Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Йа Син 36:55–83
36:55–56Страница 444
إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ ٥٥
Воистину, обитатели Рая сегодня будут заняты тем, что будут наслаждаться.
هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦
Они и их супруги будут лежать в тенях на ложах, прислонившись.
(فصل: في ذكر نكاح أهل الجنة ووطئهم والتذاذهم بذلك أكمل لذة ونزاهة ذلك عن المذي والمني والضعف وأنه لا يوجب غسلا)
قد تقدم حديث أبي هريرة قيل يا رسول الله ﷺ: أنفضي إلى نسائنا في الجنة فقال: "إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء"
وأن إسناده صحيح.
وتقدم حديث أبي موسى المتفق عليه صحته "إن للمؤمن في الجنة خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا له فيها أهلون يطوف عليهم"
وحديث أنس "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من النساء"
وصححه الترمذي.
وروى الطبراني وعبد الله بن أحمد وغيرهما من حديث لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله ﷺ على ما يطلع من الجنة قال: "على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك مما تعلمون وخير من مثله وأزواج مطهرة قلت: يا رسول الله ﷺ أو لنا فيها أزواج مصلحات قال الصالحات للصالحين تلذذوا بهن لذاتكم في الدنيا وتلذذكم غير أن لا توالد"
وقال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي حجيرة عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: يا رسول الله ﷺ أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده دحما دحما فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرا"
وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي حدثنا يعلى بن عبد الرحمن الواسطي حدثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ
"إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا"
قال الطبراني لم يروه عن عاصم إلا شريك تفرد به عن يعلى.
قال الطبراني وحدثنا عبدان بن أحمد حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا صدقة عن هاشم بن زيد عن سليم بن أبي يحيى أنه سمع أبا أمامة يحدث أنه سمع رسول الله وسئل هل يتناكح أهل الجنة؟
قال "بذكر لا يمل وشهوة لا تنقطع دحما دحما"
قال الطبراني وحدثنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا سويد بن سعيد حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ سئل: أيجامع أهل الجنة قال:
"دحا دحا ولكن لا مني ولا منية"
وهاشم وخالد وإن تكلم فيهما فليس الاعتماد عليهما.
وقوله: لا منى ولا منية أي لا إنزال ولا موت وقال أبو نعيم حدثنا أبو على محمد بن أحمد حدثنا بشر بن موسى حدثنا أبو عبد الرحمن المقريء حدثنا عبد الحمن بن زياد حدثنا عمارة بن راشد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله أنه سئل هل يمس أهل الجنة أزواجهم قال:
"نعم والذي بعثني بالحق بذكر لا يمل وفرج لا يحفى وشهوة لا تنقطع"
وقال الحسن بن سفيان في مسنده حدثنا هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: سئل رسول الله هل ينكح أهل الجنة قال:
"إي والذي بعثني بالحق دحما دحما وأشار بيده ولكن لا مني ولا منية"
وقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾
قال: في افتضاض الأبكار.
وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو الربيع الزهراني ومحمد بن حميد قالا: حدثنا يعقوب ابن عبد الله حدثنا حفص بن حميد عن بشر بن عطية عن شفيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾
قال شغلهم افتضاض العذارى.
وقال الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا العباس بن الوليد أخبرني شعيب عن الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾
قال شغلهم افتضاض الأبكار قال مقاتل شغلوا بافتضاض العذارى عن أهل النار فلا يذكرونهم ولا يهتمون لهم
وقال أبو الأحوص شغلوا بافتضاض الأبكار عن السرر في الحجال.
وقال سليمان التيمي عن أبي مجلز قلت لابن عباس عن قول الله تعالى: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ ما شغلهم؟
قال: افتضاض الأبكار.
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا فضيل بن عبد الواحد حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في شغل فاكهون قال في افتضاض العذارى.
حدثنا إسحاق ابن إبراهيم حدثنا يحيى بن يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير
"إن شهوته لتجري في جسده سبعين عاما يجد اللذة، ولا يلحقهم بذلك جنابة فيحتاجون إلى التطهير ولا ضعف ولا انحلال قوة، بل وطئهم وطء التذاذ ونعيم لا آفة فيه بوجه من الوجوه"
وأكمل الناس فيه أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام، فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة، كما قال النبي ﷺ: "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك كما نعى سبحانه وتعالى على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها، ولهذا كان الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك اشد الخوف.
وذكر الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم فقال: "ما هذا" قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم فقال أوَكلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾.
36:57–58Страница 444
لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧
Там для них есть фрукты и все, что они потребуют.
سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨
Милосердный Господь приветствует их словом: «Мир!».
فـ (قولا) منصوب على المصدر، وفعله ما تضمنه سلام من القول، لأن السلام قول.
وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه من حديث محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ﷺ:
"بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوقهم فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبار جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم
وقال يا أهل الجنة سلام عليكم ثم قرأ قوله: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾
ثم يتوارى عنهم فتبقى رحمته وبركته عليهم في ديارهم"
(ضعيف).
وفي سنن ابن ماجه مرفوعا "أول من يسلم عليه الحق يوم القيامة عمر"
(ضعيف جدا وفيه نكارة).
(فصل)
قالَ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ عِمْرانَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ حُمَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: إذا فَرَغَ اللَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ أقْبَلَ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ فَسَلَّمَ عَلى أهْلِ الجَنَّةِ في أوَّلِ دَرَجَةٍ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلامَ قالَ القُرَظِيُّ: فَهَذا في القُرْآنِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]
فَيَقُولُ: سَلُونِي؟ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ في دَرَجِهِمْ حَتّى يَسْتَوِيَ عَلى عَرْشِهِ، ثُمَّ يَأْتِيهِمُ التُّحَفُ مِنَ اللَّهِ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إلَيْهِمْ.
وقال في روضة المحبين:
وفي سنن ابن ماجة وحرب السكرماني من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ:
"بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة وذلك قوله ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾
فيرفعون رؤوسهم فينظرون إليه وينظر إليهم ولا يلتفتون إلى شيء من النعيم حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم وعلى ديارهم ومنازلهم"
لفظ حديث حرب.
فما ظن المحبين بلذة النظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم وقد كان من دعاء النبي ﷺ: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك" ذكره الإمام أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه فاسمع الآن شأن أوليائه وأحبائه عند لقائه ثم اختر لنفسك
؎أنت القتيل بكل من أحببته ∗∗∗ فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي
قال هشام بن حسان عن الحسن: إذا نظر أهل الجنة إلى الله تعالى نسوا نعيم الجنة.
وقال هشام بن عمار حدثنا محمد بن سعيد بن سابور حدثنا عبد الرحمن بن سليمان حدثنا سعيد بن عبد الله الجرشي القاضي أنه سمع أبا إسحاق الهمداني يحدث عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفعه قال: "إن الله إذا أسكن أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث إلى أهل الجنة الروح الأمين فيقول يا أهل الجنة إن ربكم يقرئكم السلام ويأمركم أن تزوروه إلى فناء الجنة، وهو أبطح الجنة تربته المسك وحصباؤه الدر والياقوت، وشجره الذهب الرطب، وورقه الزمرد، فيخرج أهل الجنة مستبشرين مسرورين فثم يجمعهم وثم كرامة الله والنظر إلى وجهه، وهو موعد الله أنجزه لهم فيأذن الله لهم في السماع والأكل والشرب ويكسون حلل الكرامة، ثم ينادي مناد يا أولياء الله هل بقي مما وعدكم الله ربكم شيء؟
فيقولون لا وقد أنجزنا ما وعدنا فما بقي شيء إلا النظر إلى وجهه، فيتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في حجب فيقول يا جبريل ارفع حجابي لعبادي كي ينظروا إلى وجهي.
قال فيرفع الحجاب الأول فينظرون إلى نور من نور الرب فيخرون له سجدا فيناديهم الرب يا عبادي ارفعوا رؤوسكم فإنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب، فيرفع الحجاب الثاني فينظرون أمرا هو أعظم وأجل فيخرون لله حامدين ساجدين، فيناديهم الرب أن ارفعوا رؤوسكم إنها ليست بدار عمل إنما هي دار ثواب ونعيم مقيم، فيرفع الحجاب الثالث فعند ذلك ينظرون إلى وجه رب العالمين فيقولون حين ينظرون إلى وجهه: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
فيقول كرامتي أمكنتكم من النظر إلى وجهي وأحلتكم داري، فيأذن الله للجنة أن تكلمي فتقول: طوبى لمن سكنني وطوبى لمن يخلد في وطوبي لمن أُعددت له، وذلك قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ وقوله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾.
وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ
"جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن"
К этому аяту нет толкования
36:60–61Страница 444
۞ أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٠
Разве Я не завещал вам, сыны Адама, не поклоняться дьяволу, который является вашим явным врагом,
وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
и поклоняться Мне? Это - прямой путь.
وَهَلْ قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَن شارَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ في مَحْضِ حَقِّهِ مِنَ الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والطّاعَةِ والذُّلِّ والخُضُوعِ والخَوْفِ والرَّجاءِ؟ فَلَوْ جَعَلَ لَهُ مِن أقْرَبِ الخَلْقِ إلَيْهِ شَرِيكًا في ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ جَراءَةً وتَوَثُّبًا عَلى مَحْضِ حَقِّهِ واسْتِهانَةً بِهِ وتَشْرِيكًا بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ولا يَنْبَغِي ولا يَصْلُحُ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَكَيْفَ وإنَّما شَرَكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ أبْغَضَ الخَلْقِ إلَيْهِ، وأهْوَنَهم عَلَيْهِ، وأمْقَتَهم عِنْدَهُ، وهو عَدُوُّهُ عَلى الحَقِيقَةِ؟ فَإنَّهُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا الشَّيْطانُ، كَما قالَ تَعالى:
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.
وَلَمّا عَبَدَ المُشْرِكُونَ المَلائِكَةَ بِزَعْمِهِمْ وقَعَتْ عِبادَتُهم في نَفْسِ الأمْرِ لِلشَّياطِينِ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ.
كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ - قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠-٤١].
فالشَّيْطانُ يَدْعُو المُشْرِكَ إلى عِبادَتِهِ، ويُوهِمُهم أنَّهُ مَلَكٌ، وكَذَلِكَ عُبّادُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ، وهي الَّتِي تُخاطِبُهُمْ، وتَقْضِي لَهُمُ الحَوائِجَ، ولِهَذا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قارَنَها الشَّيْطانُ، فَيَسْجُدُ لَها الكُفّارُ، فَيَقَعُ سُجُودُهم لَهُ، وكَذَلِكَ عِنْدَ غُرُوبِها، وكَذَلِكَ مَن عَبَدَ المَسِيحَ وأُمَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُما وإنَّما عَبَدَ الشَّيْطانَ.
فَإنَّهُ يَزْعُمُ أنَّهُ يَعْبُدُ مَن أمَرَهُ بِعِبادَتِهِ وعِبادَةِ أُمِّهِ، ورَضِيَها لَهم وأمَرَهم بِها، وهَذا هو الشَّيْطانُ الرَّجِيمُ، لا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، فَنَزَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ - وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
فَما عَبَدَ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ غَيْرَ اللَّهِ كائِنًا مَن كانَ إلّا وقَعَتْ عِبادَتُهُ لِلشَّيْطانِ، فَيَسْتَمْتِعُ العابِدُ بِالمَعْبُودِ في حُصُولِ غَرَضِهِ، ويَسْتَمْتِعُ المَعْبُودُ بِالعابِدِ في تَعْظِيمِهِ لَهُ، وإشْراكِهِ مَعَ اللَّهِ الَّذِي هو غايَةُ رِضا الشَّيْطانِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يامَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فَهَذِهِ إشارَةٌ لَطِيفَةٌ إلى السِّرِّ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ الشِّرْكُ أكْبَرَ الكَبائِرِ عِنْدَ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَغْفِرُهُ بِغَيْرِ التَّوْبَةِ مِنهُ، وأنَّهُ يُوجِبُ الخُلُودَ في العَذابِ، وأنَّهُ لَيْسَ تَحْرِيمُهُ وقُبْحُهُ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ عَنْهُ، بَلْ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يَشْرَعَ لِعِبادِهِ عِبادَةَ إلَهٍ غَيْرِهِ، كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ما يُناقِضُ أوْصافَ كَمالِهِ، ونُعُوتَ جَلالِهِ، وكَيْفَ يُظَنُّ بِالمُنْفَرِدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ والعَظْمَةِ والإجْلالِ أنْ يَأْذَنَ في مُشارَكَتِهِ في ذَلِكَ، أوْ يَرْضى بِهِ؟ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
36:62Страница 444
وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ ٦٢
Он уже ввел в заблуждение многих из вас. Неужели вы не разумеете?
К этому аяту нет толкования
36:63Страница 444
هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٦٣
Вот Геенна, которая была вам обещана.
К этому аяту нет толкования
36:64Страница 444
ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٦٤
Горите в ней сегодня за то, что вы не веровали».
К этому аяту нет толкования
36:65Страница 444
ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٦٥
Сегодня Мы запечатаем их уста. Их руки будут говорить с Нами, а их ноги будут свидетельствовать о том, что они приобретали.
К этому аяту нет толкования
36:66Страница 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦
Если Мы пожелаем, то лишим их зрения, и тогда они бросятся к Пути. Но как они будут видеть?
К этому аяту нет толкования
36:67Страница 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧
Если Мы пожелаем, то обезобразим их на их местах, и тогда они не смогут ни двинуться вперед, ни вернуться.
К этому аяту нет толкования
36:68Страница 444
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
Тому, кому Мы даруем долгую жизнь, Мы придаем противоположный облик. Неужели они не разумеют?
К этому аяту нет толкования
36:69–70Страница 444
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
Мы не учили его (Мухаммада) поэзии, и не подобает ему это. Это - не что иное, как Напоминание и ясный Коран,
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
чтобы он предостерегал тех, кто жив, и чтобы сбылось Слово относительно неверующих.
فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ النّاسَ قِسْمانِ: حَيٌّ قابِلٌ لِلِانْتِفاعِ، يَقْبَلُ الإنْذارَ ويَنْتَفِعُ بِهِ، ومَيِّتٌ لا يَقْبَلُ الإنْذارَ ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، لِأنَّ أرْضَهُ غَيْرُ زاكِيَةٍ ولا قابِلَةٍ لِخَيْرٍ ألْبَتَّةَ، فَيَحِقُّ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالعَذابِ، وتَكُونُ عُقُوبَتُهُ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلْهُدى والإيمانِ، بَلْ لِأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ ولا فاعِلٍ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ كَوْنُهُ غَيْرَ قابِلٍ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِالرَّسُولِ، إذْ لَوْ عَذَّبَهُ بِكَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لَقالَ: لَوْ جاءَنِي رَسُولٌ مِنكَ لامْتَثَلْتُ أمْرَكَ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ، فَأمَرَهُ ونَهاهُ، فَعَصى الرَّسُولَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ قابِلٍ لِلْهُدى، فَعُوقِبَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ فاعِلٍ، فَحَقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ جاءَهُ الرَّسُولُ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣]
وَحَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٦].
36:71Страница 445
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١
Неужели они не видят, что из того, что совершили Наши руки (Мы Сами), Мы создали для них скот, и что они им владеют?
К этому аяту нет толкования
36:72Страница 445
وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢
Мы сделали его подвластным им. На одних из них они ездят верхом, а другими питаются.
К этому аяту нет толкования
36:73Страница 445
وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
Они приносят им пользу и питье. Неужели они не будут благодарны?
К этому аяту нет толкования
36:74Страница 445
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤
Но они поклоняются вместо Аллаха другим богам в надежде на то, что им окажут помощь.
К этому аяту нет толкования
36:75Страница 445
لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥
Они не могут помочь им, хотя они являются для них готовым войском (язычники готовы сражаться за своих идолов, или идолы будут в Последней жизни готовым войском против язычников).
К этому аяту нет толкования
36:76Страница 445
فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦
Пусть их речи не печалят тебя. Мы знаем то, что они скрывают, и то, что они обнаруживают.
К этому аяту нет толкования
36:77Страница 445
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧
Неужели человек не видит, что Мы сотворили его из капли? И вот он открыто препирается!
К этому аяту нет толкования
36:78–83Страница 445
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨
Он привел Нам притчу и забыл о своем сотворении. Он сказал: «Кто оживит кости, которые истлели?».
قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩
Скажи: «Оживит их Тот, Кто создал их в первый раз. Он ведает о всяком творении».
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠
Он создал для вас огонь из зеленого дерева, и теперь вы разжигаете огонь от него.
أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١
Неужели Тот, Кто сотворил небеса и землю, не способен создать подобных им? Конечно, ведь Он - Творец, Знающий.
إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢
Когда Он желает чего-либо, то стоит Ему сказать: «Будь!». - как это сбывается.
فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣
Пречист Тот, в Чьей Руке власть над всякой вещью! К Нему вы будете возвращены.
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ عَشَرَةَ أدِلَّةٍ:
أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾
فَذَكَّرَهُ مَبْدَأ خَلْقِهِ لِيَدُلَّهُ بِهِ عَلى النَّشْأةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ هَذا الجاحِدَ لَوْ ذَكَرَ خَلْقَهُ لَما ضَرَبَ المَثَلَ، بَلْ لَمّا نَسِيَ خَلْقَهُ ضَرَبَ المَثَلَ؛ فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ألْطَفُ جَوابٍ وأبْيَنُ دَلِيلٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن جَحَدَك أنْ تَكُونَ قَدْ أعْطَيْتَهُ شَيْئًا: فُلانٌ جَحَدَنِي الإحْسانَ إلَيْهِ ونَسِيَ الثِّيابَ الَّتِي عَلَيْهِ والمالَ الَّذِي مَعَهُ والدّارَ الَّتِي هو فِيها حَيْثُ لا يُمْكِنُهُ جَحْدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنك؛ ثُمَّ أُجِيبَ عَنْ سُؤالِهِ بِما يَتَضَمَّنُ أبْلَغَ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِ ما جَحَدَهُ فَقالَ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
فَهَذا جَوابٌ واسْتِدْلالٌ قاطِعٌ، ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِالإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، فَإنْ تَعَذَّرَ الإعادَةُ عَلَيْهِ إنّما يَكُونُ لِقُصُورِ عِلْمِهِ أوْ قُصُورٍ في قُدْرَتِهِ، ولا قُصُورَ في عِلْمِ مَن هو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، ولا قُدْرَةَ فَوْقَ قُدْرَةِ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ إحْيائِكم بَعْدَ مَماتِكم ولَمْ نَعْجِزْ عَنْ النَّشْأةِ الأُولى ولا عَنْ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؟ ثُمَّ أرْشَدَ عِبادَهُ إلى دَلِيلٍ واضِحٍ جَلِيٍّ مُتَضَمِّنٍ لِلْجَوابِ عَنْ شُبَهِ المُنْكَرِينَ بِألْطَفِ الوُجُوهِ وأبْيَنِها وأقْرَبِها إلى العَقْلِ، فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾
فَإذَنْ هَذا دَلِيلٌ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وإخْراجِ الأمْواتِ مِن قُبُورِهِمْ كَما أخْرَجَ النّارَ مِن الشَّجَرَةِ الخَضْراءِ.
وَفِي ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ مَن قالَ مِن مُنْكَرِي المَعادِ المَوْتُ بارِدٌ يابِسٌ والحَياةُ طَبْعُها الرُّطُوبَةُ والحَرارَةُ، فَإذا حَلَّ المَوْتُ بِالجِسْمِ لَمْ يُمْكِنْ أنْ تَحِلَّ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَضادِّ ما بَيْنَهُما، وهَذِهِ شُبْهَةٌ تَلِيقُ بِعُقُولِ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ لا سَمْعَ لَهم ولا عَقْلَ؛ فَإنَّ الحَياةَ لا تُجامِعُ المَوْتَ في المَحَلِّ الواحِدِ لِيَلْزَمَ ما قالُوا، بَلْ إذا أوْجَدَ اللَّهُ فِيهِ الحَياةَ وطَبْعَها ارْتَفَعَ المَوْتُ وطَبْعُهُ، وهَذا الشَّجَرُ الأخْضَرُ طَبْعُهُ الرُّطُوبَةُ والبُرُودَةُ تَخْرُجُ مِنهُ النّارُ الحارَّةُ اليابِسَةُ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو أوْضَحُ لِلْعُقُولِ مِن كُلِّ دَلِيلٍ، وهو خَلْقُ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعَ عِظَمِها وسُمْعَتِها وأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِلْخَلْقِ الضَّعِيفِ إلَيْهِما، ومَن لَمْ تَعْجِزْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ عَنْ هَذا الخَلْقِ العَظِيمِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ كَيْفَ تَعْجِزُ عَنْ إحْيائِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟
ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِذِكْرِ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِهِ مُسْتَلْزِمَيْنِ لِما أخْبَرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
فَكَوْنُهُ خَلّاقًا عَلِيمًا يَقْتَضِي أنْ يَخْلُقَ ما يَشاءُ، ولا يُعْجِزُهُ ما أرادَهُ مِن الخَلْقِ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّ عُمُومَ إرادَتِهِ وكَمالِها لا يَقْصُرُ عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ أبَدًا، فَقالَ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
فَلا يُمْكِنُهُ الِاسْتِعْصاءُ عَلَيْهِ، ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ، بَلْ يَأْتِي طائِعًا مُنْقادًا لِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا وإيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا نَطَقَ بِهِ أعْداؤُهُ المُنْكِرُونَ لِلْمَعادِ مُعَظِّمًا لَها بِأنَّ مُلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ الحَقِّ في مَمْلُوكِهِ الَّذِي لا يُمْكِنُهُ الِامْتِناعُ عَنْ أيِّ تَصَرُّفٍ شاءَهُ فِيهِ.
ثُمَّ خَتَمَ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ كَما أنَّهم ابْتَدَءُوا مِنهُ هو فَكَذَلِكَ مَرْجِعُهم إلَيْهِ، فَمِنهُ المَبْدَأُ وإلَيْهِ المَعادُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ؟ وأنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى.
(فصل)
وقال في: (الصواعق المرسلة)
وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إلى آخر السورة.
فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان لألفى نفسه ظاهر العجز منقطع الطمع يستحي الناس من ذلك.
فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابا فكان في قوله سبحانه ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفي بالجواب وأقام الحجة وأزال الشبهة لولا ما أراد سبحانه من تأكيد حجته وزيادة تقريرها وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينس خلق نفسه وبدأ كونه وذكر خلقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه مسكتة له عن هذا السؤال ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وصرح به جوابا له عن مسألته فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩].
فاحتج بالإبداء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى إذ كل عاقل يعلم علما ضروريا أن من قدر على هذه قدر على هذه وأنه لو كان عاجزا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز. ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه اتبع ذلك بقوله ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾
فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع.
وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه فإن كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابا عن سؤال ملحد آخر يقول العظام إذا صارت رميما عادت طبيعتها باردة يابسة والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعته حارة رطبة لتقبل صورة الحياة فتولى سبحانه جواب هذا السؤال بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معا فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠] فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم. ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، وأن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر.
فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتدارا فقال ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾
فأخبر سبحانه أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما وعظم شأنهماوكبر أجسامهما وسعتهما وعجيب خلقتهما أقدر على أن يحيي عظاما قد صارت رميما فيردها إلى حالتها الأولى كما قال في موضع آخر: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]
وقال ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
ثم أخذ سبحانه ذلك وبينه بيانا آخر يتضمن مع إقامة الحجة دفع شبهة كل ملحد وجاحد وهو أنه ليس في فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والتعب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لا بد معه من آلة ومشارك ومعين بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون كن فإذا هو كائن كما شاءه وأراده.
فأخبر عن نفاذ مشيئته وإرادته وسرعة تكوينه وانقياد المكون له وعدم استعصائه عليه.
ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده فيتصرف فيه بفعله وهو قوله: ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣]
فتبارك الذي تكلم بهذا الكلام الذي جمع في نفسه بوجازته وبيانه وفصاحته وصحة برهانه كل ما تلزم الحاجة إليه من تقرير الدليل وجواب الشبهة ودحض حجة الملحد وإسكات المعاند بألفاظ لا أعذب منها عند السمع ولا أحلى منها ومن معانيها للقلب ولا أنفع من ثمرتها للعبد.
[فصل بَيْعُ عَظْمِ المَيْتَةِ]
وَأمّا عَظْمُها، فَمَن لَمْ يُنَجِّسْهُ بِالمَوْتِ، كأبي حنيفة، وبَعْضِ أصْحابِ أحمد، واخْتِيارِ ابن وهب مِن أصْحابِ مالك، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ، وإنِ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطَّهارَةِ، فَأصْحابُ أبي حنيفة قالُوا: لا يَدْخُلُ في المَيْتَةِ، ولا يَتَناوَلُهُ اسْمُها، ومَنَعُوا كَوْنَ الألَمِ دَلِيلَ حَياتِهِ، قالُوا: وإنَّما تُؤْلِمُهُ لِما جاوَرَهُ مِنَ اللَّحْمِ لا ذاتِ العَظْمِ، وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أصْحابَها. وغَيْرُهم ضَعَّفَ هَذا المَأْخَذَ جِدًّا، وقالَ: العَظْمُ يَأْلَمُ حِسًّا، وألَمُهُ أشَدُّ مِن ألَمِ اللَّحْمِ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ لِوَجْهَيْنِ أحَدُهُما: أنَّهُ تَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. الثّانِي: أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الإضْرابَ عَنْ جَوابِ سُؤالِ السّائِلِ الَّذِي اسْتَشْكَلَ حَياةَ العِظامِ، «فَإنَّ أبي بن خلف أخَذَ عَظْمًا بالِيًا، ثُمَّ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَفَتَّهُ في يَدِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أتَرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَما رُمَّ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (نَعَمْ، ويَبْعَثُكَ، ويُدْخِلُكَ النّارَ)».
فَمَأْخَذُ الطَّهارَةِ أنَّ سَبَبَ تَنْجِيسِ المَيْتَةِ مُنْتَفٍ في العِظامِ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجاسَتِها، ولا يَصِحُّ قِياسُها عَلى اللَّحْمِ؛ لِأنَّ احْتِقانَ الرُّطُوباتِ والفَضَلاتِ الخَبِيثَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ العِظامِ، كَما أنَّ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً لا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ، وهو حَيَوانٌ كامِلٌ، لِعَدَمِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ فِيهِ. فالعَظْمُ أوْلى، وهَذا المَأْخَذُ أصَحُّ وأقْوى مِنَ الأوَّلِ، وعَلى هَذا، فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظامِ المَيْتَةِ إذا كانَتْ مِن حَيَوانٍ طاهِرِ العَيْنِ.
وَأمّا مَن رَأى نَجاسَتَها، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُها، إذْ نَجاسَتُها عَيْنِيَّةٌ، قالَ ابن القاسم: قالَ مالك: لا أرى أنْ تُشْتَرى عِظامُ المَيْتَةِ ولا تُباعَ، ولا أنْيابُ الفِيلِ، ولا يُتَّجَرُ فِيها، ولا يُمْتَشَطُ بِأمْشاطِها، ولا يُدَّهَنُ بِمَداهِنِها، وكَيْفَ يُجْعَلُ الدُّهْنُ في المَيْتَةِ ويُمَشِّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وهي مَبْلُولَةٌ، وكَرِهَ أنْ يُطْبَخَ بِعِظامِ المَيْتَةِ، وأجازَ مطرف، وابْنُ الماجِشُونِ بَيْعَ أنْيابِ الفِيلِ مُطْلَقًا، وأجازَهُ ابن وهب، وأصبغ إنْ غُلِيَتْ وسُلِقَتْ، وجَعَلا ذَلِكَ دِباغًا لَها.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии