Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:59, продолжение
يُوَضِّحُهُ أنَّ المَسْكُوتَ عَنْهُ لَمّا كانَ عَفْوًا عَفا اللَّهُ لِعِبادِهِ عَنْهُ، وكانَ البَحْثُ عَنْهُ سَبَبًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ إيّاهُ لِما فِيهِ مِن مُقْتَضى التَّحْرِيمِ، لا لِمُجَرَّدِ السُّؤالِ عَنْ حُكْمِهِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ عَفا عَنْ ذَلِكَ وسامَحَ بِهِ عِبادَهُ كَما يَعْفُو عَمّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ مِن أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ؛ فَمِن المَعْلُومِ أنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذِكْرِ لَفْظٍ عامٍّ يُحَرِّمُهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَفْوٌ عَنْهُ، فَمَن حَرَّمَهُ بِسُؤالِهِ عَنْ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وقِياسِهِ عَلى المُحَرَّمِ بِالنَّصِّ كانَ أدْخَلَ في الذَّمِّ مِمَّنْ سَألَهُ عَنْ حُكْمِهِ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ فَحَرُمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ، بَلْ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَبْحَثَ عَنْهُ، ولا يَسْألَ عَنْ حُكْمِهِ، اكْتِفاءً بِسُكُوتِ اللَّهِ عَنْ عَفْوِهِ عَنْهُ؛ فَهَكَذا الواجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يُحَرِّمَ المَسْكُوتَ عَنْهُ بِغَيْرِ النَّصِّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ أصْلَهُ الَّذِي يُلْحَقُ بِهِ.
قالُوا: وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا كِتابُ اللَّهِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِكَثْرَةِ مَسائِلِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»، فَأمَرَهم أنْ يَتْرُكُوهُ مِن السُّؤالِ ما تَرَكَهُمْ، ولا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ حَياتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ أنْ نَتْرُكَهُ ﷺ وما نَصَّ عَلَيْهِ، فَلا نَقُولَ لَهُ: لِمَ حَرَّمَتْ كَذا؟ لِنُلْحِقَ بِهِ ما سَكَتَ عَنْهُ، بَلْ هَذا أبْلَغُ في المَعْصِيَةِ مِن أنْ نَسْألَهُ عَنْ حُكْمِ شَيْءٍ لَمْ يَحْكم فِيهِ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّهُ واضِحٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نَفْسِ الحَدِيثِ «وَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»، فَجَعَلَ الأُمُورَ ثَلاثَةً، لا رابِعَ لَها: مَأْمُورٌ بِهِ، فالفَرْضُ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ بِحَسَبِ الِاسْتِطاعَةِ، ومَنهِيٌّ عَنْهُ، فالفَرْضُ عَلَيْهِمْ اجْتِنابُهُ بِالكُلِّيَّةِ، ومَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ فَلا يُتَعَرَّضُ لِلسُّؤالِ والتَّفْتِيشِ عَنْهُ. وهَذا حُكْمٌ لا يَخْتَصُّ بِحَياتِهِ فَقَطْ، ولا يَخُصُّ الصَّحابَةَ دُونَ مَن بَعْدَهُمْ، بَلْ فُرِضَ عَلَيْنا نَحْنُ امْتِثالُ أمْرِهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطاعَةِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ، وتَرْكُ البَحْثِ والتَّفْتِيشِ عَمّا سَكَتَ عَنْهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ التَّرْكُ جَهْلًا وتَجْهِيلًا لِحُكْمِهِ، بَلْ إثْباتٌ لِحُكْمِ العَفْوِ وهو الإباحَةُ العامَّةُ ورَفْعُ الحَرَجِ عَنْ فاعِلِهِ، فَقَدْ اسْتَوْعَبَ الحَدِيثُ أقْسامَ الدِّينِ كُلَّها، فَإنَّها إمّا واجِبٌ وإمّا حَرامٌ وإمّا مُباحٌ؛ والمَكْرُوهُ والمُسْتَحَبُّ فَرْعانِ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ غَيْرُ خارِجَيْنِ عَنْ المُباحِ؛ وقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، فَوَكَلَ بَيانَهُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لا إلى القَيّاسِينَ والأرائيين، وقالَ - تَعالى -: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، فَقَسَّمَ الحُكْمَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ أذِنَ فِيهِ وهو الحَقُّ وقِسْمٍ افْتُرِيَ عَلَيْهِ وهو ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، فَأيْنَ أذِنَ لَنا أنْ نَقِيسَ البَلُّوطَ عَلى التَّمْرِ في جَرَيانِ الرِّبا فِيهِ؟ وأنْ نَقِيسَ القَصْدِيرَ عَلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والخَرْدَلَ عَلى البُرِّ؟ فَإنْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وصّانا بِهَذا فَسَمْعًا وطاعَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وإلّا فَإنّا قائِلُونَ لِمُنازِعِينا: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فَما لَمْ تَأْتِنا بِهِ وصِيَّةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ فَهو عَيْنُ الباطِلِ، وقَدْ أمَرَنا اللَّهُ بِرَدِّ ما تَنازَعْنا فِيهِ إلَيْهِ وإلى رَسُولِهِ ﷺ؛ فَلَمْ يُبِحْ لَنا قَطُّ أنْ نَرُدَّ ذَلِكَ إلى رَأْيٍ ولا قِياسٍ ولا تَقْلِيدِ إمامٍ ولا مَنامٍ ولا كُشُوفٍ ولا إلْهامٍ ولا حَدِيثِ قَلْبٍ ولا اسْتِحْسانٍ ولا مَعْقُولٍ ولا شَرِيعَةِ الدِّيوانِ ولا سِياسَةِ المُلُوكِ، ولا عَوائِدِ النّاسِ الَّتِي لَيْسَ عَلى شَرائِعِ المُسْلِمِينَ أضَرُّ مِنها، فَكُلُّ هَذِهِ طَواغِيتُ، مَن تَحاكَمَ إلَيْها أوْ دَعا مُنازِعَهُ إلى التَّحاكُمِ إلَيْها فَقَدْ حاكَمَ إلى الطّاغُوتِ.
وَقالَ - تَعالى -: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]، قالُوا: ومَن تَأمَّلَ هَذِهِ الآيَةَ حَقَّ التَّأمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّها نَصٌّ عَلى إبْطالِ القِياسِ وتَحْرِيمِهِ؛ لِأنَّ القِياسَ كُلَّهُ ضَرْبُ الأمْثالِ لِلدَّيْنِ، وتَمْثِيلُ ما لا نَصَّ فِيهِ بِما فِيهِ نَصٌّ، ومَن مَثَّلَ ما لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلى تَحْرِيمِهِ أوْ إيجابِهِ بِما حَرَّمَهُ أوْ أوْجَبَهُ فَقَدْ ضَرَبَ لِلَّهِ الأمْثالَ، ولَوْ عَلِمَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ مِثْلُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ لَأعْلَمَنا بِهِ، ولَما أغْفَلَهُ - سُبْحانَهُ - ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]، ولْيُبَيِّنْ لَنا ما نَتَّقِي كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ إذْ يَقُولُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] ولَمّا وكَلَهُ إلى آرائِنا ومَقايِيسِنا الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُها بَعْضًا، فَهَذا يَقِيسُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ نَظِيرُهُ فَيَجِيءُ مُنازِعُهُ فَيَقِيسُ ضِدَّ قِياسِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، ويُبْدِي مِن الوَصْفِ الجامِعِ مِثْلَ ما أبْداهُ مُنازِعُوهُ أوْ أظْهَرَ مِنهُ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ القِياسانِ مَعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَيْسَ أحَدُهُما أوْلى مِن الآخَرِ، فَلَيْسا مِن عِنْدِهِ، وهَذا وحْدَهُ كافٍ في إبْطالِ القِياسِ.
وَقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقالَ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فَكُلُّ ما بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَنْ رَبِّهِ - سُبْحانَهُ - بَيَّنَهُ بِأمْرِهِ وإذْنِهِ، وقَدْ عَلِمْنا يَقِينًا وُقُوعَ كُلِّ اسْمٍ في اللُّغَةِ عَلى مُسَمّاهُ فِيها، وأنَّ اسْمَ البُرِّ لا يَتَناوَلُ الخَرْدَلَ، واسْمَ التَّمْرِ لا يَتَناوَلُ البَلُّوطَ، واسْمَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لا يَتَناوَلُ القَصْدِيرَ، وأنَّ تَقْدِيرَ نِصابِ السَّرِقَةِ لا يَدْخُلُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَهْرِ، وأنَّ تَحْرِيمَ أكْلِ المَيْتَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ الطَّيِّبَ عِنْدَ اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتًا إذا ماتَ صارَ نَجَسًا خَبِيثًا، وأنَّ هَذا عَنْ البَيانِ الَّذِي ولّاهُ اللَّهُ رَسُولَهُ وبَعَثَهُ بِهِ أبْعَدَ شَيْءٍ وأشَدَّهُ مُنافاةً لَهُ، فَلَيْسَ هو مِمّا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ قَطْعًا، فَلَيْسَ إذًا مِن الدِّينِ.
وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «، ما بَعَثَ اللَّهُ مِن نَبِيٍّ إلّا كانَ حَقًّا عَلَيْهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلى خَيْرِ ما يَعْلَمُهُ لَهُمْ، ويَنْهاهم عَنْ شَرِّ ما يَعْلَمُهُ لَهُمْ»، ولَوْ كانَ الرَّأْيُ والقِياسُ خَيْرًا لَهم لَدَلَّهم عَلَيْهِ، وأرْشَدَهم إلَيْهِ، ولَقالَ لَهُمْ: إذا أوْجَبْتُ عَلَيْكم شَيْئًا أوْ حَرَّمْتُهُ فَقِيسُوا عَلَيْهِ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ وصْفٌ جامِعٌ أوْ ما أشْبَهَهُ، أوْ قالَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوْ يَسْتَلْزِمُهُ، ولَما حَذَّرَهم مِن ذَلِكَ أشَدَّ الحَذَرِ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ -، وقَدْ أحْكَمَ اللِّسانُ كُلَّ اسْمٍ عَلى مُسَمّاهُ لا عَلى غَيْرِهِ، وإنَّما بَعَثَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالعَرَبِيَّةِ الَّتِي يَفْهَمُها العَرَبُ مِن لِسانِها، فَإذا نَصَّ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ أوْ نَصَّ رَسُولُهُ عَلى اسْمٍ مِن الأسْماءِ وعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمًا مِن الأحْكامِ وجَبَ ألّا يُوقَعَ ذَلِكَ الحُكْمُ إلّا عَلى ما اقْتَضاهُ ذَلِكَ الِاسْمُ، ولا يَتَعَدّى بِهِ الوَضْعَ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِيهِ، ولا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ الحُكْمِ شَيْءٌ مِمّا يَقْتَضِيهِ الِاسْمُ؛ فالزِّيادَةُ عَلى ذَلِكَ زِيادَةٌ في الدِّينِ، والنَّقْصُ مِنهُ نَقْصٌ في الدِّينِ؛ فالأوَّلُ القِياسُ، والثّانِي التَّخْصِيصُ الباطِلُ، وكِلاهُما لَيْسَ مِن الدِّينِ، ومَن لَمْ يَقِفْ مَعَ النُّصُوصِ فَإنَّهُ تارَةً يَزِيدُ في النَّصِّ ما لَيْسَ مِنهُ ويَقُولُ: هَذا قِياسٌ، ومَرَّةً يَنْقُصُ مِنهُ بَعْضَ ما يَقْتَضِيهِ ويُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِهِ ويَقُولُ: هَذا تَخْصِيصٌ، ومَرَّةً يَتْرُكُ النَّصَّ جُمْلَةً ويَقُولُ: لَيْسَ العَمَلُ عَلَيْهِ، أوْ يَقُولُ: هَذا خِلافُ القِياسِ، أوْ خِلافُ الأُصُولِ.
قالُوا: ولَوْ كانَ القِياسُ مِن الدِّينِ لَكانَ أهْلُهُ أتْبَعَ النّاسِ لِلْأحادِيثِ، وكانَ كُلَّما تَوَغَّلَ فِيهِ الرَّجُلُ [فِيهِ] كانَ أشَدَّ اتِّباعًا لِلْأحادِيثِ والآثارِ.
قالُوا: ونَحْنُ نَرى أنَّ كُلَّما اشْتَدَّ تَوَغُّلُ الرَّجُلِ فِيهِ اشْتَدَّتْ مُخالَفَتُهُ لِلسُّنَنِ، ولا نَرى خِلافَ السُّنَنِ والأُثّارِ إلّا عِنْدَ أصْحابِ الرَّأْيِ والقِياسِ، فَلِلَّهِ كَمْ مِن سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ صَرِيحَةٍ قَدْ عُطِّلَتْ بِهِ؟، وكَمْ مِن أثَرٍ دُرِسَ حُكْمُهُ بِسَبَبِهِ؟
فالسُّنَنُ والآثارُ عِنْدَ والأرائيين والقِياسِيِّينَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها، مُعَطَّلَةٌ أحْكامُها، مَعْزُولَةٌ عَنْ سُلْطانِها ووِلايَتِها، لَها الِاسْمُ ولِغَيْرِها الحُكْمُ، مِنها السِّكَّةُ والخُطْبَةُ ولِغَيْرِها الأمْرُ والنَّهْيُ، وإلّا فَلِماذا تُرِكَ حَدِيثُ العَرايا، وحَدِيثُ قَسْمِ الِابْتِداءِ وأنَّ لِلزَّوْجَةِ حَقَّ العَقْدِ سَبْعَ لَيالٍ إنْ كانَتْ بِكْرًا وثَلاثًا إنْ كانَتْ ثَيِّبًا ثُمَّ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وحَدِيثُ تَغْرِيبِ الزّانِي غَيْرِ المُحْصَنِ.
وَحَدِيثُ الِاشْتِراطِ في الحَجِّ وجَوازِ التَّحَلُّلِ بِالشَّرْطِ، وحَدِيثُ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ، وحَدِيثُ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وأبِي هُرَيْرَةَ في أنَّ كَلامَ النّاسِي والجاهِلِ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ، وحَدِيثُ دَفْعِ اللُّقَطَةِ إلى مَن جاءَ فَوَصَفَ وِعاءَها ووِكاءَها وعِفاصَها، وحَدِيثُ المُصَرّاةِ، وحَدِيثُ القُرْعَةِ بَيْنَ العَبِيدِ إذا أُعْتِقُوا في المَرَضِ ولَمْ يَحْمِلْهم الثُّلُثُ، وحَدِيثُ خِيارِ المَجْلِسِ، وحَدِيثُ إتْمامِ الصَّوْمِ لِمَن أكَلَ ناسِيًا، وحَدِيثُ إتْمامِ صَلاةِ الصُّبْحِ لِمَن طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وقَدْ صَلّى مِنها رَكْعَةً، وحَدِيثُ الصَّوْمِ عَنْ المَيِّتِ، وحَدِيثُ الحَجِّ عَنْ المَرِيضِ المَأْيُوسِ مِن بُرْئِهِ، وحَدِيثُ الحُكْمِ بِالقافَةِ.
وَحَدِيثُ مَن وجَدَ مَتاعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وحَدِيثُ بَيْعِ المُدَبَّرِ، وحَدِيثُ القَضاءِ بِالشّاهِدِ مَعَ اليَمِينِ، وحَدِيثُ الوَلَدِ لِلْفِراشِ إذا كانَ مِن أمَةٍ وهو سَبَبُ الحَدِيثِ، وحَدِيثُ تَخْيِيرِ الغُلامِ بَيْنَ أبَوَيْهِ إذا افْتَرَقا، وحَدِيثُ قَطْعِ السّارِقِ في رُبْعِ دِينارٍ وحَدِيثُ رَجْمِ الكِتابِيَّيْنِ في الزِّنا، وحَدِيثُ مَن تَزَوَّجَ امْرَأةَ أبِيهِ أُمِرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ وأخْذِ مالِهِ، وحَدِيثُ " لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكافِرٍ "، وحَدِيثُ " لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ "، وحَدِيثُ " لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ ".
وَحَدِيثُ المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا لا سُكْنى لَها ولا نَفَقَةَ، وحَدِيثُ " أعْتَقَ صَفِيَّةَ وجَعَلَ عِتْقَها صَداقَها " وحَدِيثُ أصْدِقْها ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ "، وحَدِيثُ إباحَةِ لُحُومِ الخَيْلِ، وحَدِيثُ " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ "، وحَدِيثُ " لَيْسَ فِيما دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَةٌ "، وحَدِيثُ المُزارَعَةِ والمُساقاةِ، وحَدِيثُ " ذَكاةُ الجَنِينِ ذَكاةُ أُمِّهِ "، وحَدِيثُ الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ تَخْلِيلِ الخَمْرِ، وحَدِيثُ قِسْمَةُ الغَنِيمَةِ لِلرّاجِلِ سَهْمٌ ولِلْفارِسِ ثَلاثَةٌ، وحَدِيثُ " لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ "، وأحادِيثُ حُرْمَةِ المَدِينَةِ، وحَدِيثُ إشْعارِ الهَدْيِ، وحَدِيثُ " إذا لَمْ يَجِدْ المُحْرِمُ الإزارَ فَلْيَلْبَسْ السَّراوِيلَ "، وحَدِيثُ مَنعِ الرَّجُلِ مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ ولَدِهِ عَلى بَعْضٍ وأنَّهُ جَوْرٌ لا تَجُوزُ الشَّهادَةُ عَلَيْهِ، وحَدِيثُ " أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ "، وحَدِيثُ القَسامَةِ، وحَدِيثُ الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإبِلِ، وأحادِيثُ المَسْحِ عَلى العِمامَةِ.
وَحَدِيثُ الأمْرِ بِإعادَةِ الصَّلاةِ لِمَن صَلّى خَلْفَ الصَّفِّ وحْدَهُ، وحَدِيثُ " مَن دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ يُصَلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ "، وحَدِيثُ الصَّلاةِ عَلى الغائِبِ، وحَدِيثُ الجَهْرِ بِآمِينَ في الصَّلاةِ، وحَدِيثُ جَوازِ رُجُوعِ الأبِ فِيما وهَبَهُ لِوَلَدِهِ ولا يَرْجِعُ غَيْرُهُ، وحَدِيثُ الكَلْبِ الأسْوَدِ يَقْطَعُ الصَّلاةَ، وحَدِيثُ الخُرُوجِ إلى العِيدِ مِن الغَدِ إذا عَلِمَ بِالعِيدِ بَعْدَ الزَّوالِ، وحَدِيثُ نَضْحِ بَوْلِ الغُلامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعامَ، وحَدِيثُ الصَّلاةِ عَلى القَبْرِ، وحَدِيثُ مَن زَرَعَ في أرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِن الزَّرْعِ شَيْءٌ ولَهُ نَفَقَتُهُ.
وَحَدِيثُ بَيْعِ جابِرٍ بَعِيرَهُ واشْتِراطِ ظَهْرِهِ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ جُلُودِ السِّباعِ، وحَدِيثُ لا يَمْنَعُ أحَدُكم جارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدارِهِ، وحَدِيثُ أنَّ أحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ تُوُفُّوا بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجُ، وحَدِيثُ مَن باعَ عَبْدًا ولَهُ مالٌ فَمالُهُ لِلْبائِعِ، وحَدِيثُ إذا أسْلَمَ وتَحْتَهُ أُخْتانِ اخْتارَ أيَّتَهما شاءَ، وحَدِيثُ الوِتْرِ عَلى الرّاحِلَةِ، وحَدِيثُ كُلُّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ حَرامٌ، وحَدِيثُ مِن السُّنَّةِ وضْعُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى في الصَّلاةِ، وحَدِيثُ لا تُجْزِئُ صَلاةٌ لا يُقِيمُ الرَّجُلُ فِيها صُلْبَهُ مِن رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، وأحادِيثُ رَفْعِ اليَدَيْنِ في الصَّلاةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ والرَّفْعِ مِنهُ، وأحادِيثُ الِاسْتِفْتاحِ.
وَحَدِيثُ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَكْتَتانِ في الصَّلاةِ وحَدِيثُ تَحْرِيمُها التَّكْبِيرُ وتَحْلِيلُها التَّسْلِيمُ، وحَدِيثُ حَمْلِ الصِّبْيَةِ في الصَّلاةِ، وأحادِيثُ القُرْعَةِ، وأحادِيثُ العَقِيقَةِ، وحَدِيثُ لَوْ أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ، وحَدِيثُ أيَدَعُ يَدَهُ في فِيكَ تَقْضِمُها كَما يَقْضِمُ الفَحْلُ، وحَدِيثُ إنّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ والظُّفْرِ، وحَدِيثُ صَلاةِ الكُسُوفِ والِاسْتِسْقاءِ، وحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ، وحَدِيثُ المُحْرِمُ إذا ماتَ لَمْ يُخَمَّرْ رَأْسُهُ ولَمْ يُقَرَّبْ طِيبًا، إلى أضْعافِ ذَلِكَ مِن الأحادِيثِ الَّتِي كانَ تَرْكُها مِن أجْلِ القَوْلِ بِالقِياسِ والرَّأْيِ؟
فَلَوْ كانَ القِياسُ حَقًّا لَكانَ أهْلُهُ أتْبَعَ الأُمَّةِ لِلْأحادِيثِ ولا حُفِظَ لَهم تَرْكُ حَدِيثٍ واحِدٍ إلّا لِنَصٍّ ناسِخٍ لَهُ، فَحَيْثُ رَأيْنا كُلَّ مَن كانَ أشَدَّ تَوَغُّلًا في القِياسِ والرَّأْيِ كانَ أشَدَّ مُخالَفَةً لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ عَلِمْنا أنَّ القِياسَ لَيْسَ مِن الدِّينِ، وأنَّ شَيْئًا تُتْرَكُ لَهُ السُّنَنُ لَأبْيَنُ شَيْءٍ مُنافاةً لِلدِّينِ، فَلَوْ كانَ القِياسُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَطابَقَ السُّنَّةَ أعْظَمَ مُطابَقَةٍ، ولَمْ يُخالِفْ أصْحابُهُ حَدِيثًا واحِدًا مِنها، ولَكانُوا أسْعَدَ بِها مِن أهْلِ الحَدِيثِ، فَلْيُرُوا أهْلَ الحَدِيثِ والأثَرِ حَدِيثًا واحِدًا صَحِيحًا قَدْ خالَفُوهُ كَما أرَيْناهم آنِفًا ما خالَفُوهُ مِن السُّنَّةِ بِجَرِيرَةِ القِياسِ.
قالُوا: وقَدْ أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ عَلى أهْلِ الكِتابِ وعَلَيْنا بَعْدَهم أنْ لا نَقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الأقْيِسَةُ المُتَعارِضَةُ المُتَناقِضَةُ الَّتِي يَنْقُضُ بَعْضُها بَعْضًا بِحَيْثُ لا يَدْرِي النّاظِرُ فِيها أيُّها الصَّوابُ حَقًّا لَكانَتْ مُتَّفِقَةً يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا كالسُّنَّةِ الَّتِي يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، وقالَ - تَعالى -: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ [يونس: ٨٢]، لا بِآرائِنا ولا مَقايِيسِنا، وقالَ: ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، فَما لَمْ يَقُلْهُ - سُبْحانَهُ - ولا هَدى إلَيْهِ فَلَيْسَ مِن الحَقِّ، وقالَ - تَعالى -: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠]، فَقَسَّمَ الأُمُورَ إلى قِسْمَيْنِ لا ثالِثَ لَهُما: إتْباعٌ لِما دَعا إلَيْهِ الرَّسُولُ، واتِّباعُ الهَوى.
[فَصْلٌ لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ بِالقِياسِ بَلْ نَهى عَنْهُ]
والرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَدَعْ أُمَّتَهُ إلى القِياسِ قَطُّ، بَلْ قَدْ صَحَّ عَنْهُ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى عُمَرَ وأُسامَةَ مَحْضَ القِياسِ في شَأْنِ الحُلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ أرْسَلَ بِهِما إلَيْهِما فَلَبِسَها أُسامَةُ قِياسًا لِلُّبْسِ عَلى التَّمَلُّكِ والِانْتِفاعِ والبَيْعِ وكِسْوَتِها لِغَيْرِهِ، ورَدَّها عُمَرُ قِياسًا لِتَمَلُّكِها عَلى لُبْسِها، فَأُسامَةُ أباحَ، وعُمَرُ حَرَّمَ قِياسًا، فَأبْطَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلَّ واحِدٍ مِن القِياسَيْنِ، «وَقالَ لِعُمَرَ: إنّما بَعَثْتُ بِها إلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِها»، «وَقالَ لِأُسامَةَ إنِّي لَمْ أبْعَثْها إلَيْكَ لِتَلْبِسَها، ولَكِنْ بَعَثْتُها إلَيْكَ لِتُشَقِّقَها خُمُرًا لِنِسائِكَ»، والنَّبِيُّ ﷺ إنّما تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ في الحَرِيرِ بِالنَّصِّ عَلى تَحْرِيمِ لُبْسِهِ فَقَطْ، فَقاسا قِياسًا أخْطَأ فِيهِ، فَأحَدُهُما قاسَ اللُّبْسَ عَلى المِلْكِ، وعُمَرُ قاسَ التَّمَلُّكَ عَلى اللُّبْسِ، والنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أنَّ ما حَرَّمَهُ مِن اللُّبْسِ لا يَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ، وما أباحَهُ مِن التَّمَلُّكِ لا يَتَعَدّى إلى اللُّبْسِ، وهَذا عَيْنُ إبْطالِ القِياسِ.
وَصَحَّ عَنْهُ ما رَواهُ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «، إنّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، ونَهى عَنْ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمَةً لَكم غَيْرَ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها»، وهَذا الخِطابُ كَما يَعُمُّ أوَّلُهُ لِلصَّحابَةِ ولِمَن بَعْدَهم فَهَكَذا آخِرُهُ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ نَبْحَثَ عَمّا سَكَتَ عَنْهُ لِيُحَرِّمَهُ أوْ يُوجِبَهُ.
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: ثنا عِيسى بْنُ يُونُسَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، أعْظَمُها فِتْنَةً عَلى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُحِلُّونَ الحَرامَ، ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ». قالَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ التِّرْمِذِيُّ ثنا نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ ثنا عَبْدُ اللَّهِ، فَذَكَرَهُ، وهَؤُلاءِ كُلُّهم أئِمَّةٌ ثِقاتٌ حُفّاظٌ إلّا جَرِيرَ بْنَ عُثْمانَ فَإنَّهُ كانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ، ومَعَ هَذا فاحْتَجَّ بِهِ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، وقَدْ رَوى عَنْهُ أنَّهُ تَبَرَّأ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِ مِن الِانْحِرافِ عَنْ عَلِيٍّ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ إمامٌ جَلِيلٌ، وكانَ سَيْفًا عَلى الجَهْمِيَّةِ، رَوى عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ صِحَّةٌ تَقْرُبُ مِن التَّواتُرِ أنَّهُ قالَ «، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِكَثْرَةِ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، وما أمَرْتُكم بِهِ فَأتَوْا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ»، فَتَضَمَّنَ هَذا الحَدِيثُ أنَّ ما أمَرَ بِهِ أمْرَ إيجابٍ فَهو واجِبٌ، وما نَهى عَنْهُ فَهو حَرامٌ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ مُباحٌ فَبَطَلَ ما سِوى ذَلِكَ، والقِياسُ خارِجٌ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ؛ فَيَكُونُ باطِلًا، والمَقِيسُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ بِلا رَيْبٍ؛ فَيَكُونُ عَفْوًا بِلا رَيْبٍ، فَإلْحاقُهُ بِالمُحَرَّمِ تَحْرِيمٌ لِما عَفا اللَّهُ عَنْهُ.
، وفي قَوْلِهِ «، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ» بَيانٌ جَلِيٌّ أنَّ ما لا نَصَّ فِيهِ فَلَيْسَ بِحَرامٍ ولا واجِبٍ، ودَلَّ الحَدِيثُ عَلى أنَّ أوامِرَهُ عَلى الوُجُوبِ حَتّى يَجِيءَ ما يَرْفَعُ ذَلِكَ، أوْ يُبَيِّنُ أنَّ مُرادَهُ النَّدْبُ، وأنَّ ما لا نَسْتَطِيعُهُ فَساقِطٌ عَنّا.
وَقَدْ رَوى ابْنُ المُغَلِّسِ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثنا أبُو قِلابَةَ الرَّقاشِيُّ ثنا أبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرانِيُّ ثنا سَيْفُ بْنُ هارُونَ البُرْجُمِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أشْياءَ، فَقالَ: الحَلالُ ما أحَلَّ اللَّهُ، والحَرامُ ما حَرَّمَ اللَّهُ وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو مِمّا عَفا عَنْهُ»، وهَذا إسْنادٌ جَيِّدٌ مَرْفُوعٌ، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ.
[فصلٌ: مِن فَضْلِ الأئِمَّةِ]
والثّانِي: مَعْرِفَةُ فَضْلِ أئِمَّةِ الإسْلامِ ومَقادِيرِهِمْ وحُقُوقِهِمْ ومَراتِبِهِمْ، وأنَّ فَضْلَهم وعِلْمَهم ونُصْحَهم لِلَّهِ ورَسُولِهِ لا يُوجِبُ قَبُولَ كُلِّ ما قالُوهُ، وما وقَعَ في فَتاوِيهِمْ مِن المَسائِلِ الَّتِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيها ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقالُوا بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ والحَقُّ في خِلافِها لا يُوجِبُ إطْراحَ أقْوالِهِمْ جُمْلَةً وتَنَقُّصَهم والوَقِيعَةَ فِيهِمْ؛ فَهَذانِ طَرَفانِ جائِرانِ عَنْ القَصْدِ، وقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُما، فَلا نُؤَثِّمُ ولا نَعْصِمُ، ولا نَسْلُكُ بِهِمْ مَسْلَكَ الرّافِضَةِ في عَلِيٍّ ولا مَسْلَكَهم في الشَّيْخَيْنِ، بَلْ نَسْلُكُ مَسْلَكَهم أنْفُسَهم فِيمَن قَبْلَهم مِن الصَّحابَةِ، فَإنَّهم لا يُؤَثِّمُونَهم ولا يَعْصِمُونَهُمْ، ولا يَقْبَلُونَ كُلَّ أقْوالِهِمْ ولا يُهْدِرُونَها.
فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ عَلَيْنا في الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ مَسْلَكًا يَسْلُكُونَهُ هم في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ وسائِرِ الصَّحابَةِ؟ ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ لِمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ، وإنَّما يَتَنافَيانِ عِنْدَ أحَدِ رَجُلَيْنِ: جاهِلٍ بِمِقْدارِ الأئِمَّةِ وفَضْلِهِمْ، أوْ جاهِلٍ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ، ومَن لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرْعِ والواقِعِ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّ الرَّجُلَ الجَلِيلَ الَّذِي لَهُ في الإسْلامِ قَدَمٌ صالِحٌ وآثارٌ حَسَنَةٌ وهو مِن الإسْلامِ وأهْلِهِ بِمَكانٍ قَدْ تَكُونُ مِنهُ الهَفْوَةُ والزَّلَّةُ هو فِيها مَعْذُورٌ بَلْ ومَأْجُورٌ لِاجْتِهادِهِ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يُتْبَعَ فِيها، ولا يَجُوزُ أنْ تُهْدَرَ مَكانَتُهُ وإمامَتُهُ ومَنزِلَتُهُ مِن قُلُوبِ المُسْلِمِينَ.
قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ: كُنْتُ بِالكُوفَةِ فَناظَرُونِي في النَّبِيذِ المُخْتَلِفِ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعالَوْا فَلْيَحْتَجَّ المُحْتَجُّ مِنكم عَمَّنْ شاءَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالرُّخْصَةِ، فَإنْ لَمْ يُبَيِّنْ الرَّدَّ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِسَنَدٍ صَحَّتْ عَنْهُ، فاحْتَجُّوا فَما جاءُوا عَنْ أحَدٍ بِرُخْصَةٍ إلّا جِئْناهم بِسَنَدٍ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ في يَدِ أحَدٍ مِنهم إلّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، ولَيْسَ احْتِجاجُهم عَنْهُ في شِدَّةِ النَّبِيذِ بِشَيْءٍ يَصِحُّ عَنْهُ، إنّما يَصِحُّ عَنْهُ أنَّهُ لَمْ يَنْتَبِذْ لَهُ في الجَرِّ الأخْضَرِ.
قالَ ابْنُ المُبارَكِ: فَقُلْتُ لِلْمُحْتَجِّ عَنْهُ في الرُّخْصَةِ: يا أحْمَقُ، عُدْ إنّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَوْ كانَ هاهُنا جالِسًا فَقالَ: هو لَكَ حَلالٌ، وما وصَفْنا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في الشِّدَّةِ كانَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَحْذَرَ وتَخْشى. فَقالَ قائِلٌ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فالنَّخَعِيُّ والشَّعْبِيُّ - وسَمّى عِدَّةً مَعَهُما - كانُوا يَشْرَبُونَ الحَرامَ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: دَعُوا عِنْدَ المُناظَرَةِ تَسْمِيَةَ الرِّجالِ، فَرُبَّ رَجُلٍ في الإسْلامِ مَناقِبُهُ كَذا وكَذا، وعَسى أنْ تَكُونَ مِنهُ زَلَّةٌ، أفَيَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَحْتَجَّ بِها؟ فَإنْ أبَيْتُمْ فَما قَوْلُكم في عَطاءٍ وطاوُسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ؟ قالُوا: كانُوا خِيارًا، قُلْتُ: فَما قَوْلُكم في الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ؟ قالُوا: حَرامٌ، فَقُلْتُ: إنّ هَؤُلاءِ رَأوْهُ حَلالًا، أفَماتُوا وهم يَأْكُلُونَ الحَرامَ؟ فَبُهِتُوا وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهم.
قالَ ابْنُ المُبارَكِ: ولَقَدْ أخْبَرَنِي المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ قالَ: رَآنِي أبِي وأنا أنْشُدُ الشِّعْرَ، فَقالَ: يا بُنَيَّ لا تَنْشُدُ الشِّعْرَ، فَقُلْتُ: يا أبَتِ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ الشِّعْرَ، وكانَ ابْنُ سِيرِينَ يُنْشِدُ، فَقالَ: أيْ بُنَيَّ إنْ أخَذْتُ بِشَرِّ ما في الحَسَنِ وبِشَرِّ ما في ابْنِ سِيرِينَ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ المُبارَكِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ، فَإنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أعْيانِ الأئِمَّةِ مِن السّابِقِينَ الأوَّلِينَ ومَن بَعْدَهم إلّا ولَهُ أقْوالٌ وأفْعالٌ خَفِيَ عَلَيْهِمْ فِيها السُّنَّةُ.
قُلْتُ: وقَدْ قالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في أوَّلِ اسْتِذْكارِهِ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا بابٌ واسِعٌ لا يُحْصى، مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يَغُضُّ مِن أقْدارِهِمْ، ولا يُسَوِّغُ اتِّباعَهم فِيها، قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قالَ مُجاهِدٌ والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ ومالِكٌ وغَيْرُهُمْ: لَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ إلّا يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَكُ إلّا النَّبِيَّ ﷺ، وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: إنْ أخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ، قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هَذا إجْماعٌ لا أعْلَمُ فِيهِ خِلافًا، وقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في هَذا المَعْنى ما يَنْبَغِي تَأمُّلُهُ.
فَرَوى كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي لَأخافُ عَلى أُمَّتِي مِن بَعْدِي مِن أعْمالٍ ثَلاثَةٍ، قالُوا: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: إنِّي أخافُ عَلَيْهِمْ مِن زَلَّةِ العالِمِ، ومِن حُكْمِ الجائِرِ، ومِن هَوًى مُتَّبَعٍ».
وَقالَ زِيادُ بْنُ حُدَيْرٍ: قالَ عُمَرُ: ثَلاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّينَ: زَلَّةُ عالِمٍ، وجِدالُ مُنافِقٍ بِالقُرْآنِ، وأئِمَّةٌ مُضِلُّونَ.
وَقالَ الحَسَنُ: قالَ أبُو الدَّرْداءِ: إنّ مِمّا أخْشى عَلَيْكم زَلَّةَ العالِمِ وجِدالَ المُنافِقِ بِالقُرْآنِ، والقُرْآنُ حَقٌّ، وعَلى القُرْآنِ مَنارٌ كَأعْلامِ الطَّرِيقِ.
وَكانَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ، قَلَّما يُخْطِئُهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ، هَلَكَ المُرْتابُونَ، إنّ وراءَكم فِتَنًا يَكْثُرُ فِيها المالُ، ويُفْتَحُ فِيها القُرْآنُ، حَتّى يَقْرَأهُ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ والمَرْأةُ والصَّبِيُّ والأسْوَدُ والأحْمَرُ، فَيُوشِكُ أحَدُهم أنْ يَقُولَ: قَدْ قَرَأْتُ القُرْآنَ فَما أظُنُّ أنْ يَتْبَعُونِي حَتّى أبْتَدِعَ لَهم غَيْرَهُ، فَإيّاكم وما ابْتَدَعَ، فَإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ وإيّاكم وزَيْغَةَ الحَكِيمِ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِ الحَكِيمِ بِكَلِمَةِ الضَّلالَةِ، وإنَّ المُنافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الحَقِّ، فَتَلَقَّوْا الحَقَّ عَمَّنْ جاءَ بِهِ، فَإنَّ عَلى الحَقِّ نُورًا، قالُوا: كَيْفَ زَيْغَةُ الحَكِيمِ؟ قالَ: هي كَلِمَةٌ تَرُوعُكم وتُنْكِرُونَها وتَقُولُونَ ما هَذِهِ، فاحْذَرُوا زَيْغَتَهُ، ولا تَصُدَّنَّكم عَنْهُ، فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَفِيءَ ويُراجِعَ الحَقَّ، وإنَّ العِلْمَ والإيمانَ مَكانُهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن ابْتَغاهُما وجَدَهُما.
وَقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: كَيْفَ أنْتُمْ عِنْدَ ثَلاثٍ: زَلَّةِ عالِمٍ، وجِدالِ مُنافِقٍ بِالقُرْآنِ، ودُنْيا تَقْطَعُ أعْناقَكُمْ؟ فَأمّا زَلَّةُ العالِمِ فَإنْ اهْتَدى فَلا تُقَلِّدُوهُ دِينَكم وتَقُولُونَ نَصْنَعُ مِثْلَ ما يَصْنَعُ فُلانٌ، وإنْ أخْطَأ فَلا تَقْطَعُوا إياسَكم مِنهُ فَتُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطانَ وأمّا مُجادَلَةُ مُنافِقٍ بِالقُرْآنِ فَإنَّ لِلْقُرْآنِ مَنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، فَما عَرَفْتُمْ مِنهُ فَخُذُوا وما لَمْ تَعْرِفُوا فَكِلُوهُ إلى اللَّهِ تَعالى. وأمّا دُنْيا تَقْطَعُ أعْناقَكم فانْظُرُوا إلى مَن هو دُونَكُمْ، ولا تَنْظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكم.
وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ويْلٌ لِلْأتْباعِ مِن عَثَراتِ العالِمِ، قِيلَ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ قالَ: يَقُولُ العالِمُ شَيْئًا بِرَأْيِهِ ثُمَّ يَجِدُ مَن هو أعْلَمُ مِنهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتْرُكُ قَوْلَهُ ثُمَّ يَمْضِي الأتْباعُ، ذَكَرَ أبُو عُمَرَ هَذِهِ الآثارَ كُلَّها وغَيْرَهُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии