Ибн аль-Каййим · Тафсир · на арабском
النجم
Ан-Наджм
Звезда · Мекканская · 62 аята
53:1–2Страница 526
وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١
Клянусь звездой, когда она падает (или частью Корана, когда она нисходит)!
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢
Не заблудился ваш товарищ и не сошел с пути.
قالَ الله تَعالى في حق نبيه يذكر ما منَّ بِهِ عَلَيْهِ من نزاهته وطهارته مِمّا يلْحق غَيره من ذَلِك ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكُم وما غوى﴾
فَـ (ما ضل) دَلِيل على كَمال علمه ومعرفته وأنه على الحق المُبين (وَما غوى) دَلِيل على كَمال رشده وأنه أبر العالمين فَهو الكامِل في علمه وفي عمله، وقد وصف بذلك خلفاءه من بعده وأمر باتباعهمْ على سنتهمْ فَقالَ:
"عَلَيْكُم بِسنتي وسنة الخُلَفاء الرّاشِدين المهديين من بعدِي"
رَواهُ التِّرْمِذِيّ وغَيره.
فالراشد ضد الغاوي، والمهْدِي ضد الضال.
(فصل)
ومن ذلك قوله تعالى ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾
أقسم سبحانه بالنجم عند هويه على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي
واختلف الناس في المراد بالنجم فقال الكلبي عن ابن عباس أقسم بالقرآن إذا نزل نجما على رسوله أربع آيات وثلاثًا والسورة وكان بين أوله وآخره عشرون سنة وكذلك روى عطاء عنه وهو قول مقاتل والضحاك ومجاهد واختاره الفراء.
وعلى هذا فسمي القرآن منجما لتفرقه في النزول والعرب تسمي التفرق تنجمًا والمفرق نجمًا ونجوم الكتاب أقساطها ويقول جعلت مالي على فلان نجومًا منجمة كل نجم كذا وكذا وأصل هذا أن العرب كانت تجعل مطالع القمر ومساقطها مواقيت لحلول ديونها وآجالها فيقولون إذا طلع النجم يريدون الثريا حل عليك الدين ومنه قول زهير في دية جعلت نجومًا على العاقل:
؎ينجمها قوم لقوم غرامة ∗∗∗ ولم يهرقوا ما بينهم ملء مجحم
ثم جعل كل تنجم تفريقًا وإن لم يكن موقتًا بطلوع نجم
وقوله هوى على هذا القول أي نزل من على إلى أسفل قال أبو زيد هوت العقاب تهوي هويًا بفتح الهاء إذا انقضت على صيد أو غيره وكذلك قال ابن الأعرابي وفرق بين الهوى لقوله:
والدلو في اصعادها عجل الهوى ...
وقال الليث العامة تقول الهوى بالضم في مصد هوى يهوى وكذلك قال الأصمعي هوى يهوى هو بفتح الهاء إذا سقط إلى أسفل قال وكذلك الهوي في السير إذا مضى
وهاهنا أمر يجب التنبيه عليه غلط فيه أبو محمد بن حزم أقبح غلط فذكر في السماء الرب تعالى الهوى بفتح الهاء واحتج بما في الصحيح من حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده "سبحان ربي الأعلى" الهوى فظن أبو محمد أن الهوى صفة للرب وهذا من غلطه رحمه الله وإنما الهوى على وزن فعيل اسم لقطعة من الليل يقال مضى هوى من الليل على وزن فعيل ومضى هزيع منه أي طرف وجانب وكان يقول "سبحان ربي الأعلى" في قطعة من الليل وجانب منه وقد صرحت بذلك في اللفظ الآخر فقالت كان يقول "سبحان ربي الأعلى" الهوى من الليل
عدنا إلى قوله ﴿والنجم إذا هوى﴾
وقال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية يعني الثريا إذا سقطت وغابت وهو الرواية الأخرى عن مجاهد والعرب إذا أطلقت النجم تعني به الثريا قال فباتت تعد النجم
وقال أبو حمزة اليماني يعني النجوم إذا انتشرت يوم القيامة
وقال ابن عباس في رواية عكرمة يعني النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع
وهذا قول الحسن وهو أظهر الأقوال ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله سبحانه آية وحفظًا للوحي من استراق الشياطين له على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه بل قد أحرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدي الوحي وحرسًا له.
وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور وفي المقسم به دليل على المقسم عليه
وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله بالنجم إذا هوى ولا تسمية نزوله هويًا ولا عهد في القرآن ذلك فيحمل هذا اللفظ عليه وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت وليس بالبين أيضًا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة بل هذا مما يقسم الرب عليه ويدل عليه بآياته فلا يجعله نفسه دليلا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكروا البعث فإنه سبحانه إنما استدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه فأظهر الأقوال قول الحسن والله أعلم
وبين المقسم به والمقسم عليه من التناسب ما لا يخفى
فإن النجوم التي ترمى الشياطين آيات من آيات الله يحفظ بها دينه ووحيه وآياته المنزلة على رسوله ظهر دينه وشرعه وأسماؤه وصفاته وجعلت هذه النجوم المشاهدة خدمًا وحرسًا لهذه النجوم الهاوية ونفى سبحانه عن رسوله الضلال المنافي للهدى والغي المنافي للرشاد ففي ضمن النفي الشهادة له بأنه على الهدى والرشاد، فالهدى في علمه والرشاد في علمه وهذان الأصلان هما غاية كمال العبد وبهما سعادته وفلاحه وبهما وصف النبي خلفاءه فقال عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي.
فالراشد ضد الغاوي، والمهدي ضد الضال وهو الذي زكت نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو صاحب الهدى ودين الحق ولا يشتبه الراشد المهدي بالضال الغاوي إلا على أجهل خلق الله وأعماهم قلبًا وأبعدهم من حقيقة الإنسانية
ولله در القائل:
؎وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ∗∗∗ إذا استوت عنده الأنوار والظلم
فالناس أربعة أقسام ضال في علمه غاو في قصده وعلمه وهؤلاء شرار الخلق وهم مخالفوا الرسل
الثاني مهتد في علمه غاو في قصده وعمله وهؤلاء هم الأمة الغضبية ومن تشبه بهم وهو حال كل من عرف الحق ولم يعمل به
الثالث ضال في علمه ولكن قصده الخير وهو لا يشعر
الرابع مهتد في علمه راشد في قصده وهؤلاء ورثة الأنبياء وهم وإن كانوا الأقلين عددًا فهم الأكثرون عند الله قدرًا وهم صفوة الله من عباده وحزبه من خلقه
وتأمل كيف قال سبحانه ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ ولم يقل ما ضل محمد تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط وقد نبه على هذا المعنى بقوله ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ وبقوله ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾
53:3–4Страница 526
وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣
Он не говорит по прихоти.
إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤
Это - всего лишь внушаемое ему откровение.
(فصل)
ثم قال سبحانه ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلاّ وحْيٌ يُوحى﴾
ينزه نطق رسوله أن يصدر عن هوى وبهذه الكمال هداه ورشده
وقال ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ ولم يقل وما ينطق بالهوى، لأن نطقه عن الهوى أبلغ فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى
وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به؟
فتضمن نفي الأمرين نفي الهوى عن مصدر النطق ونفيه عن نفسه، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد لا الغي والضلال
ثم قال ﴿إنْ هو إلاّ وحْيٌ يُوحى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل أي ما نطقه إلا وحي يوحى وهذا أحسن من قول من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن فإنه يعم نطقه بالقرآن والسنة وإن كليهما وحي يوحى.
وقد احتج الشافعي لذلك فقال لعل من حجة من قال بهذا قوله ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾
قال ولعل من حجته أن يقول قال رسول الله لأبي الزاني بامرأة الرجل الذي صالحه على الغنم والخادم
"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الغنم والخادم رد عليك" .. الحديث.
وفي الصحيحين أن يعلى بن أمية كان يقول لعمر "ليتني أرى رسول الله حين ينزل عليه الوحي، فلما كان بالجعرانة سأله رجل فقال كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالخلوق فنظر إليه النبي ساعة ثم سكت فجاء الوحي فأشار عمر بيده إلى يعلى فجاء فأدخل رأسه، فإذا النبي ﷺ محرم يغط ثم سري عنه
فقال "أين السائل آنفًا"
فجيء به فقال "انزع عنك الجبة واغسل أثر الطيب، واصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك"
وقال الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن أبي طاووس عن أبيه أن عنده كتابًا نزل به الوحي، وما فرض رسول الله من صدقة وعقول فإنما نزل به الوحي.
وذكر الأوزاعي عن حسان ابن عطية قال:
كان جبريل ينزل على رسول الله بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياه.
وذكر الأوزاعي أيضًا عن أبي عبيد صاحب سليمان أخبرني القاسم بن مخيمرة حدثني ابن فضيلة قال:
قيل لرسول الله ﷺ سعر لنا.
قال "لا يسألني الله عن سنة أحدثها فيكم لم يأمرني بها، ولكن سلوا الله من فضله"
و"ابن نضلة " هذا يسمى: طلحة
وقد صح عنه أنه قال "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه"
وهذا هو السنة بلا شك، وقد قال تعالى ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾ وهما القرآن والسنة وبالله التوفيق.
53:5–7Страница 526
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥
Научил его обладающий могучей силой
ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦
и прекрасным сложением (или благоразумием). Он вознесся (или выпрямился)
وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧
на наивысшем горизонте.
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن مما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾
وهذا نظير قوله ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ وذكرنا هناك السر في وصفه بالقوة
وقوله ﴿ذو مرة﴾ أي جميل المنظر حسن الصورة ذو جلالة ليس شيطانًا أقبح خلق الله وأشوههم صورة بل هو من أجمل الخلق وأقواهم وأعظمهم أمانة ومكانة عند الله وهذا تعديل لسند الوحي والنبوة وتزكية له كما تقدم نظيره في سورة التكوير فوصفه بالعلم والقوة وجمال المنظر وجلالته وهذه كانت أوصاف
الرسول البشري والملكي فكان رسول الله أشجع الناس وأعلمهم وأجملهم وأجلهم، والشياطين وتلامذتهم بضد من ذلك فهم أقبح الخلق صورة ومعنى، وأجهل الخلق وأضعفهم هممًا ونفوسًا.
(فائدة)
قال في (الصواعق المرسلة)
والمرة: المنظر البهي الجميل فأعطاه كمال القوة في باطنه وجمال المنظر في ظاهره وهذان الكمالان هما اللذان أرتهما امرأة العزيز النسوة اللاتي لمنها في محبة يوسف فإنها أجلستهن في البيت ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] فأخبرتهن أن باطنه أحسن وأجمل.
﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] فأرتهن جماله الظاهر وأخبرتهن بجماله الباطن.
(فصل)
قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾
قال ابن عباس رضي الله عنهما "ذو منظر حسن"
وقال قتادة "ذو خلق حسن"
وقال ابن جرير: "عنى بالمرة صحة الجسم وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا كان كذلك من الإنسان كان قويا".
والمرة واحدة المرر، وإنما أريد به ذو مرة سوية، ومنه قول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"لا تحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِي، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي".
قلت: هذا حجة من قال: المرة القوة في الآية، وهو قول مجاهد وابن زيد.
وهو قول ضعيف. لأنه قد وصفه قبل ذلك بأنه: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥].
ولا ريب أن المرة في الحديث هي القوة، لا المنظر الحسن.
فإما أن يقال: المرة تقال على هذا وعلى هذا.
وإما أن يقال - وهو الأظهر -: إن المرة هي الصحة والسلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة، وذلك يستلزم كمال الخلقة وحسنها وجمالها.
فإن العاهة والآفة إنما تكون من ضعف الخلقة والتركيب، فهي قوة وصحة تتضمن جمالا وحسنا، والله أعلم.
ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطًا من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستويًا عليه ثم نزل وقرب من محمد وخاطبه بما أمره الله به قائلًا ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدًا ونظيره قوله ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها
وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى.
وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾
فَهُوَ غَيْرُ الدُّنُوِّ والتَّدَلِّي في قِصَّةِ الإسْراءِ، فَإنَّ الَّذِي في (سُورَةِ النَّجْمِ) هو دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ، كَما قالَتْ عائشة وابْنُ مَسْعُودٍ، والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وهو جِبْرِيلُ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى - وهو بِالأُفُقِ الأعْلى - ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٦-٨]
فالضَّمائِرُ كُلُّها راجِعَةٌ إلى هَذا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوى، وهو ذُو المِرَّةِ، أيْ: القُوَّةُ، وهو الَّذِي اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى، وهو الَّذِي دَنا فَتَدَلّى، فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، فَأمّا الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي الَّذِي في حَدِيثِ الإسْراءِ فَذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهُ دُنُوُّ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَدَلِّيهِ، ولا تَعَرُّضَ في (سُورَةِ النَّجْمِ) لِذَلِكَ، بَلْ فِيها أنَّهُ رَآهُ نَزْلَةً
أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وهَذا هو جِبْرِيلُ، رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً في الأرْضِ، ومَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ (بابُ الِاتِّصالِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى - فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٨-٩]
آيَسَ العُقُولَ، فَقَطَعَ البَحْثُ بِقَوْلِهِ: " أوْ أدْنى ".
كَأنَّ الشَّيْخَ فَهِمَ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الَّذِي دَنى فَتَدَلّى فَكانَ مِن مُحَمَّدٍ ﷺ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى: هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وَهَذا وإنْ قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ فالصَّحِيحُ: أنَّ ذَلِكَ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَهو المَوْصُوفُ بِما ذَكَرَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى - عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣-١٤]
هَكَذا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها:
«سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ؟ فَقالَ: جِبْرِيلُ، لَمْ أرَهُ في صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها إلّا مَرَّتَيْنِ»
وَلَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قالَ ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]
وَهَذا جِبْرِيلُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ بِالقُوَّةِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ - ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩-٢٠].
الثّانِي: أنَّهُ قالَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] أيْ: حُسْنِ الخُلُقِ، وهو الكَرِيمُ المَذْكُورُ في التَّكْوِيرِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فاسْتَوى - وهو بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٦-٧]
وَهُوَ ناحِيَةُ السَّماءِ العُلْيا، وهَذا اسْتِواءُ جِبْرِيلَ بِالأُفُقِ الأعْلى، وأمّا اسْتِواءُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ فَعَلى عَرْشِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى - فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٨-٩]
فَهَذا دُنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ إلى الأرْضِ، حَيْثُ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأمّا الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في حَدِيثِ المِعْراجِ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ كانَ فَوْقَ السَّماواتِ. فَهُناكَ دَنا الجَبّارُ جَلَّ جَلالُهُ مِنهُ وتَدَلّى ..
فالدُّنُوُّ والتَّدَلِّي في الحَدِيثِ غَيْرُ الدُّنُوِّ والتَّدَلِّي في الآيَةِ، وإنِ اتَّفَقا في اللَّفْظِ.
الخامِسُ: أنَّهُ قالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى - عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٣-١٤] والمَرْئِيُّ عِنْدَ السِّدْرَةِ: هو جِبْرِيلُ قَطْعًا، وبِهَذا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ لِعائِشَةَ «ذاكَ جِبْرِيلُ».
السّادِسُ: أنَّ مُفَسِّرَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [النجم: ١٣]، وفي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨]، وفي قَوْلِهِ: فاسْتَوى، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ [النجم: ٧] واحِدٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُخالِفَ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ.
السّابِعُ: أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ الرَّسُولَيْنِ الكَرِيمَيْنِ: المَلَكِيُّ، والبَشَرِيُّ، ونَزَّهَ البَشَرِيَّ عَنِ الضَّلالِ والغِوايَةِ، ونَزَّهَ المَلَكِيَّ عَنْ أنْ يَكُونَ شَيْطانًا قَبِيحًا ضَعِيفًا، بَلْ هو قَوِيٌّ كَرِيمٌ حَسَنُ الخُلُقِ، وهَذا نَظِيرُ الوَصْفِ المَذْكُورِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ سَواءً.
الثّامِنُ: أنَّهُ أخْبَرَ هُناكَ أنَّهُ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ وهاهُنا أخْبَرَ أنَّهُ رَآهُ بِالأُفُقِ الأعْلى وهو واحِدٌ، وُصِفَ بِصِفَتَيْنِ، فَهو مُبِينٌ وهو أعْلى، فَإنَّ الشَّيْءَ كُلَّما عَلا بانَ وظَهَرَ.
التّاسِعُ: أنَّهُ قالَ: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ٦] والمِرَّةُ الخُلُقُ الحَسَنُ المُحْكَمُ، فَأخْبَرَ عَنْ حُسْنِ خُلُقِ الَّذِي عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ ساقَ الخَبَرَ كُلَّهُ عَنْهُ نَسَقًا واحِدًا.
العاشِرُ: أنَّهُ لَوْ كانَ خَبَرًا عَنِ الرَّبِّ تَعالى لَكانَ القُرْآنُ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالأُفُقِ، ومَرَّةً عِنْدَ السِّدْرَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ لِأبِي ذَرٍّ وقَدْ سَألَهُ:
«هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ: نُورٌ أنّى أراهُ؟»
فَكَيْفَ يُخْبِرُ القُرْآنُ أنَّهُ رَآهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أنّى أراهُ؟»
وَهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: لَمْ أرَهُ؛ لِأنَّهُ مَعَ النَّفْيِ يَقْتَضِي الإخْبارَ عَنْ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ فَقَطْ، وهَذا يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، وطَرَفًا مِنَ الإنْكارِ عَلى السّائِلِ، كَما إذا قالَ لِرَجُلٍ: هَلْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ؟ فَيَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟
الحادِي عَشَرَ: أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ ذِكْرٌ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨]
والَّذِي يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ لا يَصْلُحُ لَهُ، وإنَّما هو لِعَبْدِهِ.
الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ كَيْفَ يَعُودُ الضَّمِيرُ إلى ما لَمْ يُذْكَرْ، ويُتْرَكُ عَوْدُهُ إلى المَذْكُورِ مَعَ كَوْنِهِ أوْلى بِهِ؟
الثّالِثُ عَشَرَ: أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ " صاحِبِكم " وأعادَ عَلَيْهِ الضَّمائِرَ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ " شَدِيدُ القُوى ذُو مِرَّةٍ "
وَأعادَ عَلَيْهِ الضَّمائِرَ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ، والخَبَرُ كُلُّهُ عَنْ هَذَيْنِ المُفَسَّرَيْنِ، وهُما الرَّسُولُ المَلَكِيُّ، والرَّسُولُ البَشَرِيُّ.
الرّابِعُ عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَ أنَّ هَذا الَّذِي دَنا فَتَدَلّى كانَ بِالأُفُقِ الأعْلى وهو أُفُقُ السَّماءِ، بَلْ هو تَحْتَها قَدْ دَنا مِن رَسُولِ رَبِّ العالَمِينَ ﷺ، ودُنُوُّ الرَّبِّ تَعالى وتَدَلِّيهِ عَلى ما في حَدِيثِ شَرِيكٍ كانَ مِن فَوْقِ العَرْشِ لا إلى الأرْضِ.
الخامِسُ عَشَرَ: أنَّهم لَمْ يُمارُوهُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ عَلى رُؤْيَةِ رَبِّهِ، ولا أخْبَرَهم بِها، لِتَقَعَ مُماراتُهم لَهُ عَلَيْها، وإنَّما مارُوهُ عَلى رُؤْيَةِ ما أخْبَرَهم مِنَ الآياتِ الَّتِي أراهُ اللَّهُ إيّاها، ولَوْ أخْبَرَهُمُ الرَّبُّ تَعالى لَكانَتْ مُماراتُهم لَهُ عَلَيْها أعْظَمَ مِن مُماراتِهِمْ عَلى رُؤْيَةِ المَخْلُوقاتِ.
السّادِسُ عَشَرَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَّرَ صِحَّةَ ما رَآهُ الرَّسُولُ ﷺ، وأنَّ مُماراتَهم لَهُ عَلى ذَلِكَ باطِلَةٌ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى، فَلَوْ كانَ المَرْئِيُّ هو الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، والمُماراةُ عَلى ذَلِكَ مِنهُمْ، لَكانَ تَقْرِيرُ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ أوْلى، والمَقامُ إلَيْها أحْوَجَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
53:9Страница 526
فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩
Он находился от него (Джибрил от Мухаммада или Мухаммад от Аллаха) на расстоянии двух луков или даже ближе.
К этому аяту нет толкования
[فَصْلُ المُكاشَفَةِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
(بابُ المُكاشَفَةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾
وَجْهُ احْتِجاجِهِ بِإشارَةِ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كَشَفَ لِعَبْدِهِ ﷺ ما لَمْ يَكْشِفْهُ لِغَيْرِهِ، وأطْلَعَهُ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَحَصَلَ لِقَلْبِهِ الكَرِيمِ مِنَ انْكِشافِ الحَقائِقِ الَّتِي لا تَخْطُرُ بِبالِ غَيْرِهِ ما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ، والإيحاءُ هو الإعْلامُ السَّرِيعُ الخَفِيُّ، ومِنهُ الوَحا الوَحا؛ أيِ: الإسْراعُ الإسْراعُ.
قَوْلُهُ: (ما أوْحى) أبْهَمَهُ لِعِظَمِهِ، فَإنَّ الإبْهامَ قَدْ يَقَعُ لِلتَّعْظِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]
أيْ: أمْرٌ عَظِيمٌ فَوْقَ الصِّفَةِ.
قالَ الشَّيْخُ: وهي عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ؛ الدَّرَجَةُ الأُولى: مُكاشَفَةٌ تَدُلُّ عَلى التَّحْقِيقِ الصَّحِيحِ، وهي لا تَكُونُ مُسْتَدامَةً، فَإذا كانَتْ حِينًا دُونَ حِينٍ، ولَمْ يُعارِضْها تَفَرُّقٌ، غَيْرَ أنَّ الغَيْنَ رُبَّما شابَ مَقامَهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا يَلْفِتُهُ قاطِعٌ، ولا يَلْوِيهِ سَبَبٌ، ولا يَقْتَطِعُهُ حَظٌّ، وهي دَرَجَةُ القاصِدِ، فَإذا اسْتَدامَتْ فَهي الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ.
المُكاشَفَةُ الصَّحِيحَةُ: عُلُومٌ يُحْدِثُها الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَلْبِ العَبْدِ، ويُطْلِعُهُ بِها عَلى أُمُورٍ تَخْفى عَلى غَيْرِهِ، وقَدْ يُوالِيها وقَدْ يُمْسِكُها عَنْهُ بِالغَفْلَةِ عَنْها، ويُوارِيها عَنْهُ بِالغَيْنِ الَّذِي يَغْشى قَلْبَهُ، وهو أرَقُّ الحُجُبِ، أوْ بِالغَيْمِ، وهو أغْلَظُ مِنهُ أوْ بِالرّانِ، وهو أشَدُّها.
فالأوَّلُ: يَقَعُ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي، وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً».
والثّانِي: يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والثّالِثُ: لِمَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: هو الذَّنْبُ بَعْدَ الذَّنْبِ يُغَطِّي القَلْبَ حَتّى يَصِيرَ كالرّانِ عَلَيْهِ.
والحُجُبُ عَشَرَةُ الأوَّلُ: حِجابُ التَّعْطِيلِ، ونَفْيُ حَقائِقِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وهو أغْلَظُها، فَلا يَتَهَيَّأُ لِصاحِبِ هَذا الحِجابِ أنْ يَعْرِفَ اللَّهَ، ولا يَصِلَ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ إلّا كَما يَتَهَيَّأُ لِلْحَجَرِ أنْ يَصْعَدَ إلى فَوْقَ.
الثّانِي: حِجابُ الشِّرْكِ، وهو أنْ يَتَعَبَّدَ قَلْبُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: حِجابُ البِدْعَةِ القَوْلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ الأهْواءِ، والمَقالاتِ الفاسِدَةِ عَلى اخْتِلافِها.
الرّابِعُ: حِجابُ البِدْعَةِ العَمَلِيَّةِ، كَحِجابِ أهْلِ السُّلُوكِ المُبْتَدِعِينَ في طَرِيقِهِمْ وسُلُوكِهِمْ.
الخامِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، كَحِجابِ أهْلِ الكِبْرِ والعُجْبِ والرِّياءِ والحَسَدِ، والفَخْرِ والخُيَلاءِ ونَحْوِها.
السّادِسُ: حِجابُ أهْلِ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ، وحِجابُهم أرَقُّ مِن حِجابِ إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الكَبائِرِ الباطِنَةِ، مَعَ كَثْرَةِ عِباداتِهِمْ وزَهاداتِهِمْ واجْتِهاداتِهِمْ، فَكَبائِرُ هَؤُلاءِ أقْرَبُ إلى التَّوْبَةِ مِن كَبائِرِ أُولَئِكَ، فَإنَّها قَدْ صارَتْ مَقاماتٍ لَهم لا يَتَحاشَوْنَ مِن إظْهارِها وإخْراجِها في قَوالِبَ عِبادَةٍ ومَعْرِفَةٍ، فَأهْلُ الكَبائِرِ الظّاهِرَةِ أدْنى إلى السَّلامَةِ مِنهم.
وَقُلُوبُهم خَيْرٌ مِن قُلُوبِهِمْ.
السّابِعُ: حِجابُ أهْلِ الصَّغائِرِ.
الثّامِنُ: حِجابُ أهْلِ الفَضَلاتِ، والتَّوَسُّعِ في المُباحاتِ.
التّاسِعُ: حِجابُ أهْلِ الغَفْلَةِ عَنِ اسْتِحْضارِ ما خُلِقُوا لَهُ وأُرِيدَ مِنهُمْ، وما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِن دَوامِ ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ وعُبُودِيَّتِهِ.
العاشِرُ: حِجابُ المُجْتَهِدِينَ السّالِكِينَ، المُشَمِّرِينَ في السَّيْرِ عَنِ المَقْصُودِ.
فَهَذِهِ عَشْرُ حُجُبٍ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذا الشَّأْنِ، وهَذِهِ الحُجُبُ تَنْشَأُ مِن أرْبَعَةِ عَناصِرَ: عُنْصُرُ النَّفْسِ، وعُنْصُرُ الشَّيْطانِ، وعُنْصُرُ الدُّنْيا، وعُنْصُرُ الهَوى، فَلا يُمْكِنُ كَشْفُ هَذِهِ الحُجُبِ مَعَ بَقاءِ أُصُولِها وعَناصِرِها في القَلْبِ ألْبَتَّةَ.
وَهَذِهِ الأرْبَعَةُ العَناصِرُ: تُفْسِدُ القَوْلَ والعَمَلَ والقَصْدَ والطَّرِيقَ بِحَسْبِ غَلَبَتِها وقِلَّتِها، فَتَقْطَعُ طَرِيقَ القَوْلِ والعَمَلِ والقَصْدِ: أنْ يَصِلَ إلى القَلْبِ، وما وصَلَ مِنهُ إلى القَلْبِ قَطَعَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ: أنْ يَصِلَ إلى الرَّبِّ، فَبَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ وبَيْنَ القَلْبِ مَسافَةٌ يُسافِرُ فِيها العَبْدُ إلى قَلْبِهِ لِيَرى عَجائِبَ ما هُنالِكَ، وفي هَذِهِ المَسافَةِ قُطّاعُ الطَّرِيقِ المَذْكُورُونَ، فَإنْ حارَبَهم وخَلَصَ العَمَلُ إلى قَلْبِهِ دارَ فِيهِ، وطَلَبَ النُّفُوذَ مِن هُناكَ إلى اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ دُونَ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] فَإذا وصَلَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ أثابَهُ عَلَيْهِ مَزِيدًا في إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَعْرِفَتِهِ وعَقْلِهِ، وجَمَّلَ بِهِ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، فَهَداهُ بِهِ لِأحْسَنِ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وصَرَفَ عَنْهُ بِهِ سَيِّئَ الأخْلاقِ والأعْمالِ، وأقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ العَمَلِ لِلْقَلْبِ جُنْدًا يُحارِبُ بِهِ قُطّاعَ الطَّرِيقِ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ، فَيُحارِبُ الدُّنْيا بِالزُّهْدِ فِيها وإخْراجِها مِن قَلْبِهِ، ولا يَضُرُّهُ أنْ تَكُونَ في يَدِهِ وبَيْتِهِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِن قُوَّةِ يَقِينِهِ بِالآخِرَةِ، يُحارِبُ الشَّيْطانَ بِتَرْكِ الِاسْتِجابَةِ لِداعِي الهَوى، فَإنَّ الشَّيْطانَ مَعَ الهَوى لا يُفارِقُهُ، ويُحارِبُ الهَوى بِتَحْكِيمِ الأمْرِ المُطْلَقِ والوُقُوفِ مَعَهُ، بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهُ هَوًى فِيما يَفْعَلُهُ ويَتْرُكُهُ، ويُحارِبُ النَّفْسَ بِقُوَّةِ الإخْلاصِ.
هَذا كُلُّهُ إذا وجَدَ العَمَلُ مَنفَذًا مِنَ القَلْبِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنْ دارَ فِيهِ ولَمْ يَجِدْ مَنفَذًا وثَبَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ، فَأخَذَتْهُ وصَيَّرَتْهُ جُنْدًا لَها، فَصالَتْ بِهِ وعَلَتْ وطَغَتْ، فَتَراهُ أزْهَدُ ما يَكُونُ، وأعْبَدُ ما يَكُونُ، وأشَدُّ اجْتِهادًا، وهو أبْعَدُ ما يَكُونُ عَنِ اللَّهِ، وأصْحابُ الكَبائِرِ أقْرَبُ قُلُوبًا إلى اللَّهِ مِنهُ، وأدْنى مِنهُ إلى الإخْلاصِ والخَلاصِ.
فانْظُرْ إلى السَّجّادِ العَبّادِ الزّاهِدِ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ أثَرُ السُّجُودِ، كَيْفَ أوْرَثَهُ طُغْيانُ عَمَلِهِ أنْ أنْكَرَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وأوْرَثَ أصْحابَهُ احْتِقارَ المُسْلِمِينَ، حَتّى سَلَّوْا عَلَيْهِمْ سُيُوفَهُمْ، واسْتَباحُوا دِماءَهم.
وانْظُرْ إلى الشِّرِّيبِ السِّكِّيرِ الَّذِي كانَ كَثِيرًا ما يُؤْتى بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَحُدُّهُ عَلى الشَّرابِ، كَيْفَ قامَتْ بِهِ قُوَّةُ إيمانِهِ ويَقِينِهِ، ومَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وتَواضُعِهِ وانْكِسارِهِ لِلَّهِ حَتّى نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لَعْنِهِ.
فَظَهَرَ بِهَذا: أنَّ طُغْيانَ المَعاصِي أسْلَمُ عاقِبَةً مِن طُغْيانِ الطّاعاتِ.
وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْحى إلى مُوسى ﷺ: يا مُوسى، أنْذِرِ الصِّدِّيقِينَ، فَإنِّي لا أضَعُ عَدْلِي عَلى أحَدٍ إلّا عَذَّبْتُهُ مِن غَيْرِ أنْ أظْلِمَهُ، وبَشِّرِ الخَطّائِينَ، فَإنَّهُ لا يَتَعاظَمُنِي ذَنْبٌ أنْ أغْفِرَهُ.
(فصل)
ثم أخبر تعالى عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه، وأن القلب صدق العين وليس كمن رأى شيئًا على خلاف ما هو به فكذب فؤاده بصره بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد وعلم أنه كذلك وفيها قراءتان إحداهما بتخفيف كذب والثانية بتشديدها يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنه وحدسه
قال الشاعر:
؎كذبتك عينك أم رأيت بواسط ∗∗∗ غلس الظلام من الرباب خيالا
أي أرتك ما لا حقيقة له فنفى هذا عن رسوله، وأخبره أن فؤاده لم يكذب ما رآه
و (ما) إما أن تكون مصدرية فيكون المعنى ما كذب فؤاده رؤيته.
وإما أن تكون موصولة فيكون المعنى ما كذب الفؤاد الذي رآه بعينه.
وعلى التقديرين فهو إخبار عن تطابق رؤية القلب لرؤية البصر وتوافقهما وتصديق كل منهما لصاحبه.
وهذا ظاهر جدًا في قراءة التشديد، وقد استشكلها طائفة منهم المبرد، وقال في هذه القراءة بعد قال لأنه إذا رأى بقلبه فقد علمه أيضًا بقلبه، وإذا وقع العلم فلا كذب معه فإنه إذا كان الشيء في القلب معلومًا فكيف يكون معه تكذيب؟
قلت: وجواب هذا من وجهين:
أحدهما أن الرجل قد يتخيل الشيء على خلاف ما هو فيكذبه قلبه إذ يريه صورة المعلوم على خلاف ما هي عليه كما تكذبه عينه فيقال كذبه قلبه وكذبه ظنه وكذبته عينه فنفى سبحانه ذلك عن رسوله وأخبر أن ما رآه الفؤاد فهو كما رآه كمن رأى الشيء على حقيقة ما هو به فإنه يصح أن يقال لم تكذبه عينه
الثاني أن يكون الضمير في (رأى) عائدة إلى الرأي لا إلى الفؤاد ويكون المعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر.
وهذا بحمد الله لا إشكال فيه والمعنى ما كذب الفؤاد ما رآه البصر بل صدقه وعلى القراءتين.
فالمعنى ما أوهمه الفؤاد أنه رأى ولم ير ولا اتهم بصره.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии