Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:118–120
5:118Страница 127
إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨
Если Ты подвергнешь их мучениям, то ведь они - Твои рабы. Если же Ты простишь им, то ведь Ты - Могущественный, Мудрый».
والرَّبُّ تَعالى يُحِبُّ ذاتَهُ وأوْصافَهُ وأسْماءَهُ، فَهو عَفْوٌ يُحِبُّ العَفْوَ، ويُحِبُّ المَغْفِرَةَ، ويُحِبُّ التَّوْبَةَ، ويَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ أعْظَمَ فَرَحٍ يَخْطُرُ بِالبالِ
وَكانَ تَقْدِيرُ ما يَغْفِرُهُ ويَعْفُو عَنْ فاعِلِهِ، ويَحْلُمُ عَنْهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ ويُسامِحُهُ مِن مُوجَبِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وحُصُولُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ مِن ذَلِكَ، وما يَحْمَدُ بِهِ نَفْسَهُ ويَحْمَدُهُ بِهِ أهْلُ سَماواتِهِ وأهْلُ أرْضِهِ ما هو مِن مُوجَباتِ كَمالِهِ ومُقْتَضى حَمْدِهِ.
وَهُوَ سُبْحانَهُ الحَمِيدُ المَجِيدُ، وحَمْدُهُ ومَجْدُهُ يَقْتَضِيانِ آثارَهُما.
وَمِن آثارِهِما مَغْفِرَةُ الزَّلّاتِ، وإقالَةُ العَثَراتِ، والعَفْوُ عَنِ السَّيِّئاتِ، والمُسامَحَةُ عَلى الجِناياتِ، مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ. والعِلْمُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالجِنايَةِ ومِقْدارِ عُقُوبَتِها، فَحِلْمُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ، وعَفْوُهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، ومَغْفِرَتُهُ عَنْ كَمالِ عِزَّتِهِ وحَكَمْتِهِ، كَما قالَ المَسِيحُ ﷺ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
أيْ فَمَغْفِرَتُكَ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِكَ وحِكْمَتِكَ، لَسْتَ كَمَن يَغْفِرُ عَجْزًا، ويُسامِحُ جَهْلًا بِقَدْرِ الحَقِّ، بَلْ أنْتَ عَلِيمٌ بِحَقِّكَ، قادِرٌ عَلى اسْتِيفائِهِ، حَكِيمٌ في الأخْذِ بِهِ.
فَمَن تَأمَّلَ سَرَيانَ آثارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ في العالَمِ، وفي الأمْرِ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَصْدَرَ قَضاءِ هَذِهِ الجِناياتِ مِنَ العَبِيدِ، وتَقْدِيرُها: هو مِن كَمالِ الأسْماءِ والصِّفاتِ والأفْعالِ. وغاياتُها أيْضًا: مُقْتَضى حَمْدِهِ ومَجْدِهِ، كَما هو مُقْتَضى رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ.
فَلَهُ في كُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والآياتُ الباهِرَةُ، والتَّعَرُّفاتُ إلى عِبادِهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، واسْتِدْعاءُ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وذِكْرِهِمْ لَهُ، وشُكْرِهِمْ لَهُ، وتَعَبُّدِهِمْ لَهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، إذْ كَلُّ اسْمٍ فَلَهُ تَعَبُّدٌ مُخْتَصٌّ بِهِ، عِلْمًا ومَعْرِفَةً وحالًا، وأكْمَلُ النّاسِ عُبُودِيَّةً المُتَعَبِّدُ بِجَمِيعِ الأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها البَشَرُ، فَلا تَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمٍ عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمٍ آخَرَ، كَمَن يَحْجُبُهُ التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ القَدِيرِ عَنِ التَّعَبُّدِ بِاسْمِهِ الحَلِيمِ الرَّحِيمِ، أوْ يَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ المُعْطِي عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمِهِ المانِعِ، أوْ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ الرَّحِيمِ والعَفُوِّ والغَفُورِ عَنِ اسْمِهِ المُنْتَقِمِ، أوِ التَّعَبُّدُ بِأسْماءِ التَّوَدُّدِ، والبِرِّ، واللُّطْفِ، والإحْسانِ عَنْ أسْماءِ العَدْلِ، والجَبَرُوتِ، والعَظَمَةِ، والكِبْرِياءِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الكُمَّلِ مِنَ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ، وهي طَرِيقَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن قَلْبِ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والدُّعاءُ بِها يَتَناوَلُ دُعاءَ المَسْألَةِ، ودُعاءَ
الثَّناءِ، ودُعاءَ التَّعَبُّدِ، وهو سُبْحانُهُ يَدْعُو عِبادَهُ إلى أنْ يَعْرِفُوهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِها، ويَأْخُذُوا بِحَظِّهِمْ مِن عُبُودِيَّتِها.
وَهُوَ سُبْحانُهُ يُحِبُّ مُوجَبَ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.
فَهُوَ عَلِيمٌ يُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ، جَوّادٌ يُحِبُّ كُلَّ جَوّادٍ، وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، عَفُوٌّ يُحِبُّ العَفْوَ وأهْلَهُ، حَيِّيٌّ يُحِبُّ الحَياءَ وأهْلَهُ، بَرٌّ يُحِبُّ الأبْرارَ، شَكُورٌ يُحِبُّ الشّاكِرِينَ، صَبُورٌ يُحِبُّ الصّابِرِينَ، حَلِيمٌ يُحِبُّ أهْلَ الحِلْمِ، فَلِمَحَبَّتِهِ سُبْحانَهُ لِلتَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ، والعَفْوِ والصَّفْحِ خَلَقَ مَن يَغْفِرُ لَهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ ويَعْفُو عَنْهُ، وقَدَّرَ عَلَيْهِ ما يَقْتَضِي وُقُوعَ المَكْرُوهِ والمَبْغُوضِ لَهُ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَحْبُوبُ لَهُ المُرْضِي لَهُ، فَتَوَسُّطُهُ كَتَوَسُّطِ الأسْبابِ المَكْرُوهَةِ المُفْضِيَةِ إلى المَحْبُوبِ.
؎فَرُبَّما كانَ مَكْرُوهُ العِبادِ إلى ∗∗∗ مَحْبُوبِها سَبَبَ ما مِثْلُهُ سَبَبٌ
(فصل)
وَتَأمَّلْ أحْوالَ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ مَعَ اللَّهِ، وخِطابَهم وسُؤالَهم. كَيْفَ تَجِدُها كُلَّها مَشْحُونَةً بِالأدَبِ قائِمَةً بِهِ؟
قالَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] ولَمْ يَقُلْ: لَمْ أقُلْهُ. وفَرْقٌ بَيْنَ الجَوابَيْنِ في حَقِيقَةِ الأدَبِ. ثُمَّ أحالَ الأمْرَ عَلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالحالِ وسِرِّهِ. فَقالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ بَرَّأ نَفْسَهُ عَنْ عِلْمِهِ بِغَيْبِ رَبِّهِ وما يَخْتَصُّ بِهِ سُبْحانَهُ، فَقالَ ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ أثْنى عَلى رَبِّهِ. ووَصَفَهُ بِتَفَرُّدِهِ بِعِلْمِ الغُيُوبِ كُلِّها. فَقالَ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ قالَ لَهم غَيْرَ ما أمَرَهُ رَبُّهُ بِهِ - وهو مَحْضُ التَّوْحِيدِ - فَقالَ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ شَهادَتِهِ عَلَيْهِمْ مُدَّةَ مُقامِهِ فِيهِمْ. وأنَّهُ بَعْدَ وفاتِهِ لا اطِّلاعَ لَهُ عَلَيْهِمْ، وأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ هو المُنْفَرِدُ بَعْدَ الوَفاةِ بِالِاطِّلاعِ عَلَيْهِمْ. فَقالَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]. ثُمَّ وصَفَهُ بِأنَّ شَهادَتَهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَهادَةٍ وأعَمُّ. فَقالَ: ﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] وهَذا مِن أبْلَغِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ. أيْ شَأْنُ السَّيِّدِ رَحْمَةُ عَبِيدِهِ والإحْسانُ إلَيْهِمْ. وهَؤُلاءِ عَبِيدُكَ لَيْسُوا عَبِيدًا لِغَيْرِكَ. فَإذا عَذَّبْتَهم - مَعَ كَوْنِهِمْ عَبِيدَكَ - فَلَوْلا أنَّهم عَبِيدُ سُوءٍ مِن أبْخَسِ العَبِيدِ، وأعْتاهم عَلى سَيِّدِهِمْ، وأعْصاهم لَهُ - لَمْ تُعَذِّبْهم. لِأنَّ قُرْبَةَ العُبُودِيَّةَ تَسْتَدْعِي إحْسانَ السَّيِّدِ إلى عَبْدِهِ ورَحْمَتَهُ.
فَلِماذا يُعَذِّبُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وأجْوَدُ الأجْوَدِينَ، وأعْظَمُ المُحْسِنِينَ إحْسانًا عَبِيدَهُ؟ لَوْلا فَرْطُ عُتُوِّهِمْ، وإباؤُهم عَنْ طاعَتِهِ، وكَمالُ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] أيْ هم عِبادُكَ. وأنْتَ أعْلَمُ بِسِرِّهِمْ وعَلانِيَتِهِمْ. فَإذا عَذَّبْتَهُمْ: عَذَّبْتَهم عَلى عِلْمٍ مِنكَ بِما تُعَذِّبُهم عَلَيْهِ. فَهم عِبادُكَ وأنْتَ أعْلَمُ بِما جَنَوْهُ واكْتَسَبُوهُ. فَلَيْسَ في هَذا اسْتِعْطافٌ لَهُمْ، كَما يَظُنُّهُ الجُهّالُ. ولا تَفْوِيضٌ إلى مَحْضِ المَشِيئَةِ والمُلْكِ المُجَرَّدِ عَنِ الحِكْمَةِ، كَما تَظُنُّهُ القَدَرِيَّةُ. وإنَّما هو إقْرارٌ واعْتِرافٌ وثَناءٌ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ، وكَمالِ عِلْمِهِ بِحالِهِمْ، واسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ولَمْ يَقُلِ: الغَفُورُ الرَّحِيمُ
وَهَذا مِن أبْلَغِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. فَإنَّهُ قالَهُ في وقْتِ غَضَبِ الرَّبِّ عَلَيْهِمْ، والأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ. فَلَيْسَ هو مَقامَ اسْتِعْطافٍ ولا شَفاعَةٍ. بَلْ مَقامُ بَراءَةٍ مِنهم. فَلَوْ قالَ: فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ لَأشْعَرَ بِاسْتِعْطافِهِ رَبَّهُ عَلى أعْدائِهِ الَّذِينَ قَدِ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ. فالمَقامُ مَقامُ مُوافَقَةٍ لِلرَّبِّ في غَضَبِهِ عَلى مَن غَضِبَ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ. فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُسْألُ بِهِما عَطْفَهُ ورَحْمَتَهُ ومَغْفِرَتَهُ إلى ذِكْرِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، المُتَضَمِّنَتَيْنِ لِكَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ.
والمَعْنى: إنْ غَفَرْتَ لَهم فَمُغْفِرَتُكَ تَكُونُ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والعِلْمِ. لَيْسَتْ عَنْ عَجْزٍ عَنْ الِانْتِقامِ مِنهُمْ، ولا عَنْ خَفاءٍ عَلَيْكَ بِمِقْدارِ جَرائِمِهِمْ، وهَذا لِأنَّ العَبْدَ قَدْ يَغْفِرُ لِغَيْرِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ الِانْتِقامِ مِنهُ. ولِجَهْلِهِ بِمِقْدارِ إساءَتِهِ إلَيْهِ. والكَمالُ: هو مَغْفِرَةُ القادِرِ العالِمِ. وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ. وكانَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في هَذا المَقامِ عَيْنَ الأدَبِ في الخِطابِ.
وَفِي بَعْضِ الآثارِ حَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ: اثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ. لَكَ الحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ. واثْنانِ يَقُولانِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ. لَكَ الحَمْدُ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ. ولِهَذا يَقْتَرِنُ كُلٌّ مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالأُخْرى. كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
5:119Страница 127
قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١١٩
Аллах сказал: «Это - день, когда правдивым людям принесет пользу их правдивость. Им уготованы Райские сады, в которых текут реки. Они пребудут там вечно». Аллах доволен ими, и они довольны Им. Это - великое преуспеяние!
(فصل: الرِّضا بِالقَضاءِ يَصِحُّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ)
وَغايَتُهُ التَّسْلِيمُ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. فَأيْنَ هَذا مِنَ الرِّضا بِهِ رَبًّا وإلَهًا ومَعْبُودًا؟
وَأيْضًا فالرِّضا بِهِ رَبًّا فَرْضٌ. بَلْ هو مِن آكَدِ الفُرُوضِ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ. فَمَن لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا، لَمْ يَصِحَّ لَهُ إسْلامٌ ولا عَمَلٌ ولا حالٌ.
وَأمّا الرِّضا بِقَضائِهِ: فَأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. ولَيْسَ بِواجِبٍ.
وَقِيلَ: بَلْ هو واجِبٌ، وهُما قَوْلانِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ.
فالفَرْقُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ فَرْقُ ما بَيْنَ الفَرْضِ والنَّدْبِ. وفي الحَدِيثِ الإلَهِيِّ الصَّحِيحِ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ أفْضَلُ وأعْلى مِنَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوافِلِ.
وَأيْضًا: فَإنَّ الرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ الرِّضا عَنْهُ، ويَسْتَلْزِمُهُ. فَإنَّ الرِّضا بِرُبُوبِيَّتِهِ: هو رِضا العَبْدِ بِما يَأْمُرُهُ بِهِ، ويَنْهاهُ عَنْهُ، ويَقْسِمُهُ لَهُ ويُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ويَمْنَعُهُ مِنهُ. فَمَتى لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَضِيَ بِهِ رَبًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. وإنْ كانَ راضِيًا بِهِ رَبًّا مِن بَعْضِها. فالرِّضا بِهِ رَبًّا مِن كُلِّ وجْهٍ: يَسْتَلْزِمُ الرِّضا عَنْهُ، ويَتَضَمَّنُهُ بِلا رَيْبٍ.
وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا مُتَعَلِّقٌ بِذاتِهِ، وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ العامَّةِ والخاصَّةِ، فَهو الرِّضا بِهِ خالِقًا ومُدَبِّرًا، وآمِرًا وناهِيًا، ومَلِكًا، ومُعْطِيًا ومانِعًا، وحَكَمًا، ووَكِيلًا ووَلِيًّا، وناصِرًا ومُعِينًا، وكافِيًا وحَسِيبًا ورَقِيبًا، ومُبْتَلِيًا ومُعافِيًا، وقابِضًا وباسِطًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ رُبُوبِيَّتِهِ.
وَأمّا الرِّضا عَنْهُ: فَهو رِضا العَبْدِ بِما يَفْعَلُهُ بِهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ إلّا في الثَّوابِ والجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] فَهَذا بِرِضاها عَنْهُ لِما حَصَلَ لَها مِن كَرامَتِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨].
والرِّضا بِهِ: أصْلُ الرِّضا عَنْهُ، والرِّضا عَنْهُ: ثَمَرَةُ الرِّضا بِهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرِّضا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. والرِّضا عَنْهُ: مُتَعَلِّقٌ بِثَوابِهِ وجَزائِهِ.
وَأيْضًا: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الإيمانِ بِمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا. ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَن رَضِيَ عَنْهُ، كَما قالَ ﷺ «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا.». فَجَعَلَ الرِّضا بِهِ قَرِينَ الرِّضا بِدِينِهِ ونَبِيِّهِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ الإسْلامِ، الَّتِي لا يَقُومُ إلّا بِها وعَلَيْها.
وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، والإنابَةَ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وخَوْفَهُ ورَجاءَهُ ومَحَبَّتَهُ، والصَّبْرَ لَهُ وبِهِ. والشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ: يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ كُلِّ ما مِنهُ نِعْمَةً وإحْسانًا، وإنْ ساءَ عَبْدُهُ. فالرِّضا بِهِ يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والرِّضا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ والرِّضا بِالإسْلامِ دِينًا: يَتَضَمَّنُ التِزامَ عُبُودِيَّتِهِ، وطاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ الدِّينَ كُلَّهُ.
وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ اتِّخاذَهُ مَعْبُودًا دُونَ ما سِواهُ. واتِّخاذَهُ ولِيًّا ومَعْبُودًا، وإبْطالَ عِبادَةِ كُلِّ ما سِواهُ. وقَدْ قالَ تَعالى لِرَسُولِهِ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤] وقالَ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] وقالَ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. فَهَذا هو عَيْنُ الرِّضا بِهِ رَبًّا.
وَأيْضًا: فَإنَّهُ جَعَلَ حَقِيقَةَ الرِّضا بِهِ رَبًّا: أنْ يَسْخَطَ عِبادَةَ ما دُونَهُ. فَمَتى سَخِطَ العَبْدُ عِبادَةَ ما سِوى اللَّهِ مِنَ الآلِهَةِ الباطِلَةِ، حُبًّا وخَوْفًا، ورَجاءً وتَعْظِيمًا، وإجْلالًا - فَقَدْ تَحَقَّقَ بِالرِّضا بِهِ رَبًّا، الَّذِي هو قُطْبُ رَحى الإسْلامِ.
وَإنَّما كانَ قُطْبَ رَحى الدِّينِ لِأنَّ جَمِيعَ العَقائِدِ والأعْمالِ، والأحْوالِ: إنَّما تَنْبَنِي عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في العِبادَةِ، وسُخْطِ عِبادَةِ ما سِواهُ. فَمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذا القُطْبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحًى تَدُورُ عَلَيْهِ. ومَن حَصَلَ لَهُ هَذا القُطْبُ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّحى. ودارَتْ عَلى ذَلِكَ القُطْبِ. فَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ مِن دائِرَةِ الشِّرْكِ إلى دائِرَةِ الإسْلامِ. فَتَدُورُ رَحى إسْلامِهِ وإيمانِهِ عَلى قُطْبِها الثّابِتِ اللّازِمِ.
وَأيْضًا: فَإنَّهُ جَعَلَ حُصُولَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الرِّضا مَوْقُوفًا عَلى كَوْنِ المَرْضِيِّ بِهِ رَبًّا - سُبْحانَهُ - أحَبَّ إلى العَبْدِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأوْلى الأشْياءِ بِالتَّعْظِيمِ، وأحَقَّ الأشْياءِ بِالطّاعَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا يَجْمَعُ قَواعِدَ العُبُودِيَّةِ، ويُنَّظِمُ فُرُوعَها وشُعَبَها.
وَلَمّا كانَتِ المَحَبَّةُ التّامَّةُ مَيْلَ القَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إلى المَحْبُوبِ: كانَ ذَلِكَ المَيْلُ حامِلًا عَلى طاعَتِهِ وتَعْظِيمِهِ. وكُلَّما كانَ المَيْلُ أقْوى: كانَتِ الطّاعَةُ أتَمَّ، والتَّعْظِيمُ أوْفَرَ. وهَذا المَيْلُ يُلازِمُ الإيمانَ، بَلْ هو رُوحُ الإيمانِ ولُبُّهُ. فَأيُّ شَيْءٍ يَكُونُ أعْلى مِن أمْرٍ يَتَضَمَّنُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحَبَّ الأشْياءِ إلى العَبْدِ، وأوْلى الأشْياءِ بِالتَّعْظِيمِ، وأحَقَّ الأشْياءِ بِالطّاعَةِ؟
وَبِهَذا يَجِدُ العَبْدُ حَلاوَةَ الإيمانِ. كَما في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ: مَن كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما. ومَن كانَ يُحِبُّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ. ومَن كانَ يَكْرَهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الكُفْرِ - بَعْدَ إذْ أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهُ - كَما يَكْرَهُ أنْ يُلْقى في النّارِ».
فَعَلَّقَ ذَوْقَ الإيمانِ بِالرِّضا بِاللَّهِ رَبًا. وعَلَّقَ وُجُودَ حَلاوَتِهِ بِما هو مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. ولا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وهو كَوْنُهُ سُبْحانَهُ أحَبَّ الأشْياءِ إلى العَبْدِ هو ورَسُولُهُ.
وَلَمّا كانَ هَذا الحُبُّ التّامُّ، والإخْلاصُ - الَّذِي هو ثَمَرَتُهُ - أعْلى مِن مُجَرَّدِ الرِّضا بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ: كانَتْ ثَمَرَتُهُ أعْلى. وهو وجْدُ حَلاوَةِ الإيمانِ. وثَمَرَةُ الرِّضا: ذَوْقُ طَعْمِ الإيمانِ. فَهَذا وجْدُ حَلاوَةٍ، وذَلِكَ ذَوْقُ طَعْمٍ. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَإنَّما تَرَتَّبَ هَذا وهَذا عَلى الرِّضا بِهِ وحْدَهُ رَبًّا، والبَراءَةِ مِن عُبُودِيَّةِ ما سِواهُ، ومِيلِ القَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِ، وانْجِذابِ قُوى المُحِبِّ كُلِّها إلَيْهِ. ورِضاهُ عَنْ رَبِّهِ تابِعٌ لِهَذا الرِّضا بِهِ. فَمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا رَضِيَهُ اللَّهُ لَهُ عَبْدًا. ومَن رَضِيَ عَنْهُ في عَطائِهِ ومَنعِهِ وبَلائِهِ وعافِيَتِهِ: لَمْ يَنَلْ بِذَلِكَ دَرَجَةَ رِضا الرَّبِّ عَنْهُ، إنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا، وبِنَبِيِّهِ رَسُولًا، وبِالإسْلامِ دِينًا، فَإنَّ العَبْدَ قَدْ يَرْضى عَنِ اللَّهِ رَبِّهِ فِيما أعْطاهُ وفِيما مَنَعَهُ، ولَكِنْ لا يَرْضى بِهِ وحْدَهُ مَعْبُودًا وإلَهًا. ولِهَذا إنَّما ضَمِنَ رِضا العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ لِمَن رَضِيَ بِهِ رَبًّا. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَن قالَ كُلَّ يَوْمٍ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا: إلّا كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ».
(فَصْلٌ)
إذا عُرِفَ هَذا فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قالَ: وبِهَذا الرِّضا نَطَقَ التَّنْزِيلُ.
يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ: عَزَّ وجَلَّ ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩].
وَقالَ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ المُجادَلَةِ ﴿وَيُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢] وفي آخِرِ سُورَةِ لَمْ يَكُنِ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨].
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ: جَزاءَهم عَلى صِدْقِهِمْ وإيمانِهِمْ، وأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، ومُجاهَدَةِ أعْدائِهِ، وعَدَمِ وِلايَتِهِمْ، بِأنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. فَأرْضاهم. فَرَضُوا عَنْهُ. وإنَّما حَصَلَ لَهم هَذا بَعْدَ الرِّضا بِهِ رَبًّا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا.
قَوْلُهُ: وهو الرِّضا عَنْهُ في كُلِّ ما قَضى.
هاهُنا ثَلاثَةُ أُمُورٍ: الرِّضاءُ بِاللَّهِ، والرِّضا عَنِ اللَّهِ، والرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ.
فالرِّضا بِهِ فَرْضٌ. والرِّضا عَنْهُ - وإنْ كانَ مِن أجَلِّ الأُمُورِ وأشْرَفِ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ - فَلَمْ يُطالِبْ بِهِ العُمُومَ. لِعَجْزِهِمْ ومَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ. وأوْجَبَتْهُ طائِفَةٌ كَما أوْجَبُوا الرِّضا بِهِ، واحْتَجُّوا بِحُجَجٍ.
مِنها: أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ راضِيًا عَنْ رَبِّهِ فَهو ساخِطٌ عَلَيْهِ. إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الرِّضا والسَّخَطِ. وسَخَطُ العَبْدِ عَلى رَبِّهِ مُنافٍ لِرِضاهُ بِهِ رَبًّا.
قالُوا: وأيْضًا فَعَدَمُ رِضاهُ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ سُوءَ ظَنِّهِ بِهِ، ومُنازَعَتَهُ لَهُ في اخْتِيارِهِ لِعَبْدِهِ، وأنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى يَخْتارُ شَيْئًا ويَرْضاهُ فَلا يَخْتارُهُ العَبْدُ ولا يَرْضاهُ، وهَذا مُنافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ.
قالُوا: وفي بَعْضِ الآثارِ الإلَهِيَّةِ مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضائِي، ولَمْ يَصْبِرْ عَلى بَلائِي. فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوايَ.
وَلا حُجَّةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لا يَتَخَلَّصُ مِنَ السَّخَطِ عَلى رَبِّهِ إلّا بِالرِّضا عَنْهُ. إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الرِّضا والسَّخَطِ - فَكَلامٌ مَدْخُولٌ. لِأنَّ السُّخْطَ بِالمَقْضِيِّ لا يَسْتَلْزِمُ السُّخْطَ عَلى مَن قَضاهُ، كَما أنَّ كَراهَةَ المَقْضِيِّ وبُغْضَهُ والنُّفْرَةَ عَنْهُ لا تَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ ذَلِكَ بِالَّذِي قَضاهُ وقَدَّرَهُ. فالمَقْضِيُّ قَدْ يَسْخَطُهُ العَبْدُ وهو راضٍ عَمَّنْ قَضاهُ وقَدَّرَهُ. بَلْ قَدْ يَجْتَمِعُ تَسَخُّطُهُ والرِّضا بِنَفْسِ القَضاءِ. كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَأمّا قَوْلُكم إنَّهُ يَسْتَلْزِمُ سُوءَ ظَنِّ العَبْدِ بِرَبِّهِ ومُنازَعَتَهُ لَهُ في اخْتِيارِهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ هو حُسْنُ الظَّنِّ بِرَبِّهِ في الحالَتَيْنِ. فَإنَّهُ إنَّما يَسْخَطُ المَقْدُورَ ويُنازِعُهُ بِمَقْدُورٍ آخَرَ. كَما يُنازِعُ القَدَرَ الَّذِي يَكْرَهُهُ رَبُّهُ بِالقَدَرِ الَّذِي يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. فَيُنازِعُ قَدَرَ اللَّهِ بِقَدَرِ اللَّهِ بِاللَّهِ لِلَّهِ، كَما يَسْتَعِيذُ بِرِضاهُ مِن سَخَطِهِ، وبِمُعافاتِهِ مِن عُقُوبَتِهِ، ويَسْتَعِيذُ بِهِ مِنهُ.
فَأمّا كَوْنُهُ يَخْتارُ لِنَفْسِهِ خِلافَ ما يَخْتارُهُ الرَّبُّ فَهَذا مَوْضِعُ تَفْصِيلٍ. لا يُسْحَبُ عَلَيْهِ ذَيْلُ النَّفْيِ والإثْباتِ. فاخْتِيارُ الرَّبِّ تَعالى لِعَبْدِهِ نَوْعانِ.
أحَدُهُما: اخْتِيارٌ دِينِيٌّ شَرْعِيٌّ. فالواجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ لا يَخْتارَ في هَذا النَّوْعِ غَيْرَ ما اخْتارَهُ لَهُ سَيِّدُهُ.
قالَ تَعالى ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فاخْتِيارُ العَبْدِ خِلافَ ذَلِكَ مُنافٍ لِإيمانِهِ وتَسْلِيمِهِ، ورِضاهُ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا.
النَّوْعُ الثّانِي: اخْتِيارٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ. لا يَسْخَطُهُ الرَّبُّ، كالمَصائِبِ الَّتِي يَبْتَلِي اللَّهُ بِها عَبْدَهُ. فَهَذا لا يَضُرُّهُ فِرارُهُ مِنها إلى القَدَرِ الَّذِي يَرْفَعُها عَنْهُ، ويَدْفَعُها ويَكْشِفُها. ولَيْسَ في ذَلِكَ مُنازَعَةٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ. وإنْ كانَ فِيهِ مُنازَعَةٌ لِلْقَدَرِ بِالقَدَرِ.
فَهَذا يَكُونُ تارَةً واجِبًا، وتارَةً يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وتارَةً يَكُونُ مُباحًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ، وتارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا، وتارَةً يَكُونُ حَرامًا.
وَأمّا القَدَرُ الَّذِي لا يُحِبُّهُ ولا يَرْضاهُ - مِثْلَ قَدَرِ المَعائِبِ والذُّنُوبِ - فالعَبْدُ مَأْمُورٌ بِسَخَطِها. ومَنهِيٌّ عَنِ الرِّضا بِها.
وَهَذا هو التَّفْصِيلُ الواجِبُ في الرِّضا بِالقَضاءِ.
(لطيفة)
اجْتَمَعَ وُهَيْبُ بْنُ الوَرْدِ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ويُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ.
فَقالَ الثَّوْرِيُّ: قَدْ كُنْتُ أكْرَهُ مَوْتَ الفُجاءَةِ قَبْلَ اليَوْمِ. وأمّا اليَوْمَ: فَوَدِدْتُ أنِّي مَيِّتٌ.
فَقالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ أسْباطٍ: ولِمَ؟ فَقالَ: لِما أتَخَوَّفُ مِنَ الفِتْنَةِ.
فَقالَ يُوسُفُ: لَكِنِّي لا أكْرَهُ طُولَ البَقاءِ.
فَقالَ الثَّوْرِيُّ: ولِمَ تَكْرَهُ المَوْتَ؟
قالَ: لَعَلِّي أُصادِفُ يَوْمًا أتُوبُ فِيهِ وأعْمَلُ صالِحًا.
فَقِيلَ لِوُهَيْبٍ: أيُّ شَيْءٍ تَقُولُ أنْتَ؟
فَقالَ: أنا لا أخْتارُ شَيْئًا، أحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أحَبُّهُ إلى اللَّهِ.
فَقَبَّلَ الثَّوْرِيُّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وقالَ: رُوحانِيَّةٌ ورَبِّ الكَعْبَةِ.
فَهَذا حالُ عَبْدٍ قَدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ حالَةُ الحَياةِ والمَوْتِ. وقَفَ مَعَ اخْتِيارِ اللَّهِ لَهُ مِنها. وقَدْ كانَ وُهَيْبٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ المَقامُ العالِي مِنَ الرِّضا وغَيْرِهِ.
5:120Страница 127
لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ ١٢٠
Аллаху принадлежит власть над небесами, землей и тем, что на них, и Он способен на всякую вещь.
К этому аяту нет толкования
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии