الصَّلاة

كَقَوْلِه تَعالى ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]

وَقَوله إن رَحْمَتي سبقت غَضَبي

وَقَوله ﴿إن رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]

وَقَوله ﴿وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]

وَقَوله ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: ١١٧]

وَقَول النَّبِي ﷺ "لله أرْحم بعباده من الوالدة بِوَلَدِها"

وَقَوله "ارحموا من في الأرْض يَرْحَمكم من في السَّماء" [[الحَدِيث صَحِيح]]

وَقَوله "من لا يرحم لا يُرحم"

وَقَوله "لا تنْزع الرَّحْمَة إلّا من شقي" [[سَنَده حسن]]

وَقَوله "والشّاة إن رحمتها رَحِمك الله" [[إسْناده صَحِيح]] فمواضع اسْتِعْمال الرَّحْمَة في حق الله وفي حق العباد لا يحسن أن تقع الصَّلاة في كثير مِنها بل في أكْثَرها فَلا يَصح تَفْسِير الصَّلاة بِالرَّحْمَةِ والله أعلم.

وَقد قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما ﴿إن الله ومَلائِكَته يصلونَ على النَّبِي﴾

قالَ يباركون عَلَيْهِ وهَذا لا يُنافِي تَفْسِيرها بالثناء وإرادَة التكريم والتعظيم فَإن التبريك من الله يتَضَمَّن ذَلِك ولِهَذا قرن بَين الصَّلاة عَلَيْهِ والتبريك عَلَيْهِ وقالَت المَلائِكَة لإبْراهِيم ﴿رَحْمَة الله وبَرَكاته عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]

وَقالَ المَسِيح ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كنت﴾ [مريم: ٣١]

قالَ غير واحِد من السّلف معلما للخير أيْنَما كنت وهَذا جُزْء المُسَمّى فالمبارك كثير الخَيْر في نَفسه الَّذِي يحصله لغيره تَعْلِيما وإقدارا ونصحا وإرادَة واجتهادا ولِهَذا يكون العَبْد مُبارَكًا لِأن الله بارك فِيهِ وجعله كَذَلِك والله تَعالى متبارك لِأن البركَة كلها مِنهُ فعبده مبارك وهو المتبارك ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرْقان ١ وقَوله ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو على كل شَيْء قَدِيرٌ﴾

وسنعود إلى هَذا المَعْنى عَن قريب إن شاءَ الله تَعالى

وَقد رد طائِفَة من النّاس تَفْسِير الصَّلاة من الله بِالرَّحْمَةِ بِأن قالَ الرَّحْمَة مَعْناها رقة الطَّبْع وهِي مستحيلة في حق الله سُبْحانَهُ وتَعالى، كَما أن الدُّعاء مِنهُ سُبْحانَهُ مُسْتَحِيل.

وَهَذا الَّذِي قالَه هَذا عَرق عرق جهمي ينضح من قلبه على لِسانه وحَقِيقَته إنْكار رَحْمَة الله جملَة، وكانَ جهم يخرج إلى الجذمى ويَقُول أرْحم الرّاحِمِينَ يفعل هَذا إنكارا لِرَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ.

وَهَذا الَّذِي ظَنّه هَذا القائِل هو شُبْهَة منكري صِفات الرب سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّهُم قالُوا الإرادَة حَرَكَة النَّفس لجلب ما ينفعها ودفع ما يَضرها والرب تَعالى يتعالى عَن ذَلِك فَلا إرادَة لَهُ والغَضَب غليان دم القلب طلبا للانتقام والرب منزه عَن ذَلِك فَلا غضب لَهُ وسلكوا هَذا المسلك الباطِل في حَياته وكَلامه وسائِر صِفاته وهو من أبطل الباطِل فَإنَّهُ أخذ في مُسَمّى الصّفة خَصائِص المَخْلُوق ثمَّ نفاها جملَة عَن الخالِق وهَذا في غايَة التلبيس والإضلال فَإن الخاصَّة الَّتِي أخذها في الصّفة لم يثبت لَها لذاتها وإنَّما يثبت لَها بإضافتها إلى المَخْلُوق المُمكن ومَعْلُوم أن نفي خَصائِص صِفات المخلوقين عَن الخالِق لا يَقْتَضِي نفي أصل الصّفة عَنهُ سُبْحانَهُ ولا إثْبات أصل الصّفة لَهُ يَقْتَضِي إثْبات خَصائِص المَخْلُوق لَهُ كَما أن ما نفي عَن صِفات الرب تَعالى من النقائص والتشبيه لا يَقْتَضِي نَفْيه عَن صفة المَخْلُوق ولا ما ثَبت لَها من الوُجُوب والقدم والكمال يَقْتَضِي ثُبُوته للمخلوق ولا إطْلاق الصّفة على الخالِق والمخلوق وهَذا مثل الحَياة والعلم فَإن حَياة العَبْد تعرض لَها الآفات المضادة لَها من المَرَض والنَّوْم والمَوْت وكَذَلِكَ علمه يعرض لَهُ النسْيان والجهل المضاد لَهُ وهَذا محال في حَياة الرب وعلمه فَمن نفى علم الرب وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق فقد أبطل وهو نَظِير نفي من نفى رَحْمَة الرب وعلمه فَمن نفى رَحْمَة الرب عَنهُ لما يعرض في رَحْمَة المَخْلُوق من رقة الطَّبْع وتوهم المتوهم أنه لا تعقل رَحْمَة إلّا هَكَذا نَظِير توهم المتوهم أنه لا يعقل علم ولا حَياة ولا إرادَة إلّا مَعَ خَصائِص المَخْلُوق

وَهَذا الغَلَط منشؤه إنَّما هو توهم صفة المَخْلُوق المقيدَة بِهِ أولا وتوهم أن إثْباتها لله هو مَعَ هَذا القَيْد وهَذانِ وهمان باطلان فَإن الصّفة الثّابِتَة لله مُضافَة إلَيْهِ لا يتَوَهَّم فِيها شَيْء من خَصائِص المخلوقين لا في لَفظها ولا في ثُبُوت مَعْناها وكل من نفى عَن الرب تَعالى صفة من صِفاته لهَذا الخيال الباطِل لزمَه نفي جَمِيع صِفات كَماله لِأنَّهُ لا يعقل مِنها إلّا صفة المَخْلُوق بل ويلْزمهُ نفي ذاته لِأنَّهُ لا يعقل من الذوات إلّا الذوات المخلوقة.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English